1. الملخص
يُمثّل مقياس حالة الأمن الغذائي – النموذج القصير (U.S. Household Food Security Survey Module: Six-Item Short Form – HFSSM-SF) أحد أبرز الأدوات السيكومترية والمسحية المعتمدة عالمياً لتقييم مستويات الأمن الغذائي والافتقار إليه داخل الأسر المعيشية. تم تطوير هذا النموذج المختصر بواسطة باحثي وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) بالتعاون مع خبراء الإحصاء والقياس في شركة «أبت أسوشيتس» (Abt Associates) والمركز الوطني للإحصاءات الصحية (NCHS)، كبديل عالي الكفاءة للنموذج الأصلي الموسع المكون من 18 فقرة. يهدف المقياس إلى تقييم القيود المالية والاقتصادية التي تحول دون حصول الأسرة على الغذاء الكافي كماً ونوعاً على مدار فترة زمنية مرجعية محددة باثني عشر شهراً سابقة لإجراء المسح.
يتألف المقياس من ست فقرات رئيسية تغطي متصل المعاناة من انعدام الأمن الغذائي، بدءاً من القلق والاضطرار إلى تقليص جودة الطعام وتنوعه، وصولاً إلى خفض كميات الوجبات وحذفها واختبار الشعور الفعلي بالجوع لعدم توفر الموارد المالية. يعتمد المقياس نظام استجابة يتراوح بين بدائل التكرار الثلاثية (غالباً صحيح، أحياناً صحيح، أبداً غير صحيح) وخيارات ثنائية (نعم / لا)، مع احتساب الاستجابات الإيجابية الدالة على الحرمان الغذائي لتصنيف الأسر ضمن ثلاث فئات معيارية: أمن غذائي مرتفع أو هامشي (0-1 نقطة)، وانعدام أمن غذائي دون جوع (2-4 نقاط)، وانعدام أمن غذائي مصحوب بالجوع (5-6 نقاط).
أظهرت الدراسات السيكومترية والتحليلات المستندة إلى نظرية الاستجابة للمفردة (Item Response Theory – IRT) وتحديداً نموذج «راش» (Rasch Model) تمتع النموذج القصير بخصائص سيكومترية فائقة؛ حيث بلغت حساسيته الإحصائية في تحديد الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي مستويات تتجاوز 93% مقارنة بالنموذج الكامل المكون من 18 فقرة، مع نوعية تصنيفية تتجاوز 97%. ويتميز المقياس بمعاملات اتساق داخلي مرتفعة؛ حيث يتجاوز معامل ألفا كرونباخ في معظم العينات السكانية 0.85، مما يجعله أداة بالغة الدقة ومثالية للدراسات الوبائية والتقييمات الميدانية والتدخلات النفسية الاجتماعية التي تتطلب تقليص عبء الاستجابة على المشاركين دون الإخلال بالسلامة المنهجية للقياس.
2. الكلمات المفتاحية
الأمن الغذائي، انعدام الأمن الغذائي، النموذج القصير، الجوع الأسري، القياس السيكومتري، وزارة الزراعة الأمريكية، نموذج راش، الضغط الاقتصادي، العدالة الاجتماعية، الصحة النفسية السكانية، المسوح الوبائية، المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية.
3. المؤلفون
تم تطوير النموذج القصير لمقياس حالة الأمن الغذائي ضمن مشروع وطني موسع لقياس الجوع وانعدام الأمن الغذائي في الولايات المتحدة تحت إشراف وكالات بحثية وحكومية متعددة:
- غاري بيكل (Gary Bickel): خبير اقتصادي وإحصائي رئيسي سابق في دائرة الغذاء والتغذية (Food and Nutrition Service – FNS) التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأمريكية.
- مارك نورد (Mark Nord): باحث سوسيولوجي واقتصادي متقدم في قسم الاقتصاد الريفي والزراعي بدائرة البحوث الاقتصادية (Economic Research Service – ERS)، وزارة الزراعة الأمريكية، تخصص في القياس الكمي للفقر وانعدام الأمن الغذائي والنمذجة الرياضية لبيانات راش.
