كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة “فرونتيرز إن سايكولوجي” (Frontiers in Psychology) للباحثة وينا لياو، أن مرونة العمل الرقمي تمثل سلاحاً ذا حدين في بيئات العمل المعاصرة؛ إذ يمكن أن تسهم في تعزيز شعور العاملين بالحرية في إدارة مهامهم، أو تتحول إلى مصدر خفي للاستنزاف، تبعاً للتوقعات المؤسسية المفروضة بشأن جاهزية الموظف وتواصله بعد ساعات الدوام الرسمي.
حرية رقمية تقابلها ضغوط خفية
أوضحت نتائج البحث أن مرونة العمل المعتمدة على التقنيات الحديثة ترتبط بمسارين متناقضين يعملان في آنٍ واحد داخل التجربة اليومية للموظف. فمن جهة، تعزز هذه المرونة شعور العاملين بما يُعرف بـ الاستقلالية الرقمية والقدرة على التحكم في الجداول الزمنية وأماكن أداء المهام، وهو ما يرتبط بارتفاع ملموس في مستوى الرفاهية النفسية وجودة الحياة العامة للموظفين.
ولكن في الجهة المقابلة، ارتبطت هذه المرونة ارتباطاً طردياً بزيادة معدلات ما يُطلق عليه الإجهاد التكنولوجي (Technostrain)؛ إذ تؤدي متطلبات التعامل المتواصل مع الوسائط والمنصات الرقمية إلى توليد أعباء ذهنية ونفسية ضاغطة تترك أثراً سلبياً مباشراً على صحة الموظفين النفسية والجسدية.
توقعات الرد بعد الدوام تقلب الموازين
أظهر التحليل أن التوازن بين هذين المسارين يتغير بشكل جذري استناداً إلى ما يُعرف بـ “توقعات التوافر بعد ساعات العمل”. فعندما يدرك الموظف أن مديره أو بيئة عمله تتوقع منه الاستجابة السريعة للرسائل والمكالمات في أوقات فراغه وعطلاته، تنقلب موازين التجربة الرقمية رأساً على عقب.
ووفقاً لما خلصت إليه الدراسة، فإن الارتفاع في تلك التوقعات يُضعف بشدة الرابط الإيجابي بين المرونة والشعور بالاستقلالية، في حين يُضاعف بصورة ملحوظة من شدة الارتباط بين المرونة والإجهاد التكنولوجي. ونتيجة لذلك، تتحول المرونة من ميزة إيجابية تدعم التوازن بين متطلبات الوظيفة والمسؤوليات الشخصية إلى عبء نفسي ثقيل يشبه الرقابة الخفية المستمرة، بمجرد أن تتلاشى الحدود الفاصلة بين أوقات العمل والحياة الشخصية.
كيف أُجريت الدراسة؟
استندت الدراسة إلى تحليل استبيانات شملت 462 موظفاً وموظفة يعملون بدوام كامل عبر قطاعات ومؤسسات متنوعة في مقاطعة جيانغشي بالصين، مع الاكتفاء بمشارك واحد فقط من كل مؤسسة لضمان تنوع البيئات التنظيمية وتجنب التحيزات المؤسسية المشتركة.
ولتقييم هذه المنظومة المركبة، اعتمدت الباحثة على تقنية إحصائية متقدمة تُعرف بـ نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية (PLS-SEM)، وهي منهجية مكنت من فحص المسارات غير المباشرة والمتنافسة بين المرونة والاستقلالية والضغوط الرقمية وتأثيرها النهائي على الرفاه المهني.
محاذير علمية وخلاصة للمؤسسات
نوهت الباحثة بوجود محاذير منهجية يجب مراعاتها عند قراءة النتائج؛ فالبيانات المعتمدة مستمدة من تقارير ذاتية للموظفين وتتبع أسلوب الدراسة المقطعية التي ترصد واقعاً في نقطة زمنية واحدة، وهو ما يعني أن العلاقات المستنتجة تمثل ارتباطات إحصائية ولا تقدم دليلاً قاطعاً على علاقات سببية حتمية.
وتحمل نتائج هذه الدراسة رسالة بالغة الأهمية لصناع القرار وإدارات الموارد البشرية: إن المرونة الرقمية ليست مجرد تزويد الموظفين بأجهزة متصلة بالإنترنت، بل تتطلب وضع ضوابط واضحة تحمي حق الموظف في الانفصال التام عن العمل بعد انتهاء أوقات الدوام، لضمان استعادة الطاقة النفسية وحماية صحة الكوادر البشرية من الاحتراق الذاتي.
المصدر
- When flexibility feels like control: competing autonomy and Technostrain pathways linking digital work flexibility to employee well-being
- الباحثون: Weina Liao
- المجلة: Frontiers in Psychology
- قراءة الدراسة الأصلية