الملخص
يُعد مقياس لندن للإعاقة (London Handicap Scale – LHS) أحد أبرز الأدوات السيكومترية والقياسية الموجهة لتقييم عواقب وتداعيات الأمراض المزمنة والتنكسية والحادة على مستوى المشاركة الاجتماعية والاستقلالية الفردية ونوعية الحياة. طُوِّر المقياس أساساً على يد الباحثين روان إتش. هاروود (Rowan H. Harwood) وشاه إبراهيم (Shah Ebrahim) في عام 1995 في المملكة المتحدة، استناداً إلى نموذج منظمة الصحة العالمية للتصنيف الدولي للاعتلال والعجز والإعاقة (ICIDH)، والذي تطور لاحقاً إلى التصنيف الدولي لتأدية الوظائف والعجز والصحة (ICF). يتألف المقياس من 6 أبعاد رئيسية تقيس مجالات التفاوت والإجحاف الوظيفي والاجتماعي وهي: التنقل (Mobility)، الاستقلال الجسدي والعناية بالذات (Physical Independence)، والنشاط المهني والترفيهي (Occupation)، والاندماج الاجتماعي (Social Integration)، والتوجه والوعي بالمحيط (Orientation)، والاكتفاء المالي والاقتصادي (Economic Self-Sufficiency).
تتضمن أداة القياس ست فقرات رئيسية؛ تُمثّل كل فقرة بعداً من هذه الأبعاد الستة، وتُقاس كل فقرة من خلال مقياس استجابة وصفي يشتمل على ستة مستويات رتبية تتدرج من المستوى 1 (انعدام العجز أو التمتع بالقدرة الكاملة) إلى المستوى 6 (العجز الأقصى والاعتمادية التامة). لا يعتمد استخراج الدرجة الكلية على مجرد جمع درجات المستويات حسابياً، بل يتم تطبيق أوزان فائدة متعددة السمات (Multi-attribute utility weights) تم استخلاصها عبر دراسات تقييم تفضيلات المجتمع، لتمنح في النهاية درجة مركبة لنفعية الصحة (Utility score) تتراوح بين 0.0 (حالة تعادل الوفاة أو العجز المطلق) و1.0 (الخلو التام من الإعاقة والتكامل الوظيفي الأمثل).
أظهرت الدراسات السيكومترية المعيارية تمتع مقياس لندن للإعاقة بخصائص قياسية متينة؛ حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) عبر مختلف البيئات السريرية بين 0.70 و0.88، وسجل ثبات إعادة الاختبار ارتباطاً قوياً عبر الزمن (ICC > 0.80). كما أثبتت الدراسات صدق البناء، والصدق التلازمي والتقاربي عبر ارتباطه الوثيق بمقاييس الأنشطة الحياتية اليومية مثل مؤشر بارثل ومقاييس جودة الحياة الصحية العامة مثل استبيان المسح الصحي القصير (SF-36) ومقياس (EuroQol EQ-5D). يُستخدم المقياس اليوم على نطاق واسع في رعاية المسنين، وإعادة التأهيل العصبي ومرضى السكتة الدماغية والتهاب المفاصل والأمراض الرئوية، مما يجعله أداة سريرية واقتصادية صحية بالغة الأهمية في تقييم التدخلات العلاجية ومخرجات الرعاية التأهيلية.
الكلمات المفتاحية
مقياس لندن للإعاقة، القياس النفسي، العجز الوظيفي، المشاركة الاجتماعية، منظمة الصحة العالمية، التصنيف الدولي للوظائف، جودة الحياة، الأوزان النفعية، إعادة التأهيل، الأمراض المزمنة، السكتة الدماغية، الاستقلالية الذاتية.
المؤلفون
قام بتطوير النسخة الأصلية من مقياس لندن للإعاقة (London Handicap Scale – LHS):
- البروفيسور روان إتش. هاروود (Rowan H. Harwood): أستاذ طب الشيخوخة والبحوث الإكلينيكية، كلية الطب والعلوم الصحية، جامعة نوتنغهام (University of Nottingham)، ومستشفيات جامعة نوتنغهام التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS Trust)، المملكة المتحدة.
