الصحة النفسيةعلم النفس الإكلينيكي

هل يخفي النجاح الخارجي اضطراباً نفسياً؟ نظرية علمية تجيب

تقترح نظرية نفسية جديدة أن الهوس بالنجاح والمكانة قد ينبع من نفس الجذور التطورية العميقة التي تقود إلى اضطرابات سلوكية كإدمان القمار.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 29 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 29 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

في طرح علمي جديد يعيد النظر في معايير الصحة النفسية التقليدية، نشرت دورية Addiction Science Reviews ورقة بحثية للباحث محمد شاكيجي، يقدم فيها إطاراً نظرياً بعنوان “نظرية سوء التكيف الظاهر بمظهر التكيف”. وتجادل النظرية بأن النجاح المهني أو الأكاديمي الباهر قد يخفي وراءه أحياناً جذوراً نفسية مضطربة تشترك في منشئها النمائي مع سلوكيات الإدمان، محذرة من الاكتفاء بالمظاهر السلوكية الخارجية للحكم على التوازن النفسي للأفراد.

المظهر الخارجي لا يعكس دائماً السلامة النفسية

اعتاد التقييم الإكلينيكي والاجتماعي التقليدي على ربط التوافق النفسي بالمؤشرات الوظيفية الظاهرة؛ فالشخص الذي يحقق إنجازاً أكاديمياً مرموقاً، أو إنتاجية مهنية عالية، أو مكانة اجتماعية رفيعة، غالباً ما يُصنف تلقائياً كشخص يتمتع بصحة نفسية جيدة. وفي المقابل، تُدرج سلوكيات مثل إدمان القمار أو تعاطي المخدرات ضمن نطاق علم الأمراض النفسية الصريح.

إلا أن النظرية الجديدة ترى أن هذا التمييز الظاهري قاصر عن تفسير الأسباب التي تجعل أفراداً يواجهون نفس المخاطر والظروف النمائية يسلكون مسارات متباينة تماماً؛ إذ ينزلق بعضهم نحو اضطرابات واضحة، بينما يتحول آخرون إلى نمط حياة متمحور حول الإنجاز والنفوذ يُنظر إليه بوصفه تكيفاً مثالياً. وبناءً على ذلك، تقترح النظرية تقييم الاضطراب بناءً على الآليات النمائية الكامنة التي تنظم السلوك وتوجهه، لا على الصورة التي يبدو عليها خارجياً.

آلية واحدة ومساران متناقضان: من الإدمان إلى الهوس بالنجاح

وفقاً لما يوضحه الباحث في دراسته، تنشأ هذه الحالة نتيجة تعثر نمائي غير محلول، يترافق مع شعور عميق بالحصار النفسي وتضييق الخيارات المتاحة للتعامل مع الضغوط. وتؤدي هذه السلسلة من الضغوط إلى تركيز الاستثمار النفسي للشخص بشكل تدريجي في مسار وحيد وهدف حياتي أحادي، بحثاً عن السيطرة وتفادي مشاعر العجز.

وهنا تفترض النظرية وجود آلية تنظيمية مشتركة تتشعب إلى مسارين متناقضين في الظاهر؛ فلدى فئة معينة، يتجلى هذا التركيز في صورة اضطرابات صريحة مثل الإدمان السلوكي كالقمار أو تعاطي المواد. بينما يتجلى لدى فئة أخرى في أنماط مقبولة ومرحب بها اجتماعياً، مثل السعي القهري وراء المكانة والسلطة والتميز. وعلى الرغم من التباين الحاد في النظرة المجتمعية للسلوكين، إلا أن جذورهما النفسية التكوينية قد تكون متطابقة.

الدلالات الإكلينيكية: متى يصبح التفوق مؤشراً على الخلل؟

تحمل هذه الرؤية دلالات إكلينيكية بالغة الأهمية بالنسبة للأطباء والمعالجين النفسيين؛ إذ تؤكد أن التفوق والنجاح الخارجي ليسا برهاناً قاطعاً على السلامة النفسية أو التعافي الحقيقي. فالخلل الوظيفي لا يقتصر بالضرورة على الفشل الاجتماعي أو السلوكيات المنحرفة.

ويشير الباحث إلى أن المعيار الحاسم يكمن في مدى اختزال الشخص لقيمته الإنسانية؛ فعندما يربط الفرد تقدير الذات وقيمته الوجودية بمجال حياتي واحد بصورة حصرية ومفرطة—بحيث ينهار اتزانه في حال تعثر هذا المجال—فإن هذا التفوق يتحول عملياً إلى آلية دفاعية تعويضية لسوء تكيف داخلي، حتى وإن بدت نتائجه مبهرة للعيان.

أفق البحث: من الإطار النظري إلى الاختبار العملي

تظل هذه الأطروحة في الوقت الراهن إطاراً مفاهيمياً متماسكاً يفتح باباً جديداً لفهم السلوك البشري، وهي معروضة أمام المجتمع العلمي لاختبارها وتدقيق فرضياتها عبر الأبحاث التطبيقية والميدانية.

وفي هذا السياق، يوصي الباحث بإجراء دراسات طولية تتبع مسارات الأفراد عبر فترات زمنية ممتدة، إلى جانب توظيف منهجيات إحصائية متقدمة مثل نمذجة المعادلات الهيكلية؛ وذلك للتحقق من الفرضيات المقترحة، ورسم خريطة واضحة للمسارات النمائية المشتركة التي تقود البعض نحو الإدمان وآخرين نحو الهوس بالنجاح والمكانة.


المصدر

  • Adaptive-Appearing Maladaptation Theory: Explaining Psychopathology Through Its Underlying Mechanism Rather Than Its Behavioral Appearance
  • الباحثون: Mehmet Çakıcı
  • المجلة: Addiction Science Reviews
  • قراءة الدراسة الأصلية
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 29). هل يخفي النجاح الخارجي اضطراباً نفسياً؟ نظرية علمية تجيب. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/news/success-and-psychological-maladaptation-theory/
looti, Mohammed. “هل يخفي النجاح الخارجي اضطراباً نفسياً؟ نظرية علمية تجيب.” عرب سايكلوجي, 29 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/news/success-and-psychological-maladaptation-theory/.
looti, Mohammed. “هل يخفي النجاح الخارجي اضطراباً نفسياً؟ نظرية علمية تجيب.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 29, 2026. https://arabpsychology.com/news/success-and-psychological-maladaptation-theory/.