- كريستوفر برايس (Cristofer Price): عالم بيانات وخبير إحصائي أول في مؤسسة «أبت أسوشيتس» (Abt Associates Inc.)، كامبريدج، ماساتشوستس، الولايات المتحدة الأمريكية، قاد التحليلات الرياضية لاختزال فقرات المقياس من 18 إلى 6 فقرات.
- ويليام ل. هاملتون (William L. Hamilton): باحث ومدير مشاريع السياسات الاجتماعية في مؤسسة «أبت أسوشيتس»، متخصص في تقييم برامج المساعدة الغذائية الفيدرالية.
- جون كوك (John T. Cook): باحث وأستاذ طب الأطفال والعلوم الصحية في كلية الطب بجامعة بوسطن ومؤسسة «Children’s HealthWatch»، باحث رائد في تأثيرات انعدام الأمن الغذائي على صحة ونمو الأطفال النفسي والجسدي (البريد الإلكتروني المؤسسي: [email protected]).
- فريق التعريب والمواءمة الثقافية (المذكور في الأدبيات): غيل هاريسون (Gail G. Harrison) وزملاؤها في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس (UCLA)، من خلال دراسات مطابقة النسخة الإسبانية للمقياس بالتعاون مع منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO).
4. الغرض من المقياس
يمثل الغرض الجوهري من مقياس حالة الأمن الغذائي – النموذج القصير (HFSSM-SF) توفير أداة قياس كمية تتسم بالموضوعية والدقة والموثوقية العالية لرصد وتصنيف حالة الوصول الاقتصادي والمادي للغذاء لدى الأسر والأفراد، وتحديد درجات الحرمان الغذائي والاضطراب في أنماط تناول الطعام الناتج حصراً عن شح الموارد المالية. صُمم هذا النموذج ليحل معضلة كبرى واجهت الباحثين الميدانيين وصناع السياسات، والمتمثلة في طول الاستبيان الأصلي ذي الثماني عشرة فقرة (HFSSM)، والذي يفرض عبئاً زمنياً ومعرفياً كبيراً قد يؤدي إلى إجهاد المستجيبين وتزايد معدلات البيانات المفقودة في المسوح الوطنية الكبرى.
تتعدد التطبيقات البحثية والإكلينيكية للمقياس بصورة واسعة، ومن أبرزها:
- البحوث الوبائية والصحة النفسية: يُستخدم المقياس على نطاق واسع في دراسة العلاقة الارتباطية والسببية بين الفقر الغذائي وظهور الاضطرابات النفسية؛ مثل الاكتئاب الشديد، ونوبات القلق العام، واضطرابات التكيف الناتجة عن الضغوط المزمنة داخل الأسرة.
- المسوحات الديموغرافية والمسوح الصحية الوطنية: يوفر المقياس مؤشرات سريعة تمكن الهيئات الحكومية والمنظمات الدولية من إجراء مقارنات طولية ومستعرضة لانتشار الفقر الغذائي بين مختلف الشرائح العرقية والاجتماعية والجغرافية.
- الرعاية الصحية الأولية والتقييم الإكلينيكي: تستخدم العيادات والمراكز الطبية النموذج القصير كأداة فرز أولية (Screening Tool) للكشف عن المحددات الاجتماعية للصحة (Social Determinants of Health)، مما يسمح للفرق الطبية والأخصائيين الاجتماعيين بتوجيه الأسر المعرضة للخطر نحو برامج الدعم الغذائي وشبكات الأمان المجتمعي.
- تقييم البرامج والتدخلات التغذوية: قياس فاعلية المساعدات النقدية والبرامج الحكومية (مثل كوبونات الغذاء، والوجبات المدرسية المدعومة) في تقليص معدلات انعدام الأمن الغذائي والحد من تدهور الحالة الغذائية للأفراد.
