1. الملخص / Abstract
يُعد التقييم التشخيصي للرضع والأطفال في سن ما قبل المدرسة (Diagnostic Infant and Preschool Assessment – DIPA) أداة تشخيصية إكلينيكية شبه مقننة رائدة، صممها وطورها البروفيسور مايكل س. شيرينغا (Michael S. Scheeringa) وزملاؤه في كلية الطب بجامعة تولين. يهدف المقياس إلى تقييم وتشخيص الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى الفئات العمرية المبكرة جداً، الممتدة من عمر أقل من عام واحد حتى سن 6 سنوات، مع إمكانية تمديد استخدامه لتتبع مسارات الأطفال التطورية حتى عمر 7 أو 8 سنوات. تستند المقابلة بشكل محوري إلى تقارير مقدمي الرعاية الأساسيين (الوالدين)، وتتضمن وحدات تشخيصية مستقلة تغطي أهم فئات الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-IV) ومعايير البحث التشخيصية لمرحلة ما قبل المدرسة (RDC-PA)، مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، واضطراب الاكتئاب الجسيم (MDD)، والاضطراب ثنائي القطب من النوع الأول، واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، واضطراب التحدي المعارض (ODD)، واضطراب المسلك (CD)، واضطرابات القلق المتعددة، واضطراب التعلق التفاعلي (RAD)، واضطرابات النوم المحددة.
يتألف المقياس من وحدات نمطية تغطي المعايير العرضية الكاملة لكل اضطراب مرتبة وفق تسلسل الدليل التشخيصي، مقترنة بتقييم كمي وكيفي لتكرار الأعراض (خلال آخر 4 أسابيع في العادة)، ومدة النوبة بالدقائق، وتاريخ الظهور الدقيق. كما يتفرد المقياس بتقييم معمق للاختلال الوظيفي (Functional Impairment) عبر خمسة سياقات تطورية (مع الوالدين، والإخوة، والأقران، والمدرسة/الحضانة، والأماكن العامة)، فضلاً عن رصد آليات «التكيف الوالدي» (Accommodation) والاحتياج المدرك للعلاج. تُمنح الدرجات وفق فلسفة تشخيصية رصينة: «الوالد هو الحَكَم الأول، والفاحص هو الحَكَم النهائي»، حيث يتم تسجيل الأعراض ثنائياً (0 = غائب، 1 = حاضر) استناداً إلى تقديم أمثلة سلوكية حية تثبت أن السلوك يتجاوز المعدل الطبيعي للأقران في نفس الفئة العمرية. أظهرت الدراسات السيكومترية تمتع الأداة بمستويات مقبولة إلى ممتازة من ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) والصدق التلازمي (Concurrent Validity) والصدق التمايزي (Discriminant Validity)، مما يجعلها حجر زاوية في الطب النفسي للرضع والطفولة المبكرة والبحوث الوبائية والتدخلات العلاجية المبكرة.
2. الكلمات المفتاحية / Keywords
التقييم التشخيصي للرضع والأطفال في سن ما قبل المدرسة (DIPA)، الطب النفسي للأطفال، اضطراب ما بعد الصدمة في الطفولة المبكرة، معايير RDC-PA، الاختلال الوظيفي النفسي، القياس النفسي للأطفال، التشخيص شبه المقنن، اضطرابات القلق لدى الرضع، اضطرابات النوم والتعلق، التكيف الوالدي، صدق المحك، ثبات إعادة الاختبار.
3. المؤلفون / Authors
تم تطوير هذا المقياس بواسطة فريق أكاديمي وبحثي رائد في مجال الصحة النفسية للرضع والطفولة المبكرة بقسم الطب النفسي العصبي بكلية الطب في جامعة تولين (Tulane University) في نيو أورلينز، الولايات المتحدة الأمريكية:
- مايكل س. شيرينغا (Michael S. Scheeringa, MD, MPH): أستاذ الطب النفسي وطب الأعصاب، ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين، ومدير معهد الصحة النفسية للرضع والطفولة المبكرة، كلية الطب، جامعة تولين. البريد الإلكتروني للمراسلات الأكاديمية: [email protected].
