تاريخ الطب النفسيحقوق الإنسان والأخلاقيات الطبيةعلم النفس العسكري

مشروع النفور (علاج التحويل في حقبة الفصل العنصري) – أوبري ليفين

دراسة أكاديمية وتاريخية شاملة حول مشروع النفور في جنوب إفريقيا إبان الفصل العنصري، والانتهاكات النفسية والطبية تحت إشراف الطبيب النفسي أوبري ليفين.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 11 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 11 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُمثّل دراسة التقاطعات التاريخية بين الأيديولوجيات الشمولية والممارسات الطبية واحدة من أكثر المساحات قتامة في التاريخ المعاصر؛ إذ تكشف كيف يمكن للعلوم السريرية، حين تُجرّد من ميثاقها الأخلاقي وتُوظّف لخدمة عقائد الهيمنة، أن تتحول من أداة لتخفيف المعاناة الإنسانية إلى وسيلة ممنهجة لممارسة العنف والإخضاع البيولوجي. في هذا السياق، يقف مشروع النفور (The Aversion Project) الذي نُفّذ في جنوب إفريقيا إبان حقبة الفصل العنصري (الأبارتهايد) كشاهد مروع على تسخير الطب النفسي والجراحة لخدمة مشروع استعماري عنصري هادف إلى هندسة المجتمع وضبط أجساد الأفراد وهوياتهم لتتوافق قسراً مع متطلبات الدولة القومية البيضاء.

انطلق هذا المشروع السري في سبعينيات القرن العشرين وبلغ ذروته في ثمانينياته داخل أروقة المؤسسة العسكرية التابعة لنظام الفصل العنصري، وتحديداً ضمن قوات الدفاع لجنوب إفريقيا (South African Defence Force – SADF). تحت قيادة الطبيب النفسي العسكري العقيد أوبري ليفين (Aubrey Levin)، المعروف بلقب «دكتور شوك» (Dr. Shock)، أُخضع مئات من المجندين الإلزاميين البيض لبرامج تعذيب سريرية شملت التكييف النفوري القسري بالصدمات الكهربائية، والإغراق الكيميائي بالعقاقير المسببة للغثيان، بل وتجاوز ذلك إلى إجراء عمليات جراحية غير مكتملة لإعادة تحديد الجنس قسراً، في محاولة بائسة ومجرمة «لاستئصال» المثلية الجنسية وتطويع ما اعتبره النظام «انحرافاً» يهدد البنية العسكرية والأمن القومي للدولة الأفريكانية المحاصرة بالمقاومة الداخلية والعزلة الدولية.

تتجاوز أهمية تفكيك مشروع النفور مجرد سرد وقائع جريمة طبية وقعت في الماضي؛ إنها دراسة نقدية في آليات «البيوسياسة» (Biopolitics) والسلطة التأديبية التي مارسها نظام الفصل العنصري في أقصى تجلياتها تطرفاً. يستعرض هذا المقال الموسع بالتحليل المعمق والشامل الجذور التاريخية والأيديولوجية لهذا المشروع، ودور المؤسسة العسكرية والطبية المتواطئة، والمنهجيات السادية التي استُخدمت داخل «الجناح 22»، وصولاً إلى التحقيقات التاريخية للجنة الحقيقة والمصالحة، وسقوط مهندس هذا المشروع أمام القضاء الجنائي الدولي، في شهادة موثقة على خطورة عسكرة العلوم وسقوط الأخلاقيات المهنية أمام طغيان الأيديولوجيا الشمولية.

1. مدخل تاريخي: مشروع النفور وسياق جنوب إفريقيا إبان الفصل العنصري

1.1 الجذور التاريخية والسياسية للمشروع الطبي العسكري

نشأ مشروع النفور في حقبة اتسمت بالبارانويا الأمنية والاضطراب السياسي العميق في جنوب إفريقيا خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. وجد نظام الأبارتهايد نفسه يواجه تصاعداً مستمراً في حركات التحرر الوطني المناهضة للعنصرية، والتي قادها حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (African National Congress)، بالتزامن مع حروب الحدود الشرسة في ناميبيا وأنغولا ضد القوات الماركسية. ولدت هذه البيئة المتوترة حالة من الاستنفار الشامل داخل الأقلية الحاكمة، حيث بات الحفاظ على نقاء الأمة وبأسها العسكري مسألة وجودية في العقيدة القومية للأفريكانر.

تمثلت أرضية المشروع في التقاطع العضوي بين أيديولوجيا التفوق الأبيض، والقومية المسيحية المتشددة ذات الجذور الكالفينية، والعسكرة الفاشية للمجتمع الاستعماري. نُظر إلى الجسد الأبيض ليس كملكية فردية، بل كأصل عسكري واستراتيجي تابع للدولة مباشرة. واعتُبر أي تصدع في هذه الكتلة البشرية أو انحراف عن المعايير الصارمة للرجولة المقاتلة بمثابة خيانة وجودية تُهدد تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة ما وصفه النظام الاستعماري بـ«الخطر الأحمر» (الشيوعية) و«الخطر الأسود» (الأغلبية الإفريقية المطالبة بحقوقها).

في هذا السياق المتأزم، جرت عسكرة شاملة للطب النفسي وتحويله إلى جهاز من أجهزة الضبط الاجتماعي داخل قوات الدفاع لجنوب إفريقيا (SADF). تحالفت المؤسسة الطبية مع القيادة العسكرية العليا لصياغة بروتوكولات سرية تهدف إلى فحص وتطهير صفوف القوات المسلحة. وقد أحاطت الدولة هذه العمليات بجدار حديدي من السرية والكتمان التام داخل المستشفيات والقواعد العسكرية، مستغلة قوانين الطوارئ الصارمة والرقابة الصارمة على وسائل الإعلام لمنع أي تسريب قد يثير استياء الرأي العام الداخلي أو يُعمق العزلة الدبلوماسية الدولية للنظام.

1.2 تعريف مشروع النفور وأهدافه المعلنة والمضمرة

يُعرّف «مشروع النفور» تاريخياً بأنه برنامج طبي ونفسي قسري، أدارته قوات الدفاع لجنوب إفريقيا ومارست خلاله أشكالاً وحشية من «علاج التحويل» (Conversion Therapy) والتعذيب الجسدي والنفسي المنظم ضد المجندين الذين اشتُبه في كونهم مثليين جنسياً أو ذوي سلوكيات غير متوافقة مع الأدوار الجندرية النمطية. وعلى الرغم من أن المشروع طُبق بصورة سرية، إلا أن أطره الأيديولوجية نبعت من القرارات الإدارية والتوجيهات العسكرية الداخلية التي تبنتها قيادة الخدمات الطبية في الجيش (South African Medical Service).

تمثل الهدف المعلن للمشروع في استئصال السلوكيات الجنسية المثلية لدى المجندين البيض من أجل «إعادة تأهيلهم» وتأمين «الكفاءة القتالية» للجيش النظامي. اعتبرت القيادة العسكرية أن الانجذاب نحو أفراد من الجنس نفسه يمثل دليلاً قاطعاً على الضعف والوهن والاضطراب الأخلاقي، وهو ما لا يمكن التسامح معه في جندي يُفترض به الدفاع عن معاقل الحضارة الغربية البيضاء في القارة الإفريقية. صُنفت المثلية الجنسية وفق الدليل الطبي العسكري بوصفها اضطراباً نفسياً خطيراً وسلوكاً تخريبياً يعادل التمرد ويهدد أمن واستقرار الدولة القومية.

أما الأهداف الفعلية والمضمرة فكانت أكثر شمولية وجذرية؛ إذ استهدف المشروع ممارسة الهندسة السلوكية القسرية وتطويع الهوية الفردية بما يتطابق بالكامل مع الفاشية المؤسسية للأبارتهايد. تم استغلال نظام التجنيد العسكري الإجباري الشامل ليتحول إلى شبكة صيد واسعة النطاق لرصد واقتناص أي تمظهرات للاختلاف الجنسي أو الجندري، ومن ثم إخضاع هؤلاء الشبان لعمليات إعادة نمذجة بيولوجية تعيد إنتاجهم كأدوات طيعة تحت سيطرة الآلة الاستعمارية العسكرية.

1.3 الإطار الزمني والموقع الجغرافي للمشروع (جناح 22)

امتد النطاق الزمني لمشروع النفور بصورة مكثفة من عام 1971 وحتى أواخر الثمانينيات، بالتزامن مع ذروة حرب الحدود في جنوب إفريقيا وحالات الطوارئ المتتالية. بدأ البرنامج في صورة تجارب سريرية غير رسمية قادها أطباء عسكريون، ثم سرعان ما اتسع ليتحول إلى استراتيجية ممنهجة ذات ميزانيات مخصصة ومراكز حجز سريرية مجهزة بأحدث أدوات التعذيب الكهربائي والدوائي المتوفرة آنذاك، قبل أن يُفكك تدريجياً مع تداعي أركان نظام الفصل العنصري في بداية التسعينيات.

تمركزت العمليات الأكثر وحشية للمشروع داخل مستشفى «فوورتريكر هوخيتي» (Voortrekkerhoogte Military Hospital) العسكري الضخم، الواقع بالقرب من العاصمة الإدارية بريتوريا، وهو المجمع الاستشفائي الذي كان بمثابة الحصن الطبي الرئيسي للقوات المسلحة. داخل هذا المستشفى، أُسس قطاع خاص عُرف تاريخياً بـ «الجناح 22» (Ward 22)، الذي تحول إلى رمز مطلق للرعب النفسي والتنكيل الجسدي المؤسسي، حيث كان المجندون يعزلون فور اقتيادهم خلف أبواب مغلقة وأسرة محكمة الإغلاق.

عمل الجناح 22 كوحدة سرية معزولة تماماً عن بقية أقسام المستشفى وعن الحياة المدنية، وشكّل ثقباً أسود للحقوق الإنسانية خضع لإشراف مباشر من كبار الضباط النفسيين. فرضت وزارة الدفاع تعتيماً استخباراتياً مطبقاً حول الأنشطة الجارية داخل هذا الجناح؛ حيث مُنع الأطباء والممرضون من مناقشة ما يجري تحت طائلة المحاكمة العسكرية بالخيانة، بينما حُظر على المجندين المحتجزين أي تواصل خارجي مع عائلاتهم، لضمان عدم تسرب أي حقيقة للعالم الخارجي أو المنظمات الإنسانية الدولية.