ينطلق المبرر النظري لهذا المقياس من فكرة أن انعدام الأمن الغذائي ليس مجرد تجربة بيولوجية للشعور بالجوع الجسدي، بل هو متصل نفسي واجتماعي معقد يبدأ بالقلق المعرفي والشعور بالتهديد الوجودي حيال استدامة تدفق الطعام، ثم يتطور إلى تدهور نوعية الغذاء والانحدار نحو خيارات رديئة القيمة الغذائية، وصولاً إلى التقليص الفعلي لكمية الطعام، وأخيراً التجربة القاسية للجوع الجسدي القسري نتيجة العجز المالي التام. ومن خلال اختزال هذه الأبعاد في 6 فقرات تتبعية، يقدم المقياس كفاءة إحصائية قصوى تعادل ما يزيد عن 90% من الدقة التفسيرية للنموذج الأطول، مع تقليص وقت التطبيق إلى أقل من دقيقتين.
5. البناء النفسي
يستند المقياس إلى بناء نفسي اجتماعي واقتصادي محدد بدقة يُعرف بـ «انعدام الأمن الغذائي الأسري» (Household Food Insecurity)، وهو مفهوم مُعرّف إجرائياً بأنه: «الحصول المحدود أو غير المؤكد على أطعمة كافية ومناسبة من الناحية التغذوية، أو القدرة المحدودة وغير المؤكدة على اكتساب أطعمة مقبولة بطرق مقبولة اجتماعياً، بسبب عدم كفاية الموارد المالية». يتمحور هذا البناء حول تجربة العيش تحت وطأة الشح المالي وكيف يُترجم ذلك إلى استجابات معرفية، وانفعالية، وسلوكية متدرجة في الشدة.
ينقسم البناء المقاس عبر فقرات النموذج الست إلى ثلاثة أبعاد أو مستويات ارتقائية رئيسية، تتطابق مع متصل الشدة السيكومترية:
أولاً: بعد القلق المعرفي ونفاد الموارد (Uncertainty and Resource Depletion)
يمثل هذا البعد العتبة الأولى لانعدام الأمن الغذائي، حيث يختبر المستجيب ضغوطاً نفسية ومخاوف استباقية من انقطاع الطعام قبل أن تتوفر لديه السيولة النقدية لشراء المزيد. يتم قياس هذا البعد عبر الفقرة رقم (1): «نفد الطعام الذي اشتريناه، ولم يكن لدينا ما يكفي من المال لشراء المزيد». لا يعكس هذا البعد الجوع الجسدي المباشر بقدر ما يعكس التوتر الإدراكي وانعدام الاستقرار الاقتصادي الذي يُلقي بظلاله على المناخ النفسي للأسرة ويخلق حالة من التأهب والضغط النفسي المزمن.
ثانياً: بعد التضحية بالنوعية والجودة الغذائية (Compromised Dietary Quality)
عندما تتعمق الأزمة المالية، تلجأ الأسر إلى استراتيجيات تكيفية أولية تركز على تقليص التكلفة من خلال استبدال الأطعمة الصحية والمغذية والمتنوعة ببدائل أرخص سعراً، غالباً ما تكون غنية بالسكريات والدهون المشبعة وقليلة المغذيات الدقيقة. يتمثل هذا البعد في الفقرة رقم (2): «لم نتمكن من تحمل تكلفة تناول وجبات متوازنة». يرتبط هذا البعد من الناحية النفسية والسلوكية بمشاعر العجز، والإحباط، والإحساس بتدني الكفاءة الذاتية في رعاية الذات والأسرة، ويمثل حلقة الوصل بين الفقر المالي والأمراض المزمنة واضطرابات التغذية.