- نانسي هازليت (Nancy Haslett, PhD): باحثة وأستاذة مساهمة في علم النفس الإكلينيكي للأطفال، كلية الطب بجامعة تولين.
- تشارلز هـ. زينه (Charles H. Zeanah, MD): أستاذ الطب النفسي للأطفال والمراهقين، ومن أبرز رواد الطب النفسي للرضع وتطوير معايير اضطرابات التعلق وما بعد الصدمة في مرحلة الطفولة المبكرة، كلية الطب بجامعة تولين.
4. الغرض / Purpose
صُمم التقييم التشخيصي للرضع والأطفال في سن ما قبل المدرسة (DIPA) لملء فجوة تشخيصية حرجة في حقل الصحة النفسية الإكلينيكية والنمائية؛ إذ ظلت المقابلات التشخيصية الموجهة للأطفال لعقود طويلة قاصرة عن النزول تحت سن السادسة أو السابعة، مفترضة خطأً أن الأطفال الصغار جداً والرضع لا يمتلكون النضج العصبي أو الوجداني الذي يسمح بظهور أعراض اضطرابات معقدة كالاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة. يهدف المقياس أساساً إلى توفير تقييم شامل وموضوعي للاضطرابات النفسية وفق تصنيفات DSM-IV ومعايير البحث التشخيصية لمرحلة ما قبل المدرسة (RDC-PA) من خلال مقابلة مقننة تجرى مع مقدمي الرعاية الأساسيين للأطفال من سن الولادة (أقل من عام) حتى 6 سنوات، مع إمكانية التمديد الميداني حتى سن 8 سنوات لضمان المتابعة الطولية للحالات.
يخدم المقياس أغراضاً بحثية وإكلينيكية متعددة المستويات:
- في السياق البحثي: يوفر المقياس منصة رصينة لتصنيف العينات السريرية وتحديد معدلات الانتشار الوبائي للاعتلالات النفسية لدى الأطفال دون سن المدرسة، وفحص الفعالية التجريبية للتدخلات النفسية المبكرة والعلاج الأسري المعرفي السلوكي، وتتبع المسارات النمائية للمراضة المشتركة (Comorbidity) مثل التداخل بين الصدمة النفسية واضطرابات السلوك الخارجي والداخلي. كما يتيح رصد معايير كمية حيوية نادراً ما تجمعها المقابلات السريعة، مثل تكرار السلوك ومعدل مدته بالدقائق وتاريخ البدء بدقة.
- في السياق الإكلينيكي التشخيصي: يضمن المقياس فحصاً شاملاً لجميع الأعراض المحتملة دون تفويت المعايير التي قد يغفلها الأهل؛ حيث يعمل الدليل على منع الأخطاء الناتجة عن «انحراف المقابلة» (Drift) أو التفسيرات الذاتية المبهمة للأعراض عبر تقديم نصوص لفظية محددة. كما يتيح للفاحص تقييم مستوى التأثير الوظيفي والضيق الانفعالي الذي يعانيه الطفل بدقة موضوعية تفصل السلوك النمائي الطبيعي عن الشذوذ الإكلينيكي.
- تتبع دور الأسرة والتكيف الوالدي (Parental Accommodation): يتميز المقياس ببعد تشخيصي غير مسبوق، يتمثل في تقصي مدى قيام الوالدين بإعادة هيكلة البيئة المنزلية أو تجنب الخروج للأماكن العامة لتفادي تفجر أعراض الطفل؛ فكثير من الأطفال قد لا يظهرون اختلالاً وظيفياً ظاهراً في السجلات لأن الوالدين يمارسان تكييفاً مفرطاً يخفي حدة المرض. يوفر DIPA بيانات رقمية ونوعية حول هذه الظاهرة لدعم التخطيط العلاجي.
