كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية Personality and Social Psychology Bulletin المتخصصة في علم النفس الاجتماعي، أن العزوبية وعدم الارتباط العاطفي يمكن أن يمثلا فرصة استثنائية لتحقيق النمو الشخصي والارتقاء بجودة الحياة. وأظهر فريق البحث أن تبني نظرة إيجابية تجاه مرحلة العزوبية، باعتبارها مساحة لتوسيع المدارك واكتساب خبرات جديدة، يغير جذرياً من تقييم الفرد لحياته، محولاً هذه الفترة من مجرد حالة لغياب الشريك إلى مسار نشط يعزز السعادة والاستقلال النفسي.
العزوبية ليست فراغاً: فرصة لتوسيع الذات والارتقاء النفسي
استندت الدراسة إلى مفاهيم نظرية توسيع الذات لدراسة ما أطلق عليه الباحثون “إمكانات توسيع الذات أثناء العزوبية”. ووفقاً للنتائج، فإن إدراك الأفراد للفرص المتاحة أمامهم للتطور واكتساب مهارات وهوايات جديدة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع معدلات الرضا عن الحياة وتلبية الاحتياجات النفسية الأساسية كالشعور بالكفاءة والحرية الذاتية.
وأكد الباحثون أن هذا الوعي بإمكانات النماء لا يرفع مستوى الرضا العام فحسب، بل يساهم بوضوح في تقليل مشاعر الخوف والقلق من البقاء دون شريك عاطفي، مما يمنح الفرد حصانة نفسية ضد الضغوط المجتمعية التي قد تصور العزوبية كحالة نقص أو وحدة مفروضة.
تجارب جديدة مع الأصدقاء والمقربين
أوضحت النتائج أن خوض تجارب توسيع الذات لا يعني الانعزال، إذ تبيّن أن الأنشطة المعززة للنمو الشخصي لدى العزاب تحدث في الغالب بصحبة المقربين من خارج إطار العلاقات الرومانسية، مثل الأصدقاء وأفراد العائلة، مما يعزز الروابط الاجتماعية المتنوعة.
كما أظهرت التجارب أن مجرد قيام الفرد بتخيل خوض أنشطة جديدة وغير روتينية في حياته كشخص غير مرتبط يرفع من مستوى خوضه للتجارب المعززة للذات وينعكس إيجاباً على حالته المزاجية، مما يدعم الرفاه النفسي والشعور بالحيوية والبهجة في الحياة اليومية.
كيف فحص الباحثون تجربة العزاب؟
اعتمد الفريق البحثي على منهجية علمية صارمة شملت ثلاث دراسات مسجلة مسبقاً لاختبار فرضياتهم؛ تضمنت دراستين لليوميات تتبعتا المشاركين لرصد تقلبات الرضا اليومي ومشاعر الرفاهية والخبرات المعززة للذات ومدى ارتباطها بإمكانات التوسع الشخصي بمرور الوقت.
وفي الجزء الأخير من البحث، أجرى العلماء دراسة تجريبية طلبوا فيها من المشاركين تصور كيف يمكن لحياة العزوبية أن تسهل انخراطهم في أنشطة مستقبلية مبتكرة مقارنة بأنشطة روتينية مألوفة، وتابعوا الأثر النفسي المباشر لهذا التفكير الإيجابي والاستكشافي على مشاعرهم وتطلعاتهم الشخصية.
إعادة صياغة العزوبية كفترة نماء واستكشاف
تدعو نتائج هذه الدراسة إلى إحداث تحول نوعي في النظرة السائدة تجاه العزوبية، من اعتبارها مجرد “مرحلة انتظار سلبي” للشريك المناسب إلى رؤيتها كفترة غنية بالاستكشاف، وتحقيق الإنجازات الفردية، وصقل الهوية الشخصية.
ويشير الباحثون إلى أن التركيز على تجربة أشياء غير مألوفة واستثمار شبكات الدعم الاجتماعي يمنحان الفرد شعوراً راسخاً بالاستقرار والاستقلالية، مما يؤكد أن السعادة وجودة الحياة لا تتوقفان بالضرورة على الحالة العاطفية، بل ترتبطان أساساً بمدى سعي الإنسان المستمر لتطوير ذاته وتوسيع آفاقه.
المصدر
- Riding Solo: The Associations Between Singlehood Self-Expansion Potential, Self-Expansion Experiences, and Singlehood Outcomes
- الباحثون: Elina Moreno, Yuthika U. Girme, Anastasiia Burik, Sarah C. E. Stanton
- المجلة: Personality and Social Psychology Bulletin
- قراءة الدراسة الأصلية