الملخص
يُعد مقياس القابلية للملل (Boredom Proneness Scale – BPS)، الذي طوّره الباحثان ريتشارد فارمر ونورمان ساندبيرغ (Farmer & Sundberg, 1986)، أول أداة سيكومترية منهجية صُممت خصيصاً لتقييم الفروق الفردية في النزعة المستعرضة والمستقرة نسبياً للشعور بـ الملل كسمة شخصية (Trait boredom) وليست مجرد حالة انفعالية عابرة (State boredom). يتألف المقياس في نسخته الأصلية الكاملة من 28 فقرة تقرير ذاتي، وقد قُدّمت في البداية بصيغة ثنائية الاستجابة (صح / خطأ)، ثم عُدّلت لاحقاً في الدراسات المعاصرة لتعتمد مقياس ليكرت السباعي (من 1 = أعارض بشدة، إلى 7 = أوافق بشدة)، مما يتيح مدى درجات كلي يتراوح بين 28 و168 درجة، حيث تعكس الدرجات المرتفعة قابلية أعلى لمعاناة الملل وافتقاراً للتحفيز الداخلي والخارجي.
يغطي المقياس طيفاً واسعاً من المظاهر المعرفية والانفعالية والسلوكية المرتبطة بالملل، بما يشمل صعوبات الانتباه وتركيز الذهن، والشعور بالتململ والحركية الزائدة، وإدراك بطء تدفق الوقت، والعجز عن توليد اهتمامات ذاتية مستقلة، ومحدودية الإثارة في الأنشطة الروتينية، والشعور بعبثية المهام اليومية. وقد بيّنت الأدبيات السيكومترية تمتع المقياس بخصائص قياسية رصينة عبر عينات متنوعة سريرية وغير سريرية؛ حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) عموماً بين 0.79 و0.84، بينما بلغ ثبات إعادة الاختبار عبر فترات زمنية تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أسابيع قرابة 0.79 إلى 0.83، ما يؤكد استقرار البناء النفسي المقاس عبر الزمن. كما أظهر المقياس صدقاً تقاربياً قوياً بارتباطه الإيجابي بالاكتئاب، والقلق، والاندفاعية، والعدائية، والأليكسيثيميا، مقابل ارتباطات سالبة دالة مع تقدير الذات، والبحث عن المعنى في الحياة، والفاعلية الذاتية، ومشاعر التدفق النفسي (Flow). يُستخدم المقياس على نطاق واسع في علم النفس العيادي، وعلم النفس التنظيمي، وعلم نفس الصحة، ومجالات الإدمان، والبيئات المدرسية والأكاديمية لتحديد الأفراد المعرضين للمخاطر النفسية والسلوكية الناتجة عن انخفاض القدرة على توجيه الانتباه وإدارة الرتابة البيئية.
الكلمات المفتاحية
مقياس القابلية للملل، ريتشارد فارمر، نورمان ساندبيرغ، الملل كسمة، قياس نفسي، تنظيم الانتباه، نقص الاستثارة، علم النفس الإكلينيكي، الخصائص السيكومترية، مقياس ليكرت، التحليل العاملي، الرتابة المعرفية.
المؤلفون
تم تطوير المقياس بواسطة باحثين بارزين في ميدان علم الشخصية والتقييم السيكولوجي بجامعة أوريغون في الولايات المتحدة الأمريكية:
- ريتشارد فارمر (Richard Farmer, Ph.D.): أستاذ وباحث في علم النفس الإكلينيكي وعلم الشخصية، تركزت أبحاثه الرائدة حول تنظيم الانفعال، والاضطرابات السلوكية، وتطوير المقاييس النفسية. كان من أوائل من لفتوا الانتباه إلى العواقب النفسية الإكلينيكية للملل المزمن بوصفه محدداً للاضطرابات النفسية وليس مجرد تجربة وجدانية ثانوية.
- نورمان دي. ساندبيرغ (Norman D. Sundberg, Ph.D. – 1922-2019): أستاذ فخري لعلم النفس في University of Oregon، وأحد الرواد العالميين في التقييم النفسي الإكلينيكي، وعلم النفس الثقافي المقارن، وتطوير أدوات القياس الشخصي. أسهمت مؤلفاته المرجعية في إرساء المعايير الحديثة لبناء الاختبارات وتقنينها عبر الثقافات.
