الملخص
يُعد مقياس معايير الأدوار الجندرية والعلاقات (Gender Role and Relationship Norms Scale – GRRN) أحد الأدوات السيكومترية البارزة التي جرى تطويرها لتقييم وفهم المنظومات المعيارية والتوقعات الاجتماعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي، وديناميات القوة، والمخاطر السلوكية والصحية ضمن العلاقات العاطفية والجنسية لدى الشباب والبالغين. طور هذا المقياس فريق بحثي بقيادة الدكتورة أبيجيل هاريسون (Abigail Harrison) ولوسيا أوسوليفان وزملائهما في عام 2006 ضمن سياق دراسات الصحة الحضرية وسياقات مخاطر انتقال فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) في جنوب إفريقيا. يتألف المقياس من مجموعة من الأبعاد المحورية التي تغطي مجالات جوهرية تشمل: العنف في العلاقات الجنسية (بنسختيه الموجهة للإناث والذكور)، وتوزيع القوة واتخاذ القرار، والأدوار الجنسية المتساوية (Egalitarian Sex Roles)، والأدوار الجنسية الخاضعة للهيمنة الذكورية (Male Dominant Sex Roles)، والمعنى والتبادلية في العلاقة (Mutuality)، بالإضافة إلى الرومانسية المفرطة (Hyper-Romanticism). يتميز المقياس بخصائص سيكومترية رصينة ومؤشرات ثبات وصدق بنائي وتلازمي وتمايزي قوية تعكس كفاءته في التمييز بين المعايير التقليدية والتقدمية، وارتباطها الوثيق بسلوكيات الحماية الصحية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
الكلمات المفتاحية
معايير الأدوار الجندرية، ديناميات القوة في العلاقات، العنف في العلاقات الجنسية، الرومانسية المفرطة، الأدوار الجنسية التبادلية، الهيمنة الذكورية، القياس النفسي، صدق البناء، الصحة الإنجابية، الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية.
المؤلفون
تم تطوير المقياس من قِبل نخبة من الباحثين المتخصصين في الصحة العامة وعلم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا:
- أبيجيل هاريسون (Abigail Harrison, Ph.D.): باحثة في قسم الصحة السلوكية والاجتماعية بمدرسة الصحة العامة في جامعة براون، الولايات المتحدة الأمريكية.
- لوسيا أوسوليفان (Lucia F. O’Sullivan, Ph.D.): أستاذة علم النفس في جامعة نيو برونزويك، كندا، وخبيرة بارزة في السلوكيات والعلاقات الجنسية.
- سوزي هوفمان (Susie Hoffman, DrPH): باحثة في مركز دراسات الصحة النفسية السريرية والتدخلات الوقائية في معهد ولاية نيويورك للطب النفسي وجامعة كولومبيا.
- كيرتس دوليزال (Curtis Dolezal, Ph.D.): إحصائي وباحث سيكومتري في معهد ولاية نيويورك للطب النفسي، جامعة كولومبيا.
- روبرت موريل (Robert Morrell, Ph.D.): باحث بارز في دراسات الذكورة والنوع الاجتماعي بجامعة كوازولو ناتال، جنوب إفريقيا.
الغرض
نشأت الحاجة إلى بناء مقياس معايير الأدوار الجندرية والعلاقات في ظل وجود فجوة منهجية ونظرية في الأدوات المتاحة لتقييم كيفية ترجمة المعتقدات الجندرية العامة إلى ممارسات سلوكية تفاعلية وتفاوضية داخل العلاقات الثنائية. يهدف المقياس بصفة رئيسية إلى قياس التوقعات الثقافية والمعايير الشخصية التي تحكم العلاقات الحميمية، وتحديد مدى مساهمة هذه المعايير في زيادة القابلية للتعرض للعنف الشريك الحميم (Intimate Partner Violence) ومخاطر العدوى المنقولة جنسياً، وخاصة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب.
يمتد التطبيق العملي للمقياس إلى مجالات متعددة:
- التطبيقات البحثية: دراسة التقاطعات بين دراسات الذكورة (Masculinity Studies)، والنسوية، والصحة العامة؛ ومراقبة التحولات الثقافية في المجتمعات الانتقالية التي تشهد تغييرات سريعة في حقوق المرأة وأدوار الجنسين.