2. الأيديولوجيا السياسية والدينية: تجريم المثلية في نظام الأبارتهايد

2.1 اللاهوت المسيحي القومي والذكورية العسكرية

لا يمكن فهم الآليات السادية لمشروع النفور بمعزل عن الأيديولوجيا اللاهوتية التي حكمت دولة الأبارتهايد. استند الحزب الوطني الحاكم (National Party) إلى تفسيرات أصولية راديكالية تبنتها كنيسة الإصلاح الهولندي (Nederduitse Gereformeerde Kerk)، وهي كنيسة وظفت النصوص الدينية لتبرير الفصل العنصري والتفوق البيولوجي للأفريكانر، معتبرة إياهم «شعب الله المختار» المكلف بهداية وحكم القارة الإفريقية. انطلاقاً من هذه الرؤية الثيوقراطية، عُدت المثلية الجنسية رجساً شيطانياً، وتمرداً صريحاً ضد المشيئة الإلهية التي رسمت حدود الأسرة والنسل.

تكاملت هذه العقيدة اللاهوتية مع مفهوم صارم وبطرياركي لما يجب أن يكون عليه «الجندي الإفريكانر»؛ نموذج للرجولة الفولاذية التي لا تلين، المكرسة للتضحية والقتال والتبشير القومي. كانت الهوية الذكورية العسكرية مصممة لإنتاج مقاتلين شرسين يتمتعون بطاعة عمياء للمؤسسة العسكرية. وفي هذا البناء المفاهيمي الضيق، كان أي مظهر من مظاهر الرقة أو التعبير عن الرغبة المثلية يُفسر على أنه تآكل بنيوي وخلل جيني وأخلاقي يهدد تماسك السلالة البيضاء المقاتلة في معركتها الحضارية.

فرض المجتمع الأفريكاني ضغوطاً هائلة على الأسر لحفظ «شرف الدم والنقاء»؛ فكان وجود ابن مثلي يُعد عاراً عائلياً وخيانة لاهوتية وقومية لا تغتفر. دُفعت الأسر المحافظة، تحت تأثير الوعظ الكنسي والضغط المجتمعي، إلى التبرؤ من أبنائهم أو تسليمهم طوعاً للمؤسسات العسكرية والطبية لإعادة «تقويمهم» أو معاقبتهم، مما جرد هؤلاء الشبان من أي حاضنة عائلية أو دعم عاطفي يمكن أن يلجأوا إليه للاحتماء من آلة القمع الحكومية.

2.2 التشريعات والقوانين المناهضة للمثلية في عهد الفصل العنصري

انعكست النظرة اللاهوتية والعسكرية المتشددة في المنظومة التشريعية لدولة الفصل العنصري عبر ترسانة قانونية بالغة القسوة. تمثل العمود الفقري لهذا التوجه في تطوير وتوسيع نطاق قانون مكافحة الفواحش (Immorality Act)، ولا سيما التعديلات الجائرة التي أُدخلت عليه في عام 1968. لم يكتفِ القانون بحظر العلاقات الجنسية بين الأعراق المختلفة للحفاظ على «النقاء العرقي»، بل جرم كافة الأنشطة الجنسية بين الذكور واعتبرها جنحاً جنائية عليا تقتضي عقوبات بالسجن لسنوات طويلة مع الأشغال الشاقة.

امتدت هذه القوانين داخل المؤسسة العسكرية لتتخذ طابعاً أكثر راديكالية واستبداداً؛ حيث حدد «قانون الانضباط العسكري» (Military Discipline Code) الممارسات المثلية بصفتها سلوكاً مشيناً ومخلاً بالشرف العسكري يعاقب عليه بالطرد المخزي والسجن الفوري. حُرم المجندون من أي شكل من أشكال الحماية القانونية أو الإجراءات العادلة، وسلبت أحكام الطوارئ المستمرة الأفراد حقهم في التظلم أو اللجوء إلى محاكم مدنية مستقلة للاحتجاج على احتجازهم الطبي القسري.

استخدمت القيادة العسكرية سيف التهديد القانوني بمهارة لابتزاز الضحايا؛ فكان يتم تخيير المجند الذي يثبت عليه السلوك المثلي بين مواجهة محاكمة عسكرية علنية تُسفر عن الحكم بالحبس في المعسكرات التأديبية العسكرية ذات السمعة السيئة، مثل معسكر الأشغال الشاقة «كالفالوك» (DB Voortrekkerhoogte)، وما يترتب على ذلك من تدمير مستقبله المدني وإشهار عاره العائلي، أو «الخضوع الطوعي» للعلاج النفسي وإعادة التأهيل السلوكي داخل الجناح 22، ليختار الغالبية المسحوقة الخيار الثاني ظناً منهم أنه طوق نجاة، قبل أن يكتشفوا أنه جحيم التعذيب المؤسسي.

2.3 الوسواس الأمني ونظرية المؤامرة الشيوعية

في مخيلة قادة الأبارتهايد، لم تكن المثلية الجنسية مجرد «انحراف فردي»، بل جرى تصعيدها وتحويلها إلى تهديد وجودي للأمن القومي من خلال دمجها الممنهج في إطار نظريات المؤامرة الدولية. كان النظام يروج لعقيدة تُعرف بـ«الهجوم الشامل» (Total Onslaught)، وهي فرضية أمنية تدعي أن الاتحاد السوفيتي والقوى الشيوعية العالمية تقود حرباً سرية متعددة الجبهات لتقويض جنوب إفريقيا المسيحية والبيضاء عبر تفكيك مؤسساتها الدينية والعسكرية وتدمير نسيجها الأخلاقي من الداخل.

روّجت أجهزة الاستخبارات العسكرية والدوائر الإعلامية التابعة للحكومة لأطروحة تزعم أن حركات التحرر الجنسي، التي تصاعدت في الغرب وتزامنت مع نشوء جماعات مناهضة للأبارتهايد، ما هي إلا مكيدة خبيثة مدبرة من أجهزة الاستخبارات الماركسية لخلخلة الانضباط النفسي للشباب الأبيض، وتجريدهم من الرغبة في حمل السلاح والدفاع عن وطنهم. ومن ثم، نُظر إلى الشاب المثلي بوصفه حصان طروادة محتمل وعنصراً ضعيفاً قابلاً للاختراق والتجنيد من قبل شبكات التجسس التابعة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي أو الاستخبارات السوفيتية (KGB).

ترتب على هذا الربط الأمني القاتل تعامل استخباراتي قمعي مع كل من تثار حوله شكوك مثلية داخل صفوف القوات المسلحة. كان المجندون يُخضعون لتحقيقات أمنية ماراثونية تحت التعذيب، لا لمعرفة أسرارهم الجنسية فحسب، بل للتحقق من صلاتهم المزعومة بالناشطين السياسيين اليساريين والحركات الطلابية المناهضة للعنصرية. قاد هذا الهوس الأمني إلى اندماج كامل بين أجهزة الاستخبارات العسكرية والأطباء النفسيين، حيث تسلّم الأطباء مرضاهم وهم مصنفون سلفاً في السجلات العسكرية كأعداء محتملين أو خلايا نائمة ينبغي تفكيك بنيتها النفسية لحماية أمن النظام.

3. الدكتور أوبري ليفين: المسيرة المهنية والصعود الطبي-العسكري

3.1 النشأة الأكاديمية والميول السلوكية المبكرة

وُلد أوبري ليفين وتلقى تعليمه الطبي في جنوب إفريقيا، وبرز منذ خطواته الأكاديمية الأولى كشخصية طموحة تسعى لفرض حضورها في مجال الطب النفسي السريري. تأثر ليفين خلال تكوينه بالموجة الصاعدة للطب النفسي البيولوجي والمدرسة السلوكية الراديكالية التي رأت في السلوك الإنساني مجموعة من الاستجابات الميكانيكية التي يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها عبر آليات الإشراط الكلاسيكي المستوحاة من أبحاث إيفان بافلوف وبيهيفوريزم بي إف سكينر.

تبنى ليفين قناعة متطرفة مفادها أن المشاعر والعواطف والهوية الجنسية ليست سوى أنماط عصبية مكتسبة عن طريق الخطأ والتأثيرات البيئية الفاسدة، وأنه يمكن عن طريق تطبيق محفزات نفورية صارمة (Aversive Stimuli) مسح هذه الأنماط واستبدالها بسلوكيات مقبولة اجتماعياً. كان يرى في النفس البشرية لوحاً ميكانيكياً قابلاً للضبط الرياضي متجاهلاً الطبيعة التكوينية والبيولوجية والنفسية العميقة للشخصية والهوية الذاتية.

لكن تطبيق هذه النماذج السلوكية المتطرفة كان يتطلب شروطاً يصعب تحقيقها في العيادات المدنية العامة؛ حيث كان المرضى يملكون حق المغادرة ورفض المعاملة القاسية. وجد ليفين في المؤسسة العسكرية الاستبدادية البيئة المثالية لتحقيق طموحاته الأكاديمية والسريرية؛ إذ وفرت له قوات الدفاع عينة ضخمة من الشبان الخاضعين كلياً للأوامر والانضباط، والمجردين من حق الرفض، مما منحه حرية تحويل طموحاته النظرية إلى واقع تجريبي دون قيود من مجالس أخلاقيات البحوث الطبية.

3.2 صعود ليفين في التسلسل الهرمي لقوات الدفاع لجنوب إفريقيا

سارع ليفين بالانخراط في السلك العسكري لقوات الدفاع لجنوب إفريقيا، واستغل بحنكة الأجواء المشحونة بالرعب الأمني والتعصب الأيديولوجي لترويج رؤاه الطبية كحلول علمية ناجزة لمعضلة «الانحلال والانحراف» داخل صفوف القوات المسلحة. سرعان ما لفت انتباه القيادة العسكرية العليا التي رأت في أطروحاته تطابقاً تاماً مع أهدافها في بناء جيش حديدي منضبط، وتدرج سريعاً في الرتب حتى نال رتبة عقيد في الخدمات الطبية العسكرية.

عُيّن ليفين رئيساً لقسم الطب النفسي العسكري، ومُنح الإشراف الميداني الكامل والمطلق على «الجناح 22» السري في مستشفى فوورتريكر هوخيتي. منحته رتبته العسكرية مع سلطته السريرية نفوذاً كاسحاً؛ إذ جمع في يديه سلطة الضابط الآمر الذي لا تُرد أوامره، وسلطة الطبيب الذي يملك تقرير المصير الصحي والنفسي للجنود الخاضعين لولايته دون أي رقابة مدنية مستقلة.

في أروقة المستشفى ومعسكرات التدريب، ارتبط اسم أوبري ليفين بالرعب؛ وسرعان ما أطلق عليه المجندون والضحايا لقب «دكتور شوك» (Dr. Shock)، نظراً لاستخدامه المفرط والوحشي للصدمات الكهربائية كوسيلة علاجية وعقابية على حد سواء. أمن ليفين لنفسه حماية سياسية وعسكرية شاملة من خلال نسج علاقات مصالح عميقة مع الجنرالات وكبار رجالات الحزب الوطني، ما جعله رجلاً فوق المساءلة والقانون طوال فترة خدمته تحت مظلة نظام الفصل العنصري.