- البروفيسور شاه إبراهيم (Shah Ebrahim): أستاذ علم الأوبئة السريرية والصحة العامة، قسم علم الأوبئة وصحة السكان، مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة (London School of Hygiene & Tropical Medicine)، جامعة لندن، المملكة المتحدة.
كما ساهمت فرق بحثية دولية متعددة في تقنين وتكييف المقياس لغوياً وثقافياً؛ ومن أبرزها النسخة الهولندية المعتمدة التي قادها الباحث كارين غروتهويس-أودشورن (C. G. M. Groothuis-Oudshoorn) وزملاؤه (2015) في جامعة تفينتي (University of Twente) في هولندا.
الغرض
صُمم مقياس لندن للإعاقة لمعالجة فجوة جوهرية كانت قائمة في القياسات السريرية التقليدية؛ حيث كانت معظم أدوات القياس تركز إما على مستوى “الخلل العضوي” (Impairment) كقياس القوة العضلية أو النطاق الحركي للمفاصل، أو على مستوى “العجز الحركي/القصور في الأنشطة اليومية” (Disability/Activity Limitation) مثل القدرة على ارتداء الملابس أو المشي لمسافة محددة، متجاهلة النتيجة النهائية والاجتماعية المترتبة على تلك الحالات، وهي ما كان يُعرَّف اصطلاحاً في أدبيات منظمة الصحة العالمية بـ “الإعاقة أو الحرمان المجتمعي” (Handicap/Disadvantage).
يتمثل الغرض الأساسي للمقياس في قياس مدى الإجحاف أو الحرمان الذي يعيشه الفرد نتيجة المرض أو القصور، وذلك عندما يفشل في تحقيق الأدوار الحياتية المتوقعة منه بيولوجياً واجتماعياً وثقافياً مقارنة بأقرانه. ويوفر المقياس وسيلة كمية لتقييم الاحتياجات التأهيلية، ورصد التدهور الوظيفي لدى مرضى الأمراض المزمنة والمتعددة والتنكسية (مثل التصلب اللويحي، وداء باركنسون، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والقصور القلبي، ومرض الانسداد الرئوي المزمن، والسكتات الدماغية).
يمتد الاستخدام العملي للمقياس إلى مجالات متعددة:
- الممارسة الإكلينيكية وإعادة التأهيل: تقييم تأثير البرامج التأهيلية متعددة التخصصات على استعادة المريض لأدواره الاجتماعية وتحديد الأولويات العلاجية التي تهم المريض بصفته إنساناً متكاملاً في مجتمعه وليس مجرد حالة فسيولوجية معتلة.
- علم الأوبئة ومسوحات الصحة العامة: تحديد معدلات انتشار العجز المجتمعي بين كبار السن وفي الفئات السكانية الهشة، مما يدعم التخطيط الصحي المبني على البراهين.
- التقييم الاقتصادي الصحي وتحليل التكلفة مقابل المنفعة: نظراً لأن المقياس يوفر قيماً رقمية نفعية مقننة مجتمعياً تتراوح من 0 إلى 1، فإنه يُستخدم بصورة مباشرة لحساب سنوات العمر المعدلة بجودة الحياة (QALYs)، مما يجعله أداة لا غنى عنها في أبحاث الاقتصاد الصحي لتقييم الجدوى النسبية للتدخلات الطبية والجراحية والوقائية.
البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي لمقياس لندن للإعاقة على التصور الشامل لمفهوم “العجز المجتمعي/الحرمان” (Handicap) بوصفه ظاهرة علائقية تنشأ من التفاعل الديناميكي بين اعتلال وظائف الفرد الجسدية والمعرفية من جهة، والبيئة الثقافية والاجتماعية والفيزيقية التي يعيش فيها من جهة أخرى. يتكون المقياس من ستة أبعاد أساسية تغطي كافة مناحي الوجود الإنساني النشط:
1. التنقل (Mobility)
يقيس هذا البناء قدرة الفرد على التحرك الفعال وتغيير موضعه المكاني والوصول إلى كافة الأماكن الحيوية التي يرغب في التردد عليها في مجتمعه. لا يقتصر هذا البعد على مجرد الحركة الميكانيكية للساقين، بل يركز على القدرة على مغادرة المنزل، واستخدام وسائل النقل العام أو قيادة السيارة، والاندماج في الفضاء الخارجي. يتدرج البعد من الاستقلالية المطلقة في الوصول إلى كل مكان دون عناء، مروراً بالحاجة إلى أدوات مساعدة، والتقيد بالمنزل ومحيطه المباشر، وصولاً إلى الارتهان الكامل للسرير أو الكرسي المتحرك.
