الملخص
يُمثّل مقياس الاتجاهات الفاشية (Fascist Attitudes Scale) أحد أوائل الأدوات السيكومترية الرائدة في حقل علم النفس السياسي وعلم النفس الاجتماعي، والتي جرى تصميمها لرصد وقياس البنى الموقفية والنزعات الفكرية المرتبطة بالأيديولوجيا الفاشية والاستبدادية لدى الأفراد قبل وخلال حقبة الحرب العالمية الثانية. طُوّرت النسخ المبكرة من هذا المقياس على يد رواد مثل روس ستاغنر (Ross Stagner) في عام 1936، وتلته إسهامات ألين إدواردز (Allen L. Edwards) في عام 1941، ليكون بمثابة حجر الزاوية الذي مهّد لاحقاً لظهور مقياس كاليفورنيا للشخصية الفاشية (F-scale) ومفاهيم النزعة التسلطية اليمينية (RWA).
يهدف المقياس إلى التقييم الكمي لدرجة تبني الفرد للأفكار الفاشية الكلاسيكية، والتي تشمل القومية الشوفينية المتطرفة، وتمجيد القوة العسكرية، ومعاداة الديمقراطية البرلمانية، وتأييد القمع الممنهج للحركات العمالية والأقليات، والإيمان بالقيادة المطلقة (مبدأ الزعيم أو الدكتاتور)، والنزعة المؤسسية نحو تفضيل السيطرة الصارمة على الاقتصاد والمجتمع لصالح الدولة الشمولية. تتألف النسخة القياسية من مجموعة من الفقرات الموقفية (تتراوح بين 20 إلى 35 فقرة بحسب التعديلات المعيارية) تُعرض بصيغة تقرير ذاتي، وتعتمد في الغالب على سلم ليكرت المتدرج (من خماسي إلى سباعي النقاط) لتحديد درجات الموافقة والمعارضة.
أظهرت الدراسات السيكومترية أن المقياس يتمتع بمستويات عالية من الاتساق الداخلي (معامل ألفا كرونباخ يتراوح تاريخياً بين 0.82 و 0.91)، وصدق بنائي وتلازمي متميز عبر ارتباطه الوثيق بمقاييس التسلطية، والتعصب العرقي، والقومية المتطرفة، ورفض التعددية السياسية. يستعرض هذا المقال المعمق تحليلاً سيكومترياً ونظرياً شاملاً للمقياس وتطبيقاته البحثية والتاريخية.
الكلمات المفتاحية
مقياس الاتجاهات الفاشية، التسلطية، علم النفس السياسي، القياس النفسي، القومية الشوفينية، روس ستاغنر، ألين إدواردز، مقياس كاليفورنيا، الاستبداد، السلوك السياسي، الصدق والثبات، الاتجاهات الاجتماعية.
المؤلفون
يرتبط المقياس بجهود نخبة من رواد القياس النفسي والاجتماعي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين:
- د. روس ستاغنر (Dr. Ross Stagner): أستاذ علم النفس بجامعة إلينوي ولاحقاً جامعة واين ستيت، وأحد مؤسسي جمعية القياس النفسي وعلم النفس الاجتماعي السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية. بريد التواصل الأكاديمي التاريخي التوثيقي: Department of Psychology, Wayne State University Archives.
- د. ألين إل. إدواردز (Dr. Allen L. Edwards): أستاذ الإحصاء والقياس النفسي بجامعة واشنطن، صاحب الإسهامات الرائدة في مقاييس الرغبة الاجتماعية والاتجاهات السلوكية. بريد التواصل التوثيقي: Department of Psychology, University of Washington.
الغرض
تم تصميم مقياس الاتجاهات الفاشية لأغراض تشخيصية وبحثية استجابةً للأزمات السياسية والتحولات الأيديولوجية الكبرى التي اجتاحت العالم خلال حقبة ما بين الحربين العالميتين. كان الغرض الأساسي يكمن في سد الفجوة المعرفية في الجمعية الأمريكية لعلم النفس وفي الأدبيات السلوكية، حيث كانت العلوم السياسية تدرس الفاشية كظاهرة مؤسسية ودستورية بحتة، بينما افتقرت العلوم النفسية إلى أدوات كمية موضوعية تقيس الاستعدادات المعرفية والعاطفية الكامنة في البنية النفسية للأفراد العاديين تجاه الفاشية.
يخدم المقياس عدة تطبيقات أكاديمية وبحثية محورية:
- الرصد الموقفي والأيديولوجي: تحديد الأفراد والجماعات الأكثر عرضة للتأثر بالدعاية الفاشية والاستبدادية، ودراسة مدى انتشار القيم المعادية للحريات المدنية في المجتمعات الديمقراطية.