3.3 فلسفة ليفين السريرية في ‘شفاء’ المثلية الجنسية

استندت الفلسفة السريرية لأوبري ليفين إلى افتراض زائف يخلط بين المرض والانحراف الأخلاقي، وينكر بالمطلق أي شرعية للهوية الجنسية المثلية. في نظرته، لم يكن المثلي سوى كائن منحرف تشكلت لديه استجابة إشراطية شاذة لجسد أبناء جنسه نتيجة ضعف في التربية أو إغواء خارجي، ولذلك فإن واجب الطب العسكري لا يكمن في احتوائه وفهمه، بل في محو هذه الاستجابة عبر صدمات جسدية ونفسية مؤلمة تفكك الرابطة العصبية المزعومة بين الانجذاب واللذة.

كان ليفين يدافع بضراوة عن فكرة أن الألم الجسدي المبرح أداة تطهيرية وتصحيحية مشروعة؛ فإذا قُرن المحفز الإيروتيكي المثلي بالألم الحاد الذي لا يُطاق والغثيان الجسدي الشديد، فإن الدماغ سيطور نفوراً غريزياً من الانجذاب لنفس الجنس، وبالمقابل، عندما يُقدم المحفز المغاير (صور النساء) في بيئة هادئة ومريحة وخالية من الألم، سيتحول مسار الرغبة الجنسية بصورة آلية نحو المعيارية المغايرة المفروضة دينياً وعسكرياً.

على الرغم من إخفاق هذه الفلسفة وتسببها في تدمير مئات الحيوات وإلحاق أضرار عصبية وعقلية جسيمة بالضحايا، كان ليفين يتعامى كلياً عن التقارير الدولية التي كانت تشكك في علاجات التحويل وتكشف عبثيتها. بل مضى في إعداد تقارير ومحاضرات سرية للقيادة العامة يزعم فيها تحقيق نجاحات سريرية مذهلة في «إعادة تأهيل» الجنود وجعلهم قادرين على الزواج وتأسيس أسر وإبداء كفاءة قتالية ممتازة، وهي ادعاءات بنيت على التضليل والتقييمات الزائفة التي انتُزعت من مجندين منهكين وافقوا على ادعاء الشفاء للفرار من جحيم الصدمات والتعذيب المستمر.

4. آليات الاختيار والفرز داخل المؤسسة العسكرية

4.1 نظام التجنيد الإجباري كفخ اصطياد منهجي

فرضت دولة الفصل العنصري نظام تجنيد إجباري شامل وقهري استهدف جميع الذكور البيض فور بلوغهم سن السادسة عشرة، ليمتد أحياناً حتى الخامسة والعشرين وما بعدها عبر فترات خدمة دورية. كان هذا النظام العسكري الإلزامي بمثابة شبكة ترصد منهجية أحكمت السيطرة على جيل كامل من الشباب؛ حيث لم يكن بإمكان أي شاب أبيض الإفلات من الفحص والتدقيق العسكري ما لم يختر النفي التام خارج البلاد أو مواجهة السجن المدني الطويل.

مع دخول المجندين الجدد إلى مراكز التدريب الأساسي، كانت تبدأ عمليات الفرز النفسي والسلوكي الصارمة. صُممت استبيانات نفسية أولية ومقابلات شخصية من قبل أطباء عسكريين ضمت أسئلة فخية غاية في الدقة والمراوغة، تُسائل الشبان عن تاريخهم الجنسي المبكر، وعلاقاتهم مع أقرانهم، وميولهم نحو الفنون أو الرياضة، وطبيعة مشاعرهم تجاه النساء. كانت هذه الاستبيانات أداة لجمع معلومات حميمة تُستخدم لاحقاً كأدلة اتهام وفرز ضد أي جندي تظهر إجاباته انزياحاً عن النمط الذكوري المكرس.

علاوة على الاختبارات الورقية، كان ضباط التدريب ومساعدوهم مدربين على رصد «العلامات السلوكية الجسدية»؛ كنبرات الصوت اللينة، وطريقة المشي، وتجنب المشاركة في الأنشطة العنيفة، وغياب الاهتمام بالحديث الاستعراضي عن النساء. كان هذا التدقيق البصري الدائم يجعل المجندين يعيشون في حالة فزع ورعب وجودي، حيث يمكن لأي حركة عفوية أو بادرة رقة أن تثير الشبهات وتتحول إلى ملف اتهام يلقي بصاحبه في دوامة التحقيقات السرية.

4.2 شبكات الوشاية والمراقبة بين المجندين

لتعزيز فاعلية نظام الصيد البشري، أنشأت قوات الدفاع لجنوب إفريقيا بيئة مسمومة من الوشاية والمراقبة البينية داخل الثكنات والمعسكرات. جرى تشجيع المجندين بشكل رسمي وغير رسمي على التجسس على زملائهم والإبلاغ عن أي تصرف أو إشارة تُلمح إلى وجود تقارب حميمي أو علاقات عاطفية غير مألوفة. ولم تتردد القيادة في مكافأة المخبرين والواشين بمنحهم إجازات إضافية، وتعيينهم في وظائف إدارية مريحة، أو ترقيتهم داخل المعسكرات.

كانت الممتلكات الشخصية للمجندين عرضة للتفتيش المفاجئ والمهين في أي لحظة من الليل أو النهار. صودرت مذكرات الجنود ويومياتهم وفُتشت رسائلهم البريدية المرسلة والمستقبلة بدقة متناهية لملاحقة أي كلمات أو صور أو تعابير حب أو صداقة قد تحمل دلالات مثلية. وحين كانت تُضبط أي «شبهة»، كان المجند يُعزل فوراً ويُقتاد إلى مكاتب التحقيق حيث يُنتزع منه بالقوة والتهديد أسماء أصدقائه أو أي شركاء محتملين في المعسكر، مما وسع حلقة الضحايا على نحو متسلسل.

كان يتم نقل المشتبه بهم بصورة سرية وبشكل مباغت في مركبات عسكرية معتمة مباشرة من ثكناتهم إلى المراكز الطبية التابعة للمشروع وفي مقدمتها «الجناح 22»، دون السماح لهم بجمع متعلقاتهم أو توديع رفاقهم. والأخطر من ذلك، أنه كان يتم حجب الحقائق تماماً عن عائلاتهم؛ إذ كانت تُبلغ الأسر رسمياً بأن أبناءهم نُقلوا لأداء مهام أمنية خاصة، أو أنهم يمرون بفترة نقاهة لعلاج «إرهاق عسكري مفاجئ»، لقطع الطريق أمام أي تدخل أسري أو استفسار خارجي.

4.3 المأزق الوجودي: الخضوع للعلاج أو المحاكمة العسكرية

بمجرد دخول المجند إلى الدائرة المغلقة للفرز الطبي والنفسي، كان يوضع أمام معضلة كافكاوية مروعة لا مخرج سليم منها. يُستدعى الشاب المذعور، الذي غالباً ما يكون في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره وبلا أدنى خبرة قانونية أو حياتية، ليمثل أمام لجنة يرأسها أطباء وضباط استخبارات يرتدون بزاتهم العسكرية بصرامة متناهية، ليعلنوا له أنه متهم بجريمة لواط أو شذوذ سلوكي تسقطه تحت طائلة القضاء العسكري الصارم.

تجلت وحشية الاستدراج في طرح خيارين متطرفين أحلاهما كارثي: الخيار الأول كان الإحالة إلى المحكمة العسكرية وما يعنيه ذلك من طرد مهين يحرمه من إكمال تعليمه أو الحصول على وظيفة في الدولة، تتبعه فترة محكومية قاسية في معسكر كالفالوك السيئ الصيت، حيث يمارس ضد المسجونين أقسى أشكال التنكيل والتعذيب البدني والأشغال الشاقة التي تحطم الجسد وتدمر الكرامة، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي ستلاحق عائلته وتدمر مكانتها بين معارفها في المجتمع المحافظ.

أما الخيار البديل، فكان التكرم بالعفو العسكري و«حماية شرف العائلة» شريطة الموافقة على الخضوع لبرنامج علاجي متطور يهدف إلى تصحيح المسار السلوكي وإعادته جندياً سوياً ومواطناً صالحاً. استغل الأطباء والضباط حداثة سن المجندين وصدمتهم النفسية ورعبهم من العار لدفعهم إلى التوقيع على استمارات «الموافقة المستنيرة» المشوهة، وهي وثائق كُتبت بلغة طبية مبهمة تخلت بموجبها الضحايا عن حقوقهم القانونية، لتكتمل فصول الفخ ويدخل الشاب بإرادة مصادرة ومكسورة إلى غرف الجحيم في الجناح 22.

5. المنهجيات السلوكية: تقنيات النفور القسري وتطبيقاتها

5.1 التكييف النفوري باستخدام الصدمات الكهربائية (ECT)

شكّل التكييف النفوري القائم على الصدمات الكهربائية الركيزة التقنية والسريرية الأساسية التي بنى عليها أوبري ليفين سمعته وتجاربه داخل الجناح 22. كانت الإجراءات تبدأ باقتياد المجند المجرد من إرادته وتثبيته في مقعد معدني خاص يشبه الكراسي المستخدمة في الإعدام بالكهرباء. يُقيد الضحية بإحكام من معصميه وكاحليه لمنع أي حركة ارتدادية أو محاولة للدفاع عن النفس، وتُثبت أقطاب كهربائية على جسده، شملت تثبيتها على الذراعين والساقين، والأكثر فظاعة ووحشية تثبيتها مباشرة على الأعضاء التناسلية الحساسة للضحايا.

بدأت الجلسات بإطفاء الأنوار وعرض شرائح ملونة لرجال عراة أو مجلات إباحية مثلية على شاشة أمام الضحية. فور ظهور الصورة وأدنى استجابة فيزيولوجية أو مجرد التحديق في المحتوى، كان الطبيب أو المعاونون يضغطون أزرار أجهزة الصدمات لتفريغ شحنات كهربائية ذات فولتية عالية مؤلمة لدرجة لا تُطاق. كانت التيارات الكهربائية تمزق الجسد وتتسبب في تشنجات عضلية عنيفة، وحروق جلدية بالغة، وصراخ هيستيري يفقد الضحايا السيطرة على وظائفهم الجسدية من شدة الفزع والألم العضوي الحاد.