2. الاستقلال الجسدي (Physical Independence)
يختص هذا البعد بمدى قدرة الفرد على العناية الذاتية وتلبية احتياجاته الفسيولوجية الأساسية من تغذية ونظافة شخصية ودخول دورة المياه وارتداء الملابس دون الاستعانة بالغير. يعكس البناء النفسي هنا فقدان الاعتماد على النفس والشعور بالتبعية للآخرين، متدرجاً من الاكتفاء الذاتي الكامل، إلى الصعوبة المعتدلة، فالحاجة لمساعدة طفيفة أو متوسطة، حتى الوصول إلى العجز التام والاعتماد المطلق على مقدمي الرعاية في كل متطلب حياتي.
3. النشاط والعمل وأوقات الفراغ (Occupation)
يُعبر هذا البناء عن قدرة الفرد على الانخراط في أنشطة ذات مغزى تشغل وقته، وتشمل العمل المأجور، وإدارة شؤون المنزل، والتعليم، وتربية الأبناء، والأنشطة الترفيهية والتطوعية. يتأثر هذا البعد بالقدرات الذهنية والجسدية على حد سواء؛ حيث يمثل التخلي عن العمل أو فقدان القدرة على ممارسة الهوايات والرياضة درجة متقدمة من الحرمان الحياتي، وتصل ذروة الخلل في هذا البناء عندما يعجز الفرد عن القيام بأي نشاط أياً كان، مما يُولد شعوراً بالخواء والعبثية.
4. الاندماج الاجتماعي (Social Integration)
يقيس هذا البناء جودة وعمق شبكة العلاقات الاجتماعية والتواصل البشري؛ إذ يتناول مدى قدرة المريض على الحفاظ على علاقاته الأسرية والصداقات والمشاركة في المناسبات والمجتمعات المحلية. يتدرج من التفاعل الطبيعي الصحي دون صعوبات، إلى مواجهة بعض الاضطرابات مع بقاء شبكة الدعم، ثم فقدان الاتصال بالأصدقاء والعائلة، وصولاً إلى العزلة الاجتماعية التامة واقتصار التواصل البشري على مقدمي الرعاية الصحية أو التمريضية فحسب.
5. التوجه والوعي بالمحيط (Orientation)
يتناول هذا البناء الوظائف المعرفية والإدراكية والتوجيه الزماني والمكاني والبيئي؛ أي قدرة الفرد على استيعاب ما يدور حوله والتكيف مع المواقف والأماكن المألوفة وغير المألوفة. تتجلى الاضطرابات في هذا البعد عبر التردد والارتباك الإدراكي عند الانتقال إلى بيئات جديدة، ثم تمتد الصعوبات لتشمل عدم إدراك المواقف المألوفة، وتفاقم التوهان الزماني والمكاني، لتنتهي بحالة التشوش الكامل وانعدام الوعي بالمحيط الخارجي.
6. الاكتفاء الذاتي المالي والاقتصادي (Economic Self-Sufficiency)
يركز هذا البعد على الملاءة المالية وقدرة الفرد على تدبير موارده المادية ومواجهة أعباء الحياة وتكاليف العلاج بصورة مستقله. يمثل الحرمان الاقتصادي الناتج عن فقدان الدخل أو زيادة تكاليف الرعاية الصحية ضغطاً نفسياً واجتماعياً حرجاً. يتدرج المقياس من انعدام القلق المالي والقدرة على توفير الاحتياجات الأساسية والكمالية، إلى امتلاك ما يكفي بالكاد، مروراً بالحذر المالي الشديد والمضائق المالية، وصولاً إلى الإفلاس التام والاعتماد المالي الكلي على الإعانات أو الآخرين.
