يقف البحث في طبيعة الوعي الإنساني والنشوء المعرفي عند مفترق طرق معرفي بالغ التعقيد؛ حيث تتقاطع الفلسفة الظاهراتية، واللسانيات التطورية، وعلم النفس النمائي والمقارن. ولعقود طويلة، هيمنت النماذج البيولوجية الفردية والتفسيرات اللغوية الصورية على فهم الخصوصية البشرية، مفترضة وجود “طفرات جينية منفردة” أو “أجهزة اكتساب لغوي مغلقة” ميزت الإنسان بصورة فجائية عن بقية الرئيسيات. غير أن المشروع العلمي التأسيسي الذي قاده عالم النفس والأنثروبولوجيا التطورية مايكل توماسيلو (Michael Tomasello) في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية بلغت معه هذه المقاربات أفقاً نقدياً جذرياً أعاد كتابة السردية المعرفية بأكملها.
يرى توماسيلو أن المفتاح الجوهري الذي فصل مسار الهومينين (Hominins) عن أسلافهم المشتركين مع القردة العليا لم يكن النحو اللغوي المعقد بحد ذاته، ولا مجرد كبر حجم الدماغ، بل انبثاق بنية نفسية-اجتماعية شديدة الخصوصية تسمى “القصدية المشتركة” (Shared Intentionality). وتتجلى هذه القصدية في أبسط سلوك حركي غير لفظي يقوم به الرضيع البشري قبل أن ينطق بكلمته الأولى: إيماءة الإشارة بالسبابة (Pointing Gesture). إن هذا الفعل الحركي البسيط، الذي يبدو ساذجاً في ظاهره الفيزيائي، يختزل في طياته ثورة تطورية سيميائية ومعرفية تميز الإنسان ككائن تعاوني فريد؛ حيث لا تشير الإصبع إلى نقطة في الفضاء فحسب، بل تنشئ فضاءً ذهنياً مشتركاً يوحد الانتباه، ويفترض وجود أرضية معرفية مشتركة، ويحرك دوافع إيثارية للمساعدة وتقاسم التجربة الوجيزية.
تستهدف هذه الدراسة المعمقة التفكيك الشامل لمشروع مايكل توماسيلو التجريبي والنظري، متتبعةً الجذور الفلسفية والتطورية لمفهوم القصدية، والسياق السلوكي لإيماءة الإشارة، والتباين الجوهري الحاسم بين أطفال البشر وصغار الشمبانزي، وصولاً إلى ولادة اللغة والمؤسسات الثقافية الكبرى. سنستعرض عبر هذا البحث الموسع الأدلة الإمبريقية، والمنهجيات المخبرية الدقيقة، والمناظرات السجالية التي خاضها توماسيلو ضد التيارات السلوكية والتشومسكية، لنتبين كيف تحولت “دراسات الإشارة” من ملاحظة مخبرية هامشية إلى النظرية الشاملة الأكثر تماسكاً في تفسير ماهية الطبيعة البشرية وأصل التفكير واللغة والمجتمع.
1. مقدمة تأسيسية: الإطار النظري لأبحاث مايكل توماسيلو في القصدية والتواصل
1.1 السياق الفكري لأطروحات مايكل توماسيلو في علم النفس المقارن والتطوري
تبلورت أطروحة مايكل توماسيلو في سياق تحول تاريخي شهدته العلوم المعرفية أواخر القرن العشرين، حيث بدأ التململ الأكاديمي من سطوة المدرسة السلوكية الكلاسيكية التي اختزلت السلوك البشري والحيواني في صيغ الإشراط والمثير والاستجابة. وفي المقابل، كانت علوم النفس المعرفية الصاعدة آنذاك تركز على “معالجة المعلومات” بصورة تحاكي الحاسوب الفردي المعزول. رأى توماسيلو أن كلا النموذجين عاجز عن تفسير النقلة النوعية الكبرى التي ميزت الجنس البشري؛ فالسلوكية جردت الكائن من غائيته وقصديته الباطنية، ونماذج الحوسبة الذهنية أهملت البعد التفاعلي البيئي والاجتماعي الذي تبلور فيه العقل البشري.
من هذه النقطة، شن توماسيلو نقداً إبستيمولوجياً حاداً للأطروحات الناتيفية المطلقة التي قادها نعوم تشومسكي حول “فطرية النحو الشامل” (Universal Grammar). واعتبر أن افتراض وجود جينات مسبقة التشفير مسؤولة عن تركيب القواعد اللغوية المعقدة هو ضرب من القفز فوق التطور البيولوجي والتاريخي. لا يمكن للتطور الدارويني، بآلياته الانتقائية البطيئة، أن يخلق طفرة تركيبية لغوية خارقة في بضعة آلاف من السنين دون أرضية وظيفية تكيفية سبقتها وهيأتها عبر تفاعلات حركية وسلوكية بالغة المرونة.
أعاد توماسيلو صياغة العلاقة الجدلية بين التطور البيولوجي (Phylogeny) والتطور النمائي الفردي (Ontogeny) والتطور التراكمي التاريخي (History). واقترح أن ما ورثه البشر بيولوجياً ليس اللغة ذاتها، بل “عتاد إدراكي-اجتماعي” فائق المرونة يتيح للأفراد الانخراط في عمليات التثاقف المشترك. وهنا برز الدور التاريخي لـ معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزغ، حيث أسس توماسيلو وفريقه مختبرات متقدمة للمقارنة الصارمة بين أطفال البشر في مقتبل أعمارهم والرئيسيات العليا (الشمبانزي، البونوبو، الغوريلا، الأورانغوتان)، مما حول التساؤلات الفلسفية التجريدية إلى تجارب سلوكية ملموسة تعتمد الملاحظة العلمية المباشرة وضبط المتغيرات التجريبية بدقة متناهية.
1.2 مفهوم القصدية (Intentionality): من الفلسفة الظاهراتية إلى التجريب السلوكي
تعود الجذور الفلسفية لمفهوم القصدية إلى أعمال الفيلسوف النمساوي فرانز برينتانو، الذي عرف القصدية بأنها الخاصية المميزة والجوهرية للظواهر الذهنية؛ أي “توجّه العقل نحو موضوع ما” أو “عن-عنية” الحالات النفسية (Aboutness). فكل تفكير هو تفكير في شيء، وكل رغبة هي رغبة في شيء محدد. لاحقاً، طور الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون سيرل هذا المفهوم لينقله من فضائه الفردي الاستبطاني إلى أبعاده الاجتماعية واللغوية، مقدماً طروحات رائدة حول كيفية بناء “الواقع المؤسسي” عبر الأفعال اللغوية والقصدية الجمعية (We-Intentionality).
يتمثل الإنجاز العبقري لمايكل توماسيلو في انتزاع مفهوم القصدية من مجرد النقاش الفينومينولوجي والأنطولوجي التجريدي وتحويله إلى متغيرات تجريبية سلوكية قابلة للقياس والاختبار في المختبر النمائي والمقارن. استطاع توماسيلو تفكيك القصدية إجرائياً عبر رصد مؤشرات حركية دقيقة: كيف يتتبع الطفل نظرة شخص آخر؟ كيف ينسق حركته مع شريك لإنجاز مهمة مشتركة؟ وما الدلائل السلوكية التي تشير إلى أن الكائن يدرك الآخر كفاعل صاحب “أهداف” و”معتقدات” مستقلة؟
في هذا الإطار، بلور توماسيلو تمييزاً بنيوياً ثورياً بين ثلاثة مستويات من القصدية:
- القصدية الفردية (Individual Intentionality): قدرة الكائن على تمثيل بيئته عقلياً وتوجيه سلوكه لتحقيق أهداف نفعية فردية، مع إدراك العلاقات السببية ومراقبة النتائج، وهو نمط تشترك فيه معظم الثدييات العليا والقردة.
- القصدية المشتركة (Shared Intentionality): القدرة على التنسيق المزدوج بين فاعلين اثنين يمتلكان أهدافاً متطابقة أو متكاملة، حيث تصبح الصيغة المعرفية “نحن نفعل كذا معاً”، متضمنة وعياً تبادلياً ونيات تواصلية مشتركة.
- القصدية الجماعية (Collective Intentionality): تمديد القصدية المشتركة على مستوى المجتمع بأسره، لصياغة قواعد ومعايير ومؤسسات وممارسات رمزية تتجاوز الوجود الآني للأفراد.
هذا التمييز البنيوي أتاح ربط إدراك الفاعلية الذاتية النفسية بفهم الحالات العقلية للأقران في سياقات تعاونية فريدة لا نجد لها نظيراً في المملكة الحيوانية.
1.3 أهمية إيماءة الإشارة كبوابة لفهم النشوء المعرفي البشري
في خضم هذا التأسيس النظري، احتلت إيماءة الإشارة (Pointing Gesture) بالسبابة مكانة استثنائية في بحوث توماسيلو؛ إذ اعتبرها “حجر رشيد” السيميائي لفهم القفزة المعرفية الإنسانية. إن الرضع في مختلف الثقافات البشرية، وحول الشهر التاسع إلى الثاني عشر من العمر، يبدأون في مد سباباتهم للإشارة إلى الأشياء والأشخاص والأحداث المحيطة بهم، وذلك قبل وقت طويل من تلفظهم بأي كلمة مفهومة أو نطق تراكيب نحوية.
يكتسي هذا الفعل طابعاً مرجعياً (Referential Nature) متقدماً للغاية على الرغم من بساطته الفيزيائية. فالإشارة ليست استجابة جسدية انعكاسية لمثير حسي كإغلاق العين عند هبوب الريح، وليست حركة حركية تهدف إلى الاستحواذ المادي المباشر على الغرض كفعل الإمساك (Grasping). إنها حركة جسدية “منزوعة المنفعة المادية الفورية”، تُمارس بوصفها عملاً تواصلياً خالصاً يستهدف توجيه الانتباه الذهني لشخص آخر نحو كيان خارجي محدد يقع في المجال الفضائي للمشاهدة.
يمثل هذا السلوك المؤشر الإمبريقي الأول الذي لا يقبل الشك على انبثاق القصدية التفاعلية؛ فالطفل حين يشير، لا يتعامل مع المتلقي كجسم فيزيائي بل ككائن ذي فاعلية نفسية واعية يمكن تغيير حالتها الانتباهية والمعرفية. تنطوي الإشارة على عمق سيميائي معقد؛ إذ إن إصبع اليد الممدود لا يحتوي بحد ذاته على المعنى، بل يحدد فقط متجهاً فضائياً (Spatial Vector). أما المعنى الحقيقي للإشارة فيتولد في “الفضاء البيني” بين الفاعلين استناداً إلى معرفتهما المشتركة بالسياق، وهو ما يثبت أن البنية التحتية الرمزية والاجتماعية للبشر سابقة زمنياً ومنطقياً على اللغة المنطوقة.
2. الجذور التطورية للقصدية: التمييز بين القصدية الفردية والمشتركة والجماعية
2.1 القصدية الفردية وتنافس البقاء في البيئات التطورية الأولى
تطورت القصدية الفردية لدى أسلاف الرئيسيات المشتركة عبر ملايين السنين كاستجابة تكيفية صارمة لضغوط الانتقاء الطبيعي في بيئات معقدة بيئياً وتنافسية اجتماعياً. تميزت هذه المنظومة الإدراكية بالقدرة على صياغة تمثيلات عقلية داخلية للعالم المادي والاجتماعي المحيط؛ حيث يستطيع الكائن الفردي مراقبة البيئة، والتنبؤ بحركات الفرائس أو المفترسين، وحساب المسارات المكانية الأكثر كفاءة للوصول إلى الموارد الغذائية الشحيحة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تجلت القصدية الفردية في ما يُعرف في الأدبيات التطورية بـ “فرضية الذكاء المكيافيلي” (Machiavellian Intelligence Hypothesis). فالرئيسيات، وبخاصة قردة الشمبانزي (Pan troglodytes)، تظهر فهماً بارعاً للعلاقات السببية الفيزيائية وللعلاقات الاجتماعية التنافسية القائمة على التراتب الهرمي للقوة. وقد أثبتت الدراسات الميدانية والتجريبية قدرة الشمبانزي على ممارسة “الخداع التكتيكي” (Tactical Deception)؛ مثل كتم أصوات الإثارة عند العثور على طعام مميز لتجنب جذبه للأفراد المهيمنين، أو التسلل لمواقع التزاوج بعيداً عن أعين الذكر ألفا.