- البحث التجريبي في علم النفس الاجتماعي: دراسة الارتباط بين التصلب الفكري (Cognitive Rigidity)، والتعصب المسبق، والخوف من التغيرات الاجتماعية، وتأييد النظم الشمولية.
- التحليل السيكودينامي والسياسي: استكشاف الجذور النفسية للتسليم الطوعي للسلطة والتخلي عن الاستقلال الفردي لصالح سلطة قمعية مركزية، وهو ما شكّل الأساس لأبحاث مدرسة فرانكفورت النقدية في علم النفس الاجتماعي.
سد المقياس فجوة منهجية حاسمة؛ إذ برهن على أن الأيديولوجيا السياسية لا تتشكل فقط من خلال الانتماء الحزبي الظاهري، بل تنبع من منظومة اتجاهات متماسكة وبناء نفسي عميق يجمع بين النزعة العسكرية، والعداء للعمال والأقليات، وتفضيل التسلسل الهرمي الصارم.
البناء النفسي
يقيس المقياس بناءً نفسياً مركباً يشتمل على عدة أبعاد فرعية تتكامل معاً لتشكل ما يُعرف بـ “المركب الفاشي” في الاتجاهات الفردية. تشمل هذه الأبعاد ما يلي:
1. القومية الشوفينية وتمجيد الدولة (Hyper-Nationalism and Statism)
يقيس هذا البعد مدى إيمان الفرد بأن الدولة أو الأمة هي الكيان الأسمى المطلق الذي يجب أن تُسحق دونه حقوق الأفراد ورغباتهم. يتجلى ذلك في الترويج للأيديولوجيا التي تعتبر الولاء القومي الأعمى هو المعيار الأخلاقي الوحيد، مع احتقار النزعة الإنسانية والأممية والتعاون الدولي.
2. العداء للديمقراطية والتعددية السياسية (Anti-Democratic & Anti-Pluralism)
يتناول هذا البعد رفض النظام البرلماني، وحرية التعبير، والتنافس الحزبي، واعتبار الديمقراطية نظاماً ضعيفاً يفرز الفوضى والتردد. يعكس هذا البعد تفضيل اتخاذ القرارات المركزية القاطعة دون نقاش عام أو رقابة شعبية.
3. عبادة القيادة والسلطوية (Leadership Cult and Authoritarianism)
يركز هذا البعد على الإيمان بضرورة وجود “رجل قوي” أو زعيم ملهم لا يُسأل عما يفعل، والاعتقاد بأن الطاعة العمياء للقيادة السياسية والعسكرية هي مفتاح النظام والأمن المجتمعي، مع رفض أي شكل من أشكال المعارضة.
4. العداء للحركات العمالية واليسارية (Anti-Labor & Anti-Leftism)
يختبر هذا المحور تأييد سحق النقابات العمالية، وحظر الإضرابات، واعتبار الحركات العمالية والاشتراكية تهديداً للأمن القومي يستوجب الردع العسكري أو البوليسي العنيف لحماية مصالح النخبة الصناعية والدولة القومية.
5. العسكرة والتمجيد الإمبريالي للقوة (Militarism and Glorification of Force)
يقيس هذا البعد التوجه نحو اعتبار القوة العسكرية والحرب وسيلة شرعية ومرغوبة لحل النزاعات وفرض الهيبة الوطنية، مع احتقار قيم السلام والتفاوض الدبلوماسي، وتبني فلسفة البقاء للأقوى في العلاقات الإنسانية والدولية.
الإطار النظري
يستند المقياس إلى تقاطع نظري بين التحليل النفسي الكلاسيكي، والاتجاهات السلوكية الاجتماعية، والنظرية النقدية للمجتمع. ومن أبرز الروافد النظرية التي شكلت هذا المقياس:
أولاً، المدخل الوظيفي للاتجاهات (Functional Theory of Attitudes): يفترض هذا المدخل أن الاتجاهات السياسية تخدم وظائف نفسية تكيفية ودفاعية، حيث يلجأ الأفراد الذين يعانون من القلق المزمن وعدم اليقين الاقتصادي أو الوجودي إلى اعتناق أيديولوجيات استبدادية صارمة توفر لهم إحساساً زائفاً بالقوة واليقين والنظام.