المراسلات الأكاديمية التاريخية كانت موجهة إلى قسم علم النفس في جامعة أوريغون، يوجين، أوريغون 97403، الولايات المتحدة الأمريكية (Department of Psychology, University of Oregon, Eugene, OR 97403, USA).
الغرض
يتمثل الغرض الجوهري من مقياس القابلية للملل في سد ثغرة تشخيصية ومنهجية بالغة الأهمية في الأدبيات النفسية؛ إذ ظل مفهوم الملل لعقود طويلة يُعامل بوصفه حالة مؤقتة ناتجة عن بيئات غير محفزة، دون إيلاء اهتمام كافٍ لحقيقة أن الأفراد يتفاوتون تفاوتاً جوهرياً ومستداماً في نزعتهم الداخلية واستعدادهم السلوكي والمعرفي لخبرة هذا الشعور حتى في وجود بيئات غنية بالمثيرات. يهدف المقياس إلى قياس هذه السمة الشخصية بطريقة كمية معيرة تتيح التنبؤ بالمخرجات النفسية والسلوكية المرتبطة بها.
المبرر النظري والعملي
ينطلق المقياس من الافتراض القائل بأن القابلية للملل لا تنبع فقط من افتقار العالم الخارجي للإثارة، بل تعود بالأساس إلى قصور وظيفي في آليات تنظيم الانتباه والدافعية الذاتية والقدرة على خلق معنى شخصي للأحداث. فالأفراد ذوو الدرجات المرتفعة على المقياس يظهرون عجزاً مستمراً في تحويل انتباههم الداخلي نحو موضوعات ذات مغزى، ويواجهون صعوبة في الحفاظ على حالة اليقظة المثلى دون الاعتماد القهري على محفزات حسية وبيئية مكثفة من الخارج.
التطبيقات البحثية
يُعد BPS الأداة المعيارية الذهبية الأكثر شيوعاً واستشهاداً في البحوث النفسية لتقصي دور الملل في مختلف الظواهر الإنسانية:
- أبحاث الإدمان والتعاطي: استكشاف دور القابلية للملل كعامل خطر رئيسي لتعاطي المخدرات والكحول، والتدخين، والإفراط في المقامرة، حيث يعمل السلوك الإدماني كآلية تعويضية عاجزة للهروب من الفراغ النفسي والخواء الداخلي.
- أبحاث علم النفس المعرفي والانتباه: دراسة الصلة بين الملل واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وزلات الانتباه، وشرود الذهن المزمن، وحوادث السير الناجمة عن فقدان التركيز.
- علم النفس الإيجابي والرفاه: فهم العوامل التي تعيق الوصول إلى حالة التدفق (Flow State)، واختبار نماذج المعنى في الحياة والقدرة على الاستغراق الإبداعي.
التطبيقات الإكلينيكية والتنظيمية
على الصعيد العيادي، يوفر المقياس للأطباء والمعالجين النفسيين أداة تشخيصية مساعدة لتقييم مستويات التململ المزمن لدى المرضى المصابين بالاكتئاب السريري واضطرابات الشخصية (خاصة اضطراب الشخصية الحدية والتمثيلية)، فضلاً عن التخطيط للتدخلات السلوكية المعرفية التي تركز على إعادة توجيه الانتباه وتنمية مهارات الترفيه الذاتي. أما في السياق التنظيمي وبيئات العمل، فيُوظف المقياس لتفسير ظواهر الاحتراق النفسي، والغياب المتكرر، وانخفاض الرضا الوظيفي، والأخطاء التشغيلية في المهن التي تتطلب مراقبة مستمرة وروتينية، وتصميم بيئات عمل تحد من الانفصال الذهني وتدعم المشاركة الوظيفية الفعالة.