في الشق الثاني من العملية الإشراطية، كان العرض يتوقف فجأة وتتحول الشاشة لعرض صور لنساء عاريات أو عارضات أزياء، وتتوقف معها الصدمات الكهربائية فوراً، مع تقديم عبارات تحفيزية ناعمة وشيء من الماء لربط صورة الأنثى في الدماغ بالخلاص من العذاب وتوقف الألم. استمرت هذه الجلسات الكابوسية لساعات طويلة يومياً ومرات عدة في الأسبوع، حتى ينهار المجند كلياً ويدخل في حالة من الذهول والإنهاك العصبي الكامل والتشنجات الارتجافية المزمنة، دون أن يؤدي ذلك في الواقع إلا إلى تدمير جهازه العصبي واستبدال الرغبة برعب وفوبيا مستدامة من كل ما يمت للمشاعر أو الجنس بصلة.

5.2 العلاج الكيميائي والنفور الدوائي المبرمج

إلى جانب التيارات الكهربائية، طبق ليفين وفريقه بروتوكولاً موازياً للنفور الكيميائي القسري استُخدمت فيه العقاقير الطبية كأدوات للتعذيب المادي المنظم. ارتكز هذا الأسلوب على حقن المجندين بمركبات كيميائية محفزة للتقيؤ والاضطراب المعوي الشديد، وكان أشهرها عقار الأبومورفين (Apomorphine)، إضافة إلى عقاقير أخرى ذات آثار جانبية معوية وعصبية مهدودة، من بينها التنتور والأملاح المعدنية السامة بجرعات غير علاجية.

كانت التجربة الدوائية تُدار بطقوس إذلال بالغة الإهانة للكرامة البشرية؛ حيث يُحقن المجند بالمادة ويُربط إلى مقعد أو يُترك في سرير محاط بجدران عازلة للصوت، ثم يُجبر على النظر إلى صور ومقاطع جنسية مثلية بالتزامن مع بدء مفعول العقار. مع تصاعد نوبات الغثيان الشديدة والتقيؤ الهستيري المتواصل الذي يرافقه هبوط حاد في ضغط الدم، وتشنجات في المعدة وصداع نصفي ساحق، يُجبر الضحية على إبقاء عينيه مفتوحتين لمشاهدة الصور، مع زعم الأطباء أن هذا الربط الكيميائي سيولد كراهية جسدية باطنية وغريزية لا واعية للرغبة المثلية.

تُرك المجندون في كثير من الأحيان لساعات بل وأيام متصلة داخل غرف مظلمة ورطبة في حالة صحية يرثى لها، ملقين وسط إفرازاتهم الجسدية وقيئهم دون السماح لهم بالاغتسال أو الحصول على مياه صالحة للشرب، وذلك لكسر أي نزعة للمقاومة وتدمير تقديرهم لذواتهم الإنسانية كلياً. ولتعميق الشلل الإدراكي، أُعطي الضحايا جرعات مفرطة من المهدئات العصبية الكبرى ومضادات الذهان القوية مثل الكلوربرومازين (Thorazine)، مما جعلهم أشبه بأشباح مغيبة الوعي وعاجزة تماماً عن التفكير النقدي أو التعبير عن الاحتجاج.

5.3 الحرمان الحسي والتعذيب السيكولوجي المنهجي

لم يقتصر الإرهاب في الجناح 22 على التقنيات الفيزيائية والكيميائية، بل شمل هندسة كاملة لبيئة الاحتجاز قائمة على أساليب الحرمان الحسي والتعذيب النفسي المتطور الذي درسته وطورته وكالات الاستخبارات الغربية إبان الحرب الباردة. كان المجندون يُحتجزون في زنازين انفرادية بيضاء معزولة تماماً عن الضوء الطبيعي والأصوات الخارجية، تفتقر إلى النوافذ أو الساعات، بهدف تدمير إدراكهم الزمني والمكاني وتعطيل ساعتهم البيولوجية.

تلاعب الفريق الطبي بإضاءة الغرف؛ فكانت الأضواء النيون المبهرة تُترك مشتعلة لأيام متتالية لحرمان الضحايا من النوم، أو تُطفأ فجأة لإدخالهم في ظلام دامس مطبق وممتد يرافقه بث مستمر لضوضاء بيضاء رتيبة وأصوات مشوشة عبر مكبرات صوت خفية. أدى هذا الحرمان الحسي المنهجي إلى تفكيك دفاعات الأنا، وظهور هلاوس بصرية وسمعية حادة، وانهيار التماسك المنطقي لدى هؤلاء الشبان، مما جعلهم في حالة هشاشة نفسية قصوى وقابلية استثنائية للإيحاء والامتثال التام لأوامر المعالجين.

أعقبت هذه المراحل جلسات «استجواب سيكولوجي» ماراثونية قادها ليفين ومساعدوه، استمرت أحياناً لأكثر من أربع وعشرين ساعة متواصلة. خضع الضحايا لعمليات غسيل دماغ تضمنت تشويه ذكريات طفولتهم، وإقناعهم بأنهم عار على أسرهم ودينهم وأمتهم، وأنهم مصابون بمرض وراثي قذر لن يُطهرهم منه إلا الإذعان التام والمطلق لأوامر الطبيب. تحولت هذه الجلسات إلى محاكمات تفتيش نفسية هدفت بالأساس إلى غرس كراهية متجذرة للذات، جعلت العديد من المجندين يفضلون الموت على الاستمرار في هذا الوجود المشوه.

6. الجرائم الجراحية: عمليات إعادة تحديد الجنس القسرية

6.1 التحول من العلاج السلوكي إلى التدخل الجراحي الجذري

مع توالي سنوات التجريب وفشل تقنيات الصدمات الكهربائية والنفور الكيميائي في تغيير التوجه الجنسي للمجندين، حيث بقيت مشاعرهم وانجذابهم كما هي رغم كل آلام التعذيب، وجد الفريق الطبي في الجناح 22 نفسه في مأزق سريري خطير أمام القيادة العسكرية التي كانت تنتظر «نتائج ملموسة» تبرر الإنفاق والجهد الأمني والاستخباراتي المبذول في المشروع.

بدلاً من الاعتراف بالقصور العلمي وزيف الفرضيات السلوكية المتبعة، انزلق أوبري ليفين وشركاؤه من الأطباء والجراحين العسكريين نحو تبني مقاربة راديكالية ومجنونة؛ مفادها أنه إذا كان العقل والتوجه الجنسي غير قابلين للتطويع والتغيير ليصبح الجندي رجلاً مغايراً قادراً على القتال، فإن الحل البديل هو «تغيير الجسد البيولوجي كلياً» لمطابقة ما اعتبروه «طبيعة أنثوية كامنة». اعتقد الفريق السريري أن تحويل هؤلاء المجندين تشريحياً إلى إناث سيحل المعضلة الأخلاقية والقانونية داخل المؤسسة العسكرية؛ إذ ستصبح رغبتهم في الرجال، وفق المنظومة البطريركية، مقبولة وطبيعية ضمن القالب الجندري الأنثوي الجديد!

بين عامي 1971 و1989، تشير الوثائق والشهادات إلى أن القوات الطبية التابعة لجيش الفصل العنصري نفذت ما يقرب من 900 عملية جراحية قسرية وغير مكتملة لإعادة تحديد الجنس استهدفت الشبان والمجندين البيض. نُفذت هذه التدخلات الجراحية الجذرية دون استيفاء أي من البروتوكولات الطبية الدولية المعروفة المعمول بها مثل بروتوكولات «رابطة هاري بنجامين الدولية لعسر الجندر» (WPATH)، ودون أي تقييم نفسي محايد، ودون أن يعبر هؤلاء الضحايا في أي وقت عن رغبة في الانتقال الجندري أو معاناة من اضطراب الهوية الجندرية؛ بل كانوا شباباً مثليين يعتزون بهويتهم كرجاﻝ لكن سحقتهم التهديدات العسكرية وسلبتهم حق اتخاذ القرار بشأن أجسادهم.

6.2 القصور الجراحي والتشويه الطبي الممنهج

جرت هذه العمليات الجراحية المعقدة في بيئة تفتقر إلى الكفاءة التخصصية والأدوات الجراحية المتقدمة. كان مستشفى فوورتريكر هوخيتي والمستشفيات العسكرية المتعاونة معه في كيب تاون تفتقر إلى جراحي تجميل ومسالك بولية متمرسين ومؤهلين لتنفيذ عمليات تحويل الأعضاء التناسلية الحساسة، والتي كانت تُعد في ذلك الوقت من أكثر الجراحات الدقيقة والتجريبية حداثة على مستوى العالم.

كانت النتيجة المباشرة لهذا التهور هي مجازر تشريحية وجرائم تشويه متعمدة ومروعة؛ حيث تضمنت العمليات استئصالاً جائراً للأعضاء التناسلية الذكرية والخصيتين، دون امتلاك المهارة الجراحية الكافية لبناء أعضاء تناسلية أنثوية وظيفية أو بناء قناة مهبلية سليمة. تُرك العديد من المجندين مع فتحات مجرى بول مشوهة ومفتقرة للصمامات العضلية، مما تسبب في إصابتهم بسلس بول دائم، وتضيق مزمن ومؤلم، والتهابات بكتيرية متكررة وناسور مستقيمي-مهبلي هدد حياتهم بالتسمم الإنتاني الحاد.

تضاعفت فظاعة الجريمة بالتخلي الطبي والإجرامي الكامل عن الضحايا عقب العمليات مباشرة؛ إذ لم يُوفر للمجندين الرعاية التمريضية المعقمة، ولا المسكنات الكافية لتخفيف الآلام الجراحية التي لا تطاق، وتُركت جروحهم تنزف وتتقيح في أجنحة العزل. والأسوأ من ذلك، أن العديد من هذه العمليات توقفت في مراحلها الأولى لعدم كفاءة الطاقم، تاركة أجساد أولئك الشبان في حالة بينية ومشوهة لا تنتمي لأي من الجنسين بيولوجياً، مع التخلي عنهم دون إجراء الجراحات الترميمية الضرورية لمعالجة العاهات المستديمة التي أُلحقت بهم.

6.3 الإخصاء الكيميائي والعلاج الهرموني الإجباري

إلى جانب الجراحات المشرطية، خضع مئات من المجندين البيض لبرامج إخصاء كيميائي منهجية وإجبارية باستخدام جرعات هائلة ومدمرة من الهرمونات الأنثوية الاصطناعية، وعلى رأسها هرمون الإستروجين (Estrogen) ومشتقات البروجستيرون الكيميائية. كان الهدف هو كبح الدافع الجنسي الذكوري، وتصفير مستويات هرمون التستوستيرون في أجسادهم عبر إخماد نشاط الغدد التناسلية كلياً.

