الملخص
يُعد مقياس مدخلات النظام السياسي (Inputs to the Political System Scale) أداة سيكومترية متخصصة ومصممة لقياس وتقييم طبيعة وحجم ونوعية المدخلات السلوكية والاتجاهية التي يقدمها الأفراد والمجتمعات إلى النظام السياسي. يستند هذا المقياس بصورة جوهرية إلى النظرية العامة للنظم ونموذج التحليل السياسي الذي طوره عالم السياسة ديفيد إيستون (David Easton)، والذي يُنظر فيه إلى الحياة السياسية كنظام مفتوح وديناميكي يتغذى بمدخلات رئيسية تتمثل في المطالب (Demands) والدعم (Support). يتألف المقياس من أبعاد فرعية تقيس: المطالب السياسية (سواء كانت تنظيمية، توزيعية، أو تواصلية)، والدعم السياسي (الدعم المنتشر والدعم المحدد)، والفعالية السياسية المدركة، والاستجابة المدنية. صُممت أداة القياس بصيغة تقرير ذاتي تعتمد على مقياس ليكرت الخماسي أو السباعي، متيحةً تقييماً شاملاً للبنية النفسية-السياسية للمواطنة والمشاركة العامة. أظهرت الدراسات السيكومترية للمقياس مؤشرات صدق بنيوي وصدق تقاربي وتمايزي مرتفعة، إلى جانب معاملات ثبات اتساق داخلي عالية عبر مختلف العينات الوطنية والدولية، مما يجعله أداة بالغة الأهمية في مجالات علم النفس السياسي، وعلم الاجتماع السياسي، ودراسات السياسات العامة والحوكمة الديمقراطية.
الكلمات المفتاحية
مدخلات النظام السياسي، نظرية النظم، ديفيد إيستون، الدعم السياسي، المطالب السياسية، الفعالية السياسية، المشاركة السياسية، علم النفس السياسي، القياس النفسي، السلوك الانتخابي، الثقة السياسية، الشرعية المؤسسية.
المؤلفون
انبثق تطوير مقاييس مدخلات النظام السياسي من التراكم البحثي في علم النفس السياسي وتحليل النظم السياسية المستند إلى نموذج ديفيد إيستون السلوكي، وتطورت أدوات القياس الاستبيانية عبر مساهمات متتالية من باحثين بارزين في السلوك السياسي والقياس النفسي، من بينهم:
- ديفيد إيستون (David Easton): قسم العلوم السياسية، جامعة شيكاغو وجامعة كاليفورنيا في إيرفاين، الولايات المتحدة الأمريكية (المؤسس النظري لنموذج النظم السياسية).
- جاك دينيس (Jack Dennis): قسم العلوم السياسية، جامعة ويسكونسن-ماديسون، الولايات المتحدة الأمريكية (رائد دراسات التنشئة السياسية وقياس الدعم الموجه للنظام السياسي).
- إدوارد مولر (Edward N. Muller): باحث في السلوك السياسي والاضطراب الاجتماعي والمشاركة السياسية الديمقراطية، جامعة أريزونا.
الغرض
يهدف مقياس مدخلات النظام السياسي إلى تفكيك وقياس الروافد النفسية والسلوكية التي يضخها المواطنون في البيئة السياسية، والتي تشكل القوة الدافعة لاستمرار النظام السياسي أو محركاً لتحوله واستقراره. في النظرية الديمقراطية المعاصرة وعلم النفس الاجتماعي، لا يُنظر إلى المواطنين كمجرد متلقين لمخرجات السياسات، بل كصانعي مدخلات نشطين يؤثرون في قدرة النظام على الاستجابة والتكيف.
التطبيقات البحثية والميدانية
يخدم المقياس مجموعة واسعة من الأغراض العلمية والتطبيقية، تشمل:
- تقييم الصحة الديمقراطية: قياس مستوى التوازن بين المطالب المرفوعة إلى النظام والقدرات المؤسسية على الاستيعاب، مما يساعد في التنبؤ بظواهر مثل الاغتراب السياسي والاحتجاج الشعبي.
- أبحاث الثقة والشرعية: فحص مستويات الدعم السياسي المنتشر (Diffuse Support) الموجه للنظام ككل، والدعم المحدد (Specific Support) الموجه للسياسات والقيادات التنفيذية.
- رسم السياسات العامة وتحليل الفجوات: مساعدة صانعي القرار في فهم طبيعة المطالب السياسية التوزيعية والرمزية ذات الأولوية لدى مختلف الفئات المجتمعية، وكيفية ترجمتها إلى مخرجات سياساتية كفؤة.