البناء النفسي
يُمثل البناء النفسي لـ القابلية للملل (Boredom Proneness) متغيراً متعدد المظاهر ينطوي على أبعاد معرفية ووجدانية وتحفيزية وحركية. فبينما يُقاس الملل عموماً كحالة وجدانية سالبة تتسم بنقص الاستثارة والضيق، فإن المقياس يرتكز على افتراض أن هذه الحالة ترتبط بنمط شخصية متكامل يتسم بالعجز عن التفاعل البناء مع المتطلبات البيئية. ورغم أن فارمر وساندبيرغ قدما المقياس كأداة أحادية البعد كلياً في دراستهما الأولى، إلا أن التحليلات العاملية اللاحقة كشفت عن بنية غنية تحتضن أبعاداً فرعية متمايزة توضح كيفية تجلي الملل في الحياة اليومية:
1. الاستثارة الخارجية (External Stimulation)
يعكس هذا البعد حاجة الفرد الملحة والمزمنة إلى مثيرات وتغييرات بيئية مكثفة قادمة من الخارج للشعور بالحيوية والنشاط. يجد أصحاب هذا البعد صعوبة بالغة في تحمل البيئات الروتينية، ويشعرون بالخمول التام ما لم تتوفر إثارة حسية أو أحداث غير مألوفة، وتجسده الفقرات التي تقيس مدى تطلب الفرد للتجديد المتواصل لتفادي الشعور بالموت النفسي (مثل الفقرة 10 والفقرة 25).
2. الاستثارة الداخلية والترفيه الذاتي (Internal Stimulation & Self-Entertainment)
يقيس هذا المكون القدرة الفردية على توليد الاهتمام والاستثمار الذهني الإيجابي في الأنشطة دون الحاجة لدعم خارجي. الأفراد الذين يحصلون على درجات تدل على القابلية للملل في هذا البعد يفتقرون إلى الخيال، ويعجزون عن إيجاد أفكار ومشاريع تشغل أوقات فراغهم، ويعانون مما يُعرف بـ “الفراغ الزمني” والشعور بالعجز عن الترفيه عن الذات (كما في الفقرة 8 والفقرة 13 والفقرة 16).
3. قيود الانتباه وتركيز الذهن (Attentional Constraints)
يرتبط هذا البعد بقدرة الفرد على تثبيت انتباهه وموارده المعرفية على المهمة قيد التنفيذ دون تشتت أو قلق. يرى باحثو الانتباه أن هذا المكون هو اللب المعرفي لخبرة الملل؛ حيث يؤدي عجز التنظيم الانتباهي التنفيذي إلى انقطاع التواصل الذهني مع المهمة وتوليد شعور فوري بالملل والضيق (الممثلة بفقرات مثل الفقرة 1 والفقرة 2).
4. إدراك الزمن وبطء الوقت (Perception of Time)
يمثل التشويه الذاتي في إدراك مرور الوقت علامة فارقة في خبرة القابلية للملل. يعاني الأفراد ذوو القابلية المرتفعة للملل من إحساس بأن الدقائق والساعات تمتد بلا نهاية وبوتيرة شديدة البطء والجمود، وهو ما ينعكس في مشاعر التململ والعجز عن الانتظار الهادئ (كالفقرة 3 والفقرة 15 والفقرة 17).
5. التململ الحركي والوجداني (Affective and Physical Restlessness)
يتجلى هذا البعد في مشاعر التوتر العضلي والحركية الزائدة والنزوع إلى التململ الجسدي، والشعور الدائم بالحصار داخل مواقف بلا معنى، مما يولد رغبة جامحة في الهروب الحركي والانفعالي من الوضع القائم (كما تعكسه الفقرة 4 والفقرة 5 والفقرة 14).
الإطار النظري
يستند مقياس القابلية للملل إلى تضافر أطر نظرية مستمدة من علم النفس المعرفي، ونظريات الاستثارة البيولوجية، وعلم النفس الإنساني والوجودي، ما يمنحه عمقاً تفسيرياً متعدد المستويات لكيفية نشوء الملل واستمراره:
1. نظرية مستوى الاستثارة الأمثل (Optimal Arousal Theory)
ترتكز الخلفية النظرية للمقياس على النموذج الذي طوره دونالد هيب (Donald Hebb, 1955) وبرلين (Daniel Berlyne, 1960)، والذي ينص على أن الجهاز العصبي المركزي يسعى دائماً للحفاظ على مستوى متوازن وأمثل من الاستثارة الفسيولوجية والمعرفية (Optimal Level of Arousal). وفقاً لهذا النموذج، يحدث الملل عندما تنخفض مدخلات الإثارة البيئية عن هذا المستوى الحرج، في حين يفشل الفرد داخلياً في تعويض هذا النقص. والأفراد ذوو القابلية المرتفعة للملل يمتلكون عتبة استثارة عصبية عليا، مما يجعلهم بحاجة إلى مدخلات حسية مضاعفة لبلوغ نقطة الراحة النفسية والانخراط، وهو ما ينعكس صراحة في صياغة فقرات المقياس المتعلقة بالحاجة إلى التغيير والتحديات الخطرة.
