الملخص
تُعد مقاييس الخوف من الشفقة (Fears of Compassion Scales – FCS)، التي طورها عالم النفس السريري البريطاني بول جيلبرت (Paul Gilbert) وزملاؤه عام 2011، من أبرز الأدوات السيكومترية المبتكرة في حقل علم النفس السريري والمعرفي السلوكي، وتحديداً ضمن نموذج العلاج الموجه بالشفقة (Compassion Focused Therapy – CFT). صُممت هذه المقاييس بهدف قياس العوائق الدفاعية والاستجابات الانفعالية السلبية والمخاوف المحددة التي تنتاب الأفراد تجاه الشفقة عبر ثلاثة اتجاهات أو تدفقات تفاعلية رئيسية: التعبير عن الشفقة والتعاطف نحو الآخرين (Expressing compassion for others)، واستقبال وقبول الشفقة واللطف القادم من الآخرين (Responding to compassion from others)، وتوجيه اللطف والشفقة الذاتية نحو النفس (Expressing kindness and compassion towards yourself).
يتألف المقياس في صورته المعيارية المعتمدة من ثلاثة مقاييس فرعية مستقلة تضم في مجملها 38 فقرة تقرير ذاتي (10 فقرات لمقياس شفقة نحو الآخرين، 13 فقرة لمقياس استقبال الشفقة من الآخرين، و15 فقرة لمقياس الشفقة بالذات)، وتُقاس جميع الفقرات عبر سلم ليكرت خماسي التدريج يتراوح من (0 = لا أتفق على الإطلاق) إلى (4 = أتفق تماماً)، مع تصنيف منتصف التدريج (2 = أتفق إلى حد ما). كشفت الدراسات السيكومترية التأسيسية التي أُجريت على عينات غير سريرية (طلاب جامعيين) وعينات مهنية (معالجين نفسيين) وعينات سريرية تعاني من اضطرابات وجدانية، عن خصائص سيكومترية استثنائية؛ حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) بين 0.76 و0.92 عبر الأبعاد المختلفة. كما أظهر التحليل العاملي التوكيدي ملاءمة ممتازة للبنية ثلاثية العوامل المستقلة. ويرتبط المقياس بصدق تقاربي وتمايزي قوي مع مقاييس الاكتئاب، والقلق، والضغط النفسي، ومستويات الخزي، والنقد الذاتي، وأنماط الارتباط القلق والتجنبي، مما يجعله ركيزة تشخيصية وعلاجية لا غنى عنها في تقييم المقاومة العلاجية والتخطيط للتدخلات النفسية المعاصرة.
الكلمات المفتاحية
مقاييس الخوف من الشفقة، بول جيلبرت، العلاج الموجه بالشفقة، الشفقة بالذات، الخزي الخارجي، النقد الذاتي، تنظيم الانفعال، نظرية الارتباط، نظام التهديد والدفاع، القياس النفسي السريري.
المؤلفون
تم تطوير مقاييس الخوف من الشفقة من قبل فريق بحثي رائد في مجال علم النفس التطوري والعلاج النفسي بجامعة ديربي بالمملكة المتحدة والمؤسسات الأكاديمية الشريكة، ويضم الفريق كلاً من:
- البروفيسور بول جيلبرت (Paul Gilbert, FBPsS, PhD, OBE): أستاذ علم النفس السريري في جامعة ديربي (University of Derby)، ومؤسس مؤسسة العقل الشفيق (The Compassionate Mind Foundation)، ومبتكر نموذج العلاج الموجه بالشفقة (CFT). يُعد جيلبرت أحد أبرز علماء النفس العالميين في دراسة آليات الخزي، والنقد الذاتي، والديناميات التطورية للمشاعر. البريد الإلكتروني الأكاديمي: [email protected].
- د. كيرستن ماك إيوان (Kirsten McEwan, PhD): باحثة بارزة في القياس النفسي والتدخلات الصحية القائمة على الطبيعة والتنظيم الانفعالي بجامعة ديربي بالمملكة المتحدة.
