كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت في مجلة Early Intervention in Psychiatry أن الوقوع ضحية للتنمر خلال مرحلة المراهقة المبكرة يرتبط بشكل مباشر بزيادة خطر الإصابة بأعراض الاضطرابات الذهانية في مرحلة الرشد. وأوضح الباحثون أن تجربة الاستقواء في الصغر لا تكتفي بهز الاستقرار النفسي الآني للمراهق، بل تؤسس لمسارات تراكمية معقدة تؤثر سلباً على الروابط الاجتماعية والصحة المزاجية، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة للانتكاسات النفسية الحادة لاحقاً.
نتائج مقلقة: كيف يمهد التنمر الطريق لأعراض الذهان؟
أظهرت نتائج البحث أن التعرض لظاهرة التنمر في بداية سن المراهقة يؤدي إلى مسار مباشر يرفع من احتمالية ظهور أعراض الذهان عند بلوغ سن الشباب. والذهان هو حالة نفسية تتسم بفقدان الاتصال الجزئي بالواقع عبر مواجهة معتقدات غير واقعية (أوهام) أو إدراكات حسية غير موجودة (هلاوس).
وبيّن الباحثون أن أثر هذا الأذى المبكر لا يتوقف عند ذلك المسار المباشر فحسب، بل يمتد عبر مسار غير مباشر؛ إذ يتسبب التنمر في تشويه رؤية الفرد لذاته وللآخرين، الأمر الذي يترتب عليه اضطرابات مزاجية وتآكل تدريجي في القدرة على إقامة علاقات اجتماعية سوية، مما يضاعف العبء الذهني والنفسي على المدى البعيد.
دور الدعم الأسري والأقران: شبكة أمان مفقودة
سلطت الدراسة الضوء على الدور المحوري لمفهوم الارتباط النفسي والاجتماعي بكل من الأقران والأسرة. وتوصلت النتائج إلى أن تراجع إدراك المراهق للدعم الاجتماعي من قبل دائرته المحيطة وضعف اتصاله بالوالدين والأصدقاء يلعب دوراً وسيطاً يفاقم الآثار النفسية الصادمة التي يتركها التنمر.
وأشار التحليل إلى أن حرمان المراهق من هذه الشبكة الحامية يسهم بوضوح في تنامي أعراض الاكتئاب؛ حيث يشكل هذا التدهور الوجداني حلقة وصل تنقل الفرد تدريجياً من المعاناة المزاجية إلى زيادة القابلية للتجارب الذهانية في مرحلة البلوغ، نتيجة انعدام آليات المواجهة السليمة في بيئته الاجتماعية.
متابعة طويلة الأمد: تفاصيل التجربة والمنهج العلمي
اعتمدت الورقة العلمية على تحليل ثانوي لبيانات مستخلصة من “دراسة بلفاست لتنمية الشباب” (BYDS)، وهي دراسة طولية رائدة تابعت مجموعة من الأفراد على مدار فترة زمنية ممتدة، وبلغ قوام العينة 2087 مشاركاً جرى تتبعهم بدقة من عمر 12 عاماً حتى سن 21 عاماً.
ولفحص هذه الشبكة المعقدة من التأثيرات، استخدم الباحثون أسلوب تحليل المسار الإحصائي عبر برمجية متخصصة، بهدف تقييم العلاقات المباشرة والوسيطة بين التعرض للتنمر، أعراض الاكتئاب، تعاطي القنب، وجودة الدعم المستمد من الأقران والعائلة، ومدى مساهمة تلك المتغيرات مجتمعة في ظهور الأعراض الذهانية لاحقاً.
ماذا تعني هذه النتائج للأسر والمربين؟
تؤكد مخرجات هذه الدراسة أن التصدي لظاهرة التنمر المدرسي ليس مجرد مسألة تنظيمية للحفاظ على الانضباط، بل يمثل تدخلاً وقائياً حاسماً يرتبط مباشرة بحماية الصحة النفسية العامة للأجيال القادمة والحد من انتشار الأمراض الشديدة في المستقبل.
كما تشدد النتائج على الأهمية البالغة لبناء بيئات عائلية ومدرسية قوامها التفاهم والاحتواء، تتيح للمراهق الشعور بالأمان وتساعده على تجاوز التجارب المؤلمة؛ فالارتباط الوثيق بالوالدين والأقران الإيجابيين يمثل درعاً وقائياً قادراً على كسر السلسلة التدميرية للصدمات المبكرة وحماية استقرار الشباب النفسي مدى الحياة.
المصدر
- Bullying Victimisation and Mental Health: The Mediating Role of Peer and Family Social Support
- الباحثون: C. Shannon, K Higgins, G. Kelly, C. Mulholland, B. Korimbocus, Julie‐Ann Jordan
- المجلة: Early Intervention in Psychiatry
- قراءة الدراسة الأصلية