2. منظور نظرية التحكم في الانتباه والتنظيم التنفيذي (Attentional Theories of Boredom)
ينطلق المنظور المعرفي من افتراضات إيستوود وزملائه (Eastwood et al., 2012)، التي تعتبر الملل أزمة معرفية انتباهية في المقام الأول. فالملل يُعرف بأنه الرغبة غير الملباة في الانخراط في نشاط مُرْضٍ ومُشبع، وتتأتى هذه الرغبة غير المحققة نتيجة انهيار في إحدى آليات الانتباه الثلاث: الفشل في تركيز الانتباه على المعلومات الداخلية أو الخارجية، أو الوعي الواضح بحقيقة الفشل في الحفاظ على الانتباه، أو عزو هذا الانهيار الانتباهي إلى البيئة المحيطة بوصفها بيئة باهتة ورتيبة. وقد عكست فقرات فارمر وساندبيرغ هذه الدينامية بدقة متناهية من خلال ربط صعوبة التركيز بالانشغال بالهموم الأخرى والتشتت الدائم.
3. المنظور الوجودي وفقدان المعنى (Existential Theory & Meaning in Life)
يتأثر المقياس أيضاً بأطروحات فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) حول “الفراغ الوجودي” (Existential Vacuum). يُنظر إلى الملل في هذا السياق على أنه إشارة تحذيرية تدل على خلو النشاط البشري من الغاية والقيمة الذاتية. إن الأفراد الذين يفشلون في ربط أفعالهم اليومية بمنظومة أهداف شخصية عليا يختبرون أنشطتهم بوصفها مهام رتيبة وعديمة الجدوى ومفروضة من الخارج. وقد صُممت عدة فقرات في المقياس لتقييم شعور الفرد بأنه محاصر في بيئات تؤدي إلى مهام تافهة أو أنه يعمل بمستوى يقل كثيراً عن طاقاته الحقيقية، مما يربط القابلية للملل بضياع المعنى الوجودي.
الصدق
خضع مقياس القابلية للملل لعمليات فحص وتقييم تجريبية مكثفة عبر أكثر من ثلاثة عقود لإثبات مختلف أوجه الصدق القياسي، وقد أكدت الدراسات المنشورة اتساق نتائجه مع الفرضيات النظرية المعتمدة:
صدق البناء والصدق التقاربي (Convergent Validity)
أظهرت دراسات فارمر وساندبيرغ الأصلية (1986) ودراسات لاحقة أجراها فودانوفيتش وزملاؤه ارتباطات دالة إحصائياً بين درجات المقياس والعديد من البناءات النفسية ذات الصلة الوثيقة:
- الاكتئاب والقلق: ارتبط BPS إيجابياً وبشكل متوسط إلى مرتفع بمقاييس الاكتئاب (مثل مقياس بيك للاكتئاب BDI) بمعاملات تراوحت بين r = 0.45 وr = 0.60، وبمقاييس القلق الصريح (Trait Anxiety) بمعاملات بلغت r = 0.35 إلى r = 0.52، مما يثبت تقارب الملل كسمة مع اضطرابات المزاج السلبية.
- الأليكسيثيميا والوعي الذاتي: وُجدت ارتباطات موجبة دالة مع صعوبة التعرف على المشاعر ووصفها، وضعف الوعي بالذات، ونقص الذكاء العاطفي.
- الاندفاعية والبحث عن الإثارة: ارتبط المقياس بوضوح بأبعاد الاندفاعية وطلب الإثارة الحسية (Sensation Seeking)، لا سيما بُعد القابلية للملل لدى زوكرمان (Zuckerman’s Boredom Susceptibility).
- الانفصال التنظيمي والاحتراق الوظيفي: أظهرت العينات الوظيفية ارتباطات طردية بين درجات المقياس ومشاعر الإجهاد الانفعالي وانخفاض الإنتاجية المهنية.
الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
برهن المقياس على قدرته على التمايز عن المتغيرات الإيجابية التي يفترض نظرياً أن تتعارض مع الملل المزمن؛ حيث كشفت الدراسات عن ارتباطات عكسية قوية ودالة إحصائياً مع:
- المعنى في الحياة والفاعلية الذاتية: ارتبطت درجات المقياس سلباً بمقياس المعنى في الحياة (PIL) بمعاملات وصلت إلى r = -0.51، مما يؤكد أن الملل لا يختلط إدراكياً بوجود أهداف وقيم ذات معنى.
- تقدير الذات وموقع الضبط الداخلي: أظهرت الأبحاث ارتباطاً سالباً مع تقدير الذات (Rosenberg Self-Esteem Scale) ومع الضبط الداخلي (Internal Locus of Control)، حيث يميل الأفراد المعرضون للملل إلى عزو سيطرتهم على الأحداث لمصادر خارجية.
- التدفق النفسي والاستغراق: سُجلت ارتباطات عكسية واضحة مع القدرة على الانخراط التام في الأنشطة الرياضية والأكاديمية والإبداعية.
الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
أثبت المقياس قدرة تنبؤية فائقة بالسلوكيات المعرضة للخطر في دراسات تتبعية ومستعرضة؛ إذ نجح في التنبؤ بـ: زلات وسقطات الانتباه اليومية، والتسويف الأكاديمي، وإدمان الإنترنت والهواتف الذكية، والإفراط في تناول الطعام القهري، والقيادة المتهورة تحت تأثير التململ، والتدخين وتعاطي المواد المؤثرة عقلياً لدى المراهقين والشباب الجامعي.
الثبات
حظي المقياس بتقييم دقيق لخصائص الثبات السيكومتري عبر مؤشرات الاتساق الداخلي والاستقرار الزمني عبر عينات متعددة، وجاءت المعاملات مطابقة لمعايير القياس النفسي الصارمة:
الاتساق الداخلي (Internal Consistency)
في دراسة التقنين الأصلية التي أجراها فارمر وساندبيرغ (Farmer & Sundberg, 1986) على عينة قوامها 222 طالباً جامعياً، أظهر المقياس معامل اتساق داخلي (ألفا كرونباخ) بلغ 0.79 للصيغة الثنائية. وفي دراسات لاحقة اعتمدت تدريج ليكرت السباعي (Vodanovich & Kass, 1990)، ارتفع معامل ألفا كرونباخ ليتراوح بين 0.83 و0.85، وهو مستوى مرتفع يشير إلى تجانس فقرات المقياس وقوة ترابطها التبادلي في قياس مفهوم القابلية للملل.
ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability)
أكدت نتائج إعادة تطبيق المقياس استقرار الدرجات عبر الزمن، وهو شرط محوري للتحقق من أن المقياس يقيس سمة مستقرة وليس حالة متقلبة:
- أبلغ فارمر وساندبيرغ عن معامل ثبات إعادة تطبيق بلغ 0.83 لدى عينة أُعيد اختبارها بعد فاصل زمني مدته أسبوع واحد.
- في دراسة مستقلة أجراها فودانوفيتش وأحمد ووات (Vodanovich, Ahmed, & Watt)، تراوحت معاملات ثبات إعادة الاختبار بين 0.79 و0.83 عبر فترات تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أسابيع.
- أظهرت المتابعات طويلة المدى (أكثر من 6 أشهر) بقاء معاملات الثبات عند مستويات مقبولة إحصائياً تتجاوز 0.70، مما يدعم الطبيعة المزمنة والمستمرة لسمة القابلية للملل المقاسة بالأداة.
التحليل العاملي
شهدت البنية العاملية لمقياس BPS سجالاً علمياً واسعاً ساهم في إثراء فهم هذا المفهوم؛ فبينما افترض مطورو المقياس في البداية أحادية البعد العام للسمة، أفرز التحليل الإحصائي المتقدم نماذج متعددة العوامل تفسر التباين الكلي للاستجابات بدقة أكبر:
التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
أجرى فودانوفيتش وكاس (Vodanovich & Kass, 1990) تحليلاً استكشافياً شاملاً لمكونات المقياس باستخدام أسلوب المكونات الأساسية مع التدوير المتعامد (Varimax)، مما أسفر عن استخلاص خمسة عوامل رئيسية فسرت مجتمعة ما يقارب 35.8% من التباين الكلي:
- الاستثارة الخارجية (External Stimulation): تشبعت عليه فقرات تعبر عن الحاجة إلى التغيير والتنوع الخارجي والبيئات المثيرة (مثل الفقرات 10، 25، 26).