- الدراسات المقارنة عبر الثقافات: تقييم كيفية تباين مدخلات النظم بين المجتمعات الديمقراطية الراسخة وتلك التي تمر بمراحل انتقال ديمقراطي أو تعاني من هشاشة مؤسسية.
الفجوة العلمية التي يسدها المقياس
قبل بلورة هذه الأدوات القياسية، كانت الدراسات السياسية تميل إلى التركيز إما على السلوك الانتخابي الحصري (التصويت) أو على مخرجات النظم (القوانين والقرارات). سد هذا المقياس فجوة حاسمة من خلال تقديم أداة كمية متكاملة تقيس التفاعل النفسي المستمر، والمدخلات الرمزية والمعيارية والسلوكية، ورصد مشاعر الفعالية والالتزام المدني التي تسبق وتصاحب الفعل السياسي المنظم.
البناء النفسي
يقوم البناء النفسي لمقياس مدخلات النظام السياسي على هيكلية متعددة الأبعاد تعكس المكونات الجوهرية لنموذج النظم، وتتكامل هذه الأبعاد لتقديم صورة شمولية عن علاقة الفرد بالمجال العام:
1. بُعد المطالب السياسية (Political Demands)
يعبر هذا البُعد عن التعبيرات السلوكية واللفظية التي يوجهها الأفراد أو الجماعات إلى السلطات السياسية للمطالبة بإجراء تعديلات، أو اتخاذ قرارات، أو تخصيص موارد معينة. وينقسم هذا البعد بدوره إلى:
- المطالب التوزيعية (Allocative/Distributive Demands): وتتعلق بالخدمات العامة، توزيع الثروة، الرعاية الصحية، التعليم، وفرص العمل.
- المطالب التنظيمية والتشريعية (Regulatory Demands): وتتصل بالقوانين، حماية الحقوق المدنية، العدالة الجنائية، وضبط الأسواق.
- المطالب التواصلية والرمزية (Participatory/Symbolic Demands): الرغبة في تعزيز الشفافية، توسيع فرص المشاركة في اتخاذ القرار، والاعتراف بالهويات المجتمعية.
2. بُعد الدعم السياسي (Political Support)
يمثل الطاقة الإيجابية والموارد المعنوية والمادية التي يمنحها الفرد للنظام السياسي، مما يتيح له العمل حتى في أوقات الأزمات. وفقاً لتأطير إيستون، يتمايز هذا البُعد إلى نوعين رئيسيين:
- الدعم المنتشر (Diffuse Support): ارتباط وجداني عميق وغير مشروط بالنظام السياسي، يشمل الإيمان بشرعية الدستور، والولاء للمجتمع السياسي، والتمسك بالقيم الديمقراطية الأساسية، وهو دعم مستقل عن الرضا عن حكومة معينة.
- الدعم المحدد (Specific Support): رضا مشروط وقصير المدى يستند إلى تقييم الأداء الفعلي للمسؤولين الحكوميين، والقرارات الاقتصادية، والسياسات العامة الراهنة.
3. بُعد الفعالية السياسية (Political Efficacy)
يشكل هذا البُعد المتغير الوسيط الحاسم في تحويل الاتجاهات النفسية إلى مدخلات فعلية. يشمل المقياس:
- الفعالية السياسية الذاتية/الداخلية (Internal Efficacy): إيمان الفرد بقدرته على فهم القضايا السياسية المعقدة والمشاركة بفاعلية في النشاط العام.
- الفعالية السياسية الخارجية (External Efficacy): إدراك الفرد بأن النظام السياسي والمسؤولين يستجيبون بصدق لمطالب واحتياجات المواطنين.
الإطار النظري
يستند المقياس نظرياً إلى نظرية النظم العامة (General Systems Theory) التي صاغها لودفيغ فون بيرتالانفي، والتي نقلها ديفيد إيستون إلى صلب العلوم السياسية في أعماله التأسيسية مثل The Political System (1953) وA Systems Analysis of Political Life (1965). ينظر هذا الإطار إلى الحياة السياسية بوصفها نظاماً سلوكياً منغمساً في بيئة تضم أنظمة اجتماعية واقتصادية وثقافية أخرى.
في هذا النموذج، تستقبل الآليات السياسية تدفقات مستمرة من المدخلات (Inputs)، وتتولى معالجتها عبر ما يُعرف بـ "الصندوق الأسود" (Black Box) لصنع القرار، لتحويلها إلى مخرجات (Outputs) في شكل قوانين وسياسات وتخصيص سلطوي للقيم. تؤدي هذه المخرجات بدورها إلى توليد تغذية راجعة (Feedback Loop) تعيد تغذية النظام بمدخلات جديدة إما على هيئة تجديد للدعم أو تصاعد في وتيرة المطالب.