- د. مارسيلا ماتوس (Marcela Matos, PhD): عالمة نفس سريرية وباحثة أولى في مركز أبحاث التفاعل العصبي النفسي والتدخلات النفسية (CINEICC) في جامعة قلمرية (University of Coimbra)، البرتغال، متخصصة في قياس الصدمات والخزي والخوف من المشاعر الإيجابية.
- د. أليس ريفيس (Alice Rivis, PhD): أستاذة مشاركة في علم النفس الصحي والاجتماعي بجامعة يورك وجامعة ليدز بالمملكة المتحدة، متخصصة في النمذجة الإحصائية وسلوكيات التكيف الانفعالي.
الغرض
تاريخياً، ركزت النظريات السريرية والتدخلات العلاجية—مثل العلاج المعرفي السلوكي التقليدي—على تعديل التشوهات المعرفية وإعادة الهيكلة المنطقية للأفكار السلبية التلقائية. ومع تطور ما يُعرف بالموجة الثالثة في العلاج النفسي وظهور مقاربات قائمة على اليقظة الذهنية والشفقة، واجه المعالجون النفسيون ظاهرة سريرية محيرة: غالباً ما يُظهر المرضى الذين يعانون من مستويات مزمنة من النقد الذاتي الشديد (Self-Criticism) والمشاعر العميقة بالخزي (Shame) استجابة مفارقة تجاه الدفء واللطف والتعاطف؛ حيث لا تؤدي مشاعر اللطف إلى تهدئتهم أو تخفيف معاناتهم، بل تُشعل لديهم نوبات من الذعر، والضيق، والرفض، والانسحاب الانفعالي الحاد. ومن هنا نشأت الحاجة الملحة إلى صياغة وتطوير مقاييس الخوف من الشفقة (Fears of Compassion Scales – FCS) لتوفير أداة قياس كمية دقيقة ومقننة ترصد وتقيّم هذه المقاومات والمخاوف غير الواعية حيال مشاعر اللطف والتهدئة.
يهدف المقياس سريرياً وبحثياً إلى تحقيق أغراض متعددة ومتكاملة، تشمل:
- تشخيص المقاومة العلاجية الكامنة: تحديد الأسباب الجذرية التي تجعل بعض المرضى يشعرون بالتهديد الوجودي عندما يُبدي المعالج دعماً غير مشروط أو عندما يُطلب منهم ممارسة تمارين الشفقة بالذات، مما يمنع الوقوع في فخ تفسير استجاباتهم على أنها مجرد “عدم امتثال”، والتعامل معها بدلاً من ذلك كاستجابة وقائية ناجمة عن نظام دفاعي مفرط النشاط.
- رسم الخرائط الانفعالية التفاعلية ثلاثية الأبعاد: يتيح المقياس فهماً تفصيلياً لتدفقات الشفقة الثلاثة. فقد يكون الفرد قادراً تماماً على منح الشفقة للآخرين كاستراتيجية لتجنب الصراع أو كسب القبول الاجتماعي، لكنه يعاني من رعب شديد عندما يتعلق الأمر بفتح حدوده لاستقبال شفقة الآخرين أو توجيهها لنفسه. هذا التمايز التشخيصي يُعد حاسماً لتصميم خطط علاجية فردية موجهة.
- التطبيقات في الاضطرابات النفسية المعقدة: يخدم المقياس تقييم ومتابعة الحالات التي تعاني من اضطراب الشخصية الحدية (BPD)، واضطراب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD)، والاكتئاب المزمن المقاوم للعلاج، واضطرابات الأكل (كالنهام وفقدان الشهية العصبي)، حيث تتداخل هذه الاضطرابات بقوة مع تاريخ من الصدمات النمائية والرفض الأبوي المبكر.
- تتبع التقدم السريري ونتائج التدخل: يُستخدم المقياس كمؤشر حساس للغاية لتقييم مدى نجاح التدخلات القائمة على الشفقة وتدريب العقل الشفيق (Compassionate Mind Training – CMT)، حيث يشير انخفاض درجات الخوف من الشفقة عبر الجلسات إلى تفكيك الأنظمة الدفاعية واستعادة الفرد لقدرته الطبيعية على التهدئة الذاتية والترابط الآمن.