ومع ذلك، تظل هذه القصدية “فردية” بامتياز؛ إذ يُستخدم الذكاء الإدراكي هنا لخدمة أهداف ذاتية نفعية وأحادية الاتجاه. يُنظر إلى الآخر في هذه المنظومة بوصفه عقبة يجب تجاوزها، أو منافساً يجب التفوق عليه، أو أداة سلوكية-حركية مجردة يمكن التلاعب بها للوصول إلى مصلحة مادية. إن القصدية الفردية، رغم كفاءتها في الصراع الدارويني الفردي، تبقى عاجزة بنيوياً عن خلق تنسيق تعاوني مستدام، أو تأسيس منصات لتراكم المعرفة عبر الأجيال، نظراً لغياب الدوافع النفسية لتبادل المعلومات ومشاركة الانتباه بصورة نزيهة.
2.2 القصدية المشتركة (Shared Intentionality) كنقلة نوعية في التطور البشري
حدث التحول النشوئي الحاسم في السلالة البشرية (Homo) نتيجة تغيرات مناخية وبيئية جذرية في العصر البليستوسيني، والتي فرضت شحاً في الموارد الغذائية التي يمكن تحصيلها بجهد فردي. هنا يطرح توماسيلو “فرضية الصيد التعاوني” كقوة انتقائية دافعة؛ حيث أصبح بقاء الفرد مرتبطاً بقدرته على الدخول في أنشطة بحث وتغذية تعاونية لا يمكن إنجازها إلا بالتآزر المتزامن وتوزيع الأدوار لاقتسام طرائد كبيرة وسريعة أو الدفاع ضد مفترسات ضخمة.
تطلبت هذه البيئة الجديدة تشكيل ما يسميه توماسيلو بـ “الفعل التواصلي التعاوني ثنائي القطب”؛ أي بنية إدراكية نفسية تضم طرفين: “أنا” و”أنت”، يلتزمان ذهنياً وسلوكياً بهدف مشترك (“نحن”). لم يعد الانتباه يقتصر على المراقبة المتبادلة المنفصلة، بل صعد إلى مستوى “الانتباه المشترك المنسق” (Joint Coordinated Attention)، والذي يرافقه دافع إيثاري تطوري لتصحيح أخطاء الشريك، ومساعدته على تجاوز العقبات، واقتسام مكاسب الجهد التعاوني بعدالة، بعيداً عن نمط الاستئثار بالقوة الغاشمة السائد لدى القردة العليا.
تتضمن القصدية المشتركة قدرة متطورة على “تمثيل وجهات النظر المزدوجة” (Dual-Level Perspective Structure)؛ فالشريكان يركزان على الهدف نفسه في الوقت ذاته، لكن كلاً منهما يدرك أن له دوراً وزاوية رؤية خاصة تختلف عن دور الشريك، مع الحفاظ على مرونة تبادل هذه الأدوار. هذا التوافق الإدراكي والوجداني هو ما مهد لنشوء أولى إيماءات التنسيق الخالية من العنف؛ حيث برزت الإشارة كوسيلة تواصلية اقتصادية وموثوقة لتوجيه انتباه الشريك نحو تفاصيل بيئية مهمة تخدم الفعل الجمعي المشترك.
2.3 القصدية الجماعية (Collective Intentionality) وبناء المؤسسات الثقافية
مع تزايد الكثافة السكانية للمجموعات البشرية المبكرة وتشابك أواصر التعاون خارج إطار العلاقات الثنائية المباشرة (وجهاً لوجه)، صعدت القصدية البشرية إلى مستواها الثالث والأعقد: “القصدية الجماعية” (Collective Intentionality). لم يعد الفرد هنا ينسق مع شريك معروف تجريبياً وحسب، بل أصبح يتماهى مع الجماعة الثقافية ككل (Group-Mindedness)، متخيلاً معايير وأعرافاً تنطبق على “أي فرد منا” بوصفه عضواً في هذه العشيرة أو القبيلة.
وفقاً لأطروحة توماسيلو المستلهمة من أفكار جون سيرل الفلسفية، فإن القصدية الجماعية هي الرحم الذي ولدت منه “الحقائق المؤسسية” (Institutional Facts). فالأشياء المادية لم تعد تُعرف بخصائصها الفيزيائية فحسب، بل أُسندت إليها “وظائف وضعية” (Status Functions) باتفاق جماعي مضمر؛ فالقطعة الحجرية المنقوشة تصبح “رمزاً مقدساً”، وعصا معينة تصبح “أداة حكم”، وتصرفات محددة تصبح “واجبات أخلاقية” أو “محرمات”.
ترافق هذا التحول مع انبثاق شعور ملزم بالامتثال للمعايير الاجتماعية والشعور بالذنب عند خرقها، وممارسة العقاب الإيثاري (Altruistic Punishment) ضد المنشقين عن الإجماع العرفي، حتى لو لم يتضرر الفرد المعاقِب شخصياً. هذا الانضباط المعياري الجماعي وفر الحاضنة الاستقرارية التي سمحت لاحقاً بنشوء اللغات المعقدة ذات القواعد الصارمة، والقوانين الوضعية، والطقوس الدينية المنظمة. لم تكن هذه المؤسسات لتوجد لولا تلك القفزة النشوئية التي دشنتها القصدية المشتركة؛ والتي نقلت الوعي البشري من التنافس الفردي الحيواني إلى فضاء المعيارية والمؤسساتية الأخلاقية والرمزية الجمعية.
3. سيكولوجية إيماءة الإشارة (Pointing): التوصيف السلوكي والمعرفي عند الرضع
3.1 التسلسل النمائي لظهور الإشارة في العام الأول من حياة الطفل
يمر الرضيع البشري خلال عامه الأول بمخاض نمائي وتواصلي متصاعد يبلغ ذروته في ما يُطلق عليه علماء النفس النمائي “الثورة المعرفية لتسعة أشهر” (Nine-Month Revolution). في الأشهر الأولى التي تعقب الولادة، تنحصر التفاعلات في “القصدية الأولية المزدوجة” (Primary Intersubjectivity)؛ وهي تفاعلات عاطفية حركية وجهاً لوجه مع مقدم الرعاية، تقوم على محاكاة الابتسام والتناوب الصوتي العفوي، مع استجابات انعكاسية تقتصر على تتبع تقريبي للوجوه المتحركة دون قدرة على تتبع النظرة خارج الإطار المباشر.
بين الشهر التاسع والثاني عشر، يطرأ تحول كيفي بنيوي يتمثل في ظهور “إيماءة الإشارة بالسبابة” (Index-Finger Pointing). يتزامن هذا الظهور الحركي مع تبلور قدرة الطفل على تتبع اتجاه حركة عين الراشد نحو أهداف تقع في الفضاء الخارجي، واكتمال استيعاب مبدأ “ثبات الأشياء والأشخاص” (Object Permanence) كما درسه جان بياجيه، لكن في سياق اجتماعي تفاعلي جديد بالكامل.
يضع توماسيلو وباحثو النمو المقارن فارقاً دلالياً وسلوكياً حاسماً بين نوعين من الإشارات اليدوية:
- الإشارة بكامل كف اليد (Whole-Hand Pointing / Reaching): وتعتبر امتداداً حركياً لمحاولة الإمساك بالشيء المستهدف، وغالباً ما تكون مشحونة برغبة حسية غريزية ملحة لحيازة الغرض فيزيائياً، وهي حركة قد تلحظ بشكل بدائي لدى بعض الحيوانات في الأسر.
- الإشارة الدقيقة بإصبع السبابة (Index-Finger Pointing): وهي حركة سيميائية اصطلاحية وتواصلية بامتياز؛ حيث يغلق الطفل أصابعه الثلاثة ويثني الإبهام ليمد إصبع السبابة بنقاء حركي مدهش نحو الهدف دون أي محاولة للإمساك المادي به. إن هذا الانفصال التام بين “الإشارة إلى الشيء” و”حيازة الشيء ماديّاً” يثبت ولادة أول فعل تجريدي مرجعي في مسيرة الطفل الإدراكية.
3.2 البنية المعرفية التحتية لإيماءة الإشارة المستقلة
وراء بساطة مد إصبع السبابة، تكمن بنية إدراكية معقدة وشبكة واسعة من العمليات المعرفية التحتية التي لا تنفصم عن آليات معالجة المكان والحالة الذهنية للآخر. يتطلب فعل الإشارة أولاً إدراكاً متطوراً للإحداثيات الفضائية ثلاثية الأبعاد؛ فالطفل لا ينظر إلى إصبعه ككتلة لحمية، بل يسقط متجهاً هندسياً غير مرئي ينطلق من طرف سبابته ليصل إلى نقطة تقع على مسافة بعيدة قد تتجاوز عدة أمتار، متوقعاً من الشريك إسقاط نفس المتجه على الخط الفضائي ذاته وصولاً إلى الهدف الدقيق.
يتطلب هذا الفعل المعرفي أيضاً فهماً لحالة المتلقي كـ “كائن واعٍ صاحب تجربة بصرية مستقلة”؛ فالرضيع لا يشير لجدار أو دمية جامدة، ولا يشير لشخص مغمض العينين أو يدير ظهره له، إلا إذا كان بصدد محاولة لفت انتباهه صوتياً أولاً. يدرك الطفل أن الشخص الآخر قد لا يرى ما يراه هو، وأن حركة الإصبع كفيلة بنقل وعي الشريك من حالة “الجهل” بوجود الشيء إلى حالة “الرؤية والانتباه المشترك”.
وتتجلى دقة هذه المنظومة في المظاهر السلوكية المصاحبة، ولا سيما استعانة الطفل بـ “التصحيح الذاتي التواصلي” (Communicative Repair). فعندما يلاحظ الرضيع أن المتلقي لم يفهم مغزى الإشارة—كأن ينظر الراشد إلى يد الطفل بدلاً من الهدف، أو ينظر إلى هدف خاطئ—فإن الطفل لا يستسلم أو يكرر الحركة آلياً، بل يُعدل إشارته بمد سبابته بزاوية أوضح، أو يدعمها بأصوات نغمية توجيهية، أو يغير تموضعه الجسدي. هذه المرونة التكيفية تقدم دليلاً قاطعاً على أن الطفل ينطلق من نية تواصلية تهدف لتعديل الحالة المعرفية للمتلقي، وليس من مجرد تفريغ لحركة حركية عشوائية.
3.3 أبعاد الإشارة التفاعلية والمشاركة الوجدانية
لا تنفصل سيكولوجية الإشارة عند توماسيلو عن حمولتها العاطفية والوجدانية التبادلية؛ فالإشارة عند الرضيع البشري ليست مجرد كود دلالي بارد لنقل البيانات الفضائية، بل هي أداة لتبادل المشاعر الحية والانغمار العاطفي المشترك (Emotional Attunement). عندما يرى الطفل جرواً صغيراً يقفز أو طائرة ورقية ممتعة في السماء، فإنه يشير نحوها وهو يرتدي تعبيرات الانبهار والبهجة، ملتفتاً فوراً نحو وجه أمه أو والده.