- الاستثارة الداخلية (Internal Stimulation): وتشبعت عليه الفقرات التي تعكس القدرة على خلق الحافز الفردي والمشاريع الشخصية وخيال الترفيه الذاتي (مثل الفقرات 7، 8، 13).
- المشاعر الانفعالية المقيدة (Affective Constraints): فقرات تقيس القلق والتململ والعجز عن الصبر والانتظار الهادئ (مثل الفقرات 15، 17).
- إدراك الوقت (Time Perception): تشبعت عليه فقرات بطء تدفق الوقت والشعور بجمود الساعات (مثل الفقرة 3).
- التحمل والتكرار الروتيني (Monotony & Repetition): ويضم فقرات المعاناة من الأعمال المتكررة والأنشطة عديمة المغزى (مثل الفقرات 5، 9، 28).
التحليل العاملي التوكيدي والجدل المنهجي (CFA)
في مراجعات نقدية متأخرة، أشار باحثون مثل ميرسر-لين وزملاؤه (Mercer-Lynn et al., 2011, 2013) إلى أن وجود فقرات مصاغة إيجابياً وأخرى مصاغة عكسياً (سلبياً) قد أثر على نتائج التحليلات العاملية الاستكشافية السابقة، حيث انفصلت الفقرات أحياناً بحسب اتجاه الصياغة اللغوية (Method Effect) وليس بحسب التمايز المفاهيمي الصرف.
وباستخدام التحليل العاملي التوكيدي ونماذج الاستجابة للمفردة (Item Response Theory – IRT)، اقترح العديد من الباحثين نموذجاً ثنائي العامل ثنائي القطب (Two-Factor Model) يتميز بالاستقرار الإحصائي عبر الثقافات، وينقسم إلى:
- الملل الداخلي (Internal Boredom): يعبر عن الصعوبات المتعلقة بالتحفيز الذاتي وتنظيم الانتباه والاهتمامات الفردية.
- الملل الخارجي (External Boredom): يعبر عن الحاجة الشديدة لإثارة البيئة الخارجية والضيق الناتج عن الرتابة والروتين.
تتمتع البنية ثنائية العامل بمؤشرات مطابقة ممتازة في التحليلات التوكيدية الحديثة (مثل: CFI > 0.90, RMSEA < 0.06)، مما يجعلها الأكثر اعتماداً في البحوث التفسيرية المعاصرة مع الإبقاء على الدرجة الكلية كمعيار عام للقابلية للملل.
أداة القياس
تتميز أداة BPS بالخصائص الفنية والإجرائية التالية:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي نفسي واجتماعي (Self-Report Inventory)، فردي أو جمعي، يمكن تطبيقه ورقياً أو عبر المنصات الحاسوبية المؤتمتة.
- الجمهور المستهدف: المراهقون والبالغون بدءاً من سن 16 عاماً فما فوق في الأوساط العامة والجامعية والسريرية والمهنية.
- عدد الفقرات: 28 فقرة تقريرية مصممة بلغة واضحة ومباشرة تقيم السلوكيات والأفكار والمشاعر المعتادة.
- تنسيق الاستجابة الأصلي: خيار ثنائي (صح = True / خطأ = False)، حيث تُحسب نقطة واحدة لكل إجابة تؤكد القابلية للملل.
- تنسيق الاستجابة المعاصر (الأكثر استخداماً): مقياس ليكرت السباعي من 1 إلى 7 درجات، حيث:
- 1 = أعارض بشدة (Highly Disagree)
- 2 = أعارض (Disagree)
- 3 = أعارض قليلاً (Slightly Disagree)
- 4 = محايد / لا أدري (Neutral)
- 5 = أوافق قليلاً (Slightly Agree)
- 6 = أوافق (Agree)
- 7 = أوافق بشدة (Highly Agree)
- الفقرات المعكوسة (Reverse-Scored Items): يتضمن المقياس تسع فقرات إيجابية صُممت لحماية النتائج من تحيز الاستجابة (Acquiescence Bias) والامتثال النمطي. تُعكس درجات هذه الفقرات عند التصحيح قبل جمع الدرجة الكلية (في سلم ليكرت السباعي: 1 تصبح 7، 2 تصبح 6، وهكذا؛ وفي الصيغة الثنائية تصبح الإجابة بـ “خطأ” هي التي تمنح الدرجة). هذه الفقرات هي:
- الفقرة 1: يسهل عليّ التركيز على أنشطتي.