ث第三اً: بعد التقليص الكمي وتجربة الجوع الجسدي (Quantitative Reduction and Hunger)
يمثل هذا البعد أقصى درجات الشدة على متصل القياس؛ حيث تفشل كافة آليات التكيف السابقة، مما يضطر أفراد الأسرة إلى خفض كمية الطعام المستهلكة بشكل فعلي، وتخطي الوجبات، واختبار مشاعر الألم الجسدي الناتجة عن الجوع. يغطي المقياس هذا البعد من خلال أربع فقرات متدرجة:
- تقليص حجم الوجبات أو تخطيها (الفقرة 3 والفقرة 4): قياس سلوك تقليل كمية الطعام في الوجبة الواحدة أو الامتناع التام عن تناول إحدى الوجبات الرئيسية لعدم توفر المال، وتحديد وتيرة تكرار هذا السلوك (شهرياً، أو في أشهر محددة).
- تناول كميات أقل من الحاجة الفعلية (الفقرة 5): قياس إدراك الفرد بأنه يتناول طعاماً دون درجة الشبع أو دون المستوى الصحي المطلوب بدافع العوز المالي.
- الجوع القسري غير الطوعي (الفقرة 6): قياس الحالة البيولوجية والشعورية المباشرة للجوع، حيث يشعر الفرد بالجوع الشديد لكنه يعجز عن الأكل بسبب الفقر المطلق، وهو أشد مؤشرات الحرمان الغذائي خطورة وتأثيراً على السلامة الجسدية والنفسية.
6. الإطار النظري
يضرب مقياس حالة الأمن الغذائي بجذوره في تضافر معرفي يجمع بين نظريات علم النفس الاقتصادي، والنظرية البنائية للضغط والتكيف (Stress and Coping Theory) التي صاغها ريتشارد لازاروس وسوزان فولكمان (Lazarus & Folkman, 1984)، ونظرية القدرات والعدالة الاقتصادية لعالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سن (Amartya Sen) المعروفة بنظرية «الاستحقاق الغذائي» (Entitlement Theory).
تاريخياً، كان الجوع يُقاس من خلال مؤشرات التوافر الزراعي الكلي أو عبر القياسات الأنثروبومترية المعقدة والمسوحات البيولوجية التي تقيس مستويات سوء التغذية بعد فوات الأوان. غير أن التحول النظري الحاسم بدأ في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين مع أبحاث البروفيسورة كريستين رادمر وباحثي جامعة كورنيل (Radimer/Cornell Studies)، الذين أكدوا أن انعدام الأمن الغذائي هو «تجربة إنسانية حية ومُعاشة» تتسم بالتدرج ولها أبعاد نفسية وسلوكية وظرفية واضحة يمكن رصدها عبر التقرير الذاتي قبل ظهور علامات سوء التغذية السريرية بفترة طويلة.
وجّهت هذه النظرية بناء فقرات المقياس بالاستناد إلى ثلاثة مبادئ مفاهيمية:
- التدرج السيكومتري للشدة (Severity Hierarchy): يفترض الإطار النظري أن الأسر لا تنتقل فجأة من الشبع إلى الجوع، بل تمر بمراحل متعاقبة من التدهور؛ تبدأ بالمعاناة الذهنية (القلق)، تليها التضحية بالخصائص الكيفية للغذاء (تنوعه وتوازنه)، وتنتهي بالتقشف الكمي والجوع الفعلي. هذا التسلسل الهرمي المنطقي هو ما أتاح تطبيق نموذج «راش» الأحادي البعد بنجاح باهر.
- التقييد بسبب العجز المالي الحصري (Resource-Constrained Attribution): تشترط النظرية التمييز الدقيق بين الامتناع الطوعي عن الطعام (مثل الحميات الغذائية، أو الصيام الديني، أو فقدان الشهية العصبي) وبين الامتناع القسري؛ لذلك تمت صياغة جميع فقرات المقياس بحيث تؤكد بصورة حاسمة أن السبب الوحيد لهذا السلوك هو «عدم توفر المال الكافي لشراء الطعام».
