في كشف علمي يقلب أحد أشهر المفاهيم السائدة في الإدارة والتربية، أزاحت دراسة حديثة نُشرت في “مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي” الستار عن مفارقة غير متوقعة؛ إذ تبيّن أن الأشخاص الذين يتبنون عقلية النمو يصبحون بمرور الوقت أقل تسامحاً وأكثر سلبية في ردود أفعالهم تجاه من يمرون بإخفاقات متكررة، مقارنة بأصحاب العقليات التقليدية، مما يسلط الضوء على تداعيات غير مقصودة لطريقة تعاملنا مع أخطاء الآخرين ومسارات تطورهم.
انقلاب غير متوقع في تقبل الأخطاء
ساد الاعتقاد طويلاً في أوساط علم النفس الاجتماعي بأن أصحاب «عقلية النمو»—الذين يؤمنون بأن الذكاء والقدرات مهارات قابلة للصقل عبر الجهد والتعلّم—هم الأكثر تعاطفاً وتشجيعاً لمن يتعثرون، مقارنة بذوي العقلية الثابتة الذين يرون الموهبة سمة فطرية جامدة. ورغم صحة هذا الطرح عند تقييم العثرات الأولى المعزولة، فإن الأبحاث السابقة ركزت غالباً على لحظة زمنية واحدة وأغفلت تتبع السلوك عبر الوقت.
وكشفت الدراسة الجديدة، التي قادها الباحثون سامانثا زاو ولورا والاس وإد أوبراين، أن هذا التعاطف الأولي ينحدر بحدة وسرعة عندما يتكرر الفشل عبر الزمن. وأظهرت النتائج أن هذا التفاعل الإيجابي الكلاسيكي ينقلب تماماً ليصبح أصحاب عقلية النمو أشد سلبية وأكثر قسوة في تقييمهم العاطفي من أصحاب العقلية الثابتة، والذين أظهروا مساراً أكثر استقراراً وتوازناً في تقبلهم لتعثر الآخرين المتكرر.
فخ إلقاء اللوم وتراجع الدعم
استند الفريق البحثي في نتائجه إلى ثلاث دراسات متتالية عُززت بإجراء تحليل بعدي داخلي، حيث تبيّن أن جذور هذا الانقلاب تعود إلى ما تصفه نظرية العزو بآليات تفسير أسباب الإخفاق. فعندما يعتقد المقيّم بإمكانية تطور القدرات غير المحدودة، يميل تلقائياً إلى افتراض أن استمرار الفشل لا يرتبط بصعوبة المهمة أو تعقيد الظروف، بل ينتج عن تقصير الفرد وضعف جهده وتكاسله عن تحسين أدائه.
هذا التحول الفكري يُشعل مشاعر اللوم لدى أصحاب عقلية النمو؛ إذ يعتبرون أن المتعثر «يختار» عدم استثمار طاقته الكامنة. وأكدت الدراسة أن تصاعد وتيرة اللوم يقود مباشرة إلى تراجع رغبة المقيّمين في مواصلة الانخراط الإيجابي، مما يخفض استعدادهم لتقديم التوجيه المستمر والدعم المعنوي والعملي للشخص الذي تتكرر كبواته، تاركين إياه دون مساندة حقيقية في منتصف مساره التعليمي أو المهني.
أثر مباشر على الفصول الدراسية وبيئات العمل
تكتسب هذه النتائج حساسية خاصة بالنظر إلى أن الابتكار والإبداع واكتساب المعارف المعقدة مسارات لا تتحقق دون عثرات متتالية. وفي الفصول الدراسية وبيئات العمل التنافسية، يكون هذا الفشل مرئياً بوضوح أمام المعلمين والمديرين الذين تملك استجاباتهم وزناً حاسماً في تقرير ما إذا كان الفشل سيُحتضن كمحطة تعلّم، أم يُقابل بالتهميش والجزاء.
وتحذر الدراسة من أن الاستجابة السلبية غير الواعية من قِبل القادة التربويين والتنفيذيين الذين يرفعون شعار عقلية النمو قد تعاقب التجربة بدلاً من دعمها. فعندما يرى الموظفون أو الطلاب أن التعثر المتتابع يقابل بنفاد الصبر واللوم، يتآكل لديهم الشعور بالأمان النفسي، مما يدفعهم إلى تفادي المخاطرة وإخفاء الهفوات، وهو ما يقوض جوهر ثقافة التطوير القائمة على المحاولة والتجريب.
نحو فهم أعمق لحدود عقلية النمو
لا تستهدف الدراسة التقليل من المزايا المثبتة لتبني عقلية النمو، وإنما تدعو إلى تفكيك التناول التبسيطي لها عبر وضعها في سياق زمني وواقعي أكثر نضجاً. فإدراك الشروط الدقيقة والظروف المحددة التي تؤتي فيها هذه العقلية ثمارها يمنع تحول التفاؤل المفرط بالقدرات إلى أداة ضغط تؤذي المتعثرين.
وتخلص الورقة البحثية إلى ضرورة تدريب المشرفين والتربويين على التحلي بالصبر، ومرافقة إيمانهم بإمكانات التطوير بفهم عميق لطبيعة الإخفاق الممتد بوصفه جزءاً لا يتجزأ من المسارات المعقدة. فالنمو الحقيقي ليس خطاً مستقيماً، ولن يتحقق ما لم يقترن الإيمان بالجهد بالقدرة على مسامحة المحاولات الفاشلة الممتدة واحتوائها بروح داعمة لا تعرف الاستسلام المبكر.
المصدر
- Insights into growth mindsets over time: People with growth versus fixed mindsets grow increasingly negative in their reactions to others’ repeated failures.
- الباحثون: Samantha Zaw, Laura E. Wallace, Ed O’Brien
- المجلة: Journal of Personality and Social Psychology
- قراءة الدراسة الأصلية