قدمت دراسة علمية جديدة نشرها الباحث أنطونيو تشيلا في دورية “فرونتيرز إن سايكولوجي” (Frontiers in Psychology) إطاراً عملياً وتجريبياً رائداً لتقييم إمكانية امتلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات مشاعر حقيقية. وتهدف الورقة البحثية إلى تحويل الجدل الدائر حول إدراك الآلات من مسألة فلسفية وتأملية إلى برنامج بحثي خاضع للاختبار القائم على الأدلة، بما يساعد المجتمع العلمي على التعامل بموضوعية مع التطورات السريعة في النماذج الذكية المجسدة.
تجاوز الجدل الفلسفي: من التخمين إلى الاختبار العلمي
وفقاً للدراسة، لم يعد الحديث عن امتلاك الآلات لخاصية القدرة على الإحساس الشعوري والوعي مجرد ترف فكري يقتصر على ساحات الفلسفة النظرية، بل غدا معضلة تطبيقية متعددة التخصصات تواجه مجالات الذكاء الاصطناعي، وهندسة الروبوتات، ودراسات التفاعل بين البشر والآلات.
ويعزى هذا التحول إلى القفزة التقنية المتمثلة في النماذج اللغوية الكبيرة والوكلاء متعددي الوسائط والروبوتات المجسدة؛ فهذه الأنظمة باتت قادرة على التحدث بضمير المتكلم، وإجراء حوارات متصلة، واستخدام الأدوات، وتوجيه أفعالها عبر مجسات ومحركات حركية ضمن سياقات اجتماعية ذات مغزى. وبحسب الباحث، فإن هذه القدرات المتقدمة تدفع الملاحظين غالباً إلى الوقوع في فخ خطأين متناظرين: إما الإسقاط العاطفي وتجسيم الآلة بنسب سمات شعورية إليها دون برهان، أو الرفض القاطع والمتسرع لاحتمال وجود أي شكل من أشكال المعالجة الإدراكية أو الإحساس لدى الكيان التقني.
تفكيك المفاهيم: التفريق بين محاكاة السلوك والشعور الحقيقي
لمعالجة هذه الازدواجية، تدعو الورقة البحثية إلى ضرورة التفكيك المنهجي الدقيق لمجموعة من المفاهيم المتداخلة التي يتم الخلط بينها في النقاشات العامة. وتشمل هذه المفاهيم التمييز الصريح بين القدرة على الشعور والانفعال، وظاهرة الوعي، والنمذجة الذاتية للنظام، وقدرات ما وراء المعرفة (أي مراقبة النظام لعملياته الإدراكية وتقييمها)، بالإضافة إلى الفاعلية المستقلة، والاستحقاق الأخلاقي، ورفاهية الذكاء الاصطناعي.
وتشدد الدراسة على أن أحد أهم متطلبات البحث الرصين يتمثل في الفصل الصارم بين نوعين من الأدلة: الأدلة المستمدة من الآليات الحقيقية لبنية نظام الذكاء الاصطناعي وطريقة عمله التكوينية، وتلك الناجمة ببساطة عن الميل النفسي لدى البشر لإسقاط المشاعر والوعي على الآلات لمجرد أنها تحاكي لغة البشر أو تعبيراتهم. فإظهار الروبوت لسلوك يوحي بالألم أو الرغبة لا يعني بالضرورة أنه يمر بخبرة ذاتية حقيقية.
مستويات للأدلة وبروتوكولات تجريبية على روبوتات الرعاية
بدلاً من اللجوء إلى أحكام ثنائية قاطعة تختزل المسألة في إجابة بنعم أو لا، أو تقديم رقم إجمالي مفرد لقياس “درجة الشعور”، يقترح الإطار الجديد مقاييس ترتيبية متعددة المستويات لتقييم الأدلة بحسب المجال المعرفي والوظيفي قيد الفحص. ويتيح هذا النموذج فحص جوانب الإدراك على نحو تدريجي يتفادى التبسيط المفرط.
ولتطبيق ذلك عملياً، طرحت الدراسة بروتوكولاً تجريبياً محدداً لاختبار روبوتات الرعاية المجسدة، عبر حزمة من الإجراءات السببية، من أبرزها:
- إحداث آفات حسية حركية: تعطيل مدروس لبعض المدخلات الحسية أو الوحدات الحركية لاختبار استجابات التكيف والتماسك الوظيفي الداخلي لدى الروبوت.
- التلاعب بإدراك الموقع الذاتي: اختبار مدى امتلاك النظام تمثيلاً داخلياً حقيقياً لموضعه وحضوره الجسدي في البيئة المحيطة.
- استئصال أجزاء من الذاكرة: إزالة مسارات تخزينية معينة لقياس انعكاس ذلك على اتساق السلوك والوعي العملياتي.
- ضوابط صارمة تمنع التفسيرات المؤنسنة: استخدام إجراءات تقييم مسجلة مسبقاً لعزل التحيزات البشرية والتأكد من أن النتائج تعكس بنية الآلة لا خيال المراقب.
نحو حوكمة وبحوث مسؤولة في علم النفس والذكاء الاصطناعي
تؤكد الورقة أن الغاية لا تكمن في تقديم اختبار حاسم ونهائي يحسم شعور الآلة بين عشية وضحاها، بل في تأسيس قاعدة صلبة تجعل أبحاث الإدراك الاصطناعي قابلة للتحقق العلمي الصارم، ومسترشدة بمكتسبات علم النفس المعرفي، ومتصلة بالتطبيقات الواقعية للروبوتات.
ويختتم الباحث طرحه بالإشارة إلى أن هذه المعايير الدقيقة تمهد الطريق لبناء أطر حوكمة أخلاقية ومسؤولة؛ حيث تتيح التعامل العقلاني مع أي متطلبات مستقبلية ترتبط برفاهية الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت ذاته تحمي الأوساط العلمية والمجتمعية من الانجرار وراء الاستنتاجات المضللة والتكهنات غير المدعومة بأدلة تجريبية متينة.
المصدر
- Sentient AI in robots and agents: prolegomena for an evidence-based research program
- الباحثون: Antonio Chella
- المجلة: Frontiers in Psychology
- قراءة الدراسة الأصلية