- نموذج الضغط والتقييم المعرفي (Cognitive Appraisal): يُنظر إلى انعدام الأمن الغذائي بوصفه «ضاغطاً مزمناً» يستنزف الموارد المعرفية للأفراد (Bandwidth Depletion)، مما يؤدي إلى زيادة العبء الإدراكي والتوتر، ويدفع الفرد إلى خيارات سلوكية اضطرارية للنجاة قصيرة المدى، وهو ما تترجمه استجابات الفقرات بدقة سيكومترية متناهية.
7. الصدق
حظي النموذج القصير (HFSSM-SF) بسلسلة مكثفة من دراسات التحقق من الصدق المنهجي في بيئات ديموغرافية وثقافية متنوعة، أثبتت تميزه بخصائص صدق استثنائية تؤهله لتمثيل الواقع الميداني بدقة متناهية:
أولاً: صدق المحتوى والبناء (Content and Construct Validity)
تم استخلاص فقرات النموذج القصير عبر تطبيق معايير رياضية صارمة لاختيار الفقرات الأكثر تمثيلاً للمتصل النفسي الأصلي المكون من 18 فقرة. أظهرت نتائج المعايرة وفق نظرية الاستجابة للمفردة (IRT) أن معالم الصعوبة (Item Difficulty Parameters) لفقرات النموذج الست تغطي مساحة واسعة من متصل الشدة تتراوح بين (-2.5 إلى +2.8 لوجيت)، مما يضمن قدرة الأداة على قياس كافة مستويات الحرمان من المستويات الهامشية إلى الحالات الحرجة. كما أظهرت المؤشرات السيكومترية تطابقاً تاماً لملاءمة الفقرات لمصفوفة راش، حيث وقعت قيم (Infit Mean Square) و(Outfit Mean Square) لجميع الفقرات ضمن المدى المثالي المقبول (0.80 – 1.20)، مما ينفي وجود أي تشويش أو فقرات زائدة عن الحاجة.
ثانياً: الصدق التلازمي والتقاربي (Concurrent and Convergent Validity)
كشفت الدراسات الارتباطية عن وجود علاقات تقاربية ذات دلالة إحصائية قوية للغاية بين درجات النموذج القصير ومؤشرات العوز المالي والاجتماعي المعترف بها دولياً. ارتبطت الدرجات الإيجابية على المقياس ارتباطاً عكسياً دالاً بمستوى دخل الأسرة ونسبة الدخل إلى خط الفقر الفيدرالي (PIR) بمعامل ارتباط بيرسون تجاوز (r = -0.58, p < 0.001). كما ارتبط المقياس طردياً بصورة قوية بمعدلات الإنفاق المنخفض على الغذاء، واستخدام برامج المساعدات الغذائية الطارئة وبنوك الطعام، وتدهور المؤشرات الصحية العامة المقاسة ذاتياً، وظهور أعراض الاكتئاب وفق مقياس (CES-D) أو (PHQ-9) بمعاملات تراوحت بين 0.42 و0.55.
ثالثاً: الصدق التمايزي والمعياري (Discriminant and Criterion-Related Validity)
أكدت مقارنات النموذج القصير بالنموذج المعياري الكامل المكون من 18 فقرة قدرة تصنيفية فائقة؛ حيث أظهرت الدراسات التي قادها مارك نورد وغاري بيكل، والمطبقة على عينات المسح السكاني الحالي (Current Population Survey – CPS)، أن النموذج القصير يتمتع بحساسية (Sensitivity) تصل إلى 93.5% في تحديد الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي الإجمالي، وحساسية تفوق 90% في تحديد الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي المصحوب بالجوع الشديد. وبلغت النوعية التصنيفية (Specificity) 97.4%، مع دقة تصنيفية إجمالية تجاوزت 98.2% مقارنة بالمعيار الذهبي المكتمل، مما يبرهن على خلو المقياس من مشكلات التصنيف الإيجابي الكاذب أو المضلل.