- التطبيقات الإكلينيكية والإرشادية: يُستخدم المقياس في برامج الإرشاد الزواجي والأسري لتشخيص الاختلالات في توازن القوة، ورصد مؤشرات السيطرة القسرية والتبرير الثقافي للعدوان أو الإكراه الجنسي.
- برامج التدخل المجتمعي والوقائي: تصميم وتقييم أثر البرامج التدخلية الموجهة للشباب واليافعين، والتي تهدف إلى تفكيك أنماط الذكورة السامة (Toxic/Hegemonic Masculinity) وتعزيز المعايير القائمة على الاحترام المتبادل والمساواة والتفاوض الآمن.
البناء النفسي
يغطي المقياس بنية متعددة الأبعاد تستند إلى أن المعايير الجندرية ليست بناءً أحادياً، بل شبكة متداخلة من المعتقدات والتوقعات السلوكية. تشمل هذه الأبعاد ما يلي:
1. العنف في العلاقات الجنسية (Violence in Sexual Relationships)
يقيس هذا البعد مدى انتشار أو قبول أو التعرض لسلوكيات العنف الجسدي واللفظي والإكراه الجنسي داخل العلاقة. تم صياغة نسختين متوازيتين: إحداهما تقيس خبرة الإناث كضحايا للسيطرة والاعتداء والتهديد بالضرب، والأخرى تقيس ممارسة الذكور أو اعترافهم بممارسة هذه السلوكيات العقابية ضد الشريكة في حال مخالفتها لتوقعاتهم أو رفضها للجنس.
2. توازن القوة واتخاذ القرار (Power)
يركز هذا البعد على التوزيع الديمقراطي للسلطة في العلاقة، بما في ذلك اتخاذ القرارات المشتركة، والاعتراف بحق المرأة في امتلاك صوت متساوٍ، ودعم التحولات التشريعية والاجتماعية التي تمنح النساء حقوقاً أوسع.
3. الأدوار الجنسية المتكافئة (Egalitarian Sex Roles / Sexual Scripts)
يتناول السيناريوهات الجنسية المعيارية القائمة على المساواة، مثل المبادرة المتساوية في النشاط الجنسي، وحرية التعبير عن التفضيلات والرغبات، والقدرة المتبادلة على الرفض أو التفاوض على الممارسات الآمنة دون خوف من التبعات.
4. الأدوار الجنسية الخاضعة للهيمنة الذكورية (Male Dominant Sex Roles)
يقيس التمسك بالمعايير الأبوية التقليدية، مثل تبرير تعدد الشريكات للرجل، وازدواجية المعايير الأخلاقية الجنسية (وصم المرأة التي تعبر عن رغبتها الجنسية)، والاعتقاد بأن رفض المرأة للجنس ليس نهائياً، وإلقاء مسؤولية الوقاية واستخدام العازل الطبي على كاهل المرأة وحدها.
5. المعنى والتبادلية في العلاقة (Meaning in Relationships—Mutuality)
يقيس جودة الرابطة العاطفية القائمة على الدعم المتبادل، والاحترام، والتواصل الفعال لحل المشكلات، والشعور بالاستثمار المشترك في مستقبل العلاقة بعيداً عن الاستغلال أو التبعية الأحادية.
6. الرومانسية المفرطة (Hyper-Romanticism)
يقيس التعلق المفرط والمثالي بالشريك الذي يصل إلى حد إلغاء الهوية الذاتية، مثل الاعتقاد بأن الشخص لا يمكنه العيش بمفرده أو أنه مستعد للموت من أجل الحب، مما قد يسهم في إخفاء مؤشرات الخطر وتبرير سوء المعاملة تحت ستار الحب المطلق.