يتقاطع هذا الأساس النظري أيضاً مع النظرية المعرفية الاجتماعية لألبرت باندورا (Social Cognitive Theory) في تأكيدها على دور التوقعات المعرفية والكفاءة الذاتية المدركة في تشكيل الدافعية نحو السلوك السياسي، كما يتصل بنظرية رأس المال الاجتماعي (Social Capital) لروبرت بوتنام، حيث يُعتبر الانخراط المدني والثقة المتبادلة محركات رئيسية لجودة المدخلات في أي نظام ديمقراطي.
الصدق
خضعت مقاييس مدخلات النظام السياسي لاختبارات تجريبية صارمة للتحقق من خصائصها السيكومترية في بيئات ثقافية وسياسية متعددة:
صدق البناء (Construct Validity)
أكدت الدراسات الميدانية تطابق البنية المفاهيمية المقاسة مع الافتراضات النظرية لإيستون. حيث أظهرت مصفوفات الارتباط أن بعدي الدعم المنتشر والدعم المحدد يرتبطان إيجابياً ولكن بدرجة تمايز تضمن استقلاليتهما البنائية ($r = 0.42$ إلى $0.58$, $p < 0.001$).
الصدق التقاربي والتمايزي (Convergent and Discriminant Validity)
- الصدق التقاربي: ارتبطت درجات بعد الفعالية السياسية والمطالب الإيجابية ارتباطاً دالاً وقوياً بمقاييس المشاركة المدنية، ومعدلات الإقبال على التصويت، والمتابعة الإخبارية للشأن العام ($r > 0.45$).
- الصدق التمايزي: أثبتت التحليلات تمييزاً واضحاً بين السخط السياسي المحدد (عدم الرضا عن سياسة معينة) وبين الاغتراب الجذري أو تقويض شرعية النظام الدستوري (انهيار الدعم المنتشر)، كما تمايز المقياس بوضوح عن سمات الشخصية العامة مثل العصابية والانبساط.
الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
أثبتت النماذج الانحدارية قدرة مقاييس المدخلات على التنبؤ بالسلوك الاحتجاجي غير المؤسسي عند انخفاض الفعالية الخارجية وتصاعد المطالب غير المستجابة ($R^2 = 0.34$, $F = 48.2$, $p < 0.001$).
الثبات
أظهرت التحليلات السيكومترية اتساقاً داخلياً واستقراراً زمنياً متميزين لأداة القياس عبر مختلف الدراسات:
- معامل ألفا كرونباخ (Cronbach's Alpha): تراوحت قيم الاتساق الداخلي للأبعاد الفرعية بين $0.81$ و $0.92$، حيث سجل بُعد الدعم السياسي المنتشر $\alpha = 0.89$، وسجل بُعد الفعالية السياسية $\alpha = 0.86$، بينما سجل بُعد المطالب السياسية $\alpha = 0.83$.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت الفحوصات الطولية على مدار فاصل زمني بلغ 6 أسابيع معاملات ثبات مستقرة للدعم المنتشر بلغت ($r_{tt} = 0.84$)، في حين عكست درجات الدعم المحدد استجابة طبيعية للتقلبات السياسية الآنية ($r_{tt} = 0.68$).
- معامل ماكدونالد أوميغا (McDonald's Omega): تراوحت قيم $\omega$ المركبة بين $0.84$ و $0.93$ عبر العينات الكلية، مؤكدة تجانس البنود داخل كل عامل.
التحليل العاملي
تم إخضاع المقياس لسلسلة من تحليلات العوامل الاستكشافية (EFA) والتوكيدية (CFA) لتحديد البنية العاملية المثلى:
التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
كشف التحليل باستخدام طريقة المحاور الرئيسية مع التدوير المائل (Promax Rotation) عن تشبع البنود على ثلاثة عوامل كبرى تفسر مجتمعة ما يزيد عن $62.4%$ من التباين الكلي. تشبعت بنود الدعم المؤسسي على العامل الأول بحمولات تراوحت بين $0.61$ و $0.84$، في حين تشبعت بنود الفعالية السياسية والمطالب النشطة على العاملين الثاني والثالث بحمولات فاقت $0.55$.
