الملخص
يُعد مقياس الإيمان بالناس (Faith in People Scale)، الذي طوّره عالم الاجتماع البارز موريس روزنبرغ (Morris Rosenberg) عام 1957، أحد المعالم المنهجية التأسيسية في قياس الثقة الاجتماعية المعممة (Generalized Social Trust) والمواقف الإنسانية الأساسية تجاه الطبيعة البشرية. يهدف المقياس إلى تقييم النزعة الفردية نحو الثقة بالآخرين مقابل النظرة العدائية أو المشككة (Misanthropy). يتألف المقياس في نسخته الأصلية من خمس فقرات تدمج بين أسئلة الاختيار الإجباري ذات القطبين الثنائيين وفقرات الموافقة والرفض، وصُمم في الأصل وفق أسلوب التحجيم التراكمي لغوتمن (Guttman Scaling). يرتكز المقياس على بُعد أحادي يقيس مدى اعتقاد الفرد بأن غالبية البشر متصفون بالأمانة، والتعاون، والرغبة في المساعدة، في مقابل النظر إليهم كأنانيين، وانتهازيين، وغير مبالين. أظهرت الدراسات السيكومترية أن المقياس يتمتع بمعامل إعادة إنتاج (Coefficient of Reproducibility) يتجاوز 0.90 في تصميمه الأصلي التراكمي، ومعاملات اتساق داخلي (Cronbach’s Alpha) تتراوح بين 0.72 و 0.84 عند استخدامه كأداة متعددة الرتب. كما يحظى المقياس بصدق تقاربي وبنائي متميز من خلال ارتباطه السلبي بالسلطوية، والعدوانية، والبارانويا الاجتماعية، وارتباطه الإيجابي بالسلوك المدني، والاندماج الديمقراطي، والتطوع، والتوافق الإيثاري.
الكلمات المفتاحية
مقياس الإيمان بالناس، الثقة الاجتماعية، موريس روزنبرغ، الطبيعة البشرية، السيكومترية، مقياس غوتمن، الشكوكية الاجتماعية، رأس المال الاجتماعي، علم النفس الاجتماعي، الإيثار والتعاون.
المؤلفون
طُوِّر المقياس بواسطة الدكتور موريس روزنبرغ (Dr. Morris Rosenberg) (1922–1992)، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ماريلاند (University of Maryland, College Park)، وكان باحثاً رئيسياً في المعهد الوطني للصحة النفسية (NIMH) في الولايات المتحدة الأمريكية. عُرف روزنبرغ بإسهاماته الرائدة في تطوير مقاييس الشخصية والاتجاهات الاجتماعية، وكان من أشهر أعماله أيضاً مقياس تقدير الذات (Rosenberg Self-Esteem Scale).
الغرض
صُمم مقياس الإيمان بالناس لسد فجوة تجريبية ونظرية ملحة في دراسة الاتجاهات الاجتماعية وسيكولوجيا التفاعل بين الأفراد. في منتصف القرن العشرين، ومع تصاعد الاهتمام بدراسة الشخصية الديمقراطية ومسببات التعصب الشمولي (في أعقاب دراسات الشخصية التسلطية لأدورنو وزملائه)، ظهرت حاجة ماسة لقياس الموقف الأساسي للفرد تجاه مجتمعه ونوعه البشري: هل ينظر الإنسان إلى شركائه في الإنسانية كأنداد جديرين بالثقة والتعاون، أم كخصوم محتملين يتسمون بالاستغلال والأنانية؟
يخدم المقياس أغراضاً متعددة في السياقات البحثية والعيادية والمسحية:
- البحث السوسيولوجي والعلوم السياسية: يُستخدم لقياس «رأس المال الاجتماعي» (Social Capital)، والتحقق من العلاقة بين الثقة المعممة والمشاركة السياسية والديمقراطية، ودعم المؤسسات العامة، والتسامح مع الأقليات، وفق نظريات روبرت بوتنام وفرانسيس فوكوياما.
- علم النفس الاجتماعي والشخصية: رصد الفروق الفردية في التوجهات الاجتماعية، والنزوع نحو الإيثار مقابل السلوك الاستغلالي، والتنبؤ بأنماط التعاون في مواقف المعضلات الاجتماعية (Social Dilemmas).
