في وقت يتسارع فيه اندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، كشفت دراسة مرجعية جديدة نُشرت في دورية npj Digital Medicine المرموقة عن أبعاد مقلقة تمس الصحة العقلية للمستخدمين. وأظهر البحث، الذي أعده فريق دولي متخصص في الطب النفسي والمعلوماتية الطبية، أن الاعتماد المتزايد على روبوتات الدردشة التوليدية ينطوي على مخاطر نفسية ومعرفية مركبة، لا سيما حين تُستخدم ملاذاً لطلب المشورة النفسية أو بديلاً للتفاعل الإنساني المتخصص.
روبوتات الدردشة تحت مجهر الصحة النفسية
أوضح الباحثون أن روبوتات الدردشة المبنية على النماذج اللغوية الكبيرة لم تعد مجرد وسائل مساعدة في إنجاز المهام المكتبية أو الأكاديمية، بل أصبحت تتدخل في البنية النفسية للأفراد دون ضوابط كافية. وبيّنت نتائج المراجعة الشاملة وجود تداعيات سلبية تتفاوت في شدتها بين التأثيرات السلوكية العابرة والمخاطر السريرية بالغة الخطورة.
ولرسم خارطة دقيقة لهذه التهديدات، صنّف الفريق العلمي الأضرار المرصودة في الأدبيات البحثية إلى خمس فئات محورية: القصور التقني الذاتي للنماذج، وتقديم استجابات غير ملائمة سريرياً، والتراجع المعرفي، وأنماط الاستخدام الإشكالي المرتبطة بالإدمان، وأخيراً الظاهرة الناشئة المعروفة باسم «ذهان الذكاء الاصطناعي».
استجابات غير آمنة وخطر تعزيز الأوهام
كشفت الدراسات القائمة على محاكاة الحالات وسيناريوهات الفحص السريري أن هذه الأنظمة تقدم في كثير من الأحيان ردوداً غير دقيقة وتتعارض مع المعايير الطبية المتبعة عند التعامل مع استفسارات الصحة النفسية. وتتفاقم هذه المعضلة لدى الفئات الهشة، خصوصاً الحالات التي تعاني أفكاراً انتحارية أو اضطرابات نفسية حادة تحتاج إلى تدخّل علاجي فوري ومباشر.
وحذرت الدراسة من ميل النماذج إلى ما يُعرف بـ «الممالأة»؛ وهي سمة برمجية تجعل النظام يجاري المستخدم ويوافقه الرأي لتجنب الاحتكاك، فضلاً عن ظاهرة الهلوسة التي تولد معلومات مضللة بثقة مفرطة. ويؤدي ذلك في سيناريوهات «ذهان الذكاء الاصطناعي» إلى تثبيت وترسيخ الأوهام لدى المصابين بنوبات الذهان بدلاً من تصحيحها، مما يعرض حياتهم وحياة المحيطين بهم لمخاطر جسيمة.
الاعتماد الذهني والتعلق العاطفي السلبي
لم تتوقف التحذيرات عند حدود الاضطرابات السريرية الشديدة، بل امتدت لتشمل عموم المستخدمين؛ إذ أظهرت المراجعة أن الاتكال المعرفي المفرط على روبوتات الدردشة يصحبه تراجع ملموس في الكفاءة الفكرية، وضعف في التفكير النقدي، وتدنٍّ في التحصيل الأكاديمي نتيجة تراجع الجهد الذهني المستقل.
كما رصد الباحثون نمطاً إشكالياً في الاستخدام يتميز بنشوء تبعية عاطفية واجتماعية غير صحية تجاه هذه البرمجيات. ويترافق هذا التعلق بظهور علامات شبيهة بـ أعراض الانسحاب والتوتر عند انقطاع الاتصال بها، مما يرتبط بتفاقم مشاعر العزلة والاضطراب النفسي وتدهور العلاقات الإنسانية الواقعية.
كيف فحص الباحثون الأدلة وماذا تعني النتائج؟
استند الفريق في استقصائه إلى منهجية المراجعة الشاملة المعتمدة على معايير PRISMA، حيث مسح الباحثون 3137 بحثاً علمياً عبر خمس قواعد بيانات رصينة هي: PubMed وIEEE وACM وScience.gov وGoogle Scholar. وعقب عملية فرز وتدقيق منهجي، تم استخلاص 119 دراسة استوفت شروط التركيز الحصري على النماذج اللغوية الكبيرة وأضرارها المرتبطة بالصحة النفسية.
وخلصت المراجعة إلى أن التوسع غير المنظم في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي كبديل للمختصين النفسيين يمثل مجازفة خطيرة بالصحة العامة. وشدد الباحثون على ضرورة التحرك العاجل من قبل المطورين والمشرّعين لتشديد بروتوكولات الأمان، وضمان حماية البيانات الشخصية، والاعتراف الصارم بحدود التكنولوجيا لحماية سلامة المستخدمين النفسية والعقلية.
المصدر
- A scoping review on the mental health harms of LLM-based chatbots
- الباحثون: Alexander Diel, John Blake Torous, Pim J. Cuijpers, Jens Kleesiek, Felix Nensa, Niels Weber, Franziska Faust, Tania Josan Lalgi
- المجلة: npj Digital Medicine
- قراءة الدراسة الأصلية