في كشف علمي جديد يسلط الضوء على العمليات الذهنية الخاطفة التي تجري داخل أدمغتنا، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Psychonomic Bulletin & Review عن الكيفية التي يفك بها الدماغ شفرة الحروف والكلمات المكتوبة خلال أجزاء خاطفة من الثانية. وتوصل الباحثان أولغا سولاجا ومانويل بيريا إلى أن الجهاز العصبي يعتمد استراتيجية إدراكية غير متماثلة تمنح وزناً تفضيلياً لوجود السمات البصرية بدلاً من غيابها، وهو ما يفسر الآليات الدقيقة التي تتيح لنا القراءة بمرونة وسرعة فائقتين أثناء عملية الوصول المعجمي واسترجاع معاني المفردات.
اكتشاف جديد حول سرعة معالجة الحروف في أجزاء من الثانية
أظهرت الدراسة أن الدماغ البشري أثناء القراءة يعطي وزناً أكبر بكثير لوجود السمة البصرية للحرف مقارنة بغيابها خلال المراحل المبكرة جداً من التعرف على الكلمات. ووفقاً للباحثين، فإن المنظومة البصرية تتعامل بمرونة مدهشة إذا سقطت تفصيلة صغيرة من الحرف؛ حيث لا يعيق حذف التفصيلة البصرية تمييز الكلمة المستهدفة، ويتعرف الدماغ عليها بالسرعة المعتادة تقريباً وكأنها كُتبت بصورة كاملة دون نقصان.
في المقابل، أثبتت النتائج أن إضافة تفصيلة بصرية زائدة وغير أصلية إلى بنية الحرف تولد تعارضاً ذهنياً يؤدي إلى تباطؤ ملحوظ في سرعة المعالجة. يرجع ذلك إلى أن النظام الإدراكي يفسر تلك الزيادة فوراً باعتبارها دليلاً على وجود حرف آخر مختلف، مما يفرض جهداً إضافياً على الدماغ لتصحيح التفسير والتأكد من هوية الكلمة الحقيقية قبل استيعابها.
الأبجدية السيريلية تقدم الدليل العلمي الحاسم
ولفك هذا اللغز بدقة، اعتمد الباحثان أولغا سولاجا ومانويل بيريا على اللغة الصربية المكتوبة بأبجديتها السيريلية؛ إذ تمثل بيئة لغوية مثالية لامتلاكها أزواجاً من الحروف التي تتطابق تماماً في الشكل العام وتتمايز فقط بعنصر بصري مدمج واحد لا يتجزأ من جسم الحرف، مثل الحرفين (Л وЉ) والحرفين (H وЊ). وقد صُممت التجربة لاختبار ما إذا كان غياب هذا الجزء المدمج أو إضافته يحدث التأثير ذاته في الدماغ.
اعتمد الفريق على تقنية علمية دقيقة تُعرف باسم التهيئة المقنعة، حيث عُرضت كلمات تمهيدية في ومضات بصرية خاطفة لا تتعدى بضعة أجزاء من الثانية قبل ظهور الكلمة المستهدفة، لقياس زمن الاستجابة بدقة بالغة عبر مهمة اتخاذ القرار المعجمي. وأظهرت النتائج أن الكلمات ذات الحروف المعقدة (مثل Љ وЊ) تم التعرف عليها بسرعة مساوية للكلمات الأصلية عندما عُرضت مسبقاً بحروف ناقصة (مثل كلمة «кoницa» التي مهدت للكلمة الأصلية «КOЊИЦA»). وعلى النقيض من ذلك، فإن الكلمات ذات الحروف البسيطة عانت من بطء كبير عندما سُبقت بتهيئة تحتوي على الحرف المعقد ذي السمة الزائدة (مثل «кoњaц» الممهدة لـ «КOHAЦ»).
تجاوز علامات التشكيل: قاعدة عامة في الإدراك البصري
كان الاعتقاد السائد سابقاً في الأوساط الأكاديمية يرجع هذا التباين إلى علامات التشكيل المنفصلة والنبرات اللاتينية الفوقية (مثل تسهيل تمييز «FÁCIL» عبر التهيئة غير المشكولة «facil»، مقابل صعوبة التعرف على «FELIZ» إذا تمهّدت بكلمة «féliz» تحمل نبرة خاطئة)، مفترضين أن علامات التشكيل تتمتع ببروز شكلي خاص يجذب الانتباه. غير أن هذه التجربة نسفت هذا الافتراض بحسب الباحثين؛ إذ أكدت أن عدم التماثل ينطبق بالقوة ذاتها على العناصر التكوينية المتصلة بصلب الحرف، مما يدعم نظرية وجود مبدأ عام وشامل يحكم الإدراك البصري للرموز، بحيث تُعامل إضافة أي سمة بصرية كإنذار قطعي بتبدل هوية الحرف كلياً.
دلالات مستقبلية لتطوير نماذج القراءة وصعوبات التعلم
تفتح هذه المعطيات آفاقاً واعدة لتطوير النماذج الحاسوبية وشبكات الذكاء الاصطناعي التي تحاكي معالجة النصوص، عبر تعديل خوارزميات التعرف البصري لتعطي وزناً أكبر للسمات الحاضرة مقابل المهملة. كما تمنح المختصين فهماً أعمق للجذور الإدراكية لبعض صعوبات التعلم مثل اضطراب عسر القراءة (الدسلكسيا)، عبر تحديد المراحل الزمنية الدقيقة التي قد يتعثر فيها الدماغ في موازنة خصائص الحروف المتشابهة.
ويؤكد مؤلفا البحث أن هذه النتائج تمهد الطريق لدراسة أنظمة كتابية أخرى تتسم بغنى استثنائي في السمات البصرية الدقيقة المتصلة والنقاط، لاختبار مدى رسوخ هذه القاعدة الإدراكية عبر مختلف لغات وثقافات العالم.
المصدر
- Are letter features weighted asymmetrically during the early moments of lexical access? Evidence from masked priming in Serbian Cyrillic
- الباحثون: Olga Solaja, Manuel Perea
- المجلة: Psychonomic Bulletin & Review
- قراءة الدراسة الأصلية