المعيار الإمبريقي الصارم الذي برهن عليه توماسيلو في تجاربه هو سلوك “النظرة التبادلية” (Gaze Alternation). فالطفل أثناء قيامه بالإشارة لا يحدق فقط في الهدف، بل يقسم نظراته في حلقة ثلاثية سريعة ودقيقة: يحدق في الهدف، ثم يلتفت بسرعة فائقة نحو عيني الشريك للتحقق من أنهما توجهتا إلى الهدف ذاته، ثم يعيد النظر إلى الهدف للتأكد من المواءمة البصرية. هذا التناوب في النظرات، الذي لا يتجاوز أجزاء من الثانية، يؤكد أن غاية السلوك تكمن في توحيد التجربة النفسية بين الذات والآخر.
وقد أثبتت الدراسات المخبرية المقارنة أن الطفل يصاب بإحباط سلوكي واضح إذا نظر الراشد إلى الهدف المحفز دون أن يبادله الابتسام والتفاعل العاطفي؛ فإذا اقترب الراشد وسجل ملاحظة آلية ببرود، يكرر الطفل الإشارة أو يظهر علامات الاحتجاج. إن ما يطلبه الرضيع حقيقة ليس تأكيد الرؤية الفيزيائية، بل إتمام حلقة التناغم الوجداني والتوافق المعرفي المشترك، وهو ما يجعل إيماءة الإشارة المنصة النفسية الأولى للتضامن الإنساني والتعاطف المجرد.
4. التمايز المعرفي: مقارنات تجريبية موسعة بين الأطفال الصغار والقردة العليا
4.1 سلوك الإشارة لدى الشمبانزي: حدود الإيماءات الوظيفية والأنانية
كرس مايكل توماسيلو وزملاؤه في لايبزغ عقوداً من الزمن لملاحظة وتسجيل السلوك التواصلي لقرابة مئات من قردة الشمبانزي والبونوبو في بيئات تجريبية ومحميات شبه طبيعية، للتحقق مما إذا كانت هذه الرئيسيات تشارك الإنسان قدرته على الإشارة بالقصدية نفسها. قادت الملاحظات الميدانية في الغابات الطبيعية الحرة (مثل غابات غومبي أو حديقة تاي الوطنية) إلى نتيجة إمبريقية مذهلة: الرئيسيات في بيئاتها البرية الطبيعية لا تستخدم على الإطلاق إيماءة الإشارة بالسبابة للتواصل مع بعضها البعض.
تستخدم قردة الشمبانزي ترسانة واسعة من الإيماءات الجسدية (مثل رفع الذراع للدعوة إلى التزاوج، أو الدوس بالأرجل للتهديد، أو التربيت لبدء عملية تنظيف الفراء التكافلية)، لكن أياً من هذه الإيماءات لا يحمل طابعاً مرجعياً ثلاثي الأبعاد يوجه انتباه فرد آخر نحو كيان ثالث محايد. إن الإيماءات الطبيعية للشمبانزي هي تفاعلات ثنائية نفعية ومباشرة (Dyadic) ترتبط بالسلوك الحركي الآني لأطراف العلاقة دون توسط موضوع خارجي مستقل.
وعندما تُربى قردة الشمبانزي في الأسر أو في محطات الأبحاث البشرية، لوحظ أنها تطور شكلاً من أشكال الإشارة بكامل الكف المفتوح، لكن هذا السلوك لا يُمارس إلا في سياقات ضيقة للغاية تتسم بالأنانية الوظيفية (Instrumental Pointing). يُشير الشمبانزي فقط إلى الأطعمة التي يعجز عن الوصول إليها فيزيائياً عبر القضبان، مستهدفاً حث الإنسان على جلبها له. هنا يعامل الشمبانزي الشريك الإنساني كأداة سببية ميكانيكية (Causal Tool)—مثل عصا حية أو رافعة بشرية—للحصول على مكسب مادي مباشر، دون أي اعتبار لحالته المعرفية أو رغبة في مشاركته الاهتمام بالشيء.
4.2 فشل الرئيسيات في اختبارات الفهم التواصلي القائم على الإشارة التعاونية
إذا كانت القردة العليا قادرة جزئياً على الإشارة طلباً للغذاء في الأسر، فهل تستطيع على الأقل فهم واستيعاب معنى إشارة الإنسان عندما يوجهها نحوها بطريقة تعاونية؟ للإجابة عن هذا السؤال، صمم توماسيلو وفريقه سلسلة تاريخية من التجارب حملت اسم “اختبار اختيار الغرض” (Object Choice Task) أو تجارب “الدلاء المقلوبة”.
في هذا البروتوكول التجريبي المنضبط، يُوضع دلوين مقلوبين متطابقين أمام حيوان الشمبانزي، ويكون تحت أحدهما طعام مخبأ لا يراه الحيوان. يدخل المجرب البشري المتعاون، ويقوم بالإشارة بوضوح وبإصبع السبابة نحو الدلو الصحيح الذي يحوي الطعام، وهو ينظر تارة إلى الدلو وتارة إلى وجه الشمبانزي بنية واضحة لإخباره بمكان الطعام مجاناً. كانت النتيجة المفاجئة والصادمة هي أن الشمبانزي، ورغم حدة بصره الفائقة وذكائه المتقدم في حل الألغاز المكانية والفيزيائية، كان يختار الدلوين بعشوائية تامة بنسبة نجاح بلغت حوالي 50% (أي مجرد الصدفة الإحصائية العمياء).
في المقابل، عندما طُبق هذا البروتوكول نفسه بحذافيره على رضع بشريين تتراوح أعمارهم بين 12 و14 شهراً (أطفال لم ينطقوا بعد)، نجح الرضع بشكل تلقائي وفوري ومستمر في التقاط الدلو الصحيح بمجرد إشارة المجرب. فسر توماسيلو هذا الفارق الجذري ليس بنقص في القدرات الحسية أو البصرية للشمبانزي، بل بـ “غياب البنية التحتية للقصدية المشتركة”. لا يستطيع الشمبانزي أن يفترض أن شخصاً آخر يمكن أن يقدم له معلومة مجانية مفيدة بدافع المساعدة التعاونية الخالصة؛ فالشمبانزي كائن مبرمج تطورياً للتنافس، ولا يفهم “الإشارة التعاونية” لأنها تفترض مسبقاً وجود “أرضية مشتركة” (Common Ground) تؤطر نية الإخبار، وهو ما يفتقده عقل القرد تماماً.
4.3 الجذور المعرفية للتباعد التطوري بين الشمبانزي والإنسان
توجت هذه الأبحاث المقارنة بصياغة مايكل توماسيلو وإستر هيرمان (Esther Herrmann) لـ فرضية الذكاء الثقافي (Cultural Intelligence Hypothesis). لمقارنة هذه الفرضية بنظيرتها التقليدية “فرضية الدماغ العام” (General Brain Hypothesis)—التي ترى أن ذكاء الإنسان يتفوق كلياً وبشكل متجانس في كافة المجالات بفضل كبر الكتلة الدماغية—قام الباحثون بتطبيق بطارية اختبارات إدراكية ضخمة (Primate Cognition Test Battery) تضم مهام مادية وفيزيائية واجتماعية على أكثر من 100 طفل بشري في عمر سنتين ونصف، و100 شمبانزي، ومجموعة من قردة الأورانغوتان.
أظهرت النتائج الإحصائية الدقيقة تقارباً مذهلاً وشبه متطابق بين أطفال البشر وقردة الشمبانزي في اختبارات العالم الفيزيائي؛ مثل تتبع مسارات الأجسام المتحركة، وإدراك العلاقات الفضائية المكانية، واستخدام الأدوات الصلبة لإزاحة العقبات، وحساب الكميات الرياضية البسيطة. لكن الهوة المعرفية السحيقة انفجرت عند الانتقال إلى مقاييس الذكاء الاجتماعي؛ حيث سحق الأطفال الصغار الرئيسيات العليا تماماً في اختبارات التعلم عبر المحاكاة (Imitation)، وتتبع الانتباه المشترك، وفهم النوايا التواصلية الكامنة في إيماءات الإشارة ونظرات العين.
يثبت هذا التباعد التطوري الجذري أن التمايز البشري لم يكن تمايزاً شاملاً في الحسابات العقلية الفيزيائية، بل كان تخصصاً تطورياً فريداً في “الذكاء الاجتماعي التعاوني”. لقد افتقرت الرئيسيات غير البشرية للدافع النفسي الداخلي للمشاركة المعرفية، وظل ذكاؤها محبوساً في قفص المنفعة الأنانية والتنافس، في حين تفرعت الشجرة البشرية بتطور أجهزة عصبية ومعرفية تجعل من تقاسم الانتباه والتنسيق المشترك غاية إدراكية بحد ذاتها.
5. دوافع التواصل الإشاري عند توماسيلو: الإلزام، الإخبار، ومشاركة الاهتمام
5.1 الإشارة الإلزامية أو الطلبية (Imperative Pointing)
يحلل توماسيلو دوافع الإشارة الإنسانية مميزاً إياها إلى ثلاثة محركات نفسية رئيسية، يمثل أولها “الإشارة الإلزامية” (Imperative Pointing). يتجلى هذا النمط عندما يستخدم الرضيع الإشارة لحث الشخص الآخر على القيام بفعل محدد يخدم رغبة الطفل الآنية؛ مثل الإشارة إلى زجاجة حليب موضوعة فوق طاولة عالية، أو الإشارة نحو لعبة مغلقة يرغب في فتحها. يكمن الهدف النفسي هنا في تغيير السلوك المادي للمتلقي لتحقيق منفعة فردية مباشرة.
تعد الإشارة الإلزامية المستوى التواصلي القاعدي؛ ولذا فهي النمط الوحيد الذي يمكن للشمبانزي في الأسر تقليده أو الاقتراب منه، حيث يُعامل المتلقي كوسيلة وظيفية لإنفاذ النتيجة المطلوبة. ومع ذلك، يرصد توماسيلو فارقاً بنيوياً نوعياً حتى داخل هذا النمط المشترك ظاهرياً بين الرضع والقردة؛ فالإشارة الإلزامية لدى الشمبانزي تتخذ شكلاً تآمرياً وضغطاً جسدياً مباشراً، في حين يغلفها الرضيع البشري، حتى في شهوره الأولى، بمسحة تعاونية تفاوضية.
فالرضيع البشري عندما يشير طلباً للشيء، لا يصدر أوامره ككائن مستبد ميكانيكياً، بل يدمج إشارته بنظرات استعطافية أو ابتسامات تشاركية تفترض أن الراشد شريك تعاوني متطوع، كما يُظهر استيعاباً لقدرة الراشد على الرفض أو الاستجابة، ويبدي استعداداً للتعديل التواصلي إذا صادف عدم وضوح في رغبته، وهو ما يرفع الإشارة الإلزامية البشرية فوق مستواها الحيواني البدائي.
5.2 الإشارة الإخبارية التعاونية (Informative Pointing)
يمثل النمط الثاني قطيعة تطورية معرفية مطلقة مع المملكة الحيوانية؛ وهو ما يسميه توماسيلو بـ “الإشارة الإخبارية التعاونية” (Informative Pointing). في هذا السلوك التواصلي، يوجه الطفل انتباه شخص آخر نحو غرض أو حدث ليس بهدف نيل أي منفعة مادية ذاتية، بل بهدف “مساعدة الآخر” بتقديم معلومة مفيدة ومهمة لحل مشكلة يواجهها هذا الأخير.