البناء النفسي
ينبثق البناء النفسي لمقاييس الخوف من الشفقة من التصور النظري القائل بأن “الشفقة” ليست مفهوماً أحادي الاتجاه، بل هي دينامية علائقية متعددة الأبعاد تتضمن وعياً عميقاً بمعاناة الذات والآخرين مقترناً بدافع أصيل ورغبة واعية للعمل على تخفيفها والوقاية منها. ومع ذلك، عندما ترتبط تجارب الرعاية والارتباط المبكرة بالإساءة أو الإهمال أو الرفض المشروط، فإن إشارات الدفء والشفقة تصبح مرتبطة شرطياً بأنظمة التهديد والألم النفسي. وبناءً على ذلك، يتوزع البناء النفسي للمقياس عبر ثلاثة مقاييس فرعية متمايزة مفاهيمياً وعاملياً:
1. الخوف من الشفقة نحو الآخرين (Fear of Compassion for Others)
يقيس هذا البعد، المكون من 10 فقرات، المعتقدات والمخاوف المرتبطة بإظهار التعاطف والاهتمام بالآخرين. يتمحور هذا البناء حول الخوف من الاستغلال، والوقوع ضحية للآخرين، وفقدان الحدود الشخصية، والاعتقاد بأن إظهار الرقة والشفقة يعكس ضعفاً شخصياً يغري المحيطين بانتهاك حقوق الفرد. على سبيل المثال، يخشى الأفراد الحاصلون على درجات مرتفعة في هذا البعد أن يصبحوا أهدافاً سهلة (Easy targets)، أو أن يتعرضوا للإنهاك العاطفي والنفسي من قبل أشخاص يعتمدون عليهم بشكل مفرط. كما يتضمن هذا البناء قناعات بأن العقاب الصارم والانضباط القاسي أكثر فائدة للناس من منحهم الشفقة والمسامحة (مثل الفقرة: “Being too compassionate makes people soft and easy to take advantage of”).
2. الخوف من استقبال الشفقة من الآخرين (Fear of Compassion from Others)
يتناول هذا المقياس الفرعي (13 فقرة) القلق والارتياب والنفور الداخلي الذي يختبره الفرد عندما يُظهر له الآخرون اللطف، والمحبة، والاهتمام الوجداني. يعكس هذا البناء صراعات عميقة تتعلق بالثقة والأمان في العلاقات البينشخصية؛ حيث يُنظر إلى لطف الآخرين وتوددهم بنوع من الشك في النوايا، والخشية من الخداع أو الاستغلال المصلحي (مثل الفقرة: “I worry that people are only kind and compassionate if they want something from me”). كما يرتبط هذا البعد بمشاعر القلق والانكشاف الاجتماعي؛ حيث يخشى الفرد أن التقارب العاطفي سيكشف عيوبه الداخلية ونقائصه المزعومة مما يؤدي في النهاية إلى نبذه ورفضه (مثل الفقرة: “If people are friendly and kind I worry they will find out something bad about me that will change their mind”). علاوة على ذلك، يولد استقبال الشفقة لدى هؤلاء الأفراد مشاعر مؤلمة من الفراغ والحزن، مما يدفعهم لرفع حواجز دفاعية واضحة لإبقاء المسافة الآمنة مع المحيطين.
3. الخوف من الشفقة بالذات (Fear of Compassion for the Self)
يُعد هذا المقياس الفرعي، المؤلف من 15 فقرة، البعد الأكثر ارتباطاً بالاعتلال النفسي الداخلي والنقد الذاتي المرضي. يقيس البناء المعتقدات المعوقة التي تمنع الفرد من التسامح مع نفسه وتوجيه الدفء واللطف لذاته عند ارتكاب الأخطاء أو مواجهة الإخفاقات الحياتية. تتنوع المخاوف هنا بين الخوف من فقدان المعايير الشخصية العالية والتحول إلى شخص كسول ومتساهل ومخفق (مثل الفقرة: “I fear that if I become kinder and less self-critical to myself then my standards will drop”)، والخوف من أن تصبح الشفقة الذاتية مصدراً للضعف والعجز في مواجهة قسوة الحياة (مثل: “I fear that if I am more self-compassionate I will become a weak person”). كما يرصد هذا البناء ظاهرة إكلينيكية بالغة الأهمية تُعرف باسم “الحزن المرتد المرتبط بالشفقة” (Grief of Compassion)؛ حيث يخشى الفرد أن الاتصال بلطفه الذاتي سيفجر أحزاناً دفينة ومكبوتة عن سنوات الحرمان العاطفي والإهمال الصادم الذي عانى منه في ماضيه (مثل: “I fear that if I start to feel compassion and warmth for myself, I will feel overcome with a sense of loss/grief”).