الإطار النظري
تأسس مقياس لندن للإعاقة استناداً إلى المنظومة المفاهيمية الرائدة التي وضعتها منظمة الصحة العالمية في وثيقتها المعيارية لعام 1980 المعروفة باسم التصنيف الدولي للاعتلال والعجز والإعاقة (International Classification of Impairments, Disabilities, and Handicaps – ICIDH). كان عالم الاجتماع الطبي البريطاني فيليب وود (Philip Wood) هو المهندس الرئيسي لهذا النموذج النظري، حيث ميز بدقة بين ثلاث مستويات متراتبة لعواقب المرض:
- الاعتلال (Impairment): ويمثل الخسارة أو الشذوذ على المستوى العضوي أو التشريحي أو النفسي (مثل فقدان أحد الأطراف، أو تضرر العصب البصري).
- العجز (Disability): ويشير إلى أي قيد أو فقدان في القدرة على أداء نشاط معين بالطريقة أو ضمن النطاق المعتبر طبيعياً للإنسان (مثل صعوبة المشي، أو العجز عن ارتداء الملابس).
- الحرمان / الإعاقة (Handicap): وهو الإجحاف الاجتماعي الناجم عن الاعتلال أو العجز، والذي يحد من أو يمنع الفرد من أداء أدواره الطبيعية في الحياة مقارنة بأقرانه ذوي العمر والجنس والخلفية الاجتماعية المماثلة.
اعتمد هاروود وإبراهيم (1995) على هذه الركيزة النظرية لصياغة مقياس يبتعد عن المنظور البيوطبي الضيق، ويتبنى المنظور الاجتماعي الإنساني. ركز الباحثان على أن “الإعاقة” ليست سمة لصيقة بالفرد، بل هي تعبير عن تفاعل المريض مع المعايير والقيم والتجهيزات المجتمعية؛ فالشخص المقعد قد لا يعاني من إعاقة حركية مجتمعية إذا كانت البيئة مهيأة بالكامل ووسائل النقل مجهزة ومؤسسات العمل خالية من الحواجز المعمارية. وبذلك مثّل المقياس تجسيداً عملياً للانتقال من النموذج الطبي المحض إلى النموذج النفسي-الاجتماعي المتكامل.
علاوة على ذلك، استلهم المقياس أسسه الإبستمولوجية من نظرية المنفعة متعددة السمات (Multi-Attribute Utility Theory – MAUT) المنبثقة من مجال اقتصاد القياس ونظرية القرار الرياضي؛ حيث أدرك واضعو المقياس أن الأبعاد الستة للإعاقة لا تحمل نفس الأهمية النسبية في حياة الإنسان العادي؛ ففقدان الاستقلال الجسدي أو التدهور المعرفي الحاد قد يمثل عبئاً أثقل في المنظور الإنساني والمجتمعي مقارنة ببعض القيود الاقتصادية أو الترفيهية المحدودة. وبناءً على ذلك، تم إخضاع المقياس لمنهجية التجريب السيكوفيزيقي لوزن استجابات العينات السكانية، وصياغة نموذج نفعي يحدد بدقة التفضيلات القيمية للمجتمع حيال الحالات الصحية المختلفة.
الصدق
خضع مقياس لندن للإعاقة لسلسلة مكثفة من دراسات التحقق من الصدق المنهجي في بيئات سريرية وبحثية متنوعة، وتؤكد الأدبيات المنشورة تمتعه بدرجات استثنائية من الصدق عبر مؤشراته المختلفة:
صدق المحتوى والظاهري (Content and Face Validity)
تم استقاء أبعاد المقياس مباشرة من التصنيف المعتمد لمنظمة الصحة العالمية، وخضعت مسوداته لمراجعات دقيقة من قِبل لجان متعددة التخصصات تضم أطباء الشيخوخة، وأخصائيي العلاج الوظيفي، وعلماء النفس الإكلينيكيين، ومجموعات تمثل المرضى وذويهم. وقد أجمعت اللجان على أن الفقرات الست تغطي بصفة جامعة مانعة كافة أبعاد التفاعل الإنساني والاجتماعي الممكن تأثرها بالمرض.
الصدق التقاربي والتلازمي (Convergent and Concurrent Validity)
أظهرت دراسات التحقق ارتباطات إحصائية دالة بين درجات مقياس لندن للإعاقة ومقاييس الأنشطة الحياتية وجودة الحياة المقررة:
- سجل المقياس ارتباطاً إيجابياً قوياً مع مؤشر بارثل (Barthel Index) لاستقلالية الأنشطة اليومية، حيث تراوحت معاملات ارتباط سبيرمان بين ($r = 0.65$) و($r = 0.81$) لدى مرضى السكتة الدماغية والمسنين في المستشفيات التأهيلية.