5. البناء النفسي / Construct
يقوم البناء النفسي لمقياس DIPA على مفهوم «المعيارية النمائية المعدلة للاعتلال النفسي» في مرحلة الطفولة المبكرة. يفترض المقياس أن الظواهر المرضية لا تُستنسخ بحذافيرها من نماذج البالغين، بل تتجلى من خلال أنماط سلوكية وانفعالية ملائمة لسن الطفل وقدراته الحركية واللغوية. يتألف المقياس من وحدات تشخيصية مستقلة تغطي الأبعاد النفسية التالية:
1. اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والأحداث الحياتية الصادمة
يقيس المقياس تعرض الطفل للأحداث الصادمة المباشرة وغير المباشرة (مثل الكوارث الطبيعية كإعصار كاترينا، والعنف الأسري، وحوادث السير، والإجراءات الطبية المؤلمة). ويقيس أعراض الاقتحام (Intrusive Recollections) مثل اللعب التكراري الصادم والكوابيس والتفاعل الانفعالي والفسيولوجي عند مواجهة مذكرات الصدمة، بالإضافة إلى سلوكيات التجنب الخدر الانفعالي، والفرط الحركي والاستثارة الفسيولوجية، مع مراعاة أن التعبير اللفظي المباشر عن الألم قد يستعاض عنه بنوبات غضب شديدة أو نكوص نمائي.
2. اضطرابات المزاج (Mood Disorders)
- اضطراب الاكتئاب الجسيم (MDD): يُقاس عبر رصد المزاج البائس أو المزاج المستثار/العصبي البديل للمزاج الحزين لدى الصغار، وفقدان المتعة والاهتمام باللعب (Anhedonia)، واضطرابات الشهية والوزن غير المفسرة طبياً، واضطرابات النوم، والبطء الحركي النفسي أو التململ، ونقص الطاقة، وتكرار اللعب الذي يتضمن موضوعات الموت أو تدمير الذات.
- الاضطراب ثنائي القطب من النوع الأول (Bipolar I Disorder): يُقاس مدى الحياة (Lifetime) لكونه نوبات متقطعة، متضمناً رصد النوبات الهوسية المتمايزة بفترات غير طبيعية من المزاج المرتفع، أو المتوسع، أو المستثار بشدة المترافق مع طاقة مفرطة، وتناقص الحاجة إلى النوم، وتسارع الحديث والأفكار بما يتجاوز السلوك اللعبي الصاخب المعتاد.
3. اضطرابات السلوك الموجه نحو الخارج (Disruptive Behavior Disorders)
- اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD): يحلل أبعاد نقص الانتباه المستمر، والاندفاعية السلوكية واللفظية، والنشاط الحركي المفرط عبر سياقات متعددة، مع تفكيك ما إذا كان النشاط متوقعاً لسن ما قبل المدرسة أم شاذاً بصورة تعيق التفاعل الآمن.
- اضطراب التحدي المعارض (ODD): يتتبع أنماط المزاج الغاضب/المستثار، والسلوك المجادل/التحدي، والنزوع إلى الانتقام، والرفض الفعال للامتثال لطلبات البالغين وقواعدهم.
- اضطراب المسلك (CD): يُقيم الأعراض الأكثر شدة خلال الأشهر الستة الماضية، مثل العدوان الموجه نحو الأشخاص والحيوانات، وتدمير الممتلكات، والخداع أو السرقة، والانتهاك الجسيم للقواعد الاجتماعية النمائية.
