كشفت دراسة حديثة نشرتها الدورية الأكاديمية International Review of Administrative Sciences عن الآليات التي يعتمد عليها موظفو الخدمة المدنية لإظهار الشجاعة الأخلاقية في مواجهة الضغوط السياسية القاسية؛ حيث بحثت الدراسة، التي أجراها الباحثان جيمي كوتشينسكاس وماريانا كوستا سيلفيرا، كيفية تصدي الموظفين العموميين لمحاولات تقويض المؤسسات، وقارنت بين استجاباتهم في سياقين متشابهين شهدا تصاعد ما يُعرف بظاهرة التراجع الديمقراطي: عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (2017–2021) والبرازيلي جايير بولسونارو (2019–2022).
استجابات متباينة لضغوط متماثلة بين أمريكا والبرازيل
أظهرت الدراسة مفارقة لافتة؛ فرغم خضوع موظفي الإدارة العامة في كلا البلدين لضغوط سلطوية متقاربة، شملت محاولات التفكيك المؤسسي وإلزام الأجهزة بقرارات غير ليبرالية، إلا أن ردود الفعل جاءت متباينة جذرياً. ففي البرازيل، انخرط موظفو الخدمة المدنية في تحركات جماعية وعلنية اتسمت بالمواجهة المباشرة والتصريح العلني ضد التجاوزات. وعلى النقيض من ذلك، لجأ نظراؤهم في الولايات المتحدة إلى استراتيجيات فردية طغى عليها الحذر الشديد والعمل الهادئ خلف الكواليس، محاولين تجنب الصدام الصريح مع السلطة التنفيذية مع السعي للحفاظ على مهام وكالاتهم.
ويرى الباحثان أن هذا التباين يعود إلى عوامل تنظيمية وعلاقات بيئية تحكم طبيعة العمل الحكومي؛ إذ تلعب البنية المؤسسية ومدى ترابط الروابط المهنية دوراً محورياً في تشكيل الطريقة التي يعبّر بها الموظف عن رفضه للسياسات المقوّضة للديمقراطية.
ما الذي يدفع الموظف للمخاطرة؟ عوامل فردية وتنظيمية
حددت الدراسة حزمة من المحفزات التي تدفع الموظف لاتخاذ قرارات أخلاقية تنطوي على مخاطر مهنية وشخصية. على الصعيد الفردي، ارتبطت الشجاعة الأخلاقية بإيمان راسخ برسالة المؤسسة العامة، وتوافر إحساس متقدم بـالكفاءة الذاتية، وهي القناعة الداخلية بالقدرة على إحداث فارق ومواجهة التحديات. كما أسهم التأمل الأخلاقي طويل الأمد والتاريخ السابق من الانخراط المدني في تعزيز جاهزية الموظف للثبات عند تعرض المعايير الدستورية للخطر.
أما على الصعيد التنظيمي، فوفقاً للنتائج، شكّلت بيئات العمل الداعمة التي تشجع التعاون بين الزملاء ورؤسائهم درعاً نفسياً ووظيفياً مهماً. وبرزت الروابط الخارجية القوية، ولا سيما مع النقابات والجمعيات المهنية، كعامل حاسم منح الموظفين الثقة والمظلة القانونية للتحرك، وفسّر بوضوح قدرة الموظفين في البرازيل على تنظيم أعمال مقاومة منظمة وجماعية.
منهجية الدراسة: الاستماع لصوت البيروقراطية من الداخل
لتفكيك هذه الديناميكيات النفسية والإدارية، استند البحث إلى مقابلات نوعية متعمقة مع 82 موظفاً من موظفي المسار المهني في البرازيل و66 موظفاً في الولايات المتحدة. وقد أتاحت هذه العينة توثيق شهادات مباشرة حول كيفية تنقل الكوادر البيروقراطية وسط بيئات سياسية معادية.
وركز التحليل على فحص خيارات البيروقراطية في اللحظات الحرجة، مع تعريف “الشجاعة الأخلاقية” بوصفها إجراءات مبدئية تستند إلى قيم ديمقراطية ومهنية رفيعة، تُتخذ بوعي كامل لاحتمالات التهميش الوظيفي أو الملاحقة الانتقامية.
خلاصات عملية: كيف تُحصَّن المؤسسات ضد الاستبداد؟
خرجت الدراسة بتوصيات موجهة للممارسين وصناع القرار الإداري لحماية استقلال المؤسسات. وأكدت النتائج أن تحصين الجهاز الإداري يتطلب غرس ثقافة مهنية قائمة على المعايير الديمقراطية، وتوفير بيئة عمل آمنة تدعم الإبلاغ عن المخالفات دون خوف من الانتقام السياسي.
كما خلُص الباحثان إلى أن بناء تحالفات وشبكات تضامن قوية مع الهيئات المهنية والنقابات خارج أروقة الوزارات يمثل صمام أمان لا غنى عنه، لتمكين الموظفين من الصمود المشترك وحماية سيادة القانون في وجه أي ارتداد سلطوي محتمل.
المصدر
- Acts of moral courage among civil servants under democratic backsliding: A comparison of the Trump and Bolsonaro administrations
- الباحثون: Jaime Kucinskas, Mariana Costa Silveira
- المجلة: International Review of Administrative Sciences
- قراءة الدراسة الأصلية