أحدثت هذه الفيضانات الهرمونية القسرية تحولات بيولوجية وجسدية عنيفة في أجساد الشبان في مقتبل أعمارهم؛ فبدأت تظهر عليهم أعراض التثدي الحاد والتهاب الغدد اللبنية المصحوب بألم فظيع، مع فقدان كامل للكتلة العضلية والقوة البدنية وتغير توزيع الدهون في الجسد، إلى جانب ضمور الخصيتين وفقدان القدرة على الانتصاب والإصابة بالعقم المطلق الدائم، فضلاً عن الإصابة المبكرة بهشاشة العظام الشديدة وارتفاع مخاطر التجلطات الوريدية القاتلة وأمراض الشرايين التاجية.

ترافقت هذه التشوهات الجسدية مع انهيارات نفسية مأساوية وتناقضات وجودية مرعبة؛ إذ وجد الشبان هوياتهم الذاتية تتلاشى أمام تغير ملامح أجسادهم قسراً وتجردها من مظاهر الذكورة التي عرفوها. تعامل الفريق الطبي العسكري مع هؤلاء المجندين كفئران تجارب في مختبر مفتوح؛ حيث جرى اختبار مستحضرات دوائية هرمونية لم تكن قد نالت الاعتماد السريري من الهيئات الدوائية الدولية، مع تدوين ملاحظات حول تأثيراتها المدمرة على الجهاز المناعي والعصبي للمرضى دون أدنى اعتبار لإنسانيتهم أو معاناتهم.

7. التداعيات الوجودية والنفسية على الضحايا والمجندين

7.1 اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD) والصدمة المزمنة

خلّفت الممارسات الوحشية لمشروع النفور ندوباً نفسية غائرة وأضراراً عصية على الالتئام طاردت الناجين طوال مسيرة حياتهم. لم تكن الصدمة ناتجة عن حدث عابر، بل كانت صدمة ممتدة ومزمنة ومتعددة المستويات ترقى إلى ما يُعرف في الطب النفسي الحديث بـ اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (Complex PTSD)، الناتج عن التعرض لتعذيب منظم وطويل الأمد تحت وطأة العجز المطلق والاحتجاز القهري الذي تحطمت فيه حدود الذات والأمان الإنساني.

عاش الناجون لعقود طويلة تحت وطأة نوبات هلع مفاجئة وذكريات اقتحامية كابوسية لا ترحم؛ إذ كانت محفزات بسيطة مثل رائحة المستشفيات والمطهرات، أو طنين الأجهزة الكهربائية، أو صوت فتح الأبواب المعدنية، كفيلة بإعادتهم إلى رعب الجناح 22 وإثارة نوبات تشنج وارتجاف جسدي غير قابل للسيطرة. دُمرت قدرتهم الأساسية على بناء روابط عاطفية أو مشاعر ثقة مع الآخرين، وتحولت أجسادهم في وعيهم الداخلي إلى مصادر للألم والخزي والاشمئزاز، مما عطل إمكانية إقامتهم لعلاقات جنسية أو إنسانية سوية ومستقرة.

سيطر الخدر العاطفي والانفصال التام عن الواقع (Dissociation) على السلوكيات اليومية للناجين كآلية دفاعية لا شعورية للهروب من الألم المتواصل. شعر هؤلاء الأفراد باغتراب كلي عن مجتمعاتهم وعن ذواتهم؛ إذ وجدوا أنفسهم محاصرين بين ماضٍ عسكري مرعب مسروق النقاء، وحاضر مشوه لا يمكنهم البوح فيه بما جرى لهم خوفاً من الوصمة المجتمعية، والمحاكمة، والرفض الأسري الذي استمر مهيمناً على جنوب إفريقيا حتى بعد سقوط نظام الفصل العنصري.

7.2 الانتحار والاعتلال النفسي الجسيم طويل الأمد

دفع الثقل الهائل للمعاناة الجسدية والنفسية العشرات، بل المئات من ضحايا مشروع النفور نحو حافة الهاوية. سجلت السجلات غير الرسمية والشهادات التاريخية معدلات انتحار كارثية بين الشبان الذين مروا بالجناح 22، سواء أثناء فترات احتجازهم وتلقيهم لما سمي بالعلاج، أو بعد تسريحهم من الخدمة العسكرية وعودتهم إلى المجتمع وهم يحملون أجساداً معطوبة وأرواحاً محطمة.

لجأ قطاع واسع من الناجين إلى الإفراط في تعاطي الكحول والمخدرات والمهدئات كوسيلة بائسة للتخدير الذاتي والهروب من نوبات الكوابيس وآلام التشوهات الجراحية والاعتلالات المزمنة في المسالك البولية والغدد الصماء. تفشت بينهم اضطرابات الاكتئاب الجسيم، والذهان التفاعلي، واضطرابات القلق الحاد، مما جعل استمرارهم في الحياة اليومية وممارسة العمل أو الدراسة أمراً شبه مستحيل في غياب أي منظومة رعاية ودعم نفسي متخصصة لعلاج ضحايا التعذيب الطبي.

إلى جانب الانتحار، لقي العديد من الضحايا حتفهم في أعمار مبكرة نتيجة المضاعفات العضوية غير المعالجة للجراحات القسرية والإخصاء الكيميائي؛ مثل الفشل الكلوي المزمن الناتج عن انسداد مجرى البول المتكرر، والتسممات الدموية الإنتانية، والأزمات القلبية الناتجة عن الجرعات الهرمونية المفرطة وتصلب الشرايين المبكر، لتظل هذه الوفيات جرائم قتل بطيئة ومستترة ومسكوت عنها لعقود طويلة داخل السجلات الطبية لجنوب إفريقيا.

7.3 التهجير الهوياتي والتسريح غير اللائق من الجيش

عقب إخضاع المجندين للعمليات الجراحية القسرية وتحويلهم تشريحياً إلى إناث، كانت المؤسسة العسكرية تسارع إلى التخلص منهم فوراً وبأكثر الطرق قسوة ولا إنسانية. لم يكن من الممكن بقاء «مجندات» في ثكنات ذكورية مخصصة لجيش المشاة المقاتل، لذا كان يتم تسريح هؤلاء الضحايا سريعاً بموجب تقارير طبية مزورة تصنفهم على أنهم «غير لائقين للخدمة العسكرية لأسباب عقلية ونفسية».

تضمنت عملية التخلص إصدار أوراق هوية مدنية جديدة تُغير جنس الضحايا وأسماءهم قسراً إلى إناث، وإلقاءهم خارج بوابات المعسكرات في شوارع مدن كبرى مثل بريتوريا وجوهانسبرغ وديربان، دون أي إعداد نفسي، ودون تأهيل مهني، ودون قرش واحد من التعويضات المالية أو الدعم الاجتماعي الذي يتيح لهم بدء حياة جديدة بالهوية المفروضة عليهم. وجد هؤلاء الشبان أنفسهم فجأة في أجساد نسائية مشوهة لم يطلبوها، مرتدين ملابس نسائية اشتراها لهم الضباط قبل طردهم، وعاجزين تماماً عن استيعاب الواقع السريالي المرعب الذي فُرض عليهم.

قوبل هؤلاء الضحايا برفض قاطع ونهائي من عائلاتهم المحافظة التي صُدمت بعودتهم بهذه الهيئة؛ حيث طردتهم معظم الأسر واعتبرتهم موتى أو شياطين تدنس شرف العائلة والدم الأفريكاني. وتحت وطأة النبذ الاجتماعي، وفقدان الأوراق الثبوتية التي تؤهلهم للتوظيف، وتكاليف العلاج الطبي الباهظة لمضاعفات الجراحة، انحدر العديد من الضحايا نحو التشرد الكامل، واضطر بعضهم للعمل في الدعارة والعمل الجنسي في أزقة المدن الخلفية من أجل البقاء وتأمين ثمن المسكنات والمأوى، في مأساة إنسانية تقشعر لها الأبدان.

8. لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) وكشف المستور

8.1 شهادات الضحايا وكسر حاجز الصمت بعد سقوط الأبارتهايد

مع الانهيار التاريخي لنظام الفصل العنصري وانتخاب أول حكومة ديمقراطية برئاسة نيلسون مانديلا عام 1994، انفتحت نافذة الأمل لمحاسبة الجناة وتوثيق جرائم الماضي الأسود. شُكلت لجنة الحقيقة والمصالحة (Truth and Reconciliation Commission – TRC) برئاسة المطران ديزموند توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام، لتكون المنبر الوطني الأول لكشف انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتُكبت تحت غطاء مؤسسات الدولة الاستعمارية.

لعبت منظمات المجتمع المدني وحركات الدفاع عن حقوق المثليين والناشطون الحقوقيون في جنوب إفريقيا دوراً شجاعاً وحاسماً في كسر جدار الصمت الذي أحيط به مشروع النفور لعقود. بجهود مضنية، نجح الباحثون في الوصول إلى عدد من الناجين وإقناعهم بالخروج من الظلال والإدلاء بشهاداتهم أمام اللجنة. كانت جلسات الاستماع الخاصة بالقطاع الصحي والعسكري لحظات تاريخية بالغة القسوة والتأثير؛ حيث جلس الناجون والدموع تخنق أصواتهم ليروعوا المجتمع الجنوب إفريقي والعالم بتفاصيل ما كان يجري خلف الجدران المعقمة للجناح 22.

أحدثت هذه الشهادات صدمة وطنية مدوية؛ إذ كشفت للجمهور العام أن وحشية الأبارتهايد لم تكن تقتصر على اضطهاد الأغلبية السوداء واغتيال الناشطين السياسيين فحسب، بل امتدت لتلتهم أبناء الأقلية البيضاء أنفسهم إذا تجرأوا على كسر القوالب النمطية للهوية الجنسية والعسكرية. تحولت شهادات الضحايا إلى وثائق إدانة لا تقبل الدحض، وضعت المؤسسة الطبية والعسكرية في قفص الاتهام المباشر أمام الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان الدولية.

8.2 تقرير لجنة الحقيقة والمصالحة حول الانتهاكات الطبية العسكرية

أفردت لجنة الحقيقة والمصالحة في تقاريرها الختامية المتعددة المجلدات الصادرة في أواخر التسعينيات مساحة هامة لتوثيق الانتهاكات الممنهجة المرتكبة داخل المنظومة الصحية العسكرية لنظام الأبارتهايد. وخلصت اللجنة في نتائجها الرسمية إلى أن الممارسات المطبقة ضمن مشروع النفور لا يمكن تصنيفها على الإطلاق كإجراءات علاجية أو ممارسات طبية مقبولة، بل هي جرائم تعذيب موصوفة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الكرامة الإنسانية ترعاها الدولة وتخالف مواثيق جنيف الدولية وقوانين مناهضة التعذيب.