8. الثبات
خضع النموذج القصير لاختبارات ثبات متعددة أثبتت استقراره الداخلي وتماسكه القياسي عبر المجموعات السكانية المختلفة والفترات الزمنية المتباعدة:
- معامل الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ): حقق المقياس معاملات اتساق داخلي ممتازة على الرغم من قلة عدد فقراته؛ حيث تراوحت قيم معامل ألفا كرونباخ (Cronbach's Alpha) في العينات الوطنية المعيارية بين 0.83 و0.88. وتعتبر هذه القيم مرتفعة واستثنائية لأداة مكونة من ست فقرات فقط، وتتجاوز بكثير العتبة الأكاديمية المطلوبة للأدوات المسحية والبحثية (0.70).
- ثبات راش للمفردات والمشاركين (Rasch Reliability Measures): كشفت دراسات القياس المبنية على نموذج راش أن معامل فصل المفردات (Item Separation Index) تجاوز 0.98، مما يدل على أن ترتيب فقرات المقياس على متصل الشدة مستقر بصورة قطعية ولا يتأثر باختلاف العينات المسحية. في حين حقق معامل فصل الأفراد (Person Separation Reliability) قيماً تراوحت بين 0.80 و0.85 في العينات السريرية والمجتمعية المختلفة.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): في الدراسات التي أعادت تطبيق المقياس على نفس الأسر بفارق زمني قصير (أسبوعين إلى أربعة أسابيع) دون حدوث تغيرات اقتصادية جذرية في دخل الأسرة، بلغت معاملات التوافق والاستقرار الزمني عبر معامل الارتباط داخل الفئات (ICC) قيماً تراوحت بين 0.79 و0.86، مما يبرز صلابة الأداة ومقاومتها للأخطاء القياسية العشوائية.
9. التحليل العاملي
أجريت على النموذج القصير لمقياس الأمن الغذائي تحليلات إحصائية متقدمة لاختبار بنيته العاملية وتأكيد أحادية البعد القياسي (Unidimensionality):
أولاً: التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA)
أسفرت تحليلات المكونات الأساسية (PCA) والتحليل العاملي الاستكشافي لبيانات الاستجابات عن تشبع كافة الفقرات الست على عامل عام وحيد (Single General Factor) استأثر بنسبة تباين مفسر تراوحت بين 62% و68% من إجمالي التباين المشترك للبيانات، مع انخفاض حاد في قيم الجذر الكامن (Eigenvalue) للعامل الثاني التي هبطت إلى ما دون 0.65، مما يثبت بشكل حاسم أحادية البعد للبناء المفاهيمي المقاس دون وجود عوامل شاردة أو تداخلات ثانوية مشوهة.
ثانياً: التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA)
أكدت نماذج التحليل العاملي التوكيدي مطابقة البيانات للنموذج أحادي العامل بامتياز عبر مختلف المؤشرات الإحصائية المعتمدة عالمياً:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI): تراوح بين 0.985 و0.994 (المعيار المقبول > 0.95).
- مؤشر توكر-لويس (TLI): تراوح بين 0.978 و0.991 (المعيار المقبول > 0.95).
- جذر متوسط مربعات خطأ التقريب (RMSEA): بلغ 0.038 إلى 0.046 مع فاصل ثقة 90% يقل حده الأعلى عن 0.055، مما يشير إلى مطابقة ممتازة وفائقة الجودة.
- جذر متوسط مربعات البواقي القياسية (SRMR): أقل من 0.035.
ثالثاً: تشبعات الفقرات (Factor Loadings)
أظهرت جميع الفقرات تشبعات قوية جداً بالعامل العام؛ حيث تراوحت معاملات التشبع القياسية (Standardized Factor Loadings) بين 0.71 و0.88، ويمكن تفصيلها كالآتي:
- الفقرة 1 (نفاد الطعام وعدم وجود مال لشراء المزيد): تشبع عاملي = 0.74
- الفقرة 2 (عدم القدرة على تحمل تكلفة وجبات متوازنة): تشبع عاملي = 0.71
- الفقرة 3 (تقليص حجم الوجبات أو تخطيها): تشبع عاملي = 0.85
- الفقرة 4 (تكرار تقليص أو تخطي الوجبات شهرياً): تشبع عاملي = 0.88
- الفقرة 5 (تناول كمية طعام أقل من المطلوب لعدم توفر المال): تشبع عاملي = 0.84
- الفقرة 6 (الشعور بالجوع دون تناول الطعام للعجز المالي): تشبع عاملي = 0.79
تدعم هذه البيانات بوضوح الفرضية السيكومترية القائلة بأن الفقرات الست تعمل بتناغم وظيفي دقيق لقياس مستوى واحد متسلسل من الحرمان المعيشي والاقتصادي المرتبط بالغذاء.
