كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية “كوميونيكيشنز بيولوجي” (Communications Biology) عن آليات غير مسبوقة تُفسر كيف يعيد عقار LSD ضبط ديناميكيات الدماغ البشري. ومن خلال الجمع بين رصد الترددات الدماغية والتحليلات الحسابية المتقدمة، تمكّن فريق بحثي من فك شفرة الكيفية التي يعيد بها هذا المركب صياغة النشاط العصبي، مؤكدين أنه لا يكتفي بإضعاف الموجات التقليدية، بل يدفعها نحو وتيرة أسرع وحالة غير مسبوقة من التعقيد الرياضي، مما يفتح آفاقاً جديدة في دراسة فيزياء الوعي وإدراكه.
تسريع الإيقاعات العصبية وحسم جدل علمي
أظهرت الدراسة أن عقار LSD يُحدث تسارعاً ملحوظاً في الترددات القصوى لموجات “ألفا” و”بيتا” في القشرة المخية، مترافقاً في الوقت ذاته مع إضعاف حقيقي لقوة هذه التذبذبات وسعتها. وقد أظهرت التحليلات أن هذه التغيرات تتخذ أنماطاً قشرية يمكن فصلها وتمايزها مكانياً عبر مناطق الدماغ المختلفة.
وبهذه النتيجة، حسم الباحثون جدلاً علمياً استمر لسنوات طويلة في أوساط علم الأعصاب الإدراكي؛ إذ لطالما تساءل العلماء عما إذا كان غياب التزامن العصبي المميز للتجارب التخييلية والهلوسة ناتجاً عن تلاشي الموجات العصبية وضعفها الفعلي، أم أنه مجرد وهم ناجم عن تحول سرعة تلك الترددات وانزياح قممها. وأثبتت المعطيات الجديدة أن الظاهرتين تحدثان معاً وبشكل متكامل تحت تأثير العقار.
تعقيد أعلى في شبكات الإدراك والمشاعر واستثناء للحركة
إلى جانب التغيرات الإيقاعية، سجل الباحثون زيادة لافتة في البعد الكسيري (الفركتلي) وارتفاعاً في درجة تعقيد الإشارات العصبية بمرور الوقت. كما لاحظوا تسطيحاً ملحوظاً في المنحدر الطيفي اللادوري (1/f)، وهي مؤشرات تعكس تحول نشاط الدماغ من النمط النمطي الصارم إلى ديناميكية مرنة وأكثر تحرراً وعشوائية منظمة.
ووفقاً لما رصده الفريق، فإن هذه التحولات الهيكلية لم تعم الدماغ بالتساوي؛ بل تركزت بصورة تفضيلية في الشبكات العصبية المسؤولة عن المعالجة الحسية، واللغة، وتنظيم العواطف، والتخيل البصري. وفي المقابل، ظلت القشرة الحركية بمنأى عن هذا التأثير، وهو ما يفسر كيف يعيد العقار تشكيل المشاعر والإدراك الحسي الداخلي دون شل الوظائف الحركية الأساسية.
تخطيط دماغي دقيق وذكاء اصطناعي يحلل التجربة
للوصول إلى هذه النتائج الدقيقة، اعتمد الباحثون على تقنية تخطيط الدماغ المغناطيسي (MEG) ذات الدقة العالية مكانياً وزمانياً، لمقارنة النشاط القشري لدى متطوعين تحت تأثير جرعة من LSD مقابل دواء وهمي، مع تتبع التغيرات في ظل وجود محفزات موسيقية وغيابها.
وعززت الدراسة نتائجها بتطبيق خوارزميات التعلم الآلي القابلة للتفسير؛ حيث نجحت النماذج الحاسوبية في التمييز بدقة بالغة بين الحالة الدماغية الطبيعية وتلك الخاضعة لتأثير العقار. وأكدت هذه النماذج أن التحولات في ترددات القمم، والمعايير اللادورية، ومقاييس التعقيد الكسيري، تمثل العلامات البارومة الحاسمة للكشف عن بصمة العقار العصبية في الدماغ.
أثر غير متوقع للموسيقى وآفاق جديدة لأبحاث الوعي
حملت الدراسة مفاجأة غير متوقعة للباحثين؛ فعلى خلاف الافتراضات السائدة بأن الموسيقى تعزز وتضخم التأثير العصبي للمواد المهلوسة، لم تسهم النغمات الصوتية في تضخيم هذه البصمات الدماغية، بل مالت النتائج إلى إظهار اتجاه طفيف نحو كبحها والتخفيف من حدتها على المستوى الفيزيولوجي.
تؤسس هذه الاكتشافات فهماً كهربائياً فيزيولوجياً غير مسبوق لكيفية إعادة تنظيم شبكات الوعي الإنساني ومرونته الفائقة، وتبرز خصائص فريدة تميز LSD عن سائر المركبات المماثلة، مما يمهد الطريق لتوظيف هذه الآليات الديناميكية مستقبلاً في تطوير مقاربات علاجية جديدة للاضطرابات النفسية المستعصية.
المصدر
- LSD reconfigures cortical dynamics through faster brain rhythms and increased fractal dimension
- الباحثون: Venkatesh Subramani, Timothy Nest, Annalisa Pascarella, Jérémy Brunel, Yorguin-José Mantilla-Ramos, Yann Harel, Suresh D Muthukumaraswamy, Robin Lester Carhart-Harris
- المجلة: Communications Biology
- قراءة الدراسة الأصلية