أثبت توماسيلو وفريقه هذا الدافع النبيل عبر تجارب مخبرية بديعة ومحكمة؛ حيث يقف طفل يبلغ من العمر 12 إلى 18 شهراً يراقب شخصاً بالغاً يقوم بمهمة معينة (مثل تدبيس أوراق، أو كتابة نص)، ثم يضع الراشد أداة مهمة (كالمشبك أو القلم) على خزانة وينشغل بأمر آخر، وفي الأثناء تسقط الأداة دون أن يلاحظها الراشد. بعد قليل، يعود البالغ ليبحث بارتباك وحيرة عن أداته المفقودة. هنا، ودون أي طلب لفظي أو مادي من الراشد، يقوم الرضيع البشري بعفوية تامة بمد سبابته نحو المكان الذي سقطت فيه الأداة، موضحاً له مكانها!
إن هذا الفعل السلوكي الصغير يبرهن على إيثار معرفي مدهش (Cognitive Altruism)؛ فالطفل لم يكن يطلب الأداة لنفسه، ولم يربحه هذا العمل أي مكافأة غذائية أو حسية. لقد أدرك الطفل أن الراشد في “حالة جهل” بمكان الشيء، وأن معرفة مكانه تخدم هدف الراشد، فقام بتقديم المعلومة مجاناً لتغيير حالته الذهنية من الجهل إلى المعرفة. هذا النمط الإخباري الإيثاري منعدم تماماً في سلوك الشمبانزي؛ إذ لم تسجل أي تجربة علمية قط قيام قرد بتوجيه انتباه قرد آخر أو إنسان نحو أداة مفقودة لحل مشكلته مجاناً دون وجود إمكانية للاستحواذ عليها أو استغلال الموقف لمصلحته التنافسية.
5.3 الإشارة التشاركية التعبيرية (Declarative / Expressive Pointing)
أما النمط الثالث، وهو الأرقى والأكثر دلالة على تجلي القصدية المشتركة النقية، فهو “الإشارة التشاركية التعبيرية” (Declarative/Expressive Pointing). لا يكون الغرض هنا طلباً ماديّاً لشيء، ولا إخباراً بمعلومة وظيفية لإسعاف مشكلة، بل هو مجرد “مشاركة التجربة الوجدانية والاهتمام المعرفي” مع الآخر حيال واقعة أو ظاهرة خارجية؛ مثل الإشارة إلى طائر يحلق في السماء، أو شاحنة ملونة تمر في الشارع، أو ضوء وامض في السقف.
تتمحور الغاية التواصلية في هذا النمط حول توحيد المشاعر والحالات الذهنية؛ حيث تصبح صيغة الرسالة النفسية الباطنية للطفل: “انظر إلى هذا الشيء الرائع، هل تراه كما أراه؟ أليس هذا مدهشاً؟ لنستمتع بهذا الاكتشاف سوياً”. وقد أجرى ليزكوفسكي وتوماسيلو (Liszkowski & Tomasello, 2004) تجربة شهيرة صمما فيها مواقف يظهر فيها فجأة شيء متحرك ومثير في الغرفة أمام الطفل والباحث. وعندما يشير الطفل إلى الحدث، يستجيب الباحث بأحد أربعة أنماط سلوكية معدة سلفاً:
- مشاركة الانتباه والوجدان: بالنظر إلى الحدث ثم إلى الطفل بترحاب والقول “أوه، يا له من طائر جميل!”.
- النظر إلى الحدث فقط بجمود وتجاهل النظر إلى عيني الطفل.
- النظر إلى وجه الطفل والابتسام له دون الالتفات إطلاقاً إلى الحدث المشار إليه.
- التجاهل الكامل لكلا الأمرين.
أظهرت النتائج أن الأطفال لم يشعروا بالرضا والاستقرار السلوكي إلا في الحالة الأولى فقط. أما إذا نظر البالغ إلى الغرض دون مشاركة النظرات العاطفية مع الطفل، أو إذا ابتسم للطفل دون أن يوجه نظره للغرض المشار إليه، فإن الطفل كان يستمر في تكرار الإشارة بإلحاح وانزعاج، أو يكف عن التواصل بإحباط. يبرهن هذا إمبريقياً على أن الطفل لا يهدف فقط إلى توجيه الرأس فيزيائياً، ولا يبحث عن ثناء شخصي سطحي، بل يسعى إلى إنجاز عملية “انتباه مشترك متكاملة” تندمج فيها الرؤية المعرفية بالمشاركة الوجدانية، وهو الدليل الدامغ الذي يميز الإنسان ككائن مبني على التشارك النفسي الجمعي.
6. مفهوم الانتباه المشترك (Joint Attention) كأرضية معرفية لفعل الإشارة
6.1 بنية الثالوث التواصلي: الرضيع، الراشد، والهدف الخارجي
يشكل الانتباه المشترك (Joint Attention) الأساس المعرفي الصلب الذي يرتكز عليه صرح التواصل البشري بأكمله. في النصف الأول من السنة الأولى للرضيع، تكون التفاعلات التواصلية ثنائية القطب (Dyadic Interactions)؛ حيث ينخرط الرضيع في علاقة مباشرة وجهاً لوجه مع أمه (تأمل الوجه، المناغاة، الابتسام)، أو ينخرط في علاقة ثنائية منفصلة مع لعبة فيزيائية يتفحصها بحواسه. لا يستطيع الرضيع في هذه المرحلة المبكرة دمج هذين العالمين المستقلين في حقل معرفي موحد.
ومع اقتراب الشهر العاشر، ينبثق ما أسماه توماسيلو بـ “الثالوث التواصلي” (Communicative Triad)؛ وهو انتقال حاسم من التفاعلات الثنائية إلى “التفاعلات التثليثية” (Triadic Interactions) التي تتشكل من ثلاثة أركان غير قابلة للاختزال: الطفل، الراشد، والكيان الخارجي المستهدف في الفضاء المشترك. لم يعد المشهد التواصلي علاقة منغلقة بين شخصين يحدقان في بعضهما، بل أصبح التقاءً متزامناً لوعيين إنسانيين على موضوع محايد يقع خارج جسديهما، مما يخلق مسرحاً تفاعلياً مفتوحاً.
تعتمد ديناميكية هذا الثالوث على آليات دقيقة للتغذية الراجعة والمواءمة الحركية-البصرية المتبادلة؛ حيث يراقب الطفل تكراراً واستجابة الراشد لتصرفاته، ويعدل الراشد نبرات صوته ونظراته تماشياً مع استكشافات الرضيع. من خلال هذه البنية التثليثية تحديداً، يستقر المعنى المرجعي للظواهر الخارجية؛ فالشيء الخارجي لم يعد مجرد مثير حسي شبكي عابر يثير انتباه الطفل منفرداً، بل صار موضوعاً “مثبتاً اجتماعياً” وموسوماً بأنه حقيقة موضوعية يشهد عليها عقلان في اللحظة ذاتها، وهو ما يضع النواة الأولى لنشأة الموضوعية المعرفية في الفكر الإنساني.
6.2 الأرضية المشتركة (Common Ground) والتفسير السياقي للإشارات المبهمة
إذا كانت إيماءة الإشارة بالسبابة هي مجرد خط فيزيائي موجه في الفضاء، فكيف يتسنى للمتلقي أن يفهم بدقة ما يقصده المشير من وراء إشارته؟ يكمن الجواب في مفهوم توماسيلو البالغ الأهمية: “الأرضية المعرفية المشتركة” (Common Ground). يرى توماسيلو أن أي حركة إشارية بشرية تكون مبهمة دلالياً بالضرورة (Inherently Ambiguous) إذا عُزلت عن السياق المشترك للأطراف المنخرطة في الفعل التواصلي.
فإذا أشار صديق لك نحو سيارة تقف على جانب الطريق، فقد تعني إشارته: “انظر، هذه سيارتي الجديدة”، أو “احذر، هذه السيارة تكاد تصدمك”، أو “انظر، لون هذه السيارة بشع للغاية”، أو “هذه السيارة تشبه سيارة عمك الراحل”. كيف نحدد أي من هذه المعاني هو المقصود؟ الجواب يكمن في مخزون الخبرات، والتفاعلات، والملاحظات البصرية المتبادلة المتراكمة بينكما، والتي يعلم كل منكما أن الآخر يعلمها، ويعلم أنه يعلم أنه يعلمها (Mutual Knowledge Loop).
أجرى توماسيلو وفريقه تجارب محكمة أثبتت أن الأطفال في سن 14 شهراً يستندون ببراعة فائقة إلى هذه الأرضية المشتركة لتفسير الإشارات المبهمة. في إحدى التجارب، يدخل الباحث مع الطفل في لعبة تلوين رسمة مشتركة باستخدام قلم معين، ثم يُوضع قلم آخر جديد تماماً على طاولة مجاورة. عندما يشير الباحث نحو الطاولة التي تحوي القلمين قائلاً “انظر هناك!”، فإن تفسير الطفل لإيماءة الباحث يختلف تماماً باختلاف الأرضية المشتركة:
- إذا كان الباحث هو نفسه الشريك الذي كان يلون معه مسبقاً، يفسر الطفل الإشارة بأنها موجهة للقلم الجديد المثير للاهتمام الذي لم يسبق لهما رؤيته معاً.
- أما إذا دخل شخص غريب تماماً لم يشارك في التلوين وأشار بالطريقة ذاتها، فإن الطفل لا يفترض أن الغريب يقصد التمييز بين القلمين بناءً على اللعبة السابقة، بل يفسر الإشارة استناداً فقط إلى ما هو متاح في اللحظة الراهنة.
يتطلب هذا الفهم استدلالات براغماتية معقدة وشديدة التركيب، شبيهة بتلك التي وضعها الفيلسوف بول غرايس (Paul Grice) حول النوايا التواصلية الكامنة وراء الأفعال المنطوقة، مما يؤكد أن البراغماتية التواصلية تنشأ في حضن الإيماء الحركي قبل وقت طويل من تعلم اللسانيات الصورية.
6.3 دور الانتباه المشترك في الوقاية من العزلة المعرفية وتسهيل التعلم
يعمل الانتباه المشترك، وفق منظور توماسيلو، بمثابة القناة الهيدروليكية المركزية لنقل المعرفة التراكمية من الجيل الأكبر إلى الأطفال الصغار، مانعاً سقوط الكائن في “العزلة السولبسية” (Solipsism) أو الانعزال الإدراكي الفردي. إن الحيوانات في الطبيعة تتعلم في الغالب عبر التجربة والخطأ الفردي المباشر، أو عبر “تسهيل المحاكاة البيئية المحضة”؛ حيث يجذب نشاط الأقران انتباه الحيوان لمكان الطعام فقط ليكتشف هو بنفسه كيفية تناوله.
أما عند البشر، فإن الانتباه المشترك المؤسس على الإشارات التوجيهية ونظرات العين يتيح للأطفال شكلاً فريداً يُسمى “التعلم الثقافي عبر النمذجة الإرشادية” (Pedagogical Learning). فعندما يشير الأب إلى نبات معين في الغابة مقطباً حاجبيه، أو يشير إلى أداة حجرية محركاً إياها بحركة بطيئة مع التحديق في عيني الرضيع، فإنه لا ينقل حركة فيزيائية فحسب، بل يرسل رسالة تربوية مشفرة مفادها: “هذا الشيء خطير لا تلمسه”، أو “هكذا تُمسك الأداة وفق الطريقة المعيارية الصحيحة لجماعتنا”.
تظهر الدراسات النمائية المقارنة أن حرمان الرضع من تجارب الانتباه المشترك (كما في حالات الإهمال المؤسسي الشديد أو العزلة الحسية) يؤدي إلى تداعيات كارثية وتأخر عميق في النمو الإدراكي واللغوي والاجتماعي. فالانتباه المشترك ليس ترفاً نمائياً، بل هو الحبل السري المعرفي الذي يغذي الدماغ الإنساني بالمكتسبات الثقافية المشتركة، ممهداً الطريق لدمج الذات الفردية داخل النسيج الجمعي الشامل للثقافة الإنسانية.