الإطار النظري
يستند المقياس إلى أطر نظرية متعددة التخصصات تجمع بين علم النفس الاجتماعي، والنظرية النسوية، وعلم الاجتماع النقدي. يتمثل الإطار الجوهري في:
- نظرية البنائية الاجتماعية للنوع الاجتماعي (Social Constructionist Theory of Gender): كما بلورها رواد مثل كانديس ويست ودون زيمرمان، والتي ترى أن النوع الاجتماعي ليس سمة بيولوجية ثابتة، بل ممارسة اجتماعية يعاد إنتاجها باستمرار عبر التفاعلات اليومية والمعايير المجتمعية.
- نظرية الهيمنة الذكورية (Hegemonic Masculinity): التي وضعها المنظر الاجتماعي راوين كونيل (Raewyn Connell)، والتي تشرح كيف يتم إضفاء الشرعية على تفوق الرجال وتبعية النساء، وكيف يدفع الضغط الاجتماعي الذكور إلى تبني سلوكيات خطرة، وتأكيد السيطرة من خلال القوة البدنية أو الجنسية.
- نظرية القوة والنوع الاجتماعي (Theory of Gender and Power – TGP): التي طُبقت في سياق الصحة العامة بواسطة وينجود وديكليمنتي (Wingood & DiClemente)، وتفترض وجود ثلاثة هياكل اجتماعية متداخلة تحدد المخاطر الصحية للمرأة: تقسيم العمل القائم على النوع، وهيكل القوة (السيطرة في العلاقات)، وهيكل البناء النفسي الاجتماعي (المعايير والتوقعات الثقافية).
الصدق
خضع مقياس معايير الأدوار الجندرية والعلاقات لعمليات فحص إمبريقية دقيقة للتحقق من مؤشرات صدقه عبر عينات واسعة من الشباب في دراسات هاريسون وزملائها (Harrison et al., 2006):
- صدق البناء (Construct Validity): أظهرت تحليلات الارتباط اتساقاً منطقياً بين أبعاد المقياس؛ حيث ارتبطت درجات بعد “الهيمنة الذكورية” ارتباطاً موجباً ذا دلالة إحصائية مع درجات بعد “العنف في العلاقات الجنسية”، في حين ارتبطت ارتباطاً سالباً مع بعدي “الأدوار المتكافئة” و”التبادلية”.
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): ارتبطت الدرجات المرتفعة على أبعاد الهيمنة الذكورية والعنف بمقاييس خارجية تقيس القبول العام للعنف القائم على النوع الاجتماعي والسلوكيات الجنسية المحفوفة بالمخاطر (مثل عدم استخدام العازل الطبي وتعدد الشركاء).
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): نجح المقياس في التمييز بوضوح بين مجموعات المشاركين حسب الجنس، والحالة الاجتماعية، ومستويات التعليم، حيث أظهر الذكور ميلاً أعلى لتبني معايير الهيمنة الذكورية مقارنة بالإناث، في حين سجلت الإناث وعياً أعلى بمؤشرات العنف والإكراه.
- الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أظهرت النماذج التنبؤية قدرة المقياس على التنبؤ بحدوث ممارسات العنف الجسدي والجنسي بين الشركاء على مدى فترات المتابعة الطولية.
الثبات
تم تقييم الاتساق الداخلي للمقاييس الفرعية للمقياس باستخدام معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) في العينات الأصلية للدراسة، وجاءت النتائج كالتالي:
- مقياس العنف في العلاقات الجنسية: حقق معاملات اتساق داخلي تراوحت بين 0.78 و0.84 للنسختين الخاصة بالإناث والذكور، مما يعكس اتساقاً ممتازاً في قياس أبعاد العدوان والسيطرة.
- مقياس الأدوار الجنسية الخاضعة للهيمنة الذكورية: بلغ معامل ألفا 0.74، وهو مستوى مقبول وموثوق للدراسات المسحية والسيكومترية.
- مقياس توازن القوة: تراوحت معاملات ألفا حول 0.70 إلى 0.73.
- مقياس المعنى والتبادلية: سجل اتساقاً داخلياً بلغ 0.79.
- مقياس الرومانسية المفرطة: حقق معامل ثبات بلغ 0.71.
كما أظهرت الدراسات التتبعية ثباتاً مقبولاً عبر الزمن بطريقة إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) على فترات فاصلة تراوحت بين أسبوعين وأربعة أسابيع مع معاملات ارتباط بيرسون تجاوزت 0.75.