وجه التقرير إدانة لاذعة وصريحة للقيادة العليا لقوات الدفاع لجنوب إفريقيا (SADF)، محملاً إياها المسؤولية السياسية والجنائية المباشرة عن تأسيس وتمويل وحماية هذا المشروع التدميري، واستخدام بنيتها التحتية الطبية لاحتجاز الأفراد قسراً وإخضاعهم لتجارب بشرية مهينة دون موافقة مستنيرة حقيقية. كما انتقدت اللجنة بشدة الصمت المتواطئ للمؤسسات الطبية المدنية ونقابات الأطباء والطب النفسي التي غضت الطرف عن هذه الممارسات لعقود طويلة ولم تحرك ساكناً لحماية المجندين المرضى.

أوصت لجنة الحقيقة والمصالحة بفتح تحقيقات جنائية ملاحقة ضد الأطباء والضباط المتورطين في إدارة وتسهيل هذه الجرائم، وطالبت الدولة بتقديم اعتذار رسمي وعلني للضحايا والناجين، مع وضع برامج تعويضات مالية شاملة وتوفير خدمات الرعاية الصحية الترميمية والدعم النفسي المستدام للمتضررين لمعالجة العاهات والاضطرابات التي لحقت بهم، وإنصاف تاريخهم الذي شوهته سجلات الجيش العنصري.

8.3 تهرب الأطباء والمتورطين من العدالة والإنكار الممنهج

على الرغم من النتائج الدامغة التي توصلت إليها لجنة الحقيقة والمصالحة، إلا أن مسار العدالة القضائية واجه عقبات هائلة ومتعمدة أدت في النهاية إلى إفلات الغالبية الساحقة من الجناة من العقاب. فمع اقتراب موعد تسليم السلطة في أوائل التسعينيات، شنت الأجهزة العسكرية والاستخباراتية حملة سرية واسعة النطاق أُحرقت وأُتلفت خلالها آلاف السجلات الطبية والملفات العسكرية الخاصة بالجناح 22 ومستشفى فوورتريكر هوخيتي، في محاولة لطمس الأدلة وتجريد الضحايا من الوثائق الرسمية التي تثبت خضوعهم لتلك العمليات.

تبنى الأطباء المتورطون، وعلى رأسهم أوبري ليفين ومعاونوه، استراتيجية الإنكار المطلق والتملص الوقح من المسؤولية؛ حيث رفض ليفين بغطرسة المثول أمام لجنة الحقيقة والمصالحة لتقديم اعترافات أو طلب العفو المشروط الذي كانت تتيحه قوانين اللجنة، مدعياً في تصريحات صحفية مقتضبة أنه لم يكن سوى طبيب يمارس واجبه المهني وفقاً للبروتوكولات السريرية التي كانت معتمدة في أدبيات الطب النفسي خلال تلك الحقبة، نافياً نفياً قاطعاً استخدام الصدمات الكهربائية للتعذيب أو إجبار أي مريض على تغيير جنسه قسراً.

استفاد الأطباء والجراحون من الثغرات القانونية والمناخ السياسي المعقد لمرحلة الانتقال الديمقراطي؛ حيث كانت الأولوية منصبة على منع اندلاع حرب أهلية وضمان استقرار المؤسسات، مما أدى إلى تراخي الادعاء العام في تحريك دعاوى جنائية فردية ضد الكوادر الطبية العسكرية. تمكن ليفين وزملاؤه من الاحتفاظ بأموالهم وشهاداتهم الأكاديمية وحصانتهم الميدانية، ليغلق الملف في جنوب إفريقيا قضائياً دون محاكمة واحدة لأي من مهندسي التعذيب الطبي، مما ترك الضحايا يغرقون في مرارة الخذلان وغياب العدالة الوطنية.

9. سقوط الحصانة: محاكمة أوبري ليفين في كندا

9.1 الهروب إلى كندا ومواصلة الممارسة الطبية

مع تصاعد الفضائح واقتراب لجان التحقيق من ملامسة أسرار مشروعه في منتصف التسعينيات، أدرك أوبري ليفين أن مستقبله المهني والاجتماعي في جنوب إفريقيا الجديدة بات مهدداً بالخطر. وفي خطوة استباقية للفرار من المساءلة المحتملة، حزم ليفين أمتعته وهاجر عام 1995 إلى كندا، التي كانت تبحث آنذاك عن استقطاب كوادر طبية متخصصة لدعم منظومتها الصحية المتوسعة.

تجلت الكارثة في الفشل الاستخباراتي والرقابي الذريع للجهات الكندية المختصة بالهجرة والترخيص المهني؛ حيث تمكن ليفين بسلاسة من اجتياز تدقيق الهجرة والحصول على تصريح إقامة دائمة ثم الجنسية الكندية، ونجح في نيل رخصة غير مقيدة لممارسة الطب النفسي من كلية الأطباء والجراحين في مقاطعة ألبرتا (CPSA). لم تكلف السلطات الصحية الكندية نفسها عناء التحري المعمق في خلفيته العسكرية وسجله المهني الملطخ بالدماء إبان حقبة الأبارتهايد، مكتفية بشهاداته الأكاديمية وخطابات تزكية رسمية من مؤسسات عسكرية أفريكانية متواطئة.

استقر ليفين في مدينة كالجاري، وحصل على وظيفة أستاذ سريري للطب النفسي في جامعة كالجاري المرموقة، وافتتح عيادة خاصة استقبلت مئات المرضى المدنيين والمجندين السابقين والمساجين الخاضعين للمراقبة القضائية. لأكثر من عقد ونصف، واصل ليفين ممارسة الطب النفسي محاطاً بهالة من التقدير الأكاديمي والمهني المزيف، ممارساً نفوذه وسلطته السريرية على فئات هشة وضعيفة من المرضى، دون أن يدري المجتمع الكندي أن بين أفراده واحداً من أبشع مهندسي التعذيب الطبي في القرن العشرين.

9.2 تفجر الفضيحة في كالجاري والتسجيل السري

بدأت خيوط الإفلات من العقاب تنفرط درامياً في عام 2010، حين قرر أحد مرضى ليفين الخاضعين للعلاج بأمر قضائي كسر حلقة الصمت والتحرك ضد الانتهاكات الشاذة التي كان يتعرض لها داخل العيادة. كان المريض يشتبه في أن جلسات العلاج النفسي المخصصة له تحولت إلى مسرح لاعتداءات جنسية ممنهجة واستغلال لسلطة الطبيب، إلا أنه كان يعلم أن شهادته الفردية كمدان سابق لن تصمد أمام المكانة الأكاديمية والمهنية لطبيب نفسي مرموق يرتدي معطفاً أبيض.

بدافع اليأس والبحث عن العدالة، أقدم المريض بشجاعة بالغة على إخفاء كاميرا تجسس دقيقة في زر قميصه، وقام بتسجيل فيديو سري وثق بالصوت والصورة، وبشكل قاطع لا يدع مجالاً للشك، قيام أوبري ليفين بالاعتداء الجنسي عليه وملامسة أعضائه التناسلية بحركات فاحشة تحت ستار إجراء «فحوصات طبية نفسية سريرية». سارع المريض بتسليم شريط الفيديو الصادم إلى شرطة مدينة كالجاري، ليتفجر زلزال مدوٍ في الأوساط الكندية.

فور انتشار نبأ اعتقال ليفين في وسائل الإعلام الكندية والدولية، انكسر جدار الخوف والتردد؛ فتقدم أكثر من ثلاثين مريضاً ومراجعاً سابقاً بشهادات رسمية مروعة تؤكد تعرضهم لانتهاكات واعتداءات جنسية وتحرشات متكررة من قبل ليفين داخل عيادته طوال سنوات ممارسته في كندا. صُدم المجتمع الطبي الكندي، وبدأت الصحافة الاستقصائية في كالجاري بنبش ماضيه في جنوب إفريقيا لتربط علناً بين جرائمه الجنسية المعاصرة وتاريخه السادي في «مشروع النفور»، مما أدى إلى تعليق رخصته الطبية فوراً وفتح محاكمة جنائية تاريخية هزت الرأي العام.

9.3 المحاكمة الجنائية، الإدانة، والسجن

بدأت محاكمة أوبري ليفين في محكمة الملكة في كالجاري عام 2012 وسط اهتمام إعلامي ودولي غير مسبوق. مثل الطبيب العجوز أمام القضاة وقد تحول من جلاد يفرض سطوته إلى متهم يواجه شهادات ضحاياه المباشرة. حاول فريق الدفاع التابع له استخدام كافة الحيل القانونية؛ فدفعوا بتقدمه في السن وتدهور حالته الصحية العقلية وإصابته ببدايات خرف، سعياً لإسقاط التهم وعدم أهليته للمحاكمة، فضلاً عن الطعن في موثوقية مقطع الفيديو المسجل بادعاء انتهاكه للخصوصية.

لكن الادعاء العام الكندي قدم مرافعة حديدية واستند إلى الفيديو السري وشهادات الضحايا التي أثبتت وجود نمط افتراسي متكرر وممنهج يستغل فيه ليفين هشاشة مرضاه لإشباع نزواته السادية وممارسة الهيمنة الجسدية عليهم. وفي يناير عام 2013، أصدرت هيئة المحلفين حكمها التاريخي بإدانة أوبري ليفين بثلاث تهم جنائية تتعلق بالاعتداء الجنسي المشدد، لتصدر المحكمة حكماً بسجنه لمدة خمس سنوات في السجون الفيدرالية الكندية.

شكلت هذه الإدانة والسجن اللاحق لليفين نهاية مأساوية ورمزية لمسيرة رجل بنى حياته على إذلال الآخرين وسلبهم كرامتهم الجسدية والنفسية. ورغم أن الحكم الكندي صدر على خلفية جرائم ارتُكبت في كالجاري وليس عن جرائم الجناح 22 في جنوب إفريقيا، إلا أن الناجين حول العالم استقبلوا خبر تقييد يديه واقتياده إلى الزنزانة بنوع من الارتياح والشفاء الرمزي؛ إذ رأت العدالة أخيراً وجه «دكتور شوك» خلف القضبان، وسقطت الحصانة عن الطبيب الذي ظن لعقود أنه فوق المحاسبة البشرية والأخلاقية.

10. المسؤولية المؤسسية وتواطؤ الأوساط الطبية والبحثية

10.1 تواطؤ الجمعية الطبية لجنوب إفريقيا (MASA)

لا يمكن اختزال الفظائع المرتكبة في مشروع النفور في السلوك الفردي المنحرف لأوبري ليفين وفريقه المعاون؛ بل إن هذه الجرائم نتاج تواطؤ مؤسسي عميق وهيكلي تورطت فيه الأوساط الطبية الرسمية في جنوب إفريقيا، وعلى رأسها الجمعية الطبية لجنوب إفريقيا (Medical Association of South Africa – MASA) و«المجلس الطبي وجراحة الأسنان لجنوب إفريقيا» (SAMDC)، وهي الهيئات النقابية المسؤولة عن مراقبة السلوك الأخلاقي والمهني للأطباء وحماية حقوق المرضى.

طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات، اختارت النقابات الطبية سياسة الصمت والتستر الممنهج على الانتهاكات التي كانت تجري داخل المنشآت العسكرية؛ حيث رفضت عمداً التحقيق في التقارير والشائعات المتسربة حول استخدام الصدمات الكهربائية والجراحات القسرية بحق المجندين، مبررة ذلك بأن الطب العسكري يقع تحت بند «الأسرار الدفاعية والأمن القومي» التي لا يجوز للنقابات المدنية التدخل فيها. كان هذا التنازل الأخلاقي بمثابة تفويض مفتوح لليفين وزملائه لمواصلة جرائمهم تحت غطاء الحصانة المهنية.

تجاهلت الجمعية الطبية الشكاوى الفردية والنداءات الأخلاقية الخجولة التي رفعها عدد قليل من الأطباء النفسيين المعارضين لنظام الفصل العنصري، بل قامت بمحاصرتهم وتهميشهم مهنياً لحماية السياسات العامة للنظام الاستعماري. ولم تصدر الجمعية الطبية اعتذاراً رسمياً ومفصلاً وتعلن مسؤوليتها الأخلاقية والمهنية عن التقصير في محاسبة مجرمي الطب العسكري والتواطؤ مع نظام الأبارتهايد إلا في أواخر التسعينيات أمام لجنة الحقيقة والمصالحة، وهو اعتذار جاء متأخراً بعد أن دُمرت حيوات المئات وفقد الطب النفسي في البلاد احترامه ومصداقيته الأخلاقية لعقود.

10.2 شركات الأدوية وتوريد المستلزمات الطبية للتجارب

يفتح التحقيق في مشروع النفور ملفاً شديد الخطورة يتعلق بمسؤولية المنظومة الصناعية-الطبية وشبكات توريد المستلزمات والأدوية التي مكنت آلة التعذيب السريري من العمل بكفاءة واستدامة. لم يكن ليفين قادراً على تنفيذ جلسات التكييف النفوري القسري أو الإخصاء الكيميائي دون الحصول على كميات هائلة ومنتظمة من أجهزة الصدمات الكهربائية المتطورة، وعقاقير الأبومورفين، والمهدئات الكبرى، وحقن الإستروجين التخليقية المركزة.

تورطت شركات أدوية محلية في جنوب إفريقيا وفروع لشركات دولية عابرة للقارات في تزويد وزارة الدفاع وقسم الخدمات الطبية العسكرية بهذه العقاقير والمستلزمات، متجاهلة بشكل مريب المؤشرات السريرية الرسمية ومعايير السلامة الدوائية المعتمدة عالمياً. كان جلياً من الكميات المطلوبة وطبيعة الشحنات أنها لا تُستخدم في نطاق العلاجات الفردية التقليدية للأمراض العضوية، بل تُوجه لبرامج تجريبية واسعة النطاق داخل مرافق عسكرية مغلقة.

غابت الرقابة المستقلة وهيئات التفتيش الصيدلاني عن تتبع سلاسل التوريد لهذه المركبات الخطيرة، وفضلت الشركات جني الأرباح المالية الناتجة عن الصفقات العسكرية المربحة على الالتزام بالمعايير الأخلاقية الحيوية. يُبرز هذا التواطؤ البعد الاقتصادي للجرائم الطبية؛ حيث أصبحت المؤسسات الصيدلانية، سواء بعلمها المباشر أو بإهمالها الجسيم المتعمد، شريكاً أصيلاً وممكناً لوجستياً في ممارسة التعذيب السريري وجرائم الإخصاء الهرموني الإجباري ضد الشبان المحتجزين.

10.3 الدروس المستفادة في حوكمة الأبحاث وأخلاقيات الطب الحيوي

يقف إرث مشروع النفور اليوم كواحد من أهم النماذج التحذيرية المأساوية في تاريخ أخلاقيات الطب الحيوي (Bioethics)، إذ دفع الفشل الأخلاقي المدوي للأطباء في جنوب إفريقيا الأوساط الأكاديمية العالمية إلى إعادة تقييم وتطوير آليات حوكمة الأبحاث والتجارب السريرية، وتحديداً ما يتعلق بحماية الفئات المستضعفة الخاضعة للسلطات المؤسسية الصارمة.

أكدت الدروس المستخلصة من الجناح 22 أن مفهوم «الموافقة المستنيرة الحرة» (Informed Consent) يغدو مستحيلاً وغير ذي معنى داخل المؤسسات الإلزامية مثل الجيوش، والسجون، ومراكز التوقيف المغلقة، حيث يفرض عدم تكافؤ القوة والتسلسل القيادي العسكري إكراهاً ضمنياً يسقط أي طواعية في اتخاذ القرار. وبناء على ذلك، تطورت التشريعات الأخلاقية الدولية لتحظر تماماً إجراء أي تجارب نفسية أو سلوكية على العسكريين والمحتجزين دون رقابة هيئات أخلاقية مدنية ومستقلة بالكامل عن وزارات الدفاع والأجهزة الأمنية.

ساهمت هذه الكوارث في تجديد وتحديث إعلانات أخلاقية مفصلية؛ مثل تحديث إعلان طوكيو (Declaration of Tokyo) الصادر عن الجمعية الطبية العالمية، والذي يحظر على الأطباء صراحة المشاركة في أي أعمال تعذيب أو معاملة قاسية أو حاطة بالكرامة، أو حتى مجرد الحضور في الأماكن التي يُمارس فيها التعذيب، مشدداً على أن الواجب الإنساني للطبيب يعلو فوق كل ولاء عسكري أو وطني. كما عززت التجربة ضرورة فصل السلطة التشخيصية السريرية في الجيوش عن القيادات التنفيذية لضمان عدم تطويع العلم لأهواء السياسة والحرب.

11. التحليل السيكولوجي لعلاجات التحويل: أوهام ‘العلاج’ والعنف البنيوي

11.1 تفكيك الأسس النظرية لعلاج التحويل والممارسات النفورية

تستند كافة محاولات ما يُسمى بـ «علاج التحويل» أو «العلاج الإصلاحي» إلى بناء نظري مشوه وساقط علمياً، يخلط عمداً بين الآليات الفسيولوجية البسيطة للإشراط السلوكي وبين البنية الوجودية المعقدة للهوية النفسية والجنسية للإنسان. حاولت المدرسة النفورية، التي استلهم منها أوبري ليفين، اختزال الانجذاب الجنسي البشري إلى مجرد رد فعل منعكس مشروط يشبه لعاب كلاب بافلوف؛ متوهمة أن الصدمات الكهربائية أو نوبات التقيؤ الدوائية كفيلة بمسح رغبة متجذرة في الجهاز العصبي والتكوين النفسي للفرد.

أثبتت أبحاث العلوم العصبية والطب النفسي الحديثة زيف هذه الفرضيات وفشلها المنهجي المطلق. فالألم المبرح والإشراط النفوري لا يُغير التوجه الجنسي بأي حال من الأحوال، بل يخلق حالة من «العجز المكتسب» (Learned Helplessness)، والرعب المرضي، وقمع التعبير الخارجي عن السلوك. إن المشاعر والانجذاب الباطني تظل كامنة في لاوعي الفرد وعالمه الداخلي، لكنها تُحاط بطبقات كثيفة من الخوف، والذنب، وكراهية الذات التي تُدمر الاستقرار العقلي للمتلقي وتدفعه نحو التفكك النفسي، دون أن تجعله «مغايراً» على الإطلاق.

أدت هذه الحقائق الراسخة إلى مسار تاريخي أفضى إلى شطب المثلية الجنسية نهائياً من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) للجمعية الأمريكية للطب النفسي عام 1973، ولاحقاً من تصنيف منظمة الصحة العالمية (WHO) في عام 1990. وتوافقت كافة الجمعيات النفسية والطبية العالمية المعتبرة على إصدار بيانات حاسمة تُدين ممارسات التحويل وتصنفها كإجراءات غير علمية، وغير فعالة، ومضرة للغاية بالصحة النفسية والعقلية، وتشكل اعتداءً صارخاً على السلامة الجسدية والنفسية للبشر.

11.2 سيكولوجية الجلاد: تفكيك شخصية ليفين والسلطة الشمولية

يستدعي فهم شخصية أوبري ليفين والكوادر التي عاونته في الجناح 22 توظيف أدوات علم النفس السياسي والتحليل السيكودينامي لـ «شخصية الجلاد» داخل الأنظمة الشمولية. لم يكن ليفين وحشاً منعزلاً يتصرف بدافع جنون فردي، بل كان نموذجاً كلاسيكياً للبيروقراطي السريري الذي تماهى بالكامل مع أيديولوجيا السلطة الحاكمة، ومارس ما وصفته الفيلسوفة حنة آرندت بـ «تفاهة الشر» حين يُرتدى له قناع الواجب المؤسسي والتفوق الأكاديمي.

وفرت بنية نظام الفصل العنصري بيئة مثالية لاحتضان النزعات السادية المتسترة بستار العلم؛ حيث تتيح الأنظمة الاستبدادية للأفراد ذوي النزوع نحو السيطرة المطلقة ممارسة العنف دون خوف من العقاب. وظف ليفين آليات دفاعية نفسية متطورة للتبرير الذاتي وإلغاء الشعور بالذنب؛ فكان يرى في نفسه «مخلصاً» و«مصلحاً اجتماعياً» يُقدم خدمة إنسانية للمرضى عبر انتشالهم من «خطيئة» المثلية وجعلهم مواطنين مؤهلين للاندماج في مجتمعهم المحافظ، محولاً آلام التعذيب في وعيه إلى «جراحة ضرورية» لاستئصال ورم خبيث.

تطلب تنفيذ هذا التعذيب اليومي تجريداً ممنهجاً للضحايا من إنسانيتهم (Dehumanization). فالمجند المثلي لم يكن يُرى في عيني ليفين كشاب ضعيف يعاني الألم، بل كان يُختزل في وصف «الحالة المشوهة»، أو «المنحرف»، أو «الخلية الفاسدة» في جسد الجيش، وهو ما سهل على ليفين وطاقمه التمريضي إدارة جلسات الصدمات الكهربائية وسط صرخات الضحايا واستغاثاتهم ببرود أعصاب مطلق، يعكس انسلاخاً كاملاً عن التعاطف الإنساني تحت وطأة الطاعة العمياء والتواطؤ الجماعي داخل الجماعة الطبية المغلقة.