- علم النفس التنظيمي والمهني: اختبار تفضيلات المهن، حيث أثبت روزنبرغ في دراساته الأصلية المنشورة في كتابه Occupations and Values (1957) أن الأفراد ذوي الإيمان المرتفع بالناس يميلون إلى اختيار المهن الإنسانية (كالتعليم، والخدمة الاجتماعية، والإرشاد)، بينما يميل المشككون في الناس إلى المهن التنافسية أو التقنية الخالية من الاتصال البشري المباشر.
- التطبيقات العيادية والصحة النفسية: فحص مستويات الاغتراب الاجتماعي، والعداء الكامن، والارتياب الاجتماعي الذي يرتبط بضعف شبكات الدعم النفسي والهشاشة النفسية.
البناء النفسي
يقيس المقياس بُعداً نفسياً واجتماعياً متصلاً يُطلق عليه «الإيمان بالناس» (Faith in People) في مقابل «العداء للبشر أو الاستياء الاجتماعي» (Misanthropy). ينطوي هذا البناء على افتراضات معرفية ووجدانية وسلوكية متكاملة حول ماهية الطبيعة الإنسانية وقابلية الآخرين للائتمان:
1. الثقة في أمانة الآخرين وإمكانية الاعتماد عليهم (Trustworthiness)
يعكس هذا المكون الاعتقاد المعرفي بأن معظم الناس يتسمون بالصدق وحسن النوايا، وأنهم لا يبيتون الغدر أو الإضرار بالآخرين عند غياب الرقابة. يرى الفرد ذو الدرجات المرتفعة أن المعاملات الإنسانية قائمة على الأمانة التلقائية، بينما يفترض منخفض الدرجة أن البشر مخادعون بالفطرة ويجب الحذر الشديد منهم في كافة أشكال التفاعل.
2. إدراك الدوافع التعاونية مقابل النفعية الأنانية (Altruism vs. Self-Interest)
يتمحور حول التفسير الذي يعطيه الفرد لدوافع السلوك الإنساني؛ فذوو «الإيمان بالناس» يدركون أن الإنسان يمتلك ميلاً فطرياً للمساعدة والتعاطف المشترك. على النقيض من ذلك، يرى أصحاب الرؤية المشككة أن البشر تتحكم بهم المصلحة الذاتية البحتة والنزعة النفعية، وأن أي مظهر من مظاهر اللطف ما هو إلا وسيلة مقنعة لتحقيق مكاسب شخصية.
3. توقع الاستغلال أو الاستضعاف (Vulnerability to Exploitation)
يقيم هذا المكون الحساسية الاجتماعية للتعرض للغبن؛ إذ يعتقد غير الواثقين أن إبداء الطيبة أو خفض درجات الحذر يمثل ثغرة سينتهزها الآخرون فوراً لاستغلال الفرد، في حين يشعر الواثقون بالأمان النسبي في المواقف الاجتماعية ولا يفترضون تربص الآخرين بهم.
4. الاهتمام المتبادل والشعور بالرعاية (Social Empathy and Care)
يقيس المدى الذي يشعر فيه الفرد بأن مصيره يهم الجماعة الإنسانية المحيطة به، وأن هناك شبكة تعاطف غير مرئية تربط الناس ببعضهم البعض، مقارنة بالاقتناع بالعزلة التامة وبأن «لا أحد يكترث حقاً بما يصيب الآخرين».
الإطار النظري
يندرج مقياس الإيمان بالناس ضمن التراث النظري لـ علم النفس الاجتماعي المعرفي ونظريات التعلم الاجتماعي ورأس المال الاجتماعي. استند موريس روزنبرغ إلى عدة ركائز مفاهيمية وفلسفية:
1. فلسفة الطبيعة الإنسانية (هوبز مقابل روسو ول предпринима)
يستحضر البناء الفكري للمقياس النقاش الكلاسيكي حول الحالة الطبيعية للإنسان؛ فبينما يمثل التصور الهوبزي (Thomas Hobbes) أن حياة الإنسان تحكمها الأنانية والصراع، يفترض التصور الروسوي (Jean-Jacques Rousseau) ميلاً فطرياً للتضامن والتعاطف. نقل روزنبرغ هذا الجدل الفلسفي إلى متغير سيكولوجي فردي قابل للقياس الكمي.
2. نظرية الشخصية والثقة الأساسية لإريك إريكسون
يتوافق مفهوم «الإيمان بالناس» مع مرحلة «الثقة الأساسية مقابل عدم الثقة» (Basic Trust vs. Mistrust) التي صاغها إريك إريكسون (Erik Erikson)، حيث تشكل التجارب النمائية المبكرة إحساساً عاماً بالأمان تجاه العالم الخارجي، وتتحول مع النضج إلى توجه عام يوجه تفسير العلاقات الإنسانية والاجتماعية.