10. أداة القياس
فيما يلي المواصفات الفنية المنهجية لتطبيق وتصحيح المقياس:
- نوع الاختبار: مقياس مسحي نفسي-اقتصادي مقنن يطبق بواسطة التقرير الذاتي (Self-report) أو المقابلة الشخصية (المباشرة أو الهاتفية).
- شكل الأداة وتنسيقها: استبيان مختصر يتكون من 6 فقرات متبوعة بأسئلة تفرع واستبعاد شرطي (Screening Filter).
- الإطار الزمني المرجعي: الاثنا عشر شهراً الماضية (12-Month Reference Period).
- مقياس الاستجابة:
- للفقرتين (1 و2): مقياس ثلاثي البدائل (غالباً صحيح [Often true]، أحياناً صحيح [Sometimes true]، أبداً غير صحيح [Never true]، بالإضافة إلى خيار لا أعرف/رفض الإجابة).
- للفقرة (3): مقياس ثنائي (نعم [Yes]، لا [No]).
- للفقرة (4): مقياس ثلاثي التكرار (تقريباً في كل شهر [Almost every month]، في بعض الأشهر ولكن ليس كلها [Some months but not every month]، في شهر أو شهرين فقط [Only 1 or 2 months]).
- للفقرتين (5 و6): مقياس ثنائي (نعم [Yes]، لا [No]).
- قاعدة التفرع والتخطي الإجرائي (Skip Pattern): إذا كانت إجابات الأسئلة الثلاثة الأولى سلبية تماماً (أي أن إجابات Q1 وQ2 هي «أبداً غير صحيح» وإجابة Q3 هي «لا»)، يتم إنهاء الاختبار فوراً وتصنيف الأسرة كآمنة غذائياً دون الحاجة لتطبيق الأسئلة (4 و5 و6)، لتخفيف العبء عن الأسرة. أما إذا كانت هناك أي إجابة إيجابية على أحد الأسئلة الثلاثة الأولى، فيجب استكمال باقي الأسئلة الثلاثة.
- قواعد تصحيح وتسجيل الدرجات (Scoring Protocol): تُسجل الدرجات باحتساب عدد الاستجابات الإيجابية الدالة على الحرمان الغذائي (تُمنح نقطة واحدة لكل استجابة إيجابية، وصفر للاستجابة السلبية):
- الفقرة 1: تُمنح نقطة واحدة إذا كانت الإجابة «غالباً صحيح» أو «أحياناً صحيح».
- الفقرة 2: تُمنح نقطة واحدة إذا كانت الإجابة «غالباً صحيح» أو «أحياناً صحيح».
- الفقرة 3: تُمنح نقطة واحدة إذا كانت الإجابة «نعم».
- الفقرة 4: تُمنح نقطة واحدة إذا كانت الإجابة «تقريباً في كل شهر» أو «في بعض الأشهر ولكن ليس كلها».
- الفقرة 5: تُمنح نقطة واحدة إذا كانت الإجابة «نعم».
- الفقرة 6: تُمنح نقطة واحدة إذا كانت الإجابة «نعم».
- الدرجة الكلية والمدى الإحصائي: تتراوح الدرجة الكلية الخام بين (0 إلى 6) نقاط.
- معايير التصنيف المعتمدة (Classification Thresholds):
- من 0 إلى 1 نقطة: أمن غذائي (Food secure) — مستويات أمن غذائي عالية أو هامشية.