- أظهرت المقارنة مع أبعاد الاستبيان الصحي (SF-36) وجود ارتباطات تقاربية نوعية؛ حيث ارتبط بعد “النشاط والعمل” في مقياس لندن ارتباطاً وثيقاً مع بعد “الأداء البدني” في SF-36 بمعدل ($r = 0.72$)، وارتبط بعد “الاندماج الاجتماعي” في مقياس لندن مع بعد “الأداء الاجتماعي” بمعدل ($r = 0.68$).
- في الدراسات المقارنة مع مقياس EQ-5D، بلغ معامل الارتباط التلازمي الإجمالي درجات تجاوزت ($r = 0.70$)، مما يؤكد قدرة المقياس على رصد المنفعة الصحية العامة.
الصدق التمايزي (Discriminant / Known-Groups Validity)
أثبت المقياس قدرة فائقة على التمييز بدقة إحصائية عالية ($p < 0.001$) بين المجموعات المرضية المختلفة وفقاً لشدة المرض ومكان الإقامة؛ حيث سجل المقيمون في دور الرعاية التمريضية درجات نفعية متدنية بصورة ملحوظة مقارنة بالمرضى الذين يعيشون في منازلهم بصفة مستقلة، كما نجح المقياس في التمييز بدقة بين مرضى السكتة الدماغية الطفيفة والمتوسطة والشديدة استناداً إلى مقياس العجز العصبي الأولي.
الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
أشارت الدراسات التتبعية إلى أن الدرجة المركبة لمقياس لندن للإعاقة عند خروج المريض من المستشفى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعدلات إعادة التنويم خلال ستة أشهر، والحاجة إلى دعم تمريضي طويل الأمد، فضلاً عن قدرتها على التنبؤ بمعدلات الوفيات لدى مرضى الأمراض المزمنة المتقدمة على مدار فترات متابعة امتدت من سنة إلى خمس سنوات.
الثبات
حظي المقياس بفحوصات سيكومترية دقيقة لتقييم ثباته عبر مختلف المجموعات السكانية واللغات:
الاتساق الداخلي (Internal Consistency)
نظراً لأن المقياس يتكون من 6 أبعاد مستقلة نوعياً تمثل سمات متباينة للأداء البشري، فإن الاتساق الداخلي يُتوقع أن يكون متوازناً دون تضخم مصطنع. وقد أظهرت الدراسات المعيارية:
- سجل معامل ألفا كرونباخ (Cronbach's alpha) للمقياس ككل قيماً تراوحت بين 0.72 و0.86 في العينات السريرية للمرضى المسنين ومرضى الجلطات الدماغية، مما يدل على اتساق بنيوي ممتاز دون وجود فقرات زائدة أو مكررة.
- في دراسات التحقق الهولندية (Groothuis-Oudshoorn et al., 2015)، استقر معامل ألفا حول 0.81 لدى مرضى الأمراض المفصلية والرئوية المزمنة.
ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability)
أظهرت دراسات إعادة تطبيق الاختبار في فترات زمنية فاصلة تراوحت بين أسبوع إلى أسبوعين (في حالات الاستقرار الإكلينيكي التام) استقراراً قياسياً عالياً:
- تراوحت معاملات الارتباط داخل الفئات (Intraclass Correlation Coefficients – ICC) للدرجة الإجمالية للمقياس بين 0.82 و0.93.
- أظهرت الأبعاد الفردية ثباتاً ممتازاً باستخدام معامل كابا الموزون (Weighted Kappa)؛ حيث سجل بعد “التنقل” كابا تراوح بين 0.80 و0.88، وبعد “الاستقلال الجسدي” بين 0.78 و0.85، بينما تراوحت الأبعاد الأكثر ذاتية كـ “الاندماج الاجتماعي” و”الاكتفاء المالي” بين 0.65 و0.75، وهي نسب مقبولة للغاية وتدل على موثوقية الأداة.
التوافق بين الفاحصين (Inter-Rater Reliability)
عند استخدام المقياس في المقابلات المقننة السريرية بواسطة فاحصين مختلفين (مثل الطبيب وأخصائي العلاج الطبيعي)، سجل التوافق بين المقيمين معاملات ارتباط داخل الفئات بلغت ($ICC = 0.85$ إلى $0.91$)، مما يعكس متانة الدلائل الإرشادية ووضوح صياغة المستويات الوصفية لكل بعد.
