كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية International Journal of Behavioral Development عن كيفية إدراك الأطفال لمفهوم التسامح، مظهرةً أن المعايير الثقافية تلعب دوراً جوهرياً في تشكيل الفارق بين إظهار المصالحة سلوكياً والتخلي الفعلي عن المشاعر السلبية داخلياً. وأجرى فريق بحثي دولي سلسلتين من التجارب على أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و8 سنوات في ألمانيا واليابان، لفهم الكيفية التي توجه بها الثقافة والعلاقات الاجتماعية تقييمات الصغار لمواقف الإساءة والاعتذار.
الاعتذار مفتاح التسامح عبر الثقافات
أظهرت نتائج الدراسة أن إبداء المخطئ لـ الندم وتقديم الاعتذار يُعد الدافع الأبرز الذي يجعل الأطفال يرجحون مسامحة الضحية للمعتدي، بصرف النظر عن خلفيتهم الثقافية، بينما لم يكن لدرجة القرب في العلاقة—سواء كان المعتدي صديقاً مقرباً أو زميلاً في الصف أو شخصاً غريباً—تأثير ذو دلالة ملحوظة على هذا القرار.
ويميز علم النفس التنموي بدقة بين مستويين من الغفران: “التسامح السلوكي أو القراري” الذي يتمثل في الاستجابة الظاهرية والموافقة على إعادة العلاقات والتعامل الإيجابي، و”التسامح العاطفي” الداخلي الذي يقوم على تبدد مشاعر الضغينة والغضب وحلول الهدوء النفسي لدى الطرف المتضرر.
فروق ثقافية: مصالحة ظاهرية أم تخلٍ عن الغضب؟
على الرغم من إجماع الأطفال في الثقافتين على قيمة الاعتذار، إلا أن الباحثين رصدوا تبايناً ثقافياً لافتاً في الربط بين السلوك والمشاعر؛ إذ رجّح الأطفال في اليابان بدرجة أكبر حدوث مصالحة واستئناف للسلوك الودي ظاهرياً، مع توقع بقاء المشاعر السلبية والغضب كامنة داخل الضحية، وهو ما يتسق مع تركيز الثقافة اليابانية على الانسجام الجماعي وإدارة المظاهر الاجتماعية الخارجية.
في المقابل، أظهر الأطفال الألمان ترابطاً أوثق وأكثر تماسكاً بين الانفعالات الداخلية والأفعال الخارجية؛ حيث أدى اعتذار المخطئ لديهم إلى تراجع واضح في نسب الغضب المتوقعة للضحية، لتتطابق المصالحة الظاهرية مع مسامحة عاطفية حقيقية وصريحة.
دور أسلوب التربية الأسرية
بيّنت التحليلات الموسعة أن نمط التنشئة الاجتماعية يلعب دوراً مكملاً في هذا السياق؛ فالأسر التي تتبنى أساليب والدية تشدد على الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية والحرص على مشاعر الآخرين ارتبطت بتنبؤات أطفالهم للتسامح العاطفي الداخلي تحديداً، وليس فقط باتخاذ قرار التسامح السلوكي الشكلي.
وتوضح الدراسة أن “النصوص والقواعد الاجتماعية” التي تمليها كل بيئة تبدأ مبكراً في رسم معالم كيفية التعبير عن المشاعر وتنظيم السلوكيات التكيفية، لتبلور وعي الطفل الاجتماعي والأخلاقي بحلول مرحلة الطفولة المتوسطة.
رسالة للأهل والمربين
تؤكد نتائج هذا البحث أهمية تدريب الأطفال على ثقافة الاعتذار الصادق وتحمل المسؤولية، بصفته المدخل الأهم لإصلاح العلاقات وتعزيز التعاطف عبر مختلف المجتمعات والثقافات.
كما تلفت الدراسة انتباه الآباء والمعلمين إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالمصافحة أو التصالح السطحي بين الأطفال بعد النزاعات؛ فالمظهر الخارجي للتسامح لا يعني بالضرورة انتهاء الشعور بالضيق والألم الداخلي، ما يستدعي منح الطفل مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره والتعافي النفسي التدريجي قبل توقع اندماجه الكامل من جديد.
المصدر
- Forgiving Without Letting Go: Children’s Evaluations of Decisional and Emotional Forgiveness Across Two Cultural Contexts
- الباحثون: Yuki Shimizu, Anneliese Skrobanek, Shuang Wu, Joscha Kärtner
- المجلة: International Journal of Behavioral Development
- قراءة الدراسة الأصلية