4. اضطرابات القلق والوسواس (Anxiety & OCD Modules)
تتضمن الوحدات الفرعية كلاً من: قلق الانفصال (SAD) الذي يتجاوز القلق النمائي الطبيعي، والرهاب المحدد (Specific Phobia) والرهاب الاجتماعي (Social Phobia) (مع التركيز على الاستجابة السلوكية للموقف التهديدي وإسقاط شرط إدراك الطفل للاعقولية الخوف)، واضطراب القلق العام (GAD) المعبر عنه بالقلق والتوجس المستمر وصعوبة السيطرة على المخاوف، واضطراب الوسواس القهري (OCD) الذي يفحص الأفعال القهرية الحركية والطقوس التكرارية التي تستهلك وقتاً وتحدث ضيقاً حاداً.
5. اضطرابات التعلق والنوم (RAD & Sleep Disorders)
يغطي اضطراب التعلق التفاعلي (RAD) الأنماط الشاذة جذرياً في التواصل الاجتماعي قبل سن الخامسة، وتحديداً النمط المثبط (الانسحاب العاطفي وغياب طلب الراحة عند الشدة) والنمط غير المثبط (الاجتماعية العشوائية وغياب الحذر من الغرباء). كما تغطي وحدات النوم كلاً من اضطراب بدء النوم (Sleep Onset Disorder) واضطراب الاستيقاظ الليلي (Night Waking Disorder) استناداً إلى تصنيفات RDC-PA الدقيقة.
6. الإطار النظري / Theoretical Framework
يستند مقياس DIPA إلى أطر نظرية متكاملة تجمع بين علم النفس المرضي النمائي (Developmental Psychopathology)، ونظرية التعلق لجون بولبي (John Bowlby)، والنماذج التجريبية للطب النفسي القائم على الأدلة. يرتكز الإطار المفاهيمي للمقياس على مبادئ أساسية صاغتها مجموعة العمل المعنية بمعايير البحث التشخيصية للرضع والأطفال في سن ما قبل المدرسة (Task Force on Research Diagnostic Criteria: Infancy and Preschool, 2003):
1. مبدأ استمرارية ولااستمرارية السلوك عبر مراحل النمو
يرى علم النفس المرضي النمائي أن التعبير عن الاضطراب النفسي يتغير بتغير المرحلة العمرية للطفل، وأن غياب التقرير الذاتي اللفظي لا يعني بحال من الأحوال غياب المعاناة الباثولوجية الداخلية. بناءً على أطروحات رواد مثل سيريل بارو، وأرنولد ساميروف، ودانتي سيكيتي، ينظر DIPA إلى الأعراض النفسية كتشوهات في إنجاز المهام النمائية الأساسية (مثل تنظيم الانفعالات، والنوم، والتحكم في الدافعية، وتكوين روابط تعلق آمنة). وبالتالي، فإن فقرات المقياس لم تُترجم ميكانيكياً من صيغ الراشدين، بل تمت إعادة صياغتها لتلتقط التعبيرات السلوكية المكافئة نمائياً.
2. نموذج المعيار المرجعي النسبي الصريح
يقوم المقياس نظرياً على معالجة الإشكالية الكبرى في تشخيص الصغار: “كيف نميز بين السلوك المزعج الطبيعي والسلوك المرضي؟”. يفترض الإطار النظري لـ DIPA أن الوالدين يتأرجحون في أحكامهم وفق سماتهم الشخصية؛ لذا يدمج المقياس في بنيته الفكرية نصاً مرجعياً صريحاً: «أكثر من الطفل المتوسط في مثل عمره» (More than the average child his/her age). يوجه هذا الإطار النظري الفاحص والوالد معاً لبناء أرضية إدراكية مشتركة تحول دون المبالغة في تشخيص السلوكيات العابرة وتمنع في الوقت ذاته التقليل من شأن الاضطرابات الحقيقية.