التحليل العاملي
أُجريت عدة دراسات لقياس البنية العاملية لمقياس لندن للإعاقة بواسطة التحليل العاملي الاستكشفي (EFA) والتحليل العاملي التأكيدي (CFA):
التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis)
كشفت الدراسات الاستكشافية الأصلية التي أجراها هاروود وزملاؤه عن بنية ثنائية العامل كامنة تفسر ما يزيد عن 65% إلى 72% من التباين الكلي في البيانات:
- العامل الأول (العجز الجسدي / المادي – Physical/Material Handicap): ويضم الأبعاد الثلاثة الأولى بصفة أساسية: التنقل (بتشبع > 0.80)، والاستقلال الجسدي (بتشبع > 0.85)، والنشاط والعمل (بتشبع > 0.70)، مع ارتباط جزئي بالبعد الاقتصادي.
- العامل الثاني (العجز الاجتماعي / النفسي-المعرفي – Social/Cognitive Handicap): ويضم أبعاد الاندماج الاجتماعي (بتشبع > 0.75)، والتوجه والوعي بالمحيط (بتشبع > 0.78)، والاكتفاء المالي والاقتصادي (بتشبع > 0.55).
على الرغم من انبثاق هذين العاملين في بعض العينات، إلا أن التحليل أظهر أيضاً وجود عامل عام مهيمن من الدرجة الثانية (General Handicap Factor) يفسر التباين المشترك، مما برر للمؤلفين اعتماد نموذج أحادي البعد لحساب الدرجة الكلية المركبة لنفعية الصحة.
التحليل العاملي التأكيدي (Confirmatory Factor Analysis)
أكدت دراسات النمذجة بالمعادلات البنائية (SEM) أن النموذج أحادي البعد الذي تُشتق منه درجة مركبة نفعية يتمتع بمؤشرات مطابقة ممتازة عند إجراء تعديلات طفيفة على أخطاء القياس المشتركة بين بعدي التنقل والاستقلال الجسدي؛ حيث سجلت المؤشرات القيم التالية في العينات الكبيرة:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) > 0.94.
- مؤشر تكر-لويس (TLI) > 0.92.
- جذر متوسط مربع خطأ الاقتراب (RMSEA) < 0.06 (بفاصل ثقة 90%: 0.04 – 0.08).
- مؤشر الجذر المعياري لمتوسط مربعات البواقي (SRMR) < 0.05.
تثبت هذه النتائج الصرامة السيكومترية للمقياس؛ حيث تدل التشبعات العاملية المرتفعة لكل بعد على العامل المشترك العام (والتي تتراوح جميعها بين 0.58 و0.86) على أن الأداة تقيس مفهوماً متماسكاً يجمع كافة وجوه الحرمان المترتب على المرض.
أداة القياس
تتميز أداة مقياس لندن للإعاقة بمواصفات تقنية وإجرائية واضحة ومقننة:
- نوع الاختبار: استبيان تقرير ذاتي (Self-report questionnaire) يمكن تعبئته بواسطة المريض نفسه، أو عن طريق مقابلة شبه مقننة، أو عبر وكيل/مرافق (Proxy) في حالات التدهور الإدراكي الشديد.
- التنسيق: ورقي مطبوع، أو رقمي محوسب، يسهل ملؤه في فترة زمنية قصيرة تتراوح بين 3 إلى 5 دقائق فقط.
- عدد الفقرات: يتكون المقياس من 6 فقرات رئيسية، تمثل كل فقرة منها بعداً قائماً بذاته (التنقل، الاستقلال الجسدي، النشاط والعمل، الاندماج الاجتماعي، التوجه والوعي، الاكتفاء الاقتصادي).
- مقياس الاستجابة: تشتمل كل فقرة من الفقرات الست على ستة مستويات استجابة فئوية وصفية متدرجة بدقة من (المستوى 1 = لا يوجد حرمان/القدرة التامة) إلى (المستوى 6 = الحرمان الأقصى/العجز التام).
- طريقة التصحيح وحساب الدرجات: لا يتم جمع رتب المستويات بصورة خطية بسيطة (