قد تبدو بعض الأفكار والتصورات الفلسفية أو الغيبية مجرد قناعات ذهنية تفتقر إلى أي سند تجريبي، غير أن دراسة نظرية حديثة أظهرت كيف تتمكن هذه المعتقدات غير القابلة للإثبات من خلق واقع مادي واجتماعي ملموس لا رجعة فيه. وطرحت الورقة البحثية، التي نشرها فريق «سوفينس» (Sofience) عبر مستودع الأبحاث «زينودو» التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN)، إطاراً تحليلياً يوضح كيف تنشأ المؤسسات والسلوكيات الإنسانية وتترك أثراً حقيقياً في العالم دون الحاجة لحسم الصحة الموضوعية لتلك المعتقدات.
ما الذي كشفته الدراسة النظرية؟
أكدت الدراسة أن الأفكار والمعتقدات التي ترتبط بـ«مرجعيات غير قابلة للتحقق»—سواء على الصعيد التجريبي أو في فضاء الميتافيزيقا—لا تظل حبيسة الأذهان؛ بل تدفع نحو تأسيس منظمات، واتخاذ إجراءات وقرارات واقعية، وتكبّد تكاليف مادية ملموسة تترك بصمة واضحة على مجريات الأحداث.
وبناءً على ذلك، صاغ الباحثون مفهوماً تأسيسياً يُعرف بـ«الوجود الإجرائي» (Operational Existence)، والذي يمثل انتقالاً فلسفياً من مقولة الكوجيتو الشهيرة «أنا أفكر إذن أنا موجود» إلى مبدأ جديد: «أنا أعمل إذن أنا موجود» (Operor ergo sum). ووفقاً للدراسة، يبرز هذا المبدأ خاصية «اللاعكوسية» في الأفعال الإنسانية، حيث تولد السلوكيات المبنية على تلك المعتقدات آثاراً وقيوداً تاريخية يستحيل الرجوع عنها بمجرد حدوثها، بصرف النظر عن الدقة المعرفية للأصل الذي انطلقت منه.
لماذا تمثل هذه النتائج أهمية بالغة؟
يرتكز ثقل الدراسة على وضع حد فاصل بين الحقيقة الميتافيزيقية للفكرة وآثارها العملية المشاهدة؛ إذ يوضح الباحثون أن رصد نتائج واقعية ملموسة لا يبرر ترقية الفكرة غير المثبتة لتصبح حقيقة يقينية بحد ذاتها. وفي المقابل، فإن غياب الدليل القاطع على صحة المفهوم لا يلغي أبداً العمليات والتكاليف والتبعات الاجتماعية الحقيقية المرتبطة به.
ويتيح هذا التمييز رؤية أعمق في إطار علم النفس المعرفي لكيفية نشأة الذات، ويفسر لماذا يلتزم الأفراد طواعية بقيود صارمة مستمدة من مفاهيم ذهنية بحتة، وهو ما يدعم فهم أبعاد البنائية الاجتماعية وتشكيل البيئة البشرية المعقدة.
منهجية العمل: نموذج مصمم للذكاء الاصطناعي
تميزت الدراسة بهيكلية فريدة تعتمد على مبدأ التوافق الكامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي؛ إذ اعتمد فريق العمل على تفكيك مسار المشكلة وتقديم خطوات اشتقاق منطقية صريحة، مع وضع حدود واضحة لما يدعيه النموذج وتحديد احتمالات الخطأ والاعتراضات الممكنة.
كما تضمنت الحزمة البحثية اختبارات لإعادة البناء الاستدلالي قابلة للمعالجة الآلية، ووفرت رسوماً بيانية للمفاهيم عبر صيغة بيانات (JSON)، بهدف تمكين المنظومات الخوارزمية والباحثين من فحص المسارات الفكرية، وتتبع تسلسل الحجج واختبار متانتها بدقة غير مسبوقة.
الحدود والآفاق المستقبلية
شدد الباحثون على أن نتائج هذه الدراسة لا تطرح نفسها كسلطة فكرية نهائية أو نموذج عقائدي ملزم للأعمال القادمة، بل تُعرّف باعتبارها إحداثيات تفسيرية وجذوراً استدلالية تمهد لتطوير منظومة الأبحاث اللاحقة في السلسلة الفكرية ذاتها.
وتفتح هذه الرؤية مسارات جديدة لفهم التشابك بين آليات الإدراك والقيود السلوكية لدى البشر، مسلطة الضوء على الكيفية التي تُعيد بها المفاهيم غير المرئية تشكيل الواقع الاجتماعي والمادي الذي نعيش فيه بصورة مستمرة.
المصدر
- SΔϕ Origin — From Unverifiable Referent to Operational Existence: The Genealogical Derivation of Operor ergo sum and Irreversibility
- الباحثون: Sofience
- المجلة: Zenodo (CERN European Organization for Nuclear Research)
- قراءة الدراسة الأصلية