كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت في دورية Acta Psychologica أن الاعتماد المتزايد على الإدارة الخوارزمية في بيئات العمل يرتبط ارتباطاً مباشراً بانخفاض مستويات شغف الموظفين واندماجهم في أداء مهامهم. وأظهر الفريق البحثي، المكوّن من نا تشانغ، ويو تشانغ، وتشونخوا جين، أن تحكّم الأنظمة الذكية في توجيه العمال ومراقبتهم يجرّد التجربة المهنية من طابعها الإنساني؛ إذ يُولّد لدى العاملين شعوراً قاسياً بأنهم تحولوا إلى مجرد تروس رقمية بلا قيمة سوى ما يحققونه من أهداف حسابية مجردة، مما ينعكس سلباً على التزامهم النفسي وحيويتهم في العمل.
الآلات في موقع الإدارة: تراجع ملحوظ في شغف الموظفين
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً واسعاً نحو رقمنة العمليات الإدارية، حيث باتت المنظومات والبرمجيات الذكية تتولى توزيع المهام، وتتبع الأداء بدقة متناهية، وتقييم إنتاجية الأفراد لحظة بلحظة. ورغم وعود هذه التقنيات برفع الكفاءة التشغيلية، إلا أن الدراسة تشير إلى وجود ثمن نفسي باهظ يدفعه الموظفون في المقابل.
ووفقاً لنتائج البحث، تبيّن وجود ارتباط عكسي ذي دلالة إحصائية واضحة بين سيطرة النظم الخوارزمية ومستوى الاندماج الوظيفي؛ إذ تتراجع مشاعر الحماس والاندفاع الداخلي نحو الإنجاز كلما زاد إحساس الموظف بأن قراراته اليومية تخضع لرقابة حاسوبية صارمة تحل محل التفاعل القيادي الإنساني المألوف.
من إنسان إلى مجرد أداة: فخ التسليع في بيئة العمل
أوضح الباحثون أن حلقة الوصل المركزية في هذا التراجع تكمن في ما يُعرف بظاهرة التشييء أو التسليع الوظيفي (Workplace Objectification)؛ فعندما تقتصر نظرة المنظومة الرقمية إلى الفرد على مخرجاته وسرعته الإحصائية، يتعزز لديه إدراكٌ بأنه لا يمتلك سوى قيمة نفعية مؤقتة تُقاس بالأرقام، تماماً كأي أداة ميكانيكية.
ويقود هذا النمط الإداري، بحسب الدراسة، إلى تعميق مشاعر العجز وفقدان السيطرة لدى الكوادر البشرية، الأمر الذي ينكر تفردهم وينتزع منهم الفاعلية الذاتية والاستقلالية في اتخاذ القرار، وبالتالي يتهاوى الارتباط النفسي بالمنظمة وتتحول تأدية الواجبات إلى عبء آلي جاف يخلو من الإبداع والشغف.
منهجية البحث: فحص الأثر النفسي عبر مرحلتين
استند الفريق البحثي إلى مبادئ نظرية الهوية الاجتماعية لتفسير الكيفية التي تُشكّل بها الإدارة الآلية تهديداً صريحاً للهوية الذاتية والمهنية للموظف داخل المجموعة المؤسسية، محوّلة إياه من عضو ذي مكانة ومشاعر إلى موضوع خاضع للأتمتة.
وللتحقق من هذا المسار النفسي تجريبياً، صمم الباحثون استبياناً استقصائياً نُفذ عبر موجتين زمنيتين منفصلتين وشمل 383 موظفاً. وساعد هذا التصميم المنهجي في تتبع أثر التعرض للأنظمة الخوارزمية بمرور الوقت، مؤكداً بصورة قاطعة أن شعور الموظف بالتسليع هو المحرك الأساسي الذي يفسر انحسار طاقته واندماجه في مهامه الوظيفية.
التكنولوجيا من أجل الإنسان: دعوة لإعادة التوازن
تضع هذه الخلاصات قادة الأعمال أمام جرس إنذار حقيقي؛ فالتركيز الحصري على الكفاءة الخوارزمية وسرعة الإنجاز قد يحقق مكاسب تشغيلية آنية، لكنه يلحق أضراراً مستترة برأس المال البشري ويقوض دافعيته واستقراره طويل الأمد.
وتحث الدراسة صانعي القرار الإداري على تبني نموذج “التكنولوجيا من أجل الخير”، وهو إطار يدعو إلى الموازنة الرشيدة بين الدقة التي تتيحها الأنظمة الحديثة وصون كرامة الموظف وحاجته إلى التقدير والتمكين؛ فبدون بيئة تدعم الحس الإنساني وتكافئ الفرد ككائن متفرد، تفقد التكنولوجيا معناها وتتحول إلى عائق أمام استدامة النجاح والابتكار المؤسسي.
المصدر
- Objectification at work: The impact of algorithmic management on employee work engagement
- الباحثون: Na Zhang, Yu Zhang, Chunhua Jin
- المجلة: Acta Psychologica
- قراءة الدراسة الأصلية