كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية “Cognitive Therapy and Research” عن نهج علاجي رقمي مبتكر يعتمد على جلسة تدريبية واحدة تشمل ممارسة لعبة إلكترونية شهيرة عبر الإنترنت، بهدف تخفيف وطأة اضطرابات القلق لدى فئة الشباب. ويقوم هذا التدخل النفسي على استهداف السيناريوهات الكارثية المتخيلة للمستقبل والحد من اقتحامها للذهن، عبر الجمع بين استحضار مقتضب لتلك المشاهد وممارسة لعبة الألغاز الكلاسيكية «تيتريس» (Tetris).
نتائج واعدة: تراجع ملحوظ في التخيلات المقلقة وأعراض القلق
أظهرت نتائج الدراسة انخفاضاً واضحاً في وتيرة التخيلات المستقبلية المقلقة؛ إذ تراجع معدل تكرارها بنسبة 33.96% بعد أسبوع واحد من خضوع المشاركين للجلسة، مقارنة بمستويات القياس قبل التدخل. ولم يقف التحسن عند هذا الحد، بل تعزز التراجع ليصل إلى 50.94% بحلول الأسبوع الخامس من المتابعة.
كما رصد الباحثون انعكاساً إيجابياً ملموساً على الأعراض النفسية العامة، تمثل في انخفاض متوسط درجات مقياس القلق العام (GAD-7) بمقدار 4 نقاط لدى أفراد العينة، وهو ما يشير إلى أن استهداف هذه السيناريوهات الذهنية يخفف العبء الإجمالي للقلق النفسي في الحياة اليومية.
كيف يعمل التدخل؟ استهداف الذاكرة بلعبة «تيتريس»
اعتمد التدخل على آلية معرفية دقيقة تستهدف ما يُعرف بـ«المشاهد الاستباقية» (flashforwards)، وهي صور ذهنية بصرية اقتحامية يرى فيها الفرد سيناريوهات كارثية مستقبلية مفزعة وكأنها وشيكة الوقوع، مما يغذي نوبات القلق والتوتر باستمرار.
وطبق الباحثون التدخل في جلسة فردية واحدة وموجهة عبر تقنية الاتصال المرئي؛ حيث طُلب من المشارك استرجاع المشهد المقلق لبرهة وجيزة لتنشيط تمثيله في الدماغ، ليتبع ذلك مباشرة الانخراط في لعب «تيتريس». وتعمل هذه الخطوة على إجهاد الذاكرة العاملة البصرية والمكانية المحدودة السعة، مما يؤدي إلى عرقلة إعادة تثبيت الصورة المخيفة في الذهن وتجريدها من قدرتها على إثارة الذعر لاحقاً.
أهمية الابتكار: حلول سريعة وقابلة للتوسع لفئة الشباب
يكتسب هذا المسار العلاجي أهمية خاصة بالنظر إلى المعاناة الواسعة التي تشهدها فئة الشباب (بين 16 و24 عاماً)، وهي مرحلة حرجة تتزامن مع الانتقال إلى مرحلة الرشد ومواجهة مسؤوليات وضغوط جديدة ترفع من نسب الإصابة باضطرابات القلق. وتبرز هنا الحاجة الملحة إلى ابتكار أدوات جذابة وسهلة الوصول، خصوصاً في ظل تردد كثير من اليافعين في خوض مسارات العلاج النفسي التقليدية طويلة الأمد.
وبحسب بيانات الدراسة، نال هذا التدخل الرقمي تقييماً مرتفعاً للغاية من حيث القبول والرضا من جانب المشاركين؛ إذ رأوا فيه إجراءً مريحاً وسلساً، مما يفتح الباب أمام تطوير تدخلات نفسية مبكرة وغير نمطية يمكن تقديمها على نطاق مجتمعي واسع وبتكلفة منخفضة.
حدود التجربة والخطوات القادمة
على الرغم من هذه المؤشرات المشجعة، لفت الفريق البحثي إلى أن الدراسة أُجريت كحلقة تجريبية انتقالية شملت عينة استكشافية صغيرة اقتصرت على 20 شاباً وشابة. وعليه، فإن هذه الخلاصات تمثل إشارة مبدئية أولية حول الفعالية، ولا يمكن اعتبارها دليلاً قاطعاً على نجاح التدخل بصورة نهائية.
وأكد الباحثون ضرورة إجراء تجارب سريرية منضبطة عشوائياً وبأعداد أكبر، مع مقارنة التدخل بمجموعات ضابطة، لتقييم استدامة النتائج والتأكد من جدوى اعتماد هذه اللعبة الرقمية كتدخل مبكر وقابل للتطبيق المنهجي في منظومات الرعاية النفسية للشباب.
المصدر
- Developing a Game-Based, Single-Session Intervention for Youth Anxiety: Early Translational Findings Targeting “Flashforwards”
- الباحثون: Alex Lau‐Zhu, Lydia Munns, Iris M. Engelhard, Lalitha Iyadurai
- المجلة: Cognitive Therapy and Research
- قراءة الدراسة الأصلية