التحليل العاملي
أجريت تحليلات عاملية استكشافية (EFA) متبوعة بتحليلات عاملية توكيدية (CFA) لتحديد البنية التحتية للمقياس:
- استخدم الباحثون التحليل الاستكشافي بطريقة المحاور الرئيسية مع التدوير المائل (Promax Rotation) نظراً للافتراض النظري بوجود ترابط بين الأبعاد المختلفة للمعايير الجندرية.
- أكدت النتائج وجود بنية واضحة متعددة العوامل تفسر نسبة ملموسة من التباين الكلي. تشبعت الفقرات المحددة على عواملها المفترضة بتشبعات عاملية (Factor Loadings) تراوحت غالبها بين 0.45 و0.78، مع انخفاض ملحوظ في التشبعات المتقاطعة (Cross-loadings).
- أكد التحليل العاملي التوكيدي مطابقة البيانات للنموذج النظري متعدد الأبعاد، حيث حققت مؤشرات حسن المطابقة المعايير المقبولة دولياً (CFI > 0.90, RMSEA < 0.06).
أداة القياس
- نوع الاختبار: تقرير ذاتي (Self-Report Instrument) يقيس الاتجاهات والمعايير السلوكية.
- التنسيق: استبانة ورقية أو إلكترونية ذاتية التطبيق، متوفرة أيضاً كأداة للمقابلات المقننة.
- عدد الفقرات: يتألف المقياس الشامل من عدة مقاييس فرعية مترابطة (إجمالي الفقرات يتراوح بين 30 إلى 34 فقرة تغطي الأبعاد الستة، وتتضمن الفقرات المحورية التي تم التحقق من صدقها معيارياً).
- مقياس الاستجابة: يُجاب عن الفقرات باستخدام مقياس متدرج يعكس مدى الموافقة أو التكرار بحسب نوع البعد الفرعي وسياق التطبيق.
- طريقة التصحيح: يتم احتساب متوسط الدرجات لكل مقياس فرعي بصورة مستقلة، حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى تمسك أعلى بالسمة التي يقيسها البعد (سواء كانت المساواة، الهيمنة، التبادلية، أو الرومانسية المفرطة).
- الفقرات المعكوسة: تُصحح بعض الفقرات بصورة عكسية عند دمج المقاييس الفرعية في درجة إجمالية للمعايير التقدمية في مقابل المعايير التقليدية لضمان الاتجاه الإحصائي السليم.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
تم نشر المقياس رسمياً في عام 2006 عبر الدراسة المرجعية التي نشرها فريق البحث في Journal of Urban Health. يُعد المقياس متاحاً للاستخدام الأكاديمي والبحثي العام دون رسوم تجارية (Open Access for Research Purposes)، شريطة الإشارة المرجعية الكاملة للمؤلفين والدراسة الأصلية. وقد أُدرج المقياس أيضاً في المرجع التوثيقي الصادر عن مبادرة أبحاث العنف الجنسي (SVRI) تحت إشراف مايكل فلود (Michael Flood).
المراجع
فيما يلي المراجع العلمية المعتمدة وفقاً لدليل النشر الصادر عن جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition):
- Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). University of California Press.
- Flood, M. (2008). Measures for the assessment of dimensions of violence against women: A compendium. Sexual Violence Research Initiative (SVRI). https://www.svri.org/measures.pdf
- Harrison, A., O’Sullivan, L. F., Hoffman, S., Dolezal, C., & Morrell, R. (2006). Gender role and relationship norms among young adults in South Africa: Measuring the context of masculinity and HIV risk. Journal of Urban Health, 83(4), 709–722. https://doi.org/10.1007/s11524-006-9080-z
- National Center for Biotechnology Information. (2008). Appendix: Gender Role and Relationship Norms Scale. PMC2430491. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2430491/#App1title
- Wingood, G. M., & DiClemente, R. J. (2000). Application of the theory of gender and power to examine HIV-related exposures, risk factors, and effective interventions for women. Health Education & Behavior, 27(5), 539–565. https://doi.org/10.1177/109019810002700502