7. فرضية التكيف الثقافي وتطور الإدراك الاجتماعي (Cultural Adaptation Hypothesis)
7.1 تأثير السقاطة الثقافية (The Cultural Ratchet Effect)
من أهم المفاهيم النظرية التي صاغها مايكل توماسيلو لتفسير التباين الهائل بين الحضارة الإنسانية وبقية أشكال الحياة على كوكب الأرض هو مفهوم “تأثير السقاطة الثقافية” (The Cultural Ratchet Effect). والسقاطة (Ratchet) هي أداة ميكانيكية تتحرك باتجاه واحد وتمنع الحركة المعاكسة؛ أي أنها تسمح بالدوران للأمام وتغلق آلياً لمنع الانزلاق إلى الخلف.
يطبق توماسيلو هذه الاستعارة الميكانيكية على التطور الثقافي البشري: يبتكر فرد ما فكرة جديدة أو أداة نافعة (ولتكن فأساً حجرية ذات مقبض مثلاً)، فيتعلم الأقران والأبناء هذا الابتكار بدقة متناهية عبر المحاكاة والتعلم القائم على القصدية المشتركة؛ بحيث تترسخ الأداة في الثقافة العامة للمجموعة وتثبت عند هذا المستوى الإيجابي (“تُغلق السقاطة”). لا يعود أحد من الأجيال اللاحقة مضطراً لإعادة اختراع الأداة من الصفر. وعندما يولد فرد نابغة جديد بعد عدة أجيال، فإنه ينطلق من مستوى الفأس المطورة ذات المقبض ليزيد عليها تحسيناً جديداً (كشحذ الحافة أو استخدام مادة صلبة جديدة)، فتتحرك السقاطة خطوة أخرى للأمام ويتم حجز المستوى الجديد نهائياً.
في المقابل، يفتقر التواصل الحيواني، حتى لدى أذكى قردة الشمبانزي، لآلية السقاطة هذه. صحيح أن بعض مجموعات الشمبانزي في البرية تستخدم العصي لصيد النمل الأبيض، أو الحجارة لكسر ثمار الجوز، إلا أن انتقال هذه المهارات بين أفراد النوع يظل عرضة للضياع والانقطاع المتكرر. والسبب في ذلك هو أن الشمبانزي يتعلم عبر تقليد النتيجة النهائية للحدث في البيئة (Emulation) وليس عبر محاكاة النوايا والوسائل الحركية الدقيقة للشريك (Imitation). فالشمبانزي لا يملك القصدية المشتركة التي تجعل من محاولة تعليم الصغير واجباً ثقافياً معيارياً؛ ولذا بقيت أدوات الشمبانزي الحجرية دون أي تراكم نوعي يذكر منذ آلاف السنين، بينما قفزت الأدوات الحجرية البشرية في المدى الزمني نفسه لتتحول إلى رقائق إلكترونية ومركبات فضائية تقطع مدارات الكواكب.
7.2 التطور المعرفي التاريخي كبديل للتفسيرات الجينية المنعزلة
يطرح مايكل توماسيلو معضلة بيولوجية كلاسيكية تواجه النظريات الناتيفية والوراثية الصرفة: تشير المعطيات الجينية الحديثة إلى أن الانفصال النشوئي بين خط الإنسان وأقرب أقربائه الأحياء (الشمبانزي) قد وقع قبل قرابة ستة ملايين سنة فقط، مع تطابق جيني يصل إلى قرابة 98% أو 99%. ومع ذلك، فإن الانفجار الثقافي والرمزي للإنسان العاقل (Homo sapiens) من رسم الكهوف، وصنع التماثيل، وابتكار الزراعة، وبناء المدن، لم يبدأ إلا قبل حوالي 50 إلى 100 ألف سنة فقط، وهي فترة قصيرة للغاية بمقاييس التطور البيولوجي والوراثي البطيء.
يرى توماسيلو أنه من المستحيل رياضياً وبيولوجياً أن يكون هذا التحول الصاعق ناتجاً عن ملايين الطفرات الجينية المتلاحقة التي بنت نماذج عقلية منفصلة لكل وظيفة لغوية أو فكرية كما تفترض المدارس المعرفية الصلبة؛ بل إن التفسير الأكثر اتساقاً واقتصاداً علمياً هو افتراض حدوث “تكيف بيولوجي نوعي واحد، ولكن حاسم” لدى السلالة البشرية؛ وهو انبثاق القدرة على تمثيل الآخرين ككائنات قصدية متطابقة مع الذات، والرغبة في التشارك والانتباه المشترك معها.
هذا التكيف البيولوجي الفردي البسيط أطلق العنان لما يُعرف بـ “التطور المعرفي التاريخي” (Historical-Cognitive Evolution). لم تعد الضغوط البيئية الطبيعية وحدها هي التي تحكم الانتقاء، بل خلقت البيئة الثقافية نفسها ضغوطاً تكيفية جديدة بالغة القوة؛ حيث أصبح الأفراد الأكثر قدرة على التعاون، وفهم الإشارات التشاركية، واستيعاب معايير المجموعة، هم الأكثر حظاً في البقاء وتمرير جيناتهم، مما ولد حلقة تغذية راجعة ديناميكية بين التطور البيولوجي والتطور الثقافي السريع المتراكم عبر القرون.
7.3 الممارسات الثقافية المشتركة وتأطير الفكر الرمزي
تحت مظلة القصدية المشتركة وتأثير السقاطة، أخذت التفاعلات الحركية البسيطة تتجذر لتتحول إلى “ممارسات ثقافية مشتركة” محكومة بالأعراف والأدوار التبادلية المتطابقة. تجلى ذلك أولاً في ألعاب الرضع المبكرة؛ كألعاب “الاختفاء والظهور” (Peek-a-boo) أو ألعاب التناوب على دحرجة الكرة ذهاباً وإياباً. في هذه الألعاب البسيطة، يدرك الطفل أن النشاط لا يكتمل إلا بوجود دورين متكاملين متناغمين يشكلان معاً وحدة واحدة فوق-فردية.
أدى هذا التمرس الحركي المبكر على تبادل الأدوار إلى توفير القالب المعرفي اللازم لـ “تأطير الفكر الرمزي المجرد”. فالرمز (Symbol)، في تعريفه السيميائي العميق، ليس مجرد علامة فيزيائية، بل هو “ممارسة اجتماعية مشتركة” اتفق عليها طرفان أو جماعة للإشارة إلى شيء ما في غيابه. عندما يشير الطفل إلى كوب فارغ ويقوم بحركة التظاهر بالشرب مصدراً صوتاً تمثيلياً، فإنه يمارس تمثيلاً رمزياً يستند بالكامل إلى علمه بأن الشريك يفهم اتفاقية هذا التظاهر المشترك.
وهكذا، مهدت الإشارة المرجعية والانتباه المشترك الطريق لنشأة “الفضاء العمومي المشترك للأفكار”؛ حيث لم تعد التمثيلات الذهنية حبيسة الجمجمة البيولوجية لكل فرد، بل أصبحت كيانات متداولة ومتبادلة ومعيارية في فضاء الجماعة الثقافية، وهو الأساس الاجتماعي الصرف الذي انبثقت منه لاحقاً الأساطير التأسيسية، والأديان، والفنون، والنظم الفلسفية المعقدة.
8. الانتقال التواصلي: من الإشارة الإيمائية إلى اللغة اللفظية والرمزية
8.1 فرضية الأصل الإيمائي للغة البشرية وتهافت النماذج الصوتية الصرفة
في كتابه الرائد Origins of Human Communication (أصول التواصل البشري)، يطرح مايكل توماسيلو أطروحة جريئة مفادها أن النواة التطورية الأولى للغة البشرية لم تكن نابعة من الأصوات الحلقية أو الصرخات الصوتية التي تصدرها الحيوانات، بل ولدت من رحم “الإيماءات الحركية” المرئية، وفي مقدمتها إيماءة الإشارة بالسبابة تليها الإيماءات الأيقونية والتمثيلية باليد والجسد.
يستند توماسيلو في نقده للنماذج الصوتية الصرفة إلى أدلة فسيولوجية وعصبية متينة من علم الرئيسيات المقارن. فالصيحات الصوتية التي تصدرها القردة في البرية (مثل صرخات التحذير من النمور أو الأفاعي) هي استجابات انفعالية غريزية وثابتة بنيوياً، وتتحكم فيها مناطق دماغية قديمة ولا إرادية تقع في الجهاز الحوفي (Limbic System) وجذع الدماغ. لا يملك القرد سيطرة إرادية تذكر على إطلاق هذه الأصوات أو كتمها وتعديلها وفق سياقات اجتماعية مرنة؛ ولذا تفشل محاولات تدريب القردة على نطق أي لفظ جديد مهما طال التدريب.
في المقابل، يمتلك التواصل الإيمائي الحركي لدى الرئيسيات العليا مرونة معرفية وتحكماً إرادياً عصبياً هائلاً تشرف عليه مناطق متقدمة في القشرة المخية الحديثة (Neocortex). وتستخدم القردة إيماءاتها الحركية بانتقائية واضحة، متأكدة من أن المتلقي يوجه بصره إليها، ومغيرة حركتها إذا تعثر التواصل. يرى توماسيلو أن السلالات البشرية الأولى بدأت بناء نظامها التواصلي الرمزي المعقد بالاعتماد على هذا العتاد الحركي الإرادي عبر إيماءات الإشارة والإيماءات الأيقونية التصويرية التي تحمل قصدية مرجعية واضحة، قبل أن تحدث الطفرات التشريحية الحنجرية واللسانية التي سمحت بنقل هذا النظام الدلالي المتكامل والمبني سلفاً إلى الوسيط الصوتي عالي السرعة والاقتصاد الفيزيائي.
8.2 الإشارة بالسبابة كنواة أولى لتشكيل البنية النحوية والمفردات
يقدم توماسيلو في أبحاثه النمائية المستفيضة تحليلاً إمبريقياً مدهشاً لكيفية تحول إيماءة الإشارة بالسبابة إلى النواة الأولى للبنية النحوية (Syntax) وتشكيل المفردات المعجمية في حياة الرضع. تمثل إيماءة الإشارة في التحليل اللساني البراغماتي أول ظهور لـ “الضمائر الإشارية البدائية” (Proto-Deixis)؛ فإصبع الطفل الممدود يعادل دلالياً الكلمات اللغوية مثل “هذا” أو “هنا” أو “ذاك”.
وعندما يبلغ الطفل عامه الأول وبدايات عامه الثاني، يرصد توماسيلو نمطاً انتقالياً فائق الأهمية يُسمى “التركيب المزدوج: إشارة + كلمة” (Gesture-Speech Combinations). في هذه المرحلة الدقيقة التي تسبق قدرة الطفل على صياغة جملة ثنائية الألفاظ صوتياً (Two-word Stage)، يقوم الرضيع بدمج الإيماءة واللفظ لتأدية وظيفة نحوية مكتملة الأركان؛ كأن يشير إلى كرسي ويقول “بابا” (قاصداً: هذا كرسي بابا – إسناد ملكية)، أو يشير إلى كوب عصير مكسور ويقول “ذهب” (قاصداً: العصير ذهب – إسناد حدث لموضوع).
يُثبت هذا السلوك أن البنية المفاهيمية للنحو—أي العلاقات المنطقية مثل (فاعل + مفعول) أو (مبتدأ + خبر)—تتشكل وتُنطق حركياً وسيميائياً في العقل قبل أن يتمكن الجهاز النطقي من تجميع رمزين صوتيين متزامنين في تدفق لفظي واحد. إن الطفل يستخدم إصبع السبابة لتثبيت المرجع الدلالي والموضوع الفضائي (Topic)، في حين توفر الكلمة المنطوقة المحمول الدلالي والوصف الإخباري الجديد للحدث (Focus). وبذلك تكون الإشارة بالسبابة هي الحاضنة التوليدية الحقيقية التي صاغت الهياكل النحوية للبشر.
