في الوقت الذي تواصل فيه كبرى الشركات العالمية نقاشاتها المحتدمة حول سياسات الحضور الإلزامي، كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت في دورية Organizational Behavior and Human Decision Processes أن إصرار بعض المديرين التنفيذيين على إلغاء نماذج العمل المرن لا ينبع بالضرورة من حرصهم على الإنتاجية، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسمات شخصية كامنة؛ حيث أظهرت النتائج أن القادة الذين تتملكهم نزعات النرجسية يبدون مقاومة شرسة للعمل عن بُعد لأن غياب الموظفين عن المكاتب يهدد دوافعهم العميقة نحو السيطرة والمكانة الاجتماعية.
لغز الإصرار على العودة إلى المكاتب
لطالما تذرع كبار المسؤولين بحجج الكفاءة والابتكار لتبرير قرارات إلزام الموظفين بالعودة إلى مقرات العمل، إلا أن الباحثين في علم النفس الإداري لاحظوا تبايناً حاداً وغير مبرر أحياناً في مواقف الإدارات إزاء العمل المرن. وتوصل الفريق البحثي، بقيادة الدكتورة ماريسا شانديل والبروفيسور آدم غرانت، إلى أن هذا الإصرار ليس مجرد خيار إداري محايد، بل يعود في جذوره النفسية إلى شعور القائد النرجسي بالتهديد، إذ يرى في استقلالية الموظفين الافتراضية تقويضاً لسلطته المباشرة ونفوذه الذي اعتاد ممارسته داخل المكاتب المغلقة.
السلطة والمكانة: المحرك الأساسي لمقاومة التغيير
تستند الدراسة إلى دمج النموذج الوكالي للنرجسية مع نظرية ثراء وسائل الإعلام، لتوضيح كيف يرى القائد النرجسي مساحة العمل المادية كمسرح مثالي لاستعراض الهيبة وإبراز الفوارق الطبقية داخل المؤسسة. فالمكاتب الفارهة، والاجتماعات الطويلة، ونظرات الإعجاب المباشرة من المرؤوسين تمثل وقوداً حيوياً لتغذية الذات المتضخمة لدى هذا النمط من المديرين.
في المقابل، يتسم التواصل الرقمي عبر الشاشات بطبيعة مسطحة تحد من لغة الجسد ومظاهر التبجيل، مما يحرم النرجسيين من المنصات اليومية التي تتيح لهم تأكيد تفوقهم واستعراض نفوذهم، فيتحول العمل عن بُعد في نظرهم إلى تهديد مباشر لهيبتهم ومكانتهم التي يغذونها بحضور الموظفين حولهم.
ثلاث مراحل بحثية تؤكد الظاهرة
اعتمد الباحثون على منهجية صارمة قُسمت إلى ثلاث دراسات تتبعت أثر هذه السمة على قرارات القادة:
- الدراسة الأولى: تتبعت بيانات 259 رئيساً تنفيذياً لشركات مدرجة في قائمة «فورتشن 500» (Fortune 500). وقاس الباحثون نرجسية هؤلاء عبر مؤشرات غير مباشرة شملت حجم صورهم وتوقيعاتهم في التقارير السنوية وحجم تعويضاتهم المالية، وربطوها بمواقفهم العلنية الرافضة للعمل عن بُعد في بدايات جائحة كوفيد-19، وتحديداً في القطاعات التي لا تعتمد أساساً على العمالة الميدانية.
- الدراسة الثانية: شملت مسحاً استقصائياً موسعاً لـ 359 قائداً على ثلاث مراحل زمنية، وأكدت أن الدافع لامتلاك القوة والمكانة هو الذي يفسر مقاومة العمل المرن، وظلت هذه النتيجة قائمة حتى بعد استبعاد متغيرات الثقة وسمات عناصر الشخصية الخمسة وباقي سمات الثالوث المظلم.
- الدراسة الثالثة: أُجريت كتجربة معملية على 546 قائداً جرى خلالها تحفيز النزعة النرجسية بشكل مقصود، مما ولد استجابة فورية برفض خيارات العمل عن بُعد بدافع التمسك بممارسة القوة والتحكم المباشر.
ماذا يعني ذلك لمستقبل بيئات العمل؟
تقدم هذه الاكتشافات أداة حاسمة لأقسام الموارد البشرية ومجالس الإدارات، إذ تساعدهم على فك الارتباط بين القرارات الاستراتيجية القائمة على متطلبات التشغيل الفعلية وبين الأهواء النفسية الشخصية للمسؤولين. فتحديد الدوافع الخفية وراء التمسك بالعمل التقليدي يمنع اتخاذ قرارات متسرعة تضر برفاهية الكفاءات وتنافسية الشركات.
ويخلص خبراء العمل المؤسسي إلى أن رسم مستقبل عادل لبيئات العمل الهجينة يتطلب إعادة هندسة مفهوم القيادة وتجريده من الارتباط بالمكان المادي؛ بحيث يُقاس نجاح القائد بنتائج فرقه الفعلية وقدرته على تمكين الموظفين، لا بعدد الرؤوس المنحنية أمامه في أروقة المكاتب.
المصدر
- Worship me at the office altar: Why narcissistic leaders resist remote work
- الباحثون: Marissa S. Shandell, Courtney E. Elliott, Adam M. Grant
- المجلة: Organizational Behavior and Human Decision Processes
- قراءة الدراسة الأصلية