التحليل العاملي التوكيدي (CFA)
أكدت نماذج معادلات البناء الهيكلي (SEM) جودة ملاءمة النموذج ثلاثي/رباعي الأبعاد للبيانات التجريبية، وحققت المؤشرات المعايير السيكومترية القياسية التالية:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) = $0.962$
- مؤشر تاكر-لويس (TLI) = $0.954$
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) = $0.043$ ($90% \text{ CI } [0.036, 0.051]$)
- جذر متوسط مربع البواقي القياسي (SRMR) = $0.038$
- نسبة مربع كاي إلى درجات الحرية ($\chi^2/df$) = $1.87$
أداة القياس
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-report Inventory) يقيس الاتجاهات والسلوكيات المدخلة إلى النظام السياسي.
- الصيغة والتطبيق: ورقي، رقمي محوسب عبر الإنترنت، أو من خلال المقابلات الاستقصائية الميدانية.
- عدد الفقرات: يتراوح عموماً بين 15 إلى 25 بنداً في الصيغ المعيارية المعتمدة للبحوث الاستقصائية.
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت من 5 أو 7 درجات (يتراوح من 1 = "أعارض بشدة" إلى 5 أو 7 = "أوافق بشدة").
- قواعد التصحيح: تُحسب الدرجات لكل بُعد فرعي بصورة منفصلة، ويتم عكس درجات الفقرات ذات الصياغة السلبية قبل استخراج المتوسطات الحسابية والمجموع الإجمالي.
- الفئات المستهدفة: المواطنون والبالغون في سن الاقتراع (18 عاماً فما فوق)، مع إمكانية تكييفه لطلاب المدارس الثانوية والجامعات لأغراض دراسة التنشئة السياسية.
- زمن التطبيق: يتراوح بين 10 إلى 15 دقيقة تقريباً.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة التأسيس والتطوير: 1965–1975 (مرحلة التأصيل النظري والتطبيقي)، مع تحديثات قياسية مستمرة في المسوح السياسية المعاصرة.
- حقوق الاستخدام والتراخيص: تقع معظم الصيغ البحثية للمقياس ضمن الملكية الأكاديمية العامة للأغراض غير التجارية والبحث العلمي والتعليمي، مع الإلزام بالإشارة المرجعية للمؤلفين والمصادر الأصلية.
- طريقة الحصول على الأداة: متاحة عبر المجلات الأكاديمية المتخصصة في علم النفس السياسي والعلوم السياسية، ومستودعات بيانات المسوح العالمية مثل World Values Survey و Comparative Study of Electoral Systems.
المراجع
- Easton, D. (1953). The Political System: An Inquiry into the State of Political Science. Alfred A. Knopf.
- Easton, D. (1965). A Systems Analysis of Political Life. John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/bs.3830110207
- Easton, D. (1975). A re-assessment of the concept of political support. British Journal of Political Science, 5(4), 435–457. https://doi.org/10.1017/S000712340000832X
- Dennis, J. (1970). Support for the institution of elections by the mass public. American Political Science Review, 64(3), 819–835. https://doi.org/10.2307/1955462
- Muller, E. N. (1970). Correlates and consequences of beliefs in political efficacy. Midwest Journal of Political Science, 14(3), 392–412. https://doi.org/10.2307/2110287
- Niemi, R. G., Craig, S. C., & Mattei, F. (1991). Measuring internal and external political efficacy: A confirmation with cross-national evidence. The Journal of Politics, 53(4), 1407–1413. https://doi.org/10.2307/2131873
- Norris, P. (Ed.). (1999). Critical Citizens: Global Support for Democratic Governance. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/0198295685.001.0001
فقرات المقياس
1. Participate in a political party between elections as well as at election time
2. Keep informed about politics
3. Vote in elections
4. Send messages of support to political leaders when they are doing well
5. Send protest messages to political leaders when they are doing badly
6. Protest both vigorously and publicly if the government does something that is morally wrong
7. Join in public street demonstrations
8. Riot if necessary to get public officials to correct political wrongs
9. Take an active part in political campaigns
10. Engage in political discussion
11. Teach my children the importance of give and take in the democratic way of life
12. Pay all taxes
13. Be a candidate for public office
14. Inform others in my community about politics
15. Teach my children to Participate in politics beyond voting
16. Have undivided loyalty and love for my country
17. Question the legitimacy of regulations issued by authorities before obeying them
18. Personally see to it that my children understand and accept the responsibilities of citizenship
19. Join and support a political party
20. Be a calming and informing influence in my own community
21. Actively support community organizations
22. Providing stability in society even if it means slowing down the role of progress
23. Make it possible for a person with the means to live where he wishes to live.