8.3 التنظير البراغماتي للغة في إطار أبحاث توماسيلو
في ضوء هذه المكتشفات، طور توماسيلو نظريته اللسانية المعروفة بـ اللسانيات المبنية على الاستخدام (Usage-Based Linguistics) كبديل متماسك لنظرية النحو التوليدي لتشومسكي. يرى توماسيلو أن اللغة ليست ملكة حوسبية بيولوجية منعزلة محكومة بقواعد نحوية صورية فطرية، بل هي “استمرار وتطوير لأفعال القصدية المشتركة” عبر وسائط رمزية صوتية متفق عليها اجتماعياً.
وفقاً لهذا المنظور البراغماتي، فإن الكلمات لا تشير إلى الأشياء المادية في ذاتها بشكل مباشر وميكانيكي، بل إن الكلمات هي في جوهرها “أدوات متطورة لتوجيه الانتباه” (Attention-Directing Tools). عندما أتلفظ بكلمة “تفاحة”، فأنا لا أقذف صوتاً مجرداً، بل أقوم بعملية إشارية صوتية معقدة أستحث بها عقلك على تركيز انتباهه على تصور عقلي محدد، معتمداً على افتراضي لوجود أرضية مشتركة تجمعنا حول دلالة هذا اللفظ واستخداماته المقبولة في جماعتنا اللغوية.
تُكتسب القواعد النحوية، وفقاً لتوماسيلو، ليس عبر فك شفرات جينية مسبقة، بل عبر آليتين معرفيتين عامتين يمتلكهما الطفل البشري:
- قراءة النوايا التواصلية (Intention-Reading): لفهم الهدف السيميائي الكامن وراء العبارات المنطوقة للأفراد في السياقات الاجتماعية الحية.
- اكتشاف الأنماط والتعميم الإدراكي (Pattern-Finding): لفرز الهياكل التركيبية والعبارات الشائعة وتجريد الأنماط النحوية العامة بالتدريج عبر التكرار والاستخدام العملي المستمر.
وهكذا، تصبح اللغة الإنسانية بأكملها صرحاً براغماتياً عملاقاً وممتداً أصله إصبع سبابة ممدود في فضاء الانتباه المشترك.
9. المنهجيات التجريبية في مختبر معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية
9.1 تصاميم التجارب المعملية المقارنة مع الأطفال والرئيسيات
تميز مختبر مايكل توماسيلو في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية بتطوير بيئة تجريبية نموذجية تمزج بين الصرامة المنهجية للمختبر الفيزيائي والانفتاح السلوكي للملاحظة البيئية التفاعلية. لم يعتمد الباحثون على الاستبيانات أو الملاحظات الوصفية الاسترجاعية، بل صمموا مواقف تفاعلية متطابقة تماماً من الناحية الإجرائية تُطبق على عينات متقابلة عمرياً وإدراكياً من أطفال البشر (في أعمار تتراوح بين 12 شهراً و36 شهراً) ورئيسيات عليا متوازية (قردة الشمبانزي والبونوبو في المحميات التابعة للمعهد، ولا سيما مركز ولفغانغ كولر لأبحاث الرئيسيات).
واحدة من أعظم التحديات المنهجية التي تغلب عليها توماسيلو وفريقه هي تجنب “أثر هانز الذكي” (Clever Hans Effect)؛ وهو الانحياز الإمبريقي الناتج عن تقديم المجرب البشري لإشارات بصرية أو جسدية غير مقصودة توجه خيار العينة التلقائي. لتحقيق ذلك، استحدث المختبر “بروتوكولات التفاعل الطبيعي المزدوج المعمى”؛ حيث يُفصل المجرب المحفز عن المجرب المسجل للبيانات، وتُرتدى نظارات معتمة أو شاشات حجب بصرية تمنع نقل الإشارات العفوية عبر حركة العيون، كما جرى تثبيت كاميرات بانورامية ومجهرية متعددة الزوايا تغطي حقل الرؤية بالكامل لتسجيل الاستجابات من زوايا ثلاثية الأبعاد.
أُجري التحليل الكيفي والكمي للسلوكيات عبر تفكيك الميكرو-حركات (Micro-Movements)؛ فلم يُكتفَ بتسجيل “هل أشار الكائن أم لا؟”، بل خضعت البيانات لتحليل فيزيائي دقيق لزاوية امتداد الذراع، ودرجة انقباض بقية الأصابع، وزمن الرجع بالمللي ثانية، ومسار انتقال النظرة، والتقلبات في حدقة العين وتعبيرات الوجه المصاحبة، مما أضفى على نتائج أبحاث توماسيلو موثوقية إحصائية وتجريبية غير مسبوقة في تاريخ علم النفس المقارن.
9.2 تجارب مساعدة الغرباء واختبارات القصدية الإيثارية
لتحديد ما إذا كانت الدوافع التعاونية والإيثارية مغروسة في البنية التطورية للبشر أم أنها مجرد نتاج للتنشئة الثقافية الصارمة والتعزيز الوالدي، صمم الباحث فيلكس فارنيكن (Felix Warneken) بالتعاون مع مايكل توماسيلو سلسلة تاريخية من “اختبارات مساعدة الغرباء” (Helping Experiments). استهدفت هذه التجارب فحص سلوك أطفال بشريين في عمر 14 إلى 18 شهراً تجاه شخص غريب تماماً يواجه عائقاً عملياً.
في أشهر هذه التصاميم المعملية—تجربة “إسقاط مشبك الغسيل” الشهيرة—يقوم المجرب البشري بتعليق ملابس على حبل باستخدام مشابك خشبية، وأثناء حركته، يُسقط عمداً مشبكاً على الأرض وراء حاجز صغير، ويتظاهر بأنه يمد يده دون أن يطال المشبك، مصدراً تنهيدة استعصاء دون أن يلتفت للطفل أو يطلب منه أي مساعدة لفظية. أظهرت التسجيلات أن أكثر من 80% من الرضع تحركوا في غضون ثوانٍ معدودة، وتجاوزوا العوائق المادية في الغرفة، ليلتقطوا المشبك ويعيدوه إلى يد المجرب، وهو سلوك تكرر في مواقف أخرى متعددة؛ كفتح باب خزانة مغلق إذا كانت يدا المجرب ممتلئتين بالكتب، أو التقاط غطاء قلم سقط في زاوية ضيقة.
ولإثبات نقاء هذا الدافع الإيثاري واستقلاله، أجرى توماسيلو تجارب تحكم متقدمة:
- عندما أُسقط المشبك عمداً وبدا أن المجرب لا يرغب فيه (رماه جانباً)، لم يتحرك الأطفال للمساعدة، مما يثبت أنهم لا يمارسون تنظيفاً آلياً للأرضية، بل يقرأون أهداف ونوايا الراشد.
- عندما قُدمت مكافآت مادية (حلوى أو ألعاب) للأطفال بعد المساعدة، انخفض معدل مساعدتهم التلقائية لاحقاً، فيما يُعرف نفسياً بـ “أثر الإفراط في التبرير” (Overjustification Effect)، وهو ما يثبت أن الرضيع مدفوع برغبة جوهرية باطنية للمساعدة الإيثارية، وأن إقحام التعزيز الخارجي يُفسد طبيعة هذه القصدية المشتركة التلقائية.
9.3 تطوير تقنيات تتبع حركة العين (Eye-Tracking) في دراسات القصدية
مثل إدخال تقنيات تتبع حركة العين (Eye-Tracking) بالأشعة تحت الحمراء إلى مختبر ماكس بلانك فتحاً تكنولوجياً سمح باستنطاق العقول الرضيعة والرئيسيات دون الحاجة إلى استجابات حركية صريحة. أتاحت هذه الأجهزة قياس بؤرة التحديق بدقة متناهية تصل إلى بضع مليمترات وعلى فترات زمنية تُقاس بالميلي ثانية.
استُخدمت هذه التقنية لاختبار ظاهرة “التنبؤ البصري بأفعال الشريك” (Anticipatory Gaze). عُرضت على الأطفال والشمبانزي مقاطع فيديو لشخص يحاول تحقيق هدف معين عبر مسار محدد أو باستخدام أداة معينة. أظهرت قياسات حركة العين أن الرضع البشريين يقفزون بأعينهم استباقياً نحو النقطة التي يتجه نحوها الفاعل *قبل* أن يصل إليها جسدياً، مما يدل على أن العقل البشري يمتلك نموذجاً داخلياً يفكك أفعال الآخرين كأفعال غائية موجهة نحو أهداف مقصودة وليست مجرد حركات فيزيائية عمياء.
علاوة على ذلك، كشفت مسارات النظرات المتزامنة عن فروق هيكلية في توزيع الانتباه؛ فعندما يشير الباحث نحو هدف، يثبت الشمبانزي بصره فوراً وبشكل شبه دائم على اليد الممتدة أو ينظر للمجرب ككتلة، بينما يظهر مسار عين الطفل الرضيع انقساماً ديناميكياً سريعاً ومحكماً: يتبع متجه الإشارة نحو الغرض الخارجي، ثم يعود لتثبيت البؤرة على حدقة عين المجرب (Gaze Fixation) للتحقق من الاتصال البصري المشترك. هذا التناغم البصري الدقيق، المحسوب بالميلي ثانية، قدم البرهان الحركي العصبي الصلب على انبثاق القصدية المشتركة في الدماغ البشري النامي.
10. نظرية العقل (Theory of Mind) وفهم الحالات الذهنية عبر إيماءة الإشارة
10.1 تفكيك مستويات نظرية العقل عبر السلوك التواصلي المبكر
ترتبط أبحاث توماسيلو حول الإشارة والقصدية ارتباطاً عضوياً بإعادة هيكلة وتفكيك مفهوم نظرية العقل (Theory of Mind)؛ وهي القدرة المعرفية على عزو الحالات الذهنية (من معتقدات، ونوايا، ورغبات، ومعارف) للذات وللآخرين، وفهم أن تصرفات الأفراد تتحدد بناءً على تمثيلاتهم الذهنية الخاصة للعالم وليس على أساس الواقع المادي الخام مجرداً.
تاريخياً، ركزت الأبحاث الكلاسيكية لنظرية العقل—التي قادها باحثون أمثال سايمون بارون-كوهين وألان ليزلي—على اختبارات التقييم اللفظي الصريحة للأطفال في سن الرابعة، وأشهرها اختبار “المعتقد الخاطئ” الكلاسيكي المعروف بمهمة “سالي-آن” (Sally-Anne Task). غير أن توماسيلو أثبت أن نظرية العقل ليست قدرة نهائية تنبثق فجأة في سن الرابعة ككتلة واحدة صلبة، بل هي مسار نمائي ديناميكي متعدد المستويات تتشكل طبقاته وتتضح معالمه مبكراً جداً من خلال السلوك الإشاري غير اللفظي للرضيع:
| المستوى المعرفي | العمر النمائي البشري | المظهر السلوكي عبر الإشارة والتواصل | القدرة المقابلة لدى الشمبانزي |
|---|---|---|---|
| المستوى الأول: الرؤية كفعل غائي | 9 – 12 شهراً | تتبع اتجاه العيون، والإشارة لتوجيه خط البصر نحو هدف. | موجودة في السياقات التنافسية فقط. |
| المستوى الثاني: الرؤية تؤدي للمعرفة | 12 – 18 شهراً | الإشارة الإخبارية لإمداد الغائب بالمعلومة، والتوقف عن الإشارة للمطلع. | محدودة جداً وتنافسية (من رأى الطعام يأكله أولاً). |
| المستوى الثالث: فهم المعتقد الخاطئ | 14 – 24 شهراً (ضمنياً) | التنبؤ البصري بمسار حركة الشخص المخدوع، واستخدام الإشارة لتحذيره وتصحيح وهمه. | غائبة تماماً في التجارب المنضبطة. |
أعادت هذه النتائج كتابة تاريخ علم النفس المعرفي؛ حيث برهن توماسيلو على أن الرضع يفهمون “الحالات الذهنية الكامنة” لغيرهم قبل أن يمتلكوا المفردات اللغوية التجريدية للتعبير عنها، وأن إيماءة الإشارة بالسبابة هي الأداة الإجرائية التي يختبر بها الرضيع فرضياته النفسية حول عقول المحيطين به بصورة عملية ويومية.