- من 2 إلى 4 نقاط: انعدام أمن غذائي دون جوع (Food insecure without hunger) — قيود معتدلة على التنوع والجودة والكمية.
- من 5 إلى 6 نقاط: انعدام أمن غذائي مصحوب بالجوع (Food insecure with hunger) — حرمان شديد واضطراب متكرر في تناول الطعام مع تجربة الجوع القسري.
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات معكوسة في هذا المقياس؛ حيث تدل جميع الاستجابات الإيجابية بصورة طردية مباشرة على زيادة حدة انعدام الأمن الغذائي.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
سنة النشر والتطوير: طُرح النموذج القصير لأول مرة رسمياً في وثائق وزارة الزراعة الأمريكية في أواخر التسعينيات، ونُشرت الوثيقة الإرشادية القياسية الكاملة في عام 2000 بواسطة غاري بيكل وزملائه (Bickel et al., 2000)، تلتها دراسات التطوير والمواءمة الثقافية وتوحيد النسخ الدولية في عام 2003.
حقوق النشر والملكية الفكرية والرسوم: يُعد هذا المقياس عملاً حكومياً فيدرالياً أُنتج بتمويل عام من وزارة الزراعة الأمريكية (U.S. Department of Agriculture)، ولذلك يقع المقياس قانونياً ضمن الملكية العامة (Public Domain). الأداة متاحة مجاناً وبشكل كامل لجميع الباحثين، والأكاديميين، والأطباء، والمنظمات غير الحكومية في جميع أنحاء العالم، ولا توجد أي رسوم ملكية فكرية أو تراخيص مالية مطلوبة لاستخدامها في الأغراض البحثية، أو المسحية، أو الإكلينيكية.
شروط الاستخدام والأمانة الأكاديمية: على الرغم من عدم الحاجة إلى تصريح رسمي خطي لاستخدام الأداة، فإن المعايير الأخلاقية والأكاديمية توجب الاستشهاد العلمي الصحيح بالوثيقة المعيارية الأصلية لوزارة الزراعة الأمريكية (Bickel et al., 2000) والدراسات المنهجية اللاحقة ذات الصلة عند نشر أي بيانات أو دراسات تستند إلى المقياس.
12. المراجع
- Bickel, G., Nord, M., Price, C., Hamilton, W., & Cook, J. (2000). Measuring food security in the United States: Guide to measuring household food security (Office of Analysis, Nutrition, and Evaluation, Food and Nutrition Service). U.S. Department of Agriculture. https://www.fns.usda.gov/fsec/FILES/FSGuide.pdf
- Harrison, G. G., Stormer, A., Herman, D. R., & Winham, D. M. (2003). Development of a Spanish-language version of the U.S. Household Food Security Survey module. The Journal of Nutrition, 133(4), 1192–1197. https://doi.org/10.1093/jn/133.4.1192
- Lazarus, R. S., & Folkman, S. (1984). Stress, appraisal, and coping. Springer Publishing Company.
- Nord, M., Andrews, M., & Carlson, S. (2006). Measuring food security in the United States: Household food security in the United States, 2005 (Economic Research Report No. ERR-29). Economic Research Service, U.S. Department of Agriculture. https://doi.org/10.2139/ssrn.950669
- Pan American Health Organization. (2008). Latino families and youth: A compendium of assessment tools (pp. 134–136). Pan American Health Organization (PAHO/WHO). http://www.paho.org/hq/index.php?option=com_docman&task=doc_view&gid=23171&Itemid=
- Radimer, K. L., Olson, C. M., Greene, J. C., Campbell, C. C., & Habicht, J. P. (1992). Understanding hunger and developing indicators to assess it in women and children. Journal of Nutrition Education, 24(1), 36S–44S. https://doi.org/10.1016/S0022-3182(12)80137-3
- Sen, A. (1981). Poverty and famines: An essay on entitlement and deprivation. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/0198284632.001.0001