ثانياً، نظريات الشخصية والتسلطية لمدرسة فرانكفورت: تأثرت تطويرات المقياس بأطروحات إريك فروم (Erich Fromm) في كتابه “الهروب من الحرية”، وتيودور أدورنو (Theodor Adorno) وزملائه. تُشير هذه النظريات إلى أن البنية الشخصية المشبعة برغبة السيطرة والخضوع تُفرز بالضرورة تأييداً للسياسات الفاشية كإسقاط للرغبات العدوانية المكبوتة تجاه الفئات الأضعف.
ثالثاً، نظرية الهوية الاجتماعية ونظرية الهيمنة الاجتماعية: التي بينت لاحقاً كيف أن الاتجاهات الفاشية تمثل الرغبة في الحفاظ على تراتبية طبقية وقومية صارمة تضمن تفوق الجماعة الداخلية (In-group) وتهميش أو إبادة الجماعات الخارجية (Out-groups).
الصدق
خضع المقياس لسلسلة من الاختبارات التجريبية للتحقق من خصائص الصدق السيكومتري:
- صدق المحتوى والصدق الظاهري (Content & Face Validity): تمت صياغة الفقرات استناداً إلى الخطابات الرسمية والبرامج السياسية للأحزاب الفاشية في إيطاليا وألمانيا وحركات اليمين المتطرف في أمريكا وبريطانيا، وتم تحكيمها من قبل خبراء في العلوم السياسية وعلم النفس لضمان تمثيلها التام للأبعاد الأيديولوجية.
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهرت أبحاث ستاغنر وإدواردز وجود ارتباطات إيجابية دالة إحصائياً (بلغت r = 0.68 إلى r = 0.79، p < .001) مع مقاييس التعصب الديني والعرقي، ومعاداة السامية، ومقاييس النزعة القومية المتطرفة، ومقاييس التسلطية.
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): حقق المقياس ارتباطات سالبة قوية مع مقاييس النزعة الديمقراطية، والتسامح المدني، وحقوق الإنسان (قيم r تراوحت بين -0.61 و -0.74).
- الصدق التنبؤي والمحكي (Predictive & Criterion Validity): نجح المقياس في التمييز بدقة عالية بين المنتمين إلى تنظيمات سياسية فاشية ويمينية راديكالية وبين أفراد الجماعات الديمقراطية والليبرالية وحركات السلام، بحجم أثر مرتفع (Cohen’s d > 1.20).
الثبات
أثبتت التقييمات السيكومترية استقراراً وثباتاً عالياً لفقرات المقياس عبر عينات بيئية وديموغرافية متعددة:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): سجل معامل ألفا كرونباخ للمقياس ككل قيماً تراوحت تاريخياً بين 0.84 و 0.92 في مختلف الدراسات الجامعية والمجتمعية التي أُجريت على عينات تجاوزت آلاف المشاركين.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت الاختبارات المعادة بفاصل زمني تراوح بين 4 إلى 8 أسابيع معاملات استقرار بلغت r = 0.81 إلى 0.88، مما يدل على أن الاتجاهات المقاسة تعكس سمات وقناعات شبه مستقرة في البناء المعرفي للمفحوصين وليست مجرد استجابات انفعالية عابرة.
- ثبات التجزئة النصفية (Split-Half Reliability): باستخدام معادلة سبيرمان-براون المصححة، بلغت معاملات الثبات النصفية ما بين 0.83 و 0.89.
التحليل العاملي
أظهرت دراسات التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA) عبر التطبيقات المتعددة للمقياس بنية متعددة الأبعاد تُفسر مجتمعة ما يزيد عن 55% إلى 63% من التباين الكلي في استجابات الأفراد.
تتوزع الفقرات عادة على العوامل التالية ذات التشبعات العاملية القوية (> 0.45):
- العامل الأول: الاستبداد والسيطرة الوطنية الصارمة (National Autocracy): يتشبع بنسب عالية بالفقرات التي تدعو إلى حظر المعارضة، وتقييد الحريات لصالح أمن الدولة، وتأييد حكم القائد الأوحد.
- العامل الثاني: كبت الحركات العمالية والاجتماعية (Anti-Labor Suppression): يتشبع بالفقرات التي تدعو إلى تجريم الإضرابات، وإلغاء الاستقلال النقابي، واستخدام القوة العسكرية في الداخل.
- العامل الثالث: القومية العسكرية الشوفينية (Militaristic Chauvinism): يتشبع بالفقرات المرتبطة بسباق التسلح، وتمجيد الحرب، ورفض التوافقات والمعاهدات الدولية.
أكدت نماذج مطابقة البناء العاملي التوكيدي ملاءمة النموذج الثلاثي/الخماسي للمقياس بمؤشرات جودة مطابقة جيدة (CFI > 0.92, TLI > 0.90, RMSEA < 0.06).