11.3 العنف الرمزي والمادي في الفضاءات السريرية المغلقة

تحولت الفضاءات السريرية داخل الجناح 22 إلى مسارح لممارسة ما يُسميه المفكر بيير بورديو بـ «العنف الرمزي» الذي يكتسب شرعيته من اعتراف المجتمع بسلطة المؤسسة الطبية، ليتكامل مع العنف المادي المباشر الذي تُمارسه أدوات التعذيب. في هذا الفضاء، يُجرد المريض من اسمه وهويته وثيابه، ويُلبس رداء المستشفى الموحد، ويُصبح مجرد رقم خاضع كلياً للتراتبية الطبية-العسكرية الحاكمة.

وظف ليفين لغة العلوم الطبية وتسمياتها المعقدة ومصطلحات التشخيص النفسي كأدوات لتلطيف الإرهاب وإخفاء طابعه الجنائي؛ فكان يُطلق على التعذيب بالصدمات الكهربائية «جلسات تعديل سلوكي»، وعلى الإغراق الدوائي المسبب للقيء «بروتوكول تفريغ شرطي»، وعلى الإخصاء الجراحي «تدخل لتصحيح التوافق الجسدي». أتاحت هذه اللغة التقنية تخدير الضمير الأخلاقي للمشاركين وإيهام الضحايا أنفسهم بأن ما يتعرضون له هو مسار علاجي مشروع وليس جريمة موصوفة، مما خلق شللاً في قدرتهم على المقاومة والتمرد.

أدى هذا الانحراف الفادح إلى خلخلة عميقة في مفهوم «المستشفى» كملاذ للشفاء والأمان، محولاً إياه إلى فضاء للاعتقال والرعب البيولوجي. وترك هذا التحول أثراً كارثياً مستداماً على الوعي الجمعي في جنوب إفريقيا؛ حيث أفرز فقداناً شبه كامل للثقة المجتمعية في مؤسسات الصحة النفسية والطب النفسي، إذ ظل قطاع واسع من المواطنين لعقود طويلة ينظرون إلى الأطباء النفسيين بعين الريبة بوصفهم عملاء للنظام وأدوات للضبط القمعي وليست جهات لتقديم العون الإنساني.

12. إرث مشروع النفور والعدالة الانتقالية: الذاكرة والتخليد

12.1 الجهود التوثيقية والبحثية المستقلة لكشف الحقيقة

في ظل طمس وتدمير السجلات الرسمية من قبل نظام الأبارتهايد المنهار، برز دور المجتمع المدني والأكاديميين الشجعان كخط دفاع أخير لحماية الذاكرة الوطنية من التزييف والنسيان. قاد الباحث ميكيس فان زيل (Mikki van Zyl) وفريقه الاستقصائي المستقل جهداً بحثياً وتوثيقياً رائداً أثمر في عام 1999 عن إصدار كتابهم المرجعي والتاريخي «مشروع النفور: حقوق الإنسان وانتهاكات الصحة في قوات الدفاع لجنوب إفريقيا» (The Aversion Project: Human Rights Abuses of Gays and Lesbians in the SADF).

اعتمد هذا الجهد التوثيقي الاستثنائي على جمع وتفريغ الشهادات الشفهية التاريخية لعشرات الناجين من أهوال الجناح 22، إلى جانب مقابلات سرية مع ممرضين وأطباء سابقين رفضوا الاستمرار في جدار الصمت. مثلت هذه الشهادات أرشيفاً بديلاً فائق الأهمية أنقذ الحقائق من الضياع، وأعاد تركيب تفاصيل الجرائم الطبية بدقة متناهية، مُقدماً دليلاً جنائياً وتاريخياً قاطعاً لا يمكن دحضه حول تورط الدولة الشامل في تلك الممارسات السادية.

تحول هذا التوثيق البحثي إلى مادة أكاديمية أساسية تُدرس اليوم في كليات الطب والعلوم الاجتماعية والحقوق حول العالم، بوصفه دراسة حالة نموذجية وفاضحة للانهيار الأخلاقي الذي يمكن أن يصيب المؤسسة السريرية حين تتخلى عن مبادئ قسم أبقراط وتتحول إلى خادم طيع للأيديولوجيات السياسية العنصرية، مؤكداً على القيمة الوجودية للذاكرة والشهادة في معركة استرداد الحقوق الإنسانية ومناهضة الإفلات من العقاب.

12.2 الاعتراف المؤسسي والتعويضات المعلقة

على الرغم من التحولات الديمقراطية العميقة التي شهدتها جنوب إفريقيا وإقرارها لواحدة من أكثر الدساتير تقدماً في العالم، والتي كانت سباقة في حظر التمييز على أساس التوجه الجنسي، إلا أن ملف الاعتراف المؤسسي الكامل بضحايا مشروع النفور وجبر أضرارهم ظل جرحاً نازفاً وملفاً شائكاً تحاشته الحكومات المتعاقبة لعقود طويلة.

واصلت منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والناجون خوض معارك قانونية وإعلامية شرسة لمطالبة وزارة الدفاع الحالية في جنوب إفريقيا (SANDF) بتقديم اعتذار رسمي وعلني وصريح يوثق الجرائم التي ارتُكبت تحت لواء الجيش السابق، وإسقاط السجلات الجنائية والتأديبية العسكرية الجائرة التي لا تزال تلاحق من رفضوا الانصياع لأوامر التعذيب في تلك الحقبة. غير أن هذه الجهود قوبلت في كثير من الأحيان ببيروقراطية باردة ومماطلة سياسية عكست رغبة الدوائر العسكرية في إغلاق هذا الملف المؤلم نهائياً.

تظل قضية التعويضات المادية وإعادة التأهيل الصحي المعضلة الأكثر مأساوية؛ إذ رحل معظم الناجين عن عالمنا دون أن يتلقوا تعويضات مالية تكفل لهم تغطية التكاليف الباهظة للعلاجات الترميمية، ومسكنات الألم، والرعاية النفسية لمضاعفات الجراحات القسرية واضطراب ما بعد الصدمة. تصاعدت المطالبات الحقوقية في السنوات الأخيرة بضرورة إدماج أسماء ضحايا مشروع النفور، ومن مات منهم انتحاراً أو تشويهاً، ضمن النصب التذكارية الوطنية لضحايا الأبارتهايد، باعتبارهم شهداء للنضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، وتخليد مأساتهم كجزء لا يتجزأ من ملحمة التحرر الإفريقي.

12.3 الدروس المستدامة في النضال ضد علاجات التحويل حول العالم

لا تقف المأساة التاريخية لمشروع النفور عند حدود جنوب إفريقيا وزمان الأبارتهايد، بل تمتد كإنذار عالمي ملح في الحاضر؛ حيث لا تزال الممارسات الزائفة لعلاجات التحويل تُمارس بصور متنوعة، وبدوافع دينية ومجتمعية قمعية، في أكثر من ستين دولة حول العالم حتى يومنا هذا، سواء في أقبية العيادات النفسية السرية، أو المعسكرات التأهيلية المغلقة التي تديرها جماعات أصولية.

يبرهن التاريخ المروع للجناح 22 على أن محاولات القمع البيولوجي وتغيير الهوية الذاتية للأفراد قسراً هي مشاريع تعذيب فاشلة تنتهي حتماً إلى تدمير النفس والجسد، وتؤكد على الحاجة الملحة لحراك تشريعي عالمي حاسم ومستمر. تقود المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة حملات دولية مكثفة لحث الحكومات على سن قوانين جنائية رادعة تُجرم صراحة كافة أشكال «علاجات التحويل»، وتُسقط الرخص المهنية عن أي طبيب أو معالج نفسي يتورط في هذه الممارسات المشبوهة، مع تجريم استغلال الأسر للأبناء القاصرين وإيداعهم في مراكز التعديل القسري.

يبقى مشروع النفور درساً أبدياً يذكر البشرية بالثمن الفادح الذي يُدفع حين تنحني المنظومة الطبية أمام سلطة الاستبداد وتتخلى عن استقلاليتها الأخلاقية. إن حماية كرامة الإنسان، وحرمة جسده، وحريته في تقرير هويته الوجودية ليست ترفاً فكرياً، بل هي الحصن الحصين الذي يمنع العلم من التحول إلى سلاح فتاك، والمستشفيات من التحول إلى معسكرات اعتقال، ويضمن ألا تتكرر مأساة أوبري ليفين وجناحه المشؤوم في أي مكان على وجه الأرض.

خاتمة

يظل «مشروع النفور» في جنوب إفريقيا فصلاً مروعاً وفارقاً في تاريخ الطب المعاصر وسجلات انتهاكات حقوق الإنسان. إنه يكشف بصورة لا لبس فيها كيف يمكن لأيديولوجيا الكراهية، المستندة إلى التفوق العرقي والتزمت اللاهوتي، أن تشوه النوايا الإنسانية للعلوم السريرية وتجند أحدث أدوات التكنولوجيا الطبية في سبيل التعذيب المؤسسي الممنهج. من خلال تحويل «الجناح 22» إلى مختبر بشري مغلق، سطر أوبري ليفين وقوات الدفاع لجنوب إفريقيا واحدة من أكثر الصفحات سواداً؛ حيث دُمّرت أجساد وأرواح مئات الشبان الأبرياء تحت شعارات زائفة لحماية «الأمن القومي» و«الكفاءة القتالية» و«النقاء الأخلاقي».

إن الكشف التاريخي عن هذه الفظائع بفضل شجاعة الناجين، وتحقيقات لجنة الحقيقة والمصالحة، ومن ثم السقوط الجنائي النهائي لليفين أمام القضاء في كندا، يعكس حقيقة تاريخية أبدية: لا يمكن لجدران الإنكار والتستر العسكري والطبقي أن تحجب الحقيقة إلى الأبد. ومع ذلك، فإن العدالة تظل غير مكتملة ما لم تُترجم دروس هذه المأساة إلى التزام أخلاقي وقانوني عالمي لا يتزعزع يحظر كافة أشكال «علاج التحويل»، ويضمن استقلال الممارسة الطبية عن كل نزعة فاشية واستبدادية، ليظل حق الفرد في سلامة جسده وكرامته الإنسانية خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية.

المراجع

تقييم هذا المحتوى

0.0 / 5 0 تقييمات

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 11). مشروع النفور (علاج التحويل في حقبة الفصل العنصري) – أوبري ليفين. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/experiments/the-aversion-project-aubrey-levin/
looti, Mohammed. “مشروع النفور (علاج التحويل في حقبة الفصل العنصري) – أوبري ليفين.” عرب سايكلوجي, 11 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/experiments/the-aversion-project-aubrey-levin/.
looti, Mohammed. “مشروع النفور (علاج التحويل في حقبة الفصل العنصري) – أوبري ليفين.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 11, 2026. https://arabpsychology.com/experiments/the-aversion-project-aubrey-levin/.