- الفقرة 7: لديّ مشاريع وأفكار تدور في ذهني طوال الوقت وأشياء لأقوم بها.
- الفقرة 8: أجد من السهل أن أسلّي نفسي وأرفه عنها.
- الفقرة 11: أشعر بمتعة بالغة وإثارة من معظم الأشياء التي أقوم بها.
- الفقرة 13: في أي موقف كان، يمكنني عادةً العثور على شيء أفعله أو أراه يجعلني مهتماً.
- الفقرة 15: أنا ماهر في الانتظار بصبر وهدوء.
- الفقرة 18: غالباً ما أستيقظ من نومي ولديّ فكرة جديدة ومبتكرة.
- الفقرة 22: سيقول عني كثير من الناس إنني شخص مبدع أو واسع الخيال.
- الفقرة 23: لديّ اهتمامات كثيرة جداً، لدرجة أنني لا أجد الوقت الكافي للقيام بكل شيء.
- الفقرة 24: بين أصدقائي، أنا الشخص الذي يواصل العمل في شيء ما لأطول فترة دون استسلام.
(ملاحظة: في معظم أدبيات القياس المتطابقة يُشار إلى وجود ما بين 9 إلى 10 فقرات معكوسة، والفقرات المحددة أعلاه هي التي تُظهر توجهاً إيجابياً للتحفيز الذاتي).
- آلية حساب الدرجات: يتم عكس درجات الفقرات السلبية، ثم تُجمع درجات كافة الفقرات الـ 28 معاً. يتراوح المدى الكلي للدرجات وفق سلم ليكرت من 28 إلى 168 درجة. الدرجة المرتفعة تشير إلى قابلية مزمنة وحادة للشعور بالملل، بينما الدرجة المنخفضة تشير إلى استقلالية تحفيزية عالية وقدرة ممتازة على الترفيه الذاتي والتفاعل البناء مع البيئة.
- زمن التطبيق: يتراوح زمن إكمال المقياس عادة بين 8 إلى 12 دقيقة، مما يجعله عملياً واقتصادياً في التطبيقات البحثية والمسحية الكبيرة.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر مقياس القابلية للملل لأول مرة في عام 1986 ضمن مقال علمي خاضع لمراجعة الأقران في مجلة Journal of Personality Assessment برعاية جمعية تقييم الشخصية (Society for Personality Assessment). وفيما يلي التحديدات القانونية والأكاديمية الخاصة باستخدامه:
- سنة التأسيس والنشر: 1986.
- حقوق النشر الأكاديمية: المقياس كأداة بحثية مدرج في الأدبيات المفتوحة للاستخدامات العلمية وغير التجارية؛ إذ يُسمح عموماً للباحثين وطلاب الدراسات العليا والأكاديميين باستخدامه في الأبحاث والرسائل الجامعية بشرط الاقتباس والتوثيق الأكاديمي الدقيق للورقة الأصلية لفارمر وساندبيرغ (1986).
- الرسوم: لا تفرض أي رسوم ترخيص مالية لاستخدام النسخة القياسية من BPS في سياق البحث العلمي غير الربحي والتعليمي.
- الاستخدامات التجارية والسريرية الموسعة: إذا كان المقياس سيُدمج في برمجيات تجارية مغلقة، أو منصات استشارية إدارية هادفة للربح، أو ترجمات رسمية تصدر في كتيبات اختبارات تجارية، فيتعين التواصل مع الناشر الأصلي للمجلة (Routledge / Taylor & Francis Group) للحصول على ترخيص صريح لحقوق إعادة الإنتاج والنشر.
