كشفت دراسة نفسية حديثة أجراها فريق بحثي إسباني بقيادة الباحثة لاورا غارسيا-غارسيس، ونُشرت في “المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة”، أن أكثر من نصف المتضررين المباشرين من فيضانات ظاهرة “دانا” التي اجتاحت مقاطعة بلنسية (فالنسيا) الإسبانية في أواخر عام 2024، يعانون من أعراض تتطابق مع معايير الصدمة النفسية الحادة. وتلقي الدراسة الضوء على العواقب الانفعالية المتشعبة لتلك الكارثة الطبيعية، مؤكدة أن الأزمة لم تقتصر على الخسائر المادية والبنية التحتية، بل تحولت إلى عبء صحي ونفسي يستدعي تدخلاً منهجياً سريعاً.
تداعيات نفسية قاسية في أعقاب كارثة دانا
أظهرت نتائج البحث الميداني، الذي شمل 313 مشاركاً من مختلف الفئات المتأثرة، أن 43.13% من مجمل العينة ظهرت لديهم أعراض تتوافق تماماً مع المعايير التشخيصية لـ اضطراب ما بعد الصدمة وفق الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5). وتُبرز هذه النسبة المرتفعة فداحة الأثر النفسي الذي خلّفته الفيضانات الجارفة على المجتمع المحلي.
وكان الضحايا المباشرون للفيضانات الفئة الأكثر معاناة؛ حيث سجلت الدراسة نسبة إصابة بلغت 53.6% بينهم، ما يعني أن فرداً من بين كل اثنين عايشوا الحدث بصورة مباشرة يواجه صدمة نفسية عميقة. وتعكس هذه الأرقام التأثير الفوري والمدمر لتدفق السيول المفاجئ، وما رافقه من تهديد وجودي وفقدان مفاجئ للأمان والممتلكات.
تباين مستويات المعاناة بين المتضررين والمتطوعين
بيّنت المقارنات بين المجموعات تفاوتاً ملحوظاً في حدة الأعراض النفسية تبعاً لدرجة التعرض للفيضان؛ إذ انخفضت نسبة الأعراض إلى 37.7% لدى الضحايا غير المباشرين، ووصلت إلى 17.6% بين المتطوعين الذين هبوا للمساعدة في جهود الإغاثة ورفع الأنقاض.
ولم تتوقف الفروق عند مؤشرات الصدمة، بل كشفت التحليلات أن المتضررين المباشرين يعانون بصورة ملحوظة من مستويات أعلى من القلق ومشاعر الاكتئاب مقارنة بالمتطوعين. كما عانوا أيضاً من ظاهرة الجسدنة، وهي تحول المشاعر النفسية والضغوط غير المحتملة إلى آلام وأعراض جسدية فعلية ترهق المريض.
عوامل الخطر: الخوف على الحياة وتراكم الضغوط
أوضحت نماذج الانحدار الإحصائية المطبقة في البحث أن استشعار التهديد المباشر للحياة أثناء وقوع الكارثة شكّل العامل الأكثر ارتباطاً بتفاقم حدة الضيق النفسي لدى الضحايا؛ فالخوف من الموت الوشيك يترك ندوباً انفعالية بالغة الصعوبة في الجهاز العصبي للمتضررين.
كما لفتت الدراسة الانتباه إلى دور “الضغوط الثانوية” التي تعقب الحدث الكارثي نفسه، وتتمثل في الخسائر المالية، وتلف المنازل، ومصاعب العودة إلى الحياة الطبيعية، وتأخر التعويضات؛ حيث أثبتت النتائج أن هذا التراكم المستمر للأعباء اليومية يؤدي إلى إطالة أمد الأعراض ومنع الاستقرار النفسي على المدى الطويل.
أدوات التقييم وسياق البحث
أُجريت هذه الدراسة المقطعية الرصدية في الفترة الممتدة من 9 يناير إلى 13 أبريل 2025. واستندت إلى حزمة من المقاييس المعتمدة علمياً، تضمنت مقياس الصدمة العامة (EGEP)، ومؤشر الأعراض الوجيز (BSI-18)، ومقياس كونور-ديفيدسون لتقييم المرونة النفسية (CD-RISC)، فضلاً عن استبيانات متخصصة لتقييم مستوى التعرض وتاريخ الصحة النفسية للمشاركين.
وتكمن أهمية هذا الجهد البحثي في سد فجوة معرفية واسعة في الأدبيات الطبية الإسبانية؛ إذ لا تزال البيانات الميدانية حول التداعيات النفسية المترتبة على الكوارث المناخية شحيحة للغاية في المنطقة، رغم تزايد تكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
رسالة لصناع القرار: الحاجة لتدخل نفسي مبكر
خلص الباحثون في نهاية دراستهم إلى رسالة حاسمة موجهة للمؤسسات الصحية وإدارات الطوارئ، تحث على تأسيس منظومة متابعة نفسية مستمرة لا تقتصر على التدخل الأولي المؤقت أثناء الأزمة فحسب، بل تمتد لتشمل برامج للكشف المبكر عن الحالات المعرضة للخطر في المناطق المتضررة.
وشدد الباحثون على أن معالجة الضغوط الثانوية، عبر تقديم الدعم اللوجستي وتسهيل جهود التعافي المجتمعي والاقتصادي، تعد ركيزة أساسية لا تنفصل عن الرعاية النفسية والطبية؛ فإعادة بناء البيئة الحياتية المستقرة هي الخطوة الأولى والضرورية لتمكين المتضررين من استعادة توازنهم وصحتهم النفسية.
المصدر
- Psychological Symptoms Following the October 2024 DANA Floods in Valencia: A Cross-Sectional Study of Direct Victims, Indirect Victims, and Volunteers
- الباحثون: Laura García‐Garcés, Marta Ruiz-Cortés, Marta Lluesma-Vidal, Carmen Trull-Ahuir, Raquel Carcelén
- المجلة: International Journal of Environmental Research and Public Health
- قراءة الدراسة الأصلية