10.2 فهم وجهات النظر المختلفة (Perspective-Taking) من خلال الإشارة
ينطوي سلوك الإشارة المتقدم على إنجاز معرفي نوعي يُعرف بـ “تبني وجهات النظر” (Perspective-Taking). لا يقتصر الأمر على إدراك الرضيع أن الشخص الآخر يرى أو يجهل، بل يمتد ليدرك أن الشخص الآخر قد ينظر إلى الشيء نفسه الذي ينظر إليه الطفل، ولكنه يراه من “زاوية مكانية ونفسية مختلفة تماماً”.
أجرى توماسيلو وزملاؤه تجارب متقنة أظهرت أن الأطفال في عمر 18 شهراً يستطيعون استخدام الإشارة لـ “تسليط الضوء على سمات مستجدة” لغرض معروف مسبقاً للمتلقي. فإذا دخل الأب الغرفة ورأى لعبته المفضلة مع الطفل، فإن الطفل لا يشير للعبة ككل، بل قد يوجه سبابته بدقة متناهية نحو جزء مكسور حديثاً فيها؛ إنه يشير ليلفت انتباه الأب إلى ما هو “جديد بالنسبة لوعي الأب”، معتمداً على قدرته على التمييز بين ما يراه هو وما يعرفه والده.
يمثل هذا السلوك الانتقال الحاسم من تبني وجهة النظر الفيزيائية الفضائية (Spatial Perspective)—أي إدراك أن الحاجز الخشبي يحجب الرؤية عن عين الآخر—إلى تبني وجهة النظر المعرفية والنفسية (Psychological/Epistemic Perspective). وإذا أخطأ المتلقي في استيعاب الزاوية المقصودة، يُظهر الطفل مرونة مدهشة في تعديل تموضعه الجسدي أو الإشارة من زوايا بديلة حتى تتطابق وجهتا النظر في إطار الانتباه المشترك، وهو ما يجعل من الإشارة الحركية المحرك التطوري الذي درب العقل البشري على التفكير متعدد الأبعاد واستيعاب النسبية الإدراكية للأفراد.
10.3 الترابط الجدلي بين القصدية ونظرية العقل المتجسدة
يوجه مايكل توماسيلو نقداً لاذعاً للأطروحات الإدراكية المعزولة (Disembodied Cognitivism) التي تتعامل مع نظرية العقل كبرنامج حاسوبي تجريدي مغلق يشتغل عبر معالجة قضايا لاهوتية أو حسابية في فراغ عصبي. بدلاً من ذلك، يؤسس توماسيلو لنظرية “العقل المتجسد تفاعلياً” (Embodied Interactive Mind)؛ حيث تُبنى نظرية العقل وتصقل عبر الأفعال الحركية والتواصلية المتجسدة، وفي مقدمتها الإشارة وتبادل النظرات والتنسيق الجسدي المباشر.
إن الرضيع لا يستبطن عقول الآخرين عبر قراءة المعادلات الذهنية، بل من خلال الممارسة العملية الحية للقصدية المشتركة. كل إيماءة إشارة يطلقها الطفل ويتبعها رد فعل من الراشد تمثل تمريناً إمبريقياً مكثفاً ومباشراً على “قراءة العقول” (Mindreading). يكتشف الطفل من خلال النجاح أو الفشل التواصلي العملي حدود وعي الآخرين، وثغرات معارفهم، ونواياهم المتقاطعة مع نواياه.
تتحول القصدية المشتركة في هذا الطرح من مجرد نتاج لنظرية العقل إلى “الحاضنة التطورية والمسرع الأساسي” لنموها؛ فالعقل البشري لم يطور قدرته الخارقة على تفكيك مشاعر وأفكار الآخرين ليجلس متأملاً في عزلة، بل طورها تحت ضغط الحاجة الحيوية للتنسيق، والتعاون، وتفادي النزاع، وصياغة المعاني الرمزية المشتركة. وبذلك يلتحم الحركي بالسيميائي، والسيميائي بالإدراكي، في جدلية تطورية واحدة لا تتجزأ.
11. المناقشات النقدية والأطروحات المعارضة لأبحاث مايكل توماسيلو
11.1 اعتراضات المدارس السلوكية ومناصرو التكييف البسيط
واجه مشروع مايكل توماسيلو، على الرغم من تماسكه الإمبريقي الفائق، موجات من النقد الإبستيمولوجي قادتها أطياف فكرية ومخبرية مختلفة. برز في طليعة المعارضين أنصار المدارس السلوكية الجديدة ومؤيدو نظريات التعلم بالاقتران البسيط (Associative Learning). جادل هؤلاء بأن توماسيلو يقع في خطأ “الإفراط في التأويل المعرفي” (Over-Interpretation)، ويعزو للأطفال الرضع والحيوانات قدرات فلسفية وعقلية ميتافيزيقية وقصدية عليا، في حين يمكن تفسير هذه السلوكيات برمتها عبر قوانين التكييف الفعال والإشراط البسيط.
وفقاً لهذا الطرح النقدي، فإن إشارة الطفل بالسبابة نحو لعبة أو حدث مثير ليست نابعة من دافع فلسفي لتشارك الحالات الذهنية أو إيثار معرفي نبيل، بل هي ببساطة سلوك حركي تم تعزيزه آلياً ولا شعورياً من قِبل الوالدين. فالأم تبتسم دائماً وتتحمس وتقدم الانتباه والمكافآت عندما يمد الطفل يده أو إصبعه، مما يرفع من احتمال تكرار هذا السلوك وفق مبادئ بافلوف وسكينر البسيطة دون حاجة لافتراض وجود “أرضية مشتركة” أو “قصدية موحدة”.
رد توماسيلو على هذه الاعتراضات بإجراء سلسلة تجارب تحكم صارمة أثبتت بطلان التفسير السلوكي البسيط:
- أثبتت التجارب أن الرضع يشيرون ويقدمون المساعدة الإيثارية لأشخاص غرباء تماماً لم يسبق لهم رؤيتهم قط، ودون وجود الوالدين في الغرفة.
- أظهرت النتائج أن الرضع يواصلون الإشارة حتى عندما لا يتلقون أي تعزيز إيجابي أو تشجيع خارجي، بل إن تقديم المكافآت قلل من حماسهم بدلاً من تعزيزه.
- في تجارب الانتباه المشترك، رفض الأطفال التعزيز اللفظي المعزول إذا لم يترافق مع مواءمة بصرية نحو الغرض المشترك، مما يثبت أن محرك السلوك هو “التحقق من بلوغ النية التواصلية” وليس نيل التعزيز السلوكي السطحي.
11.2 انتقادات علماء الرئيسيات والمدافعين عن ذكاء القردة العليا
جاءت الجبهة النقدية الثانية من داخل حقل علم الرئيسيات نفسه، وتحديداً من علماء الملاحظة الميدانية والمدافعين عن حقوق الرئيسيات وقدراتها الإدراكية، وعلى رأسهم عالم الإيثولوجيا الشهير فرانس دي فال (Frans de Waal). اتهم دي فال وزملاؤه مختبر معهد ماكس بلانك بوجود “تحيز منهجي متأصل” ضد القردة العليا، يتركز في طبيعة البيئات المعملية وطريقة تصميم الاختبارات المقارنة.
جادل دي فال بأن أطفال البشر يخوضون الاختبارات وهم يجلسون في أحضان أمهاتهم بأمان، ويتعاملون مع باحث بشري ينتمي لنفس نوعهم البيولوجي ويستخدم إشارات طبيعية متوافقة مع مورفولوجيا أجسادهم. في المقابل، تُختبر قردة الشمبانزي خلف أقفاص حديدية أو حواجز زجاجية في مواجهة كائن من نوع غريب عنها بيولوجياً (الإنسان) لا تفهم بالضرورة نواياه العميقة، وهو ما يضع الحيوان في حالة توتر أو حذر تنافسي يعيق ظهور قدراته التعاونية الكامنة.
استشهد المعارضون بملاحظات ميدانية تسجل سلوكيات مواساة وتعاون وتقاسم أدوار معقدة لدى الشمبانزي والبونوبو في البرية أثناء الصيد أو الدفاع عن المناطق الإقليمية. استجاب توماسيلو لهذه الانتقادات بتعديل العديد من البروتوكولات المعملية لجعلها ملائمة تشريحياً وحركياً للقردة، واستخدام مجربين قضوا سنوات في التفاعل الحميم مع هذه الحيوانات. ومع ذلك، شدد توماسيلو على الفارق الجوهري غير القابل للتجاوز:
“نحن لا ننكر ذكاء الشمبانزي الخارق والمعقد في العالم الفيزيائي والتنافسي؛ إنه يمتلك قدرات إدراكية حادة تجعله استراتيجياً بارعاً، ولكن ما ينقصه تماماً هو ‘الدافع التطوري النفسي’ للتعاون غير النفعي، ومشاركة الانتباه كغاية في حد ذاتها. إن الشمبانزي يتعاون تكتيكياً حين تتقاطع مصالحه الفردية بقوة، ولكنه لا يمتلك ‘نحن’ الإدراكية التي تؤسس للقصدية المشتركة”.
11.3 المناظرات مع الناتيفيين ومؤيدي استقلالية ملكة اللغة (Fodor & Chomsky)
شكلت الجبهة الفلسفية واللسانية السجال الأكثر احتداماً في مسيرة توماسيلو، وتحديداً مع ممثلي الناتيفية اللغوية الصارمة ومناصري “نموذجية العقل” (Modularity of Mind) بزعامة جيري فودور (Jerry Fodor) ونعوم تشومسكي. يرى هذا التيار أن ملكة اللغة (Faculty of Language) هي عضو بيولوجي مستقل وراثياً ومشفر مسبقاً في الدماغ البشري، ويعمل وفق خوارزميات نحوية صورية لا علاقة لها بالإدراك العام ولا بالسلوك الحركي السيميائي.
رفض الناتيفيون بشدة فكرة اشتقاق النحو واللغة التوليدية اللانهائية من مجرد “إيماءات حركية تواصلية وبراغماتية”. وحجتهم المركزية هي “فقر المثير” (Poverty of the Stimulus)؛ حيث يرون أن المدخلات الحسية والإيمائية التي يتلقاها الطفل في بيئته غير كافية منطقياً لتفسير اكتسابه السريع والمفاجئ للقواعد النحوية المعقدة والمجردة للغاية دون تلقين صريح، مما يوجب بالضرورة وجود معرفة فطرية مسبقة بالنحو الشامل.
في الرد على ذلك، قدم توماسيلو نماذج حوسبية وتجريبية مستعرضة ومتسلسلة لأطفال يتعلمون اللغة عبر الاستخدام الفعلي، وبرهن على أن افتراضات فقر المثير مبالغ فيها بشكل دراماتيكي. وأثبت أن الأطفال الصغار في بداياتهم لا يستخدمون قواعد نحوية تجريدية مجردة (Abstract Syntactic Rules)، بل يعتمدون على عبارات نمطية مكررة مرتبطة بكلمات محددة (Item-Based Constructions)، ثم يطورون قدراتهم تدريجياً عبر آليات التعميم الإدراكي وقراءة النوايا المشتركة دون الحاجة لأي عضو نحوي أسطوري مشفر وراثياً. ساهم هذا الرد التاريخي في إحداث زلزال داخل اللسانيات المعاصرة، معيداً توجيه الدفة نحو اللسانيات المعرفية التطورية التي تعيد ربط اللغة بجسد الإنسان وثقافته التفاعلية الحية.
