كشفت دراسة حديثة نُشرت في «دورية الصحة العامة» (Journal of Public Health) أن طالبات التعليم العالي يواجهن خطراً متزايداً للإصابة بـ الاحتراق النفسي والأكاديمي مقارنة بزملائهن الذكور. وأوضح الباحثون أن هذه الفجوة ترتبط أساساً بكيفية إدراك الطالبات للضغوط والموارد النفسية المتاحة لديهن، مما يسلّط الضوء على الحاجة الملحة لإعادة التفكير في سياسات الدعم النفسي داخل الجامعات لمواجهة أزمة الصحة النفسية المتصاعدة بين الطلبة.
فجوة جندرية واضحة في معدلات الإجهاد الجامعي
أظهرت نتائج البحث أن خطر التعرض للاحتراق الأكاديمي جاء أعلى بصورة ملحوظة بين الطالبات مقارنة بالطلاب الذكور. وبيّن الفريق العلمي أن هذا التباين لا ينبع من اختلاف طبيعة التخصصات أو المقررات في حد ذاتها، بل يعود بالدرجة الأولى إلى عوامل إدراكية؛ إذ تميل الطالبات إلى تقييم المتطلبات والأعباء الدراسية بأنها أكثر إرهاقاً وتطلباً، بالتزامن مع شعورهن بامتلاك موارد شخصية أقل تعينهن على مجابهة تلك الأعباء والتكيف معها.
وعلى النقيض من ذلك، كشفت البيانات أن الفروق المرتبطة بـ الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للطلبة كانت طفيفة للغاية في التأثير المباشر على احتمالية الإصابة بالاحتراق، مما يثبت أن النوع الاجتماعي يلعب الدور الأبرز في رسم معالم عدم المساواة في الإجهاد الأكاديمي داخل البيئة الجامعية.
الكفاءة الذاتية كأقوى درع نفسي في مواجهة الضغوط
في إطار البحث عن عوامل الوقاية، توصّل الباحثون إلى أن الموارد الخاصة—وفي مقدمتها الموارد النفسية والشخصية—تمثل حائط الصد الأساسي ضد الإرهاق الذهني. وبرزت الكفاءة الذاتية المرتفعة كأقوى عامل مرتبط عكسياً وبشكل جوهري بخطر الإصابة بالاحتراق، إذ يمنح الإيمان الفردي بالقدرة على إنجاز المهام الأكاديمية حصانة نفسية تخفف من وطأة التحديات المستمرة.
كما أكدت النتائج أهمية تكامل الموارد الأكاديمية الرسمية التي توفرها الكليات مع شبكة الموارد الخاصة بالطلبة، والتي تشمل الجوانب الشخصية والمالية والاجتماعية؛ حيث تسهم هذه المنظومة المتشابكة في خفض الضغوط وحماية الاستقرار النفسي للطلاب أثناء مسيرتهم الجامعية، في حين يؤدي تراجعها إلى تضاعف مشاعر الاستنزاف وفقدان الشغف.
تحليل إحصائي موسع شمل آلاف الطلبة
اعتمدت الدراسة على قاعدة بيانات ضخمة استُمدت من «المسح الطلابي في ألمانيا» لعام 2021، متضمنة عينة ممثلة وطنياً شملت 158,375 طالباً وطالبة من مختلف مؤسسات التعليم العالي. وقد وفّر هذا الحجم غير المسبوق للعينة فرصة نادرة لفحص آليات التأثير بدقة إحصائية متناهية في بيئة واقعية.
ولتحليل هذه المؤشرات المعقدة، طبّق الفريق تقنية نماذج المعادلات الهيكلية (SEM)، مما مكّنهم من اختبار نسخة موسعة من نموذج متطلبات الوظيفة ومواردها نُقلت إلى السياق التعليمي. وأتاح هذا النموذج المبتكر دمج الموارد الذاتية والمالية وسمات التفاوت الاجتماعي لتفسير مسببات الاحتراق بدقة بالغة.
نحو استراتيجيات دعم جامعي مخصصة
خلص الباحثون إلى أن الفئات الاجتماعية تتباين بصورة واضحة في طريقة استيعابها وتفاعلها مع متطلبات الدراسة والموارد المحيطة بها، وهو ما ينفي جدوى المقاربات التقليدية التي تقدم حلولاً عامة موحدة لجميع الملتحقين بالجامعات دون مراعاة لاختلاف السياقات الفردية والجندرية.
وبناءً على هذه الاستنتاجات، أوصت الدراسة الجامعات وصناع القرار في قطاع التعليم العالي بتصميم استراتيجيات وبرامج رعاية نفسية موجهة بدقة؛ مع التركيز على تعزيز الكفاءة الذاتية وتطوير مهارات إدارة الضغوط وتخفيف الأعباء المتصورة، لا سيما لدى الطالبات، لضمان بيئة تعليمية عادلة ومستدامة تكفل الرفاه النفسي لجميع الدارسين.
المصدر
- Social inequalities in the risk of student burnout
- الباحثون: Mareike Rußmann, Nicolai Netz, Karsten Becker, Marie-Christin Lenz
- المجلة: Journal of Public Health
- قراءة الدراسة الأصلية