المراجع
- Berlyne, D. E. (1960). Conflict, arousal, and curiosity. McGraw-Hill. https://doi.org/10.1037/11164-000
- De Raad, B. (1994). An expedition in search of fifth universal factor: Key issues in the lexical approach. European Journal of Personality, 8(4), 229–250. https://doi.org/10.1002/per.2410080404
- Dunning, D. (1999). A newer look: Motivated social cognition and the schematic representation of social concepts. Psychological Inquiry, 10(1), 1–11. https://doi.org/10.1207/s15327965pli1001_1
- Eastwood, J. D., Frischen, A., Fenske, M. J., & Smilek, D. (2012). The unengaged mind: Defining boredom in terms of attention. Perspectives on Psychological Science, 7(5), 482–495. https://doi.org/10.1177/1745691612456044
- Farmer, R., & Sundberg, N. D. (1986). Boredom proneness: The development and correlates of a new scale. Journal of Personality Assessment, 50(1), 4–17. https://doi.org/10.1207/s15327752jpa5001_2
- Hebb, D. O. (1955). Drives and the C.N.S. (conceptual nervous system). Psychological Review, 62(4), 243–254. https://doi.org/10.1037/h0041823
- Jackson, T., & Ekkekakis, P. (2009). Boredom proneness and exercise: A review. Journal of Sport and Exercise Psychology, 31(s1), S284–S300.
- Mercer-Lynn, K. B., Flora, D. B., Fahlman, S. A., & Eastwood, J. D. (2011). The measurement of boredom: A factor analytic approach. Journal of Personality Assessment, 93(4), 384–396. https://doi.org/10.1080/00223891.2011.577478
- Mercer-Lynn, K. B., Bar, R. J., & Eastwood, J. D. (2013). Causes of boredom: The person, the situation, or both? Personality and Individual Differences, 56, 122–126. https://doi.org/10.1016/j.paid.2013.08.034
- Pryor, J. B., & Kriss, M. (1977). The cognitive dynamics of salience in the attribution process. Journal of Personality and Social Psychology, 35(1), 49–55. https://doi.org/10.1037/0022-3514.35.1.49
- Rathunde, K. (2001). Family context and the development of undivided interest: A longitudinal study of family support and challenge and adolescents’ quality of experience. Applied Developmental Science, 5(3), 158–171. https://doi.org/10.1207/S1532480XADS0503_3
- Vodanovich, S. J. (2003). Psychometric measures of boredom: A review of the literature. The Journal of Psychology, 137(6), 569–595. https://doi.org/10.1080/00223980309600636
- Vodanovich, S. J. (2006). Development and validation of a brief boredom proneness scale. Journal of Personality Assessment, 87(2), 178–192.
- Vodanovich, S. J., & Kass, S. J. (1990). A factor analytic study of the Boredom Proneness Scale. Journal of Personality Assessment, 55(1–2), 115–123. https://doi.org/10.1207/s15327752jpa5501&2_11
فقرات المقياس
فيما يلي نص الفقرات الكاملة الثماني والعشرين لمقياس القابلية للملل كما صيغت في الأداة الأصلية لفارمر وساندبيرغ (Farmer & Sundberg, 1986). تُعرض الفقرات باللغة الإنجليزية الأصلية لضمان دقة الصياغة ودلالاتها المعيارية، مع الإشارة إلى أن المستجيب يحدد موقفه أمام كل فقرة إما وفق نمط (صح / خطأ) أو وفق مقياس ليكرت من 1 (أعارض بشدة) إلى 7 (أوافق بشدة):
- It is easy for me to concentrate on my activities.
- Frequently when I am working I find myself worrying about other things.
- Time always seems to be passing slowly.
- I often find myself at “loose ends”, not knowing what to do.
- I am often trapped in situations where I have to do meaningless things.
- Having to look at someone’s home movies or travel slides bores me tremendously.
- I have projects in mind all the time, things to do.
- I find it easy to entertain myself.
- Many things I have to do are repetitive and monotonous.
- It takes more stimulation to get me going than most people.
- I get a kick out of most things I do.
- I am seldom excited about my work.
- In any situation I can usually find something to do or see to keep me interested.
- Much of the time I just sit around doing nothing.
- I am good at waiting patiently.
- I often find myself with nothing to do, time on my hands.
- In situations where I have to wait, such as a line, I get very restless.
- I often wake up with a new idea.
- It would be very hard for me to find a job that is exciting enough.
- I would like more challenging things to do in life.
- I feel that I am working below my abilities most of the time.
- Many people would say that I am a creative or imaginative person.
- I have so many interests, I don’t have time to do everything.
- Among my friends, I am the one who keeps doing something the longest.
- Unless I am doing something exciting, even dangerous, I feel half-dead and dull.
- It takes a lot of change and variety to keep me really happy.
- It seems that the same things are on television or the movies all the time; it’s getting old.
- When I was young, I was often in monotonous and tiresome situations.