كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية “مانيجمنت ساينس” (Management Science) أن إتاحة المراهنات الرياضية عبر تطبيقات الهواتف الذكية تلحق ضرراً بالغاً بالصحة المالية للمستهلكين، إذ تدفع أعداداً متزايدة منهم نحو فخ الديون المفرطة والتعثر الاقتصادي، في ظل سهولة غير مسبوقة تتيح المقامرة بلحظات ودون أي قيود واقعية.
كلفة باهظة للمراهنة بلمسة زر
أظهرت نتائج البحث أن إتاحة المراهنات الرياضية عبر الإنترنت وتطبيقات الهواتف المحمولة ترتبط بانخفاض حاد في متوسط درجات الائتمان للمستهلكين بلغ نحو 12 نقطة. ويعد هذا التراجع مؤشراً مقلقاً للمؤسسات المالية، كونه يعكس اضطراباً ملحوظاً في قدرة الأفراد على إدارة التزاماتهم.
في المقابل، بيّن الباحثون أن التقنين العام للمراهنات الذي يقتصر على المتاجر والمنافذ التقليدية لم يسفر سوى عن انخفاض طفيف وهامشي لم يتجاوز 0.7 نقطة في المتوسط. وتؤكد هذه الفجوة الكبيرة بين النمطين أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في مبدأ تقنين النشاط، بل في إتاحته رقمياً على مدار الساعة بنقرة زر واحدة تخلو من أي احتكاك زماني أو مكاني.
من التسلية إلى الإفلاس والتعثر المالي
وفقاً للدراسة، لم يقتصر التأثير على انخفاض التصنيف الائتماني فحسب، بل رافقه قفزة واضحة في مؤشرات الديون التراكمية الخطيرة. وسجلت البيانات زيادة مقلقة في حالات التخلف عن السداد المرتبطة ببطاقات الائتمان وقروض السيارات، مما يعكس استنزاف السيولة النقدية للأسر وتحويل مسار الأموال المخصصة للاحتياجات الأساسية نحو منصات المراهنة.
كما رصد الفريق البحثي تصاعداً ملحوظاً في طلبات إشهار الإفلاس بين الأفراد، بالإضافة إلى ارتفاع وتيرة تحويل الديون المتعثرة إلى وكالات التحصيل، وهي مؤشرات تدل على انتقال المراهنين سريعاً من خانة التسلية العابرة إلى الوقوع في هاوية العجز المالي التام الذي يصعب التعافي منه على المدى القصير.
كيف تتبع الباحثون السلوك المالي للملايين؟
اعتمد فريق البحث، الذي ضم بريت هولينبيك وبويت لارسن ودافيد بروزيربيو، على فحص قاعدة بيانات لوحة الائتمان الاستهلاكي بجامعة كاليفورنيا، والتي تغطي عينة تمثيلية ضخمة تشمل قرابة 7 ملايين مستهلك أمريكي، ما منح التحليل قوة إحصائية فريدة وقدرة على رصد المتغيرات المالية الدقيقة.
واستغل الباحثون التباين الزمني في وتيرة تشريع المراهنات الرياضية، والذي بدأ تدريجياً في أعقاب قرار المحكمة العليا الأمريكية عام 2018 وشموله 39 ولاية ومقاطعة كولومبيا؛ إذ مكنت هذه التفاوتات بين الولايات من إجراء مقارنة منهجية دقيقة للسلوكيات المالية للأفراد قبل دخول تشريعات الرهان الرقمي وبعده، والتمييز بدقة بين تأثير المتاجر التقليدية وتطبيقات الهواتف المحمولة.
سهولة الوصول وفخ الاستنزاف السلوكي
أوضح الباحثون أن الطبيعة الفورية لتطبيقات الهواتف تكسر الحواجز النفسية التي كانت توفرها المنصات التقليدية؛ فالقدرة على اتخاذ قرارات مالية عالية المخاطر في أي وقت وأي مكان تحفز الاندفاعية النفسية وتجرد الخسائر المالية من وزنها الملموس، مما يهيئ بيئة خصبة لظاهرة المقامرة غير المسؤولة.
واختتمت الدراسة بدعوة صانعي السياسات والمشرعين إلى ضرورة إعادة تقييم أطر تنظيم المقامرة عبر الإنترنت، مع التأكيد على أهمية فرض ضوابط حمائية صارمة، مثل وضع حدود قصوى للإيداع والرهان ومراقبة مستويات الديون، للحد من الآثار السلبية التي باتت تهدد الاستقرار المعيشي للمستهلكين.
المصدر
- The Financial Consequences of Legalized Sports Gambling
- الباحثون: Brett Hollenbeck, Poet Larsen, Davide Proserpio
- المجلة: Management Science
- قراءة الدراسة الأصلية