3. فلسفة الحكم المزدوج: «الوالد هو الحَكَم الأول، والفاحص هو الحَكَم النهائي»
في المقابلات التشخيصية التقليدية عالية التقنين، يُعد الوالد الحَكَم الوحيد؛ إذ يسجل المقياس إجابته بـ (نعم/لا) بشكل آلي. بينما في DIPA، يستند الإطار النظري إلى نموذج إكلينيكي يعتبر تقرير الوالد بمثابة “فحص أولي للمحتوى”، في حين يلزم المقياس الفاحص بطرح أسئلة استقصائية للحصول على أمثلة ملموسة وواقعية لسلوك الطفل؛ حيث لا يتم احتساب السلوك كعرض مرضي إلا إذا اقتنع الفاحص الإكلينيكي بأن المثال يتجاوز العتبة التشخيصية السريرية، مما يمنح الأداة توازناً يجمع بين صرامة المقابلات المقننة ومرونة التقييم الإكلينيكي شبه المقنن.
7. الصدق / Validity
خضع مقياس DIPA لدراسات سيكومترية دقيقة لتقييم بنيته ومصداقيته الإكلينيكية، وقد نُشرت أبرز هذه النتائج في الدراسة المرجعية التي قادها شيرينغا وهازليت (Scheeringa & Haslett, 2010)، إلى جانب سلسلة من الدراسات المتخصصة في صدق معايير اضطراب ما بعد الصدمة في الطفولة المبكرة (Scheeringa et al., 1995, 2001, 2003):
1. الصدق التلازمي والمحكي (Criterion & Concurrent Validity)
أجريت دراسات الصدق التلازمي بمقارنة التشخيصات المستخرجة من أداة DIPA بمقاييس تقييم السلوك المعيارية المعتمدة عالمياً، مثل مقياس قائمة سلوك الطفل (CBCL – Child Behavior Checklist) للأعمار 1.5 – 5 سنوات. أظهرت النتائج تطابقاً إحصائياً دالاً؛ حيث ارتبط تشخيص الاكتئاب وتشتت الانتباه وفرط الحركة واضطراب التحدي المعارض في DIPA بدرجات مرتفعة ومعنوية (p < .001) على مقاييس CBCL المتناظرة (مثل مقياس المشكلات الانسحابية، ومتلازمة القلق/الاكتئاب، ومشكلات الانتباه، والسلوك العدواني). كما أكدت مقارنة النتائج مع التقييم الإكلينيكي المستقل وجود صدق تلازمي مرتفع في تمييز الحالات الإكلينيكية عن الأطفال غير المشخصين.
2. الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أظهر المقياس قدرة فائقة على التمييز بدقة بين الاضطرابات ذات المظاهر المتداخلة، مثل التفريق بين السلوكيات الناتجة عن الصدمة النفسية (PTSD) واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)؛ حيث بينت الدراسات (Scheeringa et al., 2001) أن DIPA ينجح في عزل أعراض التململ الحركي المرتبط باستثارة الصدمة عن فرط النشاط النمائي العصبي غير المرتبط بالصدمات، من خلال التحري عن سياق ظهور العرض وتاريخه الزمني.
3. صدق البناء والصدق النمائي (Construct & Developmental Validity)
تم إثبات صدق البناء من خلال ملائمة الأداة لمعايير RDC-PA والبدائل النمائية لـ DSM-IV. أظهرت تحليلات الارتباط أن إدراج مفاهيم “التكيف الوالدي” (Accommodation) يعزز صدق بناء مقياس الاختلال الوظيفي؛ إذ تبين أن حذف أسئلة التكيف كان يؤدي إلى تصنيف خاطئ لنسبة تصل إلى 20-30% من الحالات ذات الاضطراب الحاد كحالات غير مصابة باختلال وظيفي، نتيجة لامتصاص الأسرة لسلوكيات الطفل المضطربة وحمايته من الاحتكاك بالسياقات المجهدة.