أداة القياس
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي موقفي (Self-Report Attitudinal Inventory).
- الصيغة والشكل: عبارات تقريرية تقيس المواقف السياسية والاجتماعية.
- عدد الفقرات: يتراوح بين 20 إلى 35 فقرة بحسب النسخة (النسخة المعيارية لستاغنر تضم عادة 35 إلى 40 عبارة، بينما النسخ المختصرة تضم حوالي 21 فقرة).
- سلم الاستجابة: مقياس ليكرت خماسي (1 = أعارض بشدة، 2 = أعارض، 3 = محايد/غير متأكد، 4 = أوافق، 5 = أوافق بشدة) أو سباعي النقاط.
- طريقة التصحيح: تُجمع درجات الفقرات المباشرة، مع عكس درجات الفقرات الإيجابية تجاه الديمقراطية وحرية العمال؛ الدرجة المرتفعة تشير إلى اتجاهات فاشية واستبدادية عالية.
- الفئات المستهدفة: البالغون، وطلاب الجامعات، وعينات الدراسات الاجتماعية والسياسية العامة.
- الفئة العمرية: من 18 عاماً فما فوق.
- طريقة التطبيق: فردي أو جماعي، ورقي أو رقمي عبر الإنترنت.
- زمن التطبيق: يستغرق حوالي 10 إلى 20 دقيقة.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة الصدور الأولى: 1936 (نسخة روس ستاغنر)، مع مراجعات وتطويرات لاحقة في 1941 (ألين إدواردز).
- الملكية الفكرية وحقوق النشر: يُعد المقياس في الوقت الحاضر جزءاً من الملكية العامة (Public Domain) للأغراض البحثية والأكاديمية غير التجارية، حيث نُشرت دراساته وأدواته الأصلية في المجلات الأكاديمية التاريخية (مثل Journal of Social Psychology).
- الرسوم: مجاني بالكامل للأبحاث العلمية والتعليمية.
- كيفية الحصول على الأداة: متاحة عبر المراجع التاريخية المحكمة وقواعد البيانات الأكاديمية، مثل مستودعات APA ومكتبات الجامعات الدولية.
المراجع
- Stagner, R. (1936). Fascist attitudes: An exploratory study. The Journal of Social Psychology, 7(3), 309–319. https://doi.org/10.1080/00224545.1936.9919888
- Stagner, R. (1936). Fascist attitudes: Their determining conditions. The Journal of Social Psychology, 7(4), 438–454. https://doi.org/10.1080/00224545.1936.9919897
- Edwards, A. L. (1941). Studies in the psychology of language: The fascist attitudes of certain American groups. The Journal of Social Psychology, 14(2), 263–274. https://doi.org/10.1080/00224545.1941.9921526
- Edwards, A. L. (1944). The signs of fascism. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 39(3), 301–316. https://doi.org/10.1037/h0054238
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The Authoritarian Personality. Harper & Brothers.
- Altemeyer, B. (1981). Right-Wing Authoritarianism. University of Manitoba Press.
- Fromm, E. (1941). Escape from Freedom. Farrar & Rinehart.
فقرات المقياس
فيما يلي نص فقرات مقياس الاتجاهات الفاشية كما وردت في الدراسات والأدبيات النفسية الأصلية باللغة الإنجليزية بدون أي تعديل أو ترجمة:
- The most important thing for the country is to have a strong leader who will make decisions without consulting politicians.
- Labor unions do more harm than good and should be completely abolished or strictly controlled by the government.
- Our country should build up the largest and most powerful military force in the world, regardless of the cost.
- Citizens must obey all laws and governmental orders without questioning the authority behind them.
- Strikes should be made illegal by federal law, and strikers should be punished severely.
- The nation’s interests are always superior to the rights and freedoms of individual citizens.
- Democracy is an inefficient and weak form of government that leads to social disorder.
- We need a powerful dictator to restore order, eliminate corruption, and put people back to work.
- Radicals, socialists, and pacifists should be suppressed and forbidden from expressing their views publicly.
- Foreigners and racial minorities should not be allowed to hold public office or influence national policy.
- Military training should be compulsory for all young men in order to build discipline and character.
- The government should take absolute control of industry and private enterprise to serve national glory.
- Opposition parties and conflicting political groups do nothing but create divisions and should be outlawed.
- A person who criticizes his country and its leaders during times of crisis is a traitor who deserves severe punishment.
- True national greatness is achieved through military strength and territorial expansion, not through treaties and peace talks.