حذّرت دراسة علمية حديثة نشرتها دورية “كلينيكال سايكولوجي إن يوروب” من تحوّل روبوتات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل “شات جي بي تي” و”جيميني” و”كلود”، من أدوات لأداء المهام المكتبية إلى ملاذ للبحث عن الدعم النفسي والرفقة. ونبّه الباحثون كلودي بوكتينغ وأثناسيوس فاسيلاكوس وكارولين أستريد فيغيروا إلى أن الاعتماد المتزايد على هذه البرمجيات لسد الاحتياجات الوجدانية يحمل مخاطر جسيمة قد تقود إلى أزمات نفسية ومجتمعية غير مسبوقة، في ظل غياب المعايير السريرية والرقابة الصارمة.
من المساعدة المكتبية إلى الرفقة العاطفية
أوضحت الدراسة أن روبوتات المحادثة طُوّرت في الأصل لإنجاز مهام عملية محددة، كتلخيص المعلومات، والمساعدة في الترجمة، وتوليد الأفكار الملهمة. ورغم ذلك، تشهد أنماط استخدام الجمهور تحولاً لافتاً؛ إذ كشفت بيانات حديثة استشهد بها الباحثون عن مجلة “هارفارد بيزنس ريفيو” أن تلبية الاحتياجات العاطفية والتماس الرفقة الإنسانية أصبحا من أكثر الدوافع شيوعاً للتفاعل مع هذه النماذج الذكية.
ويعزو الباحثون هذا التحول إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الاستماع والتفاعل الوجداني بلغة قريبة من التواصل البشري، ما يدفع الكثيرين إلى اللجوء إليه بوصفه صديقاً أو ناصحاً دائم الحضور، متجاوزين أهدافه التقنية التي صُمم من أجلها.
مؤشرات مقلقة وتداعيات صحية خطيرة
سلطت الورقة البحثية الضوء على تسجيل أدلة أولية لحالات مقلقة ارتبطت باستخدام هذه التقنيات، من بينها التسبب في نوبات من الذهان، ورصد حالات انتحار مأساوية، فضلاً عن مخاطر تسريب بيانات شخصية بالغة الحساسية يشاركها المستخدمون أثناء تفريغ مشاعرهم لهذه المنصات.
وما يضاعف من حجم الخطر، وفقاً للباحثين، هو أن هذه البرمجيات تصبح باستمرار أسرع استجابة وأكثر تكيفاً واستقلالية في اتخاذ القرارات. وقد أثارت هذه التطورات المتسارعة مخاوف وتحذيرات حتى من قادة شركات التكنولوجيا المطورة للذكاء الاصطناعي، مثل مؤسسي شركة “أوبن إيه آي”، الذين لفتوا إلى صعوبة التنبؤ بسلوكيات هذه النماذج المتقدمة مستقبلاً.
علاج نفسي بلا اختبارات سريرية كافية
لم يقتصر الأمر على الروبوتات العامة، بل حذّرت الدراسة من ظاهرة جديدة تتمثل في طرح تطبيقات تجارية مخصصة لتقديم العلاج النفسي للمستخدمين مباشرة. وأشار الباحثون إلى منصة أطلقتها شركة “سلينغ شوت إيه آي” بوصفها أول ذكاء اصطناعي مُصمم للعلاج النفسي المخصص عبر الهواتف الذكية.
ورغم إعلان الشركة تجربة التطبيق على 50 ألف مستخدم في نسخته التجريبية، نبهت الدراسة إلى أن النظام طُرح تجارياً دون أن يخضع لتقييم دقيق يثبت فوائده أو يرصد آثاره العكسية من خلال التجارب المنضبطة المعشاة، وهو ما يمثل سابقة مقلقة بتسويق خدمات الدعم النفسي قبل التحقق العلمي من سلامتها وجدواها العلاجية.
دعوة للحذر لتفادي أزمة صحة عامة
أكد الباحثون أن التزايد المستمر في الاعتماد العاطفي المفرط على هذه الأنظمة ينذر بإشعال أزمة تمس الصحة العامة ذات تداعيات مجتمعية واسعة النطاق، لا سيما إذا باتت بديلاً هشاً للتواصل الاجتماعي الحقيقي وللرعاية الطبية المتخصصة.
واختتمت الدراسة بالدعوة إلى اتخاذ خطوات عاجلة لوضع أطر تنظيمية وتشريعية صارمة تكفل سلامة المستخدمين وحماية خصوصيتهم، مع التريث وفرض معايير دقيقة قبل إدماج الذكاء الاصطناعي في خدمات الرعاية والدعم النفسي على مستوى العالم.
المصدر
- Generative AI chatbots could take over our emotional lives: The potential and challenges of generative AI for health globally
- الباحثون: Claudi Bockting, Athanasios V. Vasilakos, Caroline Astrid Figueroa
- المجلة: Clinical Psychology in Europe
- قراءة الدراسة الأصلية