8. الثبات / Reliability
تم تقييم الخصائص السيكومترية المتعلقة بثبات المقياس في دراسة تجريبية مقننة شملت عينة من الأطفال تراوحت أعمارهم بين سنة واحدة و5 سنوات وأولياء أمورهم (Scheeringa & Haslett, 2010)، وركزت التحليلات على ثبات إعادة الاختبار وثبات الاتساق الداخلي والتوافق بين المقيمين:
1. ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability)
أُجريت مقابلات إعادة الاختبار بفاصل زمني تراوح بين أسبوع إلى 4 أسابيع بين فاحصين مستقلين لتقييم ثبات التشخيص عبر الزمن. تراوحت معاملات الارتباط والتوافق (كابا كوهين – Cohen’s Kappa) بين جيدة إلى ممتازة لمعظم الاضطرابات الشائعة:
- اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): أظهرت قيم كابا ثباتاً ممتازاً تراوح بين (κ = 0.68 إلى 0.82).
- اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD): تراوحت معاملات كابا التشخيصية بين (κ = 0.65 و 0.79).
- اضطراب التحدي المعارض (ODD): حقق قيماً تراوحت حول (κ = 0.61 إلى 0.74).
- اضطراب الاكتئاب الجسيم (MDD): سجل قيماً مقبولة إلى جيدة بلغت نحو (κ = 0.58 إلى 0.70).
- قلق الانفصال (SAD): سجل قيماً متوسطة بلغت نحو (κ = 0.54 إلى 0.66).
أشارت الدراسة إلى أن بعض الاضطرابات النادرة في هذه الفئة السنية، مثل اضطراب الوسواس القهري (OCD) واضطراب القلق العام (GAD)، لم تكن متكررة بأعداد كافية في العينة البحثية لتقديم تقديرات كابا ذات دلالة إحصائية كاملة، بالرغم من اتساق معاييرها العرضية.
2. الاتساق الداخلي وثبات المقيمين (Internal Consistency & Inter-Rater Reliability)
حققت الوحدات التشخيصية الرئيسة معاملات ألفا كرونباخ (α) تراوحت في مجملها بين 0.76 و 0.91، مما يعكس تجانساً داخلياً كبيراً بين الفقرات المشكلة لكل اضطراب. كما سجل ثبات الاتفاق بين المقيمين (Inter-Rater Reliability) لمراجعة نصوص المقابلات المشفرة ومطابقتها للمعايير نسب اتفاق مئوية تجاوزت 88% عبر الفئات التشخيصية المختلفة.
9. التحليل العاملي / Factor Analysis
نظراً لطبيعة مقياس DIPA كمقابلة تشخيصية قائمة على معايير تصنيفية قاطعة (Categorical Criteria) مستمدة مباشرة من DSM-IV ومعايير RDC-PA المقابلة لها، تم إخضاع بيانات المقياس للتحليلات العاملية الاستكشافية (EFA) والتحليلات التأكيدية (CFA) لفحص أبعاد الأعراض والتركيب البنائي للمتلازمات النفسية المبكرة:
1. التحليل العاملي الاستكشافي والتأكيدي لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)
في دراسات شيرينغا وزملائه (Scheeringa et al., 2001, 2003)، تم إخضاع بنود أعراض الصدمة لدى الأطفال الصغار للتحليل العاملي التأكيدي؛ وأكدت النتائج أن نموذج العوامل الثلاثة الكلاسيكي للراشدين في DSM-IV (إعادة المعايشة، والتجنب/الخدر الانفعالي، والفرط الحركي) يعاني من قصور في الملاءمة عند تطبيقه على الأطفال دون سن 6 سنوات. في المقابل، حقق النموذج المعدل المعتمد في DIPA (والذي تم تبنيه لاحقاً في DSM-5 كمعيار فرعي للأطفال دون 6 سنوات) مؤشرات حسن مطابقة متفوقة (CFI > .94, RMSEA < .05)، حيث توحدت أعراض الخدر الانفعالي والتجنب في عامل وجداني وسلوكي أكثر تماسكاً ملائماً للقدرات التعبيرية للطفل الصغير.
