كشفت دراسة عالمية موسعة نُشرت في مجلة Computers in Human Behavior Reports عن المشاعر المعرفية والوجدانية التي تنتاب طلاب التعليم العالي أثناء تفاعلهم مع تطبيق “شات جي بي تي” (ChatGPT). وأظهرت النتائج أن مشاعر الشغف والاستكشاف الذهني تتفوق بصورة واضحة على التوتر والارتباك، مما يسلّط الضوء على الأثر النفسي المتنامي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في القاعات الجامعية حول العالم.
الفضول والمتعة يتفوقان على القلق والإحباط
وفقاً لما أظهرته نتائج الدراسة، فإن المشاعر المعرفية الإيجابية—وهي الانفعالات النفسية المرتبطة ببناء المعرفة وتوليدها—كانت الأكثر شيوعاً بين الطلاب عند استخدام روبوت المحادثة. وجاء الفضول والاستمتاع في صدارة التجارب اليومية للمشاركين، مما يعكس حماساً ملحوظاً لاستثمار إمكانات الذكاء الاصطناعي في البحث والتعلّم الأكاديمي.
في المقابل، كشفت المقارنات تراجع المشاعر السلبية؛ حيث تدنت وتيرة الإحباط، والارتباك، والملل بشكل كبير مقارنة بالمشاعر المنشطة والمحفزة. ورغم الجدل التربوي السائد حول مخاطر هذه الأدوات، فإن معطيات الاستبيان تؤكد أن تجربة معظم الطلاب لا يطغى عليها الضياع أو العجز، بل تتسم بالتفاعل النشط والرغبة في المعرفة.
السيطرة والقيمة: محركان نفسيان لتجربة الطالب
استند الفريق البحثي في تفسير سلوك الطلاب إلى نظرية التحكم والقيمة (Control-Value Theory) التي طوّرها عالم النفس رينهارد بيكرون، والتي تبين كيفية تشكل الانفعالات بناءً على تقدير الإنسان لقدرته على الإنجاز وأهمية المهمة. وبيّن التحليل أن شعور الطالب بالقدرة على التحكم في أداة “شات جي بي تي” يرفع معدلات الفضول لديه، ويسهم مباشرة في كبح مشاعر القلق، والارتباك، والملل، والدهشة المفاجئة.
كما ارتبط إدراك الطلاب للقيمة الأكاديمية للأداة بزيادة ملحوظة في الاستمتاع والفضول، مع انخفاض واضح في مشاعر التشتت والإحباط. غير أن الدراسة رصدت في الوقت ذاته مفارقة طفيفة؛ إذ ترافق ارتفاع إدراك القيمة مع قدر يسير من التوتر والقلق، وهو ما فسّره الباحثون بحرص الطلاب على دقة المعلومات المخرجة والتحقق من مصداقيتها الأكاديمية.
مسح ضخم يشمل 127 دولة
اعتمد البحث على قاعدة بيانات عريضة شملت 11,427 طالباً وطالبة في مرحلة التعليم العالي من 127 دولة، مما أضفى على النتائج موثوقية وتنوعاً ثقافياً وبيئياً كبيراً. وقد طُبقت في تحليل البيانات تقنية نمذجة المعادلة الهيكلية المتقدمة.
وأثبتت المعالجة الإحصائية استقرار هذه المشاعر والروابط النفسية عبر مختلف الشرائح؛ إذ تشابهت أنماط الاستجابة بغض النظر عن جنس الطالب، أو تخصصه الدراسي (سواء كان علمياً أو إنسانياً)، أو السياق التنموي لبلده. ويشير ذلك إلى أن الأثر الوجداني لأدوات الذكاء الاصطناعي بات تجربة إنسانية عامة تتجاوز الفوارق الجغرافية.
آفاق تعليمية دون استنتاجات سببية متسرعة
حرص الباحثون على التأكيد أن نتائجهم تقدم صورة وصفية دقيقة للواقع الوجداني الراهن للطلاب، ولا تثبت بالضرورة علاقة سببية حتمية أو تقدم وصفات وتوصيات سياسية قطعية للمؤسسات. فالهدف يتمثل في رصد المشاعر المصاحبة للتعلم التقني وليس توجيه السياسات بشكل جازم.
ومع ذلك، توفر هذه المؤشرات مرجعاً مهماً للمربين والجامعات؛ إذ تبرز الحاجة لتصميم برامج تدريبية تعزز كفاءة الطلاب وقدرتهم على التحكم في أدوات الذكاء الاصطناعي وتطويعها بوعي، مما يضمن تحويل الفضول والاستمتاع إلى أدوات تعليمية مثمرة تقلل من مخاوف الرقمنة وتعزز جودة التعليم العالي.
المصدر
- How do higher education students feel using ChatGPT? A multi-country survey on epistemic emotions and their antecedents
- الباحثون: Daniela Raccanello, Roberto Burro, Giada Vicentini, Aleksander Aristovnik, Damijana Keržič, Dejan Ravšelj, Lan Umek, Nina Tomaževič
- المجلة: Computers in Human Behavior Reports
- قراءة الدراسة الأصلية