12. التطبيقات الإكلينيكية والتربوية المعاصرة لأبحاث الإشارة والقصدية
12.1 الكشف المبكر عن اضطرابات طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder)
لم تتوقف أبحاث مايكل توماسيلو عند حدود التنظير الأنثروبولوجي والمقارن، بل أحدثت ثورة تطبيقية فارقة في ميدان الطب النفسي الإكلينيكي وعلم النفس المرضي النمائي، وتحديداً في مجال التشخيص المبكر لـ اضطرابات طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). تاريخياً، كان تشخيص التوحد يتأخر غالباً حتى سن الثالثة أو الرابعة، أي حين يظهر التأخر اللغوي الصريح أو تتفاقم صعوبات الاندماج الاجتماعي المدرسي.
بفضل دراسات توماسيلو حول إيماءة الإشارة، تحول تركيز الأطباء والمختصين إلى مؤشرات سلوكية غير لفظية حاسمة تظهر بوضوح في عمر 12 شهراً. أصبح “غياب أو تأخر إيماءة الإشارة التشاركية (Declarative Pointing)” يُعد اليوم واحداً من أقوى المؤشرات الحيوية السلوكية المبكرة (Behavioral Biomarkers) للتوحد. والأهم من ذلك هو التمييز الإكلينيكي الدقيق بين أنماط الإشارة:
- الطفل الذي يتطور ضمن طيف التوحد قد يستخدم “الإشارة الإلزامية/الطلبية” (Imperative Pointing)؛ كأن يأخذ يد أمه ويضعها فوق علبة الحلوى المغلقة أو يشير إليها بحدة طلباً للطعام، حيث يتعامل مع يد الراشد كأداة وظيفية فيزيائية.
- ولكنه يُظهر غياباً شبه تام لـ “الإشارة التشاركية التعبيرية أو الإخبارية”؛ فلا يشير ليشارك والديه الانبهار بلعبة ممتعة، ولا يوزع نظراته بين الهدف والوجه (غياب النظرة التبادلية Gaze Alternation)، كما يفتقر للانجذاب التلقائي نحو إيماءات الانتباه المشترك التي يقدمها الآخرون.
أدى هذا الفهم العميق لخلل آليات القصدية المشتركة إلى إعادة صياغة المقاييس التشخيصية العالمية المعتمدة؛ مثل مقياس (ADOS-2) ومقياس الفحص المبكر للتوحد (M-CHAT)، والتي أصبحت تعتمد بشكل مكثف على بروتوكولات مستوحاة مباشرة من مهام مختبر لايبزغ لاختبار الانتباه المشترك، مما فتح الباب للتدخل العلاجي الحرج في نوافذ نمائية مبكرة جداً تسبق اكتمال تشكل الدوائر العصبية الصلبة في الدماغ.
12.2 برامج التدخل المبكر وتأهيل التواصل البديل والداعم (AAC)
انعكست هذه الكشوفات الإكلينيكية مباشرة على تصميم برامج التدخل النمائي والتأهيلي للأطفال ذوي الإعاقات النمائية والتأخر اللغوي الشديد؛ حيث أدرك المعالجون أن تدريب الطفل على النطق الميكانيكي للألفاظ هو محاولة لبناء سقف المنزل قبل إرساء أساساته الإدراكية التحتية. أصبح الهدف الأساسي لبرامج التدخل الحديثة هو “إعادة بناء البنية التحتية للقصدية المشتركة والانتباه المشترك أولاً”.
تعتمد بروتوكولات التدخل المعاصرة، مثل نموذج التدخل التواصلي الطبيعي المبكر (Early Start Denver Model – ESDM)، على تصميم “أنشطة روتينية مشتركة” (Joint Action Routines) تركز على اللعب الحركي التبادلي دون ضغط لفظي. ويتم تدريب الوالدين على التقاط محاولات الإشارة غير المكتملة لدى الرضيع والاستجابة لها بتناغم عاطفي فوري وتكرار مواءمة النظرات لتوسيع مساحة الأرضية المعرفية المشتركة.
وفي مجال أنظمة التواصل البديل والداعم (Augmentative and Alternative Communication – AAC)—سواء عبر البطاقات المصورة كبرنامج (PECS) أو الأجهزة اللوحية التوليدية للكلام—تمت إعادة صياغة المناهج التأهيلية؛ حيث لم يعد التركيز مقتصراً على تدريب الطفل على “طلب الاحتياجات المادية”، بل جرى استحداث أيقونات تفاعلية تتيح للطفل غير الناطق ممارسة “الإشارة الإخبارية والتشاركية”؛ مثل التعبير عن الإعجاب، ولفت انتباه الشريك لحدث خارجي، ومشاركة الضحك والمشاعر، وهو ما يعيد للطفل إنسانيته التفاعلية الكاملة المتجذرة في القصدية المشتركة بدلاً من اختزاله في كائن يطلب الغذاء وحسب.
12.3 الرؤى التربوية الحديثة وتصميم بيئات التعلم التعاوني
امتدت أصداء أبحاث مايكل توماسيلو بقوة إلى ميدان الفلسفة التربوية وبيداغوجيا التعليم في الطفولة المبكرة والمدارس الابتدائية؛ حيث قدمت أطروحاته في “تأثير السقاطة” و”القصدية الجماعية” الأساس العلمي والبيولوجي الصلب لتجاوز النماذج التعليمية التقليدية القائمة على التلقين الإفرادي والتنافس الأكاديمي الحاد.
تؤكد الرؤى التربوية المستندة إلى دراسات القصدية على أن الدماغ البشري مهيأ بيولوجياً للتعلم من خلال “المشروعات الجماعية التعاونية” (Cooperative Learning). في هذه البيئات، لا يتعلم الطالب كحاسوب فردي معزول يتلقى البيانات من المعلم، بل ينخرط مع أقرانه في فضاء من القصدية المشتركة؛ حيث تتكامل أدوارهم لحل مشكلة موحدة، ويتبادلون المعارف استناداً إلى أرضية مشتركة تنمو وتتراكم عبر الحوار والنقاش المستمر، محاكين بذلك عملية الصيد التعاوني التي أنشأت العقل البشري الأول.
كما أبرزت هذه الدراسات أهمية “التوجيه الانتباهي البصري غير اللفظي” في ممارسات المعلمين داخل الفصول؛ فالمعلم الناجح لا يلقي التعليمات صوتياً فقط، بل يستخدم مسارات العيون، وتعبيرات الوجه، وإيماءات الإشارة الدقيقة لبناء جسور الانتباه المشترك وتثبيت المرجعيات المعرفية للطلاب. إن تحفيز الدافع الإيثاري المعرفي ومكافأة الطلاب على مشاركة المعلومات ومساعدة المتعثرين بدلاً من التنافس الضيق يحول المدرسة إلى حاضنة حية تعزز الهوية الجمعية والتفكير التراكمي المبدع، محققة أقصى تجليات التكيف الثقافي الإنساني النبيل.
خاتمة واستنتاجات ختامية: ما الذي يجعلنا بشراً؟
في ختام هذه الرحلة المعرفية الواسعة في دراسات مايكل توماسيلو حول الإشارة والقصدية، يتضح لنا بجلاء كيف استطاع هذا العالم الفذ إعادة صياغة السؤال الأنطولوجي الأبدي: “ما الذي يجعلنا بشراً؟”. لم تكن الإجابة كامنة في شفرة وراثية صامتة، ولا في عضلات لسانية تلفظ حركات الإعراب، بل كانت متموضعة في تلك الشرارة النفسية-الاجتماعية الدافئة التي تشتعل بين عينين تلتقيان لتتشاركا النظر إلى العالم من خلال إصبع ممدود.
أثبت توماسيلو أن النشوء المعرفي البشري هو في جوهره قصة انتقال بطولية من “القصدية الفردية” المحكومة بالصراع والتنافس الدارويني الأعمى لدى أسلافنا من الرئيسيات، إلى رحاب “القصدية المشتركة” القائمة على التنسيق المزدوج، والإيثار المعرفي، والرغبة الأصيلة في تبادل المشاعر والانتباه، وصولاً إلى “القصدية الجماعية” التي شيدت صروح الحضارة، واللغة، والمؤسسات، والمعايير الأخلاقية الملزمة.
إن إيماءة الإشارة بالسبابة (Pointing)، التي تبزغ في عفوية الرضيع قبل أن يتلفظ بحرفه الأول، تظل المعجزة التطورية الأكثر بهاءً وتجريداً؛ إنها الجسر الحركي السيميائي الذي عبر عليه الإنسان من الطبيعة الغريزية إلى الثقافة الرمزية التراكمية. ومن خلال تفكيك هذا الفعل البسيط، منحنا مايكل توماسيلو مرآة علمية بالغة الدقة لنرى فيها حقيقة ذواتنا: نحن لسنا مجرد قردة بأدمغة حاسوبية ضخمة، بل نحن الكائنات الوحيدة على هذا الكوكب التي تكمن عبقريتها البيولوجية في قدرتها على أن تقول للآخر بحب وشغف: “انظر معي إلى هذا، ودعنا نكتشفه سوياً كـ نحن”.
المراجع
- Brentano, F. (1874). Psychology from an Empirical Standpoint. Duncker & Humblot. https://plato.stanford.edu/entries/brentano-notion/
- Chomsky, N. (1965). Aspects of the Theory of Syntax. MIT Press. https://mitpress.mit.edu/9780262527408/aspects-of-the-theory-of-syntax/
- De Waal, F. B. (2009). The Age of Empathy: Nature’s Lessons for a Kinder Society. Harmony Books. https://www.penguinrandomhouse.com/books/199343/the-age-of-empathy-by-frans-de-waal/
- Grice, H. P. (1975). Logic and conversation. In Syntax and Semantics (Vol. 3, pp. 41-58). Brill. https://plato.stanford.edu/entries/grice/
- Herrmann, E., Call, J., Hernàndez-Lloreda, M. V., Hare, B., & Tomasello, M. (2007). Humans have evolved specialized skills of social cognition: The cultural intelligence hypothesis. Science, 317(5843), 1360-1366. https://doi.org/10.1126/science.1146515
- Liszkowski, U., Carpenter, M., Henning, A., Striano, T., & Tomasello, M. (2004). Twelve-month-olds point to share attention and interest. Developmental Science, 7(3), 297-307. https://doi.org/10.1111/j.1467-7687.2004.00349.x
- Searle, J. R. (1995). The Construction of Social Reality. Free Press. https://plato.stanford.edu/entries/collective-intentionality/
- Tomasello, M. (1999). The Cultural Origins of Human Cognition. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674005822
- Tomasello, M. (2003). Constructing a Language: A Usage-Based Theory of Language Acquisition. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674017818
- Tomasello, M. (2008). Origins of Human Communication. MIT Press. https://mitpress.mit.edu/9780262515207/origins-of-human-communication/
- Tomasello, M. (2014). A Natural History of Human Thinking. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674724778
- Tomasello, M. (2016). A Natural History of Human Morality. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674088641
- Tomasello, M. (2019). Becoming Human: A Theory of Ontogeny. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674980860
- Tomasello, M., Carpenter, M., Call, J., Behne, T., & Moll, H. (2005). Understanding and sharing intentions: The origins of cultural cognition. Behavioral and Brain Sciences, 28(5), 675-691. https://doi.org/10.1017/S0140525X05000129
- Warneken, F., & Tomasello, M. (2006). Altruistic helping in human infants and young chimpanzees. Science, 311(5765), 1301-1303. https://doi.org/10.1126/science.1121448