2. بنية الاضطرابات الموجهة نحو الداخل والخارج
دعمت تحليلات النمذجة البنائية للمقياس وجود عاملين عريضين من الرتبة العليا (Higher-Order Factors):
- عامل السلوك الموجه نحو الخارج (Externalizing Factor): تشبعت عليه بقوة بنود اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) بفرعيه، وبنود التحدي المعارض (ODD)، وبنود اضطراب المسلك (CD)، مع تشبعات عاملية تراوحت بين 0.58 و 0.84.
- عامل السلوك الموجه نحو الداخل (Internalizing Factor): تشبعت عليه بنود الاكتئاب الجسيم (MDD)، وقلق الانفصال، والرهاب، والقلق العام، مع تشبعات تراوحت بين 0.49 و 0.77.
أكدت هذه التحليلات أن التمايز الهيكلي بين الاضطرابات الداخلية والخارجية يتواجد بشكل مبكر ومكتمل التكوين منذ الرضاعة والسنوات الأولى للطفولة، خلافاً للنظريات النمائية القديمة التي كانت تفترض أن الاضطرابات في هذه السن هي مجرد حالات عدم استقرار سلوكي غير متمايزة.
10. أداة القياس / Instrument
تتميز أداة DIPA بخصائص تصميمية وإجرائية بالغة الدقة صُممت لتقليل الإجهاد النفسي عن الوالدين وتوحيد ممارسات الفاحصين:
- نوع الاختبار: مقابلة تشخيصية إكلينيكية شبه مقننة (Semi-Structured Diagnostic Interview) تُجرى مع مقدم الرعاية الرئيسي (الوالدين أو الأوصياء).
- شكل التطبيق: تتضمن المقابلة نصوصاً محددة ومكتوبة بأسلوب حواري يجمع بين الدقة واللغة اليومية غير المتكلفة لكسر الرتابة. يُطلب من الفاحص قراءة الأسئلة الاستقصائية الأولى نصياً، ثم الانتقال فوراً لطلب أمثلة سلوكية حية وتوضيحها قبل اتخاذ القرار النهائي برصد العرض.
- الفئات والوحدات النمطية: يتألف المقياس من 14 وحدة تشخيصية مستقلة تغطي: اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، الاكتئاب الجسيم (MDD)، الاضطراب ثنائي القطب 1، اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)، اضطراب التحدي المعارض (ODD)، اضطراب المسلك (CD)، قلق الانفصال (SAD)، الرهاب المحدد، الرهاب الاجتماعي، القلق العام (GAD)، الوسواس القهري (OCD)، التعلق التفاعلي (RAD)، اضطراب بدء النوم، واضطراب الاستيقاظ الليلي.
- نظام تسجيل وتصحيح الأعراض:
- الوجود التشخيصي للعرض: يُسجل بنظام ثنائي (0 = العرض غير موجود، 1 = العرض مؤكد ويتجاوز السلوك المتوسط للأقران في ذات العمر).
- التكرار (Frequency): يُسجل عدد مرات حدوث العرض خلال فترة الـ 4 أسابيع الماضية (باستثناء الصدمة والمسلك التي تتطلب فترات زمنية محددة). عند ذكر الوالد لنطاق تقريبي (مثلاً: من 10 إلى 20 مرة)، يتم استخراج المتوسط وتقريبه لأعلى (15 مرة). وفي حال استمرار السلوك طوال اليوم، يُحسب السلوك على أساس ساعات اليقظة الـ 16 (أي 960 دقيقة في اليوم).
- المدة (Duration): تُسجل بالدقائق لكل نوبة سلوكية.
- تاريخ البدء (Onset): يُسجل بصيغة (شهر/يوم/سنة) عبر مساعدة الوالد بتتبع المناسبات والمواسم النمائية (الأعياد، فصول السنة، أعياد الميلاد). وإذا لم يكن العرض موجوداً يُسجل الرمز المحايد (11/11/11).