3. نظرية الضبط والميل التوقعي لجوليان روتر
يتكامل عمل روزنبرغ مع ما طوره لاحقاً جوليان روتر (Julian Rotter) في مقياس الثقة بين الأشخاص (Interpersonal Trust Scale, 1967)، معتبراً الثقة توقعاً معمماً يكتسبه الفرد من خلال التعزيز الاجتماعي بأن أقوال ووعود الآخرين يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها.
الصدق
خضع مقياس الإيمان بالناس لدراسات مستفيضة لتقييم أوجه الصدق المختلفة عبر عينات ضخمة ومتباينة:
- الصدق التمييزي والتقاربي (Convergent & Discriminant Validity): يرتبط المقياس ارتباطاً إيجابياً دالاً بمقاييس الرضا عن الحياة (r = 0.35 إلى 0.45)، والتفاؤل، والمشاركة الديمقراطية. ويرتبط سلبياً بمقياس الفاشية والسلطوية (F-Scale) لأدورنو (r = -0.41)، ومقاييس الاغتراب الاجتماعي وسيكولوجيا الشك المكيافيلي (Machiavellianism) بمعدلات ارتباط تراوحت بين -0.48 و -0.58.
- الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أظهرت دراسات روزنبرغ (1957) والمسوح الاجتماعية اللاحقة كمسح القيم العالمي (World Values Survey) والمسح الاجتماعي العام (GSS) قدرة فقرات هذا المقياس على التنبؤ بمعدلات التطوع في الأنشطة المجتمعية، ودعم الحقوق المدنية، والانفتاح على التنوع الثقافي والعرقي، بالإضافة إلى التنبؤ بالخيارات الوظيفية ذات التوجه الاجتماعي.
- الصدق عبر الثقافات (Cross-Cultural Validity): تُرجمت فقرات المقياس إلى عشرات اللغات واعتُمدت ضمن المؤشرات العالمية للثقة المعممة، وأظهرت ثبات البناء البعدي وقدرته على عكس التماسك المجتمعي واستقرار المؤسسات السياسية عبر بيئات ثقافية متعددة في أوروبا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط.
الثبات
أظهرت التحليلات السيكومترية استقراراً ممتازاً وثباتاً متماسكاً للمقياس على مدى عقود من التطبيق:
- معامل إعادة الإنتاج في مقياس غوتمن: حقق المقياس في دراسة روزنبرغ التأسيسية معامل إعادة إنتاج (Coefficient of Reproducibility) قدره 0.92، ومعامل تحسين أدنى هامشي (Minimum Marginal Reproducibility) يبرر استخدامه كأداة تراكمية صلبة.
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): في التطبيقات الحديثة باستخدام مقاييس ليكرت متعددة النقاط، تراوحت قيم معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) بين 0.74 و 0.82، وهي مؤشرات مقبولة جداً لمقياس قصير مكوّن من 5 فقرات فقط.
- ثبات الاختبار وإعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت الدراسات الطولية استقراراً عبر الزمن بدرجات ارتباط بلغت r = 0.68 على مدى عام، و r = 0.60 على مدى فترات تمتد لعدة سنوات، مما يشير إلى أن المقياس يقيس سمة اتجاهية مستقرة نسبياً وليس مجرد حالة وجدانية عابرة.
التحليل العاملي
أجريت العديد من دراسات التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA) لتأكيد البنية الداخلية للمقياس:
- التحليل الاستكشافي: تبرز نتائج التحليل العاملي بانتظام تشبع جميع الفقرات الخمس على عامل عام واحد مهيمن يستحوذ على ما يقارب 48% إلى 58% من التباين الكلي (Total Variance). تراوحت تشبعات الفقرات (Factor Loadings) على هذا العامل بين 0.56 و 0.81.
- التحليل التوكيدي ومؤشرات المطابقة: أظهرت نماذج العامل الواحد مؤشرات مطابقة ممتازة عبر العينات السكانية الواسعة:
– مؤشر المطابقة المقارن (CFI) > 0.96
– مؤشر تاكر-لويس (TLI) > 0.95
– جذر متوسط مربع خطأ الاقتراب (RMSEA) < 0.05
– جذر متوسط المربعات القياسي المتبقي (SRMR) < 0.04 - توزيع الفقرات: تسهم كل من الفقرات المرتبطة بالثقة والمساعدة في التحميل الموجب، في حين تسهم الفقرات المصاغة بطريقة استغلالية بالتحميل السالب بعد عكس تدريجها، مما يؤكد الطبيعة أحادية البعد للمفهوم.