الإطار النظري
تتأسس مقاييس الخوف من الشفقة على نموذج نظري رصين يدمج بين علم النفس التطوري (Evolutionary Psychology)، وعلم الأعصاب العاطفي، ونظرية الارتباط لجون بولبي (Attachment Theory)، ونظرية الرتبة الاجتماعية (Social Rank Theory)، في إطار النموذج الشامل للعلاج الموجه بالشفقة (CFT) الذي طوره بول جيلبرت. يفترض هذا الإطار أن الدماغ البشري طور عبر مساره التطوري ثلاثة أنظمة وظيفية أساسية لتنظيم الانفعالات والتكيف مع البيئة:
- نظام التهديد والدفاع (Threat and Protection System): وهو نظام بدائي يركز على رصد الأخطار وحماية الكائن الحي من خلال استجابات الكر والفر والتجمد والامتثال (Fight, Flight, Freeze, Submit). يرتبط هذا النظام كيميائياً باللوزة الدماغية (Amygdala) وهرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، ويولد مشاعر الخوف، والغضب، والاشمئزاز، والخزي.
- نظام الحافز والمكافأة والبحث عن الموارد (Drive, Seeking and Resource Acquisition System): يركز على تحقيق الأهداف، والحصول على الموارد الحيوية (الغذاء، الجنس، المكانة الاجتماعية، والترقي)، ويرتبط بالدوبامين ويثير مشاعر الحماس والنشوة والإنجاز.
- نظام التهدئة والصفاء والترابط (Soothing, Contentment and Affiliative System): وهو النظام الأكثر حداثة وتطوراً في الثدييات، والذي تطور خصيصاً لتيسير الرعاية الوالدية والترابط الاجتماعي والانتماء للجماعة. يرتبط هذا النظام عصبياً بهرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) والمستقبلات الأفيونية الداخلية (Endorphins)، وتنشيط العصب الحائر البطني (Ventral Vagus Nerve)، مما يُولد مشاعر الطمأنينة، والسلام الداخلي، والأمان، والشعور بالارتباط.
في ظروف النمو السليمة والنماء النفسي المتوازن، يرتبط نظام التهدئة بذاكرة الرعاية والأمان الأبوي؛ فحينما يعاني الطفل من ألم أو تهديد، تتدخل استجابة الرعاية من الوالدين (نظرات دافئة، صوت رقيق، لمس حنون) لتنشيط نظام التهدئة العصبي، مما يخمد نشاط نظام التهديد ويستعيد التوازن النفسي. لكن وفقاً لنظرية جيلبرت المستندة إلى مفاهيم جون بولبي (John Bowlby) وسيلفان تومكينز (Silvan Tomkins)، إذا ارتبطت الشخصيات الراعية (مقدمو الرعاية) في الطفولة بالاعتداء الجسدي، أو الإهانة، أو التهديد، أو النبذ العاطفي، يحدث “تكييف اقتراني شاذ” (Aversive Conditioning). ونتيجة لذلك، عندما يتعرض الفرد لاحقاً لإشارات الدفء واللطف والشفقة، فإنها لا تُنشط نظام التهدئة والصفاء كما هو متوقع، بل تفتح تلقائياً مسارات الذاكرة المرتبطة بنظام التهديد؛ فتُفسر مشاعر اللطف كإنذار بخطر وشيك، أو مقدمة لخيانة مؤلمة، أو علامة ضعف تجعل الفرد عرضة للهجوم والاستغلال.
وجهت هذه الأسس التطورية والمعرفية صياغة كل فقرة في مقاييس FCS؛ حيث تم صياغة الفقرات لترصد الإشراط السلبي للشفقة، والمعتقدات المشوهة حول العجز والضعف، وردود الفعل الفسيولوجية المفرطة للتجنب، مما يمنح الأداة عمقاً نظرياً فريداً يفسر الأسباب العصبية والنفسية الكامنة خلف معارضة المرضى لأساليب الرأفة بالذات والآخرين.