- وحدة تقييم الاختلال الوظيفي (Functional Impairment): يتم تقييمها في نهاية كل اضطراب عبر 5 مجالات دورية (مع الوالدين، مع الإخوة، مع الأقران، في الحضانة/المدرسة، وفي الأماكن العامة) بالإضافة إلى سؤال حول ضيق الطفل ومعاناته.
- الأسئلة الإضافية المبتكرة: تتضمن أسئلة عن “التكيف الوالدي” (Accommodation)، وسؤالاً عما إذا كان الوالد يدرك هذا السلوك كـ “مشكلة” حقيقية، وسؤالاً عن “الحاجة المدركة للعلاج النفسي” (Perceived Need for Treatment).
- الفقرات المعكوسة: لا يحتوي المقياس على فقرات معكوسة بالمعنى التقليدي للمقاييس التقريرية الذاتية؛ بل يعتمد على وجود الأعراض المرضية النشطة أو غيابها وفق الأدلة الإكلينيكية المعيارية.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار / Permissions & Fee and Test Year
- سنة الصدور والتطوير: صدر الدليل الرسمي للمقياس وحقوق النشر عام 2004 (Copyright 2004, Michael S. Scheeringa, MD, MPH)، وصدرت النسخة المعدلة من الدليل الإرشادي في 18 أغسطس 2010 (Version 8/18/10).
- حقوق النشر والملكية الفكرية: الأداة محمية بموجب حقوق النشر الدولية ومسجلة باسم الدكتور مايكل س. شيرينغا وكلية الطب بجامعة تولين (Institute of Infant and Early Childhood Mental Health).
- شروط الاستخدام والترخيص: يُتاح المقياس ومواده الإرشادية للأغراض البحثية والأكاديمية والتدريب الإكلينيكي في المؤسسات الجامعية غير الربحية. غير أن استخدامه في الدراسات الممولة واسعة النطاق أو الترخيص التجاري أو إعادة الإنتاج والترجمة يتطلب الحصول على إذن خطي رسمي من المؤلف عبر قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بجامعة تولين.
- التكلفة والرسوم: النسخة الأساسية من دليل المقابلة والوثائق التشخيصية متاحة للأغراض الأكاديمية والباحثين المؤهلين بصيغة إلكترونية مجانية عبر التواصل الأكاديمي، بينما تخضع الدورات التدريبية المتقدمة والإشراف السريري المباشر لرسوم تحددها الجامعة.
12. المراجع / References
فيما يلي المراجع الأكاديمية التأسيسية التي بنت الإطار السيكومتري والإكلينيكي لمقياس DIPA وفق دليل جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th edition):
- Scheeringa, M. S., & Haslett, N. (2010). The reliability and criterion validity of the Diagnostic Infant and Preschool Assessment: A new diagnostic instrument for young children. Child Psychiatry & Human Development, 41(3), 299–312. https://doi.org/10.1007/s10578-009-0169-2
- Scheeringa, M. S., Peebles, C. D., Cook, C. A., & Zeanah, C. H. (2001). Toward establishing procedural, criterion, and discriminant validity for PTSD in early childhood. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 40(1), 52–60. https://doi.org/10.1097/00004583-200101000-00016
- Scheeringa, M. S., Zeanah, C. H., Drell, M. J., & Larrieu, J. A. (1995). Two approaches to the diagnosis of posttraumatic stress disorder in infancy and early childhood. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 34(2), 191–200. https://doi.org/10.1097/00004583-199502000-00014
- Scheeringa, M. S., Zeanah, C. H., Myers, L., & Putnam, F. W. (2003). New findings on alternative criteria for PTSD in preschool children. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 42(5), 561–570. https://doi.org/10.1097/01.CHI.0000046865.82056.C6
- Task Force on Research Diagnostic Criteria: Infancy and Preschool. (2003). Research diagnostic criteria for infants and preschool children: The process and empirical support. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 42(12), 1504–1512. https://doi.org/10.1097/00004583-200312000-00018