أداة القياس
فيما يلي المواصفات الفنية المنهجية لتطبيق وتصحيح المقياس:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Scale) موجه لقياس الاتجاهات الاجتماعية العامة.
- شكل الأداة: استبانة ورقية أو رقمية سريعة التطبيق.
- عدد الفقرات: 5 فقرات.
- تنسيق الاستجابة:
- الصيغة الأصلية (Rosenberg 1957): خيارات ثنائية قسرية (Forced-choice paired statements) وفقرات موافقة/عدم موافقة ثنائية (Agree/Disagree).
- الصيغ الحديثة: مقياس ليكرت متدرج من 4 أو 5 أو 6 نقاط (من “أعارض بشدة” إلى “أوافق بشدة”).
- قواعد التصحيح والترميز: تُمنح الدرجة وفق اتجاه «الإيمان بالناس». الفقرات التي تشير إلى الثقة والتعاون تُعطى درجات مرتفعة، بينما يتم عكس ترميز (Reverse Scoring) الفقرات السلبية التي تفترض الانتهازية والأنانية ومخاوف الاستغلال، بحيث تشير الدرجة النهائية المرتفعة دائماً إلى ثقة عالية بالناس.
- الدرجة الكلية: تتراوح الدرجة في النسخة الثنائية من 0 إلى 5 (حيث 5 تمثل أقصى إيمان بالناس)، أو من 5 إلى 25 في نموذج ليكرت الخماسي.
- الفئة المستهدفة والمجال العمري: المراهقون والراشدون (من سن 15 عاماً فما فوق)، لكون الفقرات تتطلب وعياً إدراكياً بالمفاهيم المجتمعية العامة.
- زمن التطبيق: يتراوح بين 2 إلى 4 دقائق فقط، مما يجعله مثالياً للإدراج في المسوح السكانية والاستقصاءات الكبرى.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
سنة النشر الأساسية: 1957 (في كتاب د. موريس روزنبرغ الشهير Occupations and Values).
حقوق الاستخدام والأذونات: يُعد مقياس الإيمان بالناس أداة تندرج ضمن الملكية العامة للأغراض الأكاديمية والبحثية (Public Domain for Academic Research). لا يتطلب استخدامه في الأبحاث غير التجارية دفع أي رسوم ملكية أو الحصول على إذن مسبق، شريطة التوثيق العلمي الدقيق ونسبة الأداة إلى مؤلفها الأصلي (Rosenberg, 1957) والمراجع ذات الصلة.
المراجع
- Rosenberg, M. (1956). Misanthropy and political ideology. American Sociological Review, 21(6), 690–695. https://doi.org/10.2307/2088419
- Rosenberg, M. (1957). Occupations and values. Free Press.
- Robinson, J. P., Shaver, P. R., & Wrightsman, L. S. (Eds.). (1991). Measures of personality and social psychological attitudes (Vol. 1). Academic Press. https://doi.org/10.1016/C2009-0-21650-3
- Rotter, J. B. (1967). A new scale for the measurement of interpersonal trust. Journal of Personality, 35(4), 651–665. https://doi.org/10.1111/j.1467-6494.1967.tb01454.x
- Putnam, R. D. (2000). Bowling alone: The collapse and revival of American community. Simon & Schuster.
- Wright, G. H., & Kirmani, A. (1977). Interpersonal trust, faith in people, and generalized attitudes. Journal of Social Psychology, 103(2), 217–223.
فقرات المقياس
فيما يلي الفقرات الأصلية لمقياس الإيمان بالناس (Faith in People Scale) كما صاغها موريس روزنبرغ باللغة الإنجليزية، وتُعرض حرفياً دون أي تعديل:
- Some people say that most people can be trusted. Others say you can’t be too careful in your dealings with people. How do you feel about it?
- (a) Most people can be trusted.
- (b) You can’t be too careful.
- Would you say that most people are more inclined to help others, or more inclined to look out for themselves?
- (a) Help others.
- (b) Look out for themselves.
- If you don’t watch yourself, people will take advantage of you.
- (a) Agree
- (b) Disagree
- No one is going to care much what happens to you, when you get down to it.
- (a) Agree
- (b) Disagree
- Human nature is fundamentally cooperative.
- (a) Agree
- (b) Disagree