الصدق
خضعت مقاييس الخوف من الشفقة (FCS) لبروتوكولات تقييم سيكومترية مكثفة وصارمة لتوثيق مختلف أشكال الصدق الإحصائي والمفاهيمي، وجاءت نتائج الدراسات التجريبية والإكلينيكية التأسيسية لتثبت تمتع المقياس بخصائص صدق استثنائية عبر بيئات ثقافية وسريرية متعددة:
1. صدق البناء والتحليل التمييزي (Construct and Discriminant Validity)
أكدت نتائج التحليلات العاملية ودراسات التباين أن الأبعاد الثلاثة للمقياس تتميز بصدق بناء ممتاز وقدرة فائقة على التمييز بين المجموعات المعيارية؛ حيث سجلت العينات السريرية (المرضى الذين يعانون من الاكتئاب، واضطرابات القلق، والصدمات) درجات أعلى بمستويات دلالة إحصائية واضحة (p < 0.001) في جميع المقاييس الفرعية مقارنة بالعينات غير السريرية من أفراد المجتمع والطلاب الجامعيين والمعالجين النفسيين. أثبتت الدراسات أن الخوف من الشفقة ليس مجرد انعكاس لمستويات الاكتئاب السطحية، بل هو بناء نفسي مستقل يمتلك تبايناً فريداً مفسراً لحالة العجز الانفعالي.
2. الصدق التقاربي (Convergent Validity)
أظهرت مصفوفات الارتباط ارتباطات إيجابية قوية وذات دلالة إحصائية بين مقاييس الخوف من الشفقة الثلاثة والعديد من المتغيرات النفسية المترتبة على تنشيط نظام التهديد، ومن أبرزها:
- الخزي والنقد الذاتي: ارتبط الخوف من الشفقة بالذات والخوف من استقبال الشفقة ارتباطاً وثيقاً مع مقياس تجارب الخزي الداخلي والخارجي (Other As Shamer Scale) بمعاملات تراوحت بين (r = 0.55 و r = 0.68)، وكذلك مع نمط النقد الذاتي الحاقد والمحتقر لذاته (Hated Self) عبر مقياس أشكال النقد الذاتي والطمأنة (FSCRS) بقيم وصلت إلى (r = 0.62).
- أعراض الاكتئاب والقلق والتوتر: سجلت ارتباطات إيجابية دالة مع مقياس الاكتئاب والقلق والضغط النفسي (DASS-21) تراوحت بين (r = 0.40 و r = 0.58)، حيث كان الخوف من الشفقة بالذات الأقوى تنبؤاً بحدة الأعراض الاكتئابية.
- أنماط الارتباط غير الآمن: ارتبطت المقاييس إيجابياً بأساليب الارتباط القلق والتجنبي المقاسة بمقياس أبعاد الارتباط البينشخصي، مما يدعم الفرضية القائلة بأن الخوف من الشفقة يتجذر في انعدام الأمان العلائقي المبكر.
3. الصدق التمايزي والتناقصي (Divergent Validity)
في الاتجاه المقابل، أظهر المقياس ارتباطات سالبة قوية وذات دلالة إحصائية مع مقاييس السلامة النفسية وجودة الحياة؛ حيث ارتبط سلباً بمقياس الشفقة بالذات لكريستين نيف (Self-Compassion Scale – SCS) بمعاملات بلغت (r = -0.58 إلى -0.65)، وارتبط سلباً بمشاعر الأمان الاجتماعي والقبول العلائقي المقاسة بمقياس مشاعر الأمان (Social Safeness and Pleasure Scale) بمعاملات تراوحت بين (r = -0.50 و r = -0.64)، مما يبرهن بوضوح على أن الخوف من الشفقة يمثل نقيضاً وظيفياً للشعور بالانتماء والأمان الوجداني.
4. الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
أثبتت تحليلات الانحدار المتعدد الهرمية أن مقاييس الخوف من الشفقة—وتحديداً مقياس الخوف من استقبال الشفقة والخوف من الشفقة الذاتية—تمتلك قدرة تنبؤية فائقة ومستقلة بمستويات الاكتئاب واليأس والانتحارية لدى المرضى السريريين، حتى بعد التحكم الإحصائي التام في متغيرات النقد الذاتي، والخزي، وشدة الأعراض السابقة، مما يؤكد أنها تشكل عاملاً سيكولوجياً حاسماً في إدامة المعاناة النفسية المزمنة.
الثبات
أظهرت التحليلات السيكومترية الدقيقة التي أُجريت على مختلف العينات البحثية والسريرية أن مقاييس الخوف من الشفقة تتمتع بمؤشرات ثبات واستقرار عالية جداً وفق أعلى المعايير المعمول بها في القياس النفسي الأكاديمي:
1. الاتساق الداخلي (Internal Consistency)
تم حساب معاملات ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) عبر فئات مختلفة من العينات في الدراسة التأسيسية التي قادها جيلبرت وزملاؤه (Gilbert et al., 2011)، وجاءت الإحصاءات الدقيقة كالتالي:
- عينة الطلاب والشباب (العينة العامة N = 222):
- مقياس الخوف من الشفقة بالذات (Fear of compassion for self): بلغ معامل ألفا 0.92، وهو مستوى ثبات ممتاز يعكس تجانساً داخلياً استثنائياً بين فقرات المقياس.
- مقياس الخوف من استقبال الشفقة من الآخرين (Fear of compassion from others): بلغ معامل ألفا 0.85.
- مقياس الخوف من الشفقة نحو الآخرين (Fear of compassion for others): بلغ معامل ألفا 0.84.
- عينة المعالجين النفسيين (Therapists sample N = 53):
- مقياس الخوف من الشفقة بالذات: سجل معامل ألفا 0.86.
- مقياس الخوف من استقبال الشفقة من الآخرين: سجل معامل ألفا 0.85.
- مقياس الخوف من الشفقة نحو الآخرين: سجل معامل ألفا 0.76.
- العينات السريرية (Clinical populations):
أكدت الدراسات اللاحقة (مثل دراسات Matos et al., 2017) أن معاملات الاتساق الداخلي في البيئات الإكلينيكية تتراوح باستمرار بين 0.88 و 0.94 للأبعاد الثلاثة، مما يؤكد تماسك البناء عبر مختلف مستويات الشدة المرضية.
2. استقرار إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability)
أظهرت دراسات الثبات عبر الزمن باستخدام أسلوب تطبيق المقياس وإعادة تطبيقه (Test-Retest) بفاصل زمني تراوح بين ثلاثة إلى ستة أسابيع في بيئات مستقرة، معاملات استقرار مرتفعة تجاوزت 0.82 لجميع المقاييس الفرعية، مما يشير إلى أن المقاييس ترصد سمات ومعتقدات معرفية وانفعالية شبه مستقرة، وليست مجرد تقلبات وجدانية مزاجية عابرة ترتبط بالحالة الآنية (State vs. Trait).
التحليل العاملي
أُخضعت الفقرات الأولية لمقاييس الخوف من الشفقة لتحليلات إحصائية متقدمة للتحقق من بنيتها الكامنة، شملت كلاً من التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA):
1. عملية توليد وانتقاء الفقرات الأولية
تم في المرحلة التأسيسية توليد بنك فقرات أولي يتكون من 60 فقرة، بواقع 20 فقرة لكل مجال من مجالات الشفقة الثلاثة. استند بناء هذه الفقرات إلى خبرة جيلبرت السريرية الممتدة، والمقابلات المتعمقة مع المرضى، والأدبيات الكلاسيكية في العلاج النفسي ونظرية الارتباط (Arieti & Bemporad, 1980; Bowlby, 1969, 1973, 1980). خضعت الفقرات لتقييم دقيق للصدق الظاهري (Face Validity) من قبل لجنة خبراء متخصصة؛ حيث حُذفت الفقرات التي شابها الغموض اللغوي أو التكرار الدلالي أو ضعف المظهر الظاهري، ليستقر المقياس النهائي على 38 فقرة موزعة كالتالي: 15 فقرة للشفقة بالذات، 13 فقرة لاستقبال الشفقة، و10 فقرات للشفقة نحو الآخرين.
2. نتائج التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
أُجري التحليل العاملي الاستكشافي باستخدام طريقة المحاور الرئيسية (Principal Axis Factoring) مع التدوير المائل المباشر (Direct Oblimin Rotation)، نظراً للتوقع النظري بوجود ارتباطات بين أبعاد الشفقة المختلفة. أيد اختبار كايزر-ماير-أولكين (KMO > 0.88) ومصفوفة بارتليت الكروية (p < 0.001) ملاءمة البيانات للتحليل العاملي. أسفر التحليل بوضوح عن انبثاق ثلاثة عوامل رئيسية ذات جذور كامنة (Eigenvalues) تزيد عن الواحد الصحيح، والتي فسرت مجتمعة أكثر من 53% من التباين الكلي في الدرجات:
- تشبعت فقرات مقياس الشفقة بالذات على العامل الأول بشكل نقي وبتشبعات عاملية قوية تراوحت بين 0.48 و 0.82، دون وجود تشبعات متقاطعة دالة (Cross-loadings) مع العوامل الأخرى.
- تشبعت فقرات استقبال الشفقة من الآخرين على العامل الثاني بقيم تشبع تراوحت بين 0.45 و 0.79.
- تشبعت فقرات منح الشفقة للآخرين على العامل الثالث بتشبعات تراوحت بين 0.42 و 0.74.
3. التحليل العاملي التوكيدي (CFA) وجودة المطابقة
أكدت دراسات التحليل العاملي التوكيدي اللاحقة عبر برمجيات النمذجة بالمعادلات البنائية (Structural Equation Modeling – SEM) تفوق النموذج ثلاثي العوامل المتمايزة والمترابطة (Correlated Three-Factor Model) مقارنة بالنموذج أحادي العامل الذي يفترض وجود خوف عام ومجرد من الشفقة. أظهر النموذج الثلاثي مؤشرات ملاءمة ممتازة استوفت المعايير الإحصائية القياسية الدولية:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI – Comparative Fit Index) ≥ 0.93.
- مؤشر تكر-لويس (TLI – Tucker-Lewis Index) ≥ 0.92.
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA – Root Mean Square Error of Approximation) ≤ 0.054 (مع فترة ثقة 90% تراوحت بين 0.048 و 0.061).
- جذر متوسط المربعات المتبقية المعيارية (SRMR) ≤ 0.051.
أثبتت هذه المؤشرات أن قياس الخوف من الشفقة كبناء ثلاثي التدفقات يوفر الأساس الأمثل للتفسير السيكومتري والتطبيقات السريرية الدقيقة.
أداة القياس
تتمتع مقاييس الخوف من الشفقة بتنسيق هيكلي واضح ومنهجي يتيح تطبيقها بصورة ورقية أو حاسوبية مقننة. وفيما يلي التفاصيل الفنية لأداة القياس:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-report inventory)، يُطبق فردياً أو جماعياً، في البيئات البحثية والسريرية والتنظيمية.
- الزمن المقدر للإجابة: يستغرق ملء المقياس كاملاً ما بين 10 إلى 15 دقيقة في المتوسط.
- عدد المقاييس الفرعية والفقرات: يتألف المقياس الشامل من 38 فقرة موزعة على ثلاثة مقاييس فرعية مستقلة تُطبق وتُصحح كل منها على حدة:
- المقياس الأول: التعبير عن الشفقة نحو الآخرين (Scale 1: Expressing compassion for others) — يتكون من 10 فقرات.
- المقياس الثاني: الاستجابة للشفقة القادمة من الآخرين (Scale 2: Responding to the expression of compassion from others) — يتكون من 13 فقرة.
- المقياس الثالث: توجيه اللطف والشفقة نحو الذات (Scale 3: Expressing kindness and compassion towards yourself) — يتكون من 15 فقرة.
- مقياس الاستجابة والبدائل: يُقاس اتفاق المستجيب مع كل عبارة عبر سلم ليكرت خماسي التدريج يبدأ من الصفر:
- 0 = لا أتفق على الإطلاق (Don’t agree at all)
- 1 = أتفق قليلاً
- 2 = أتفق إلى حد ما (Somewhat agree)
- 3 = أتفق كثيراً
- 4 = أتفق تماماً (Completely agree)
- طريقة التصحيح واحتساب الدرجات (Scoring Protocol):
- تُجمع درجات كل مقياس فرعي بشكل مستقل للحصول على ثلاث درجات منفصلة؛ حيث لا يُنصح نظرياً وسيكومترياً بدمج المقاييس الثلاثة في درجة كلية واحدة نظراً للتمايز المفاهيمي والوظيفي بين تدفقات الشفقة.
- مدى الدرجات لمقياس الشفقة نحو الآخرين: من 0 إلى 40.
- مدى الدرجات لمقياس استقبال الشفقة من الآخرين: من 0 إلى 52.
- مدى الدرجات لمقياس الشفقة بالذات: من 0 إلى 60.
- تشير الدرجات المرتفعة في أي مقياس فرعي إلى مستويات أعلى من الخوف، والدفاعية، والحصار الانفعالي تجاه ذلك التدفق المحدد من الشفقة.
- الفقرات المعكوسة (Reverse-coded items): لا يتضمن المقياس أي فقرات تُصحح بصورة معكوسة؛ فجميع الفقرات صُممت بصيغة مباشرة تقيس المخاوف والمقاومات الصريحة، مما يُسهل عملية جمع الدرجات ويقلل من أخطاء التصحيح اليدوي أو الآلي.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشرت المقاييس رسمياً في صورتها المحكمة عام 2011 في المجلة البريطانية لعلم النفس والعلاج النفسي (Psychology and Psychotherapy: Theory, Research and Practice). تماشياً مع الرؤية الإنسانية والأكاديمية التي تتبناها مؤسسة العقل الشفيق (The Compassionate Mind Foundation) ورئيسها البروفيسور بول جيلبرت، فإن مقاييس الخوف من الشفقة تُعد أداة مفتوحة المصدر ومتاحة مجاناً للأغراض البحثية والتدريبية والسريرية غير التجارية (Open-access for non-commercial research and clinical practice).
لا تتطلب الأبحاث الأكاديمية أو الاستخدامات السريرية الفردية دفع أي رسوم مالية أو الحصول على إذن خطي مسبق، شريطة الالتزام بالأمانة العلمية التامة وتوثيق الأداة بنسبتها الصحيحة إلى مؤلفيها الأصليين والاستشهاد بالورقة التأسيسية الصادرة عام 2011. أما في حالات الاستخدام التجاري أو تضمين المقياس ضمن منصات ومنتجات ربحية أو برمجيات تجارية مدفوعة، فيتعين التواصل المباشر مع مؤسسة العقل الشفيق للحصول على الترخيص التعاقدي الرسمي المسبق.
المراجع
- Arieti, S., & Bemporad, J. (1980). Severe and mild depression: The psychotherapeutic approach. Tavistock Publications.
- Bowlby, J. (1969). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment. Basic Books.
- Bowlby, J. (1973). Attachment and loss: Vol. 2. Separation: Anxiety and anger. Basic Books.
- Bowlby, J. (1980). Attachment and loss: Vol. 3. Loss: Sadness and depression. Basic Books.
- Gilbert, P. (2010). Compassion focused therapy: Distinctive features. Routledge. https://doi.org/10.4324/9780203851197
- Gilbert, P., McEwan, K., Matos, M., & Rivis, A. (2011). Fears of compassion: Development of three self-report measures. Psychology and Psychotherapy: Theory, Research and Practice, 84(3), 239–255. https://doi.org/10.1348/147608310X526511
- Matos, M., Duarte, C., Duarte, J., Pinto-Gouveia, J., Petrocchi, N., McEwan, K., & Gilbert, P. (2017). Psychological hazards of striving for success: Overcoming the fear of compassion. Clinical Psychology & Psychotherapy, 24(4), 837–849. https://doi.org/10.1002/cpp.2049
- Neff, K. D. (2003). The development and validation of a scale to measure self-compassion. Self and Identity, 2(3), 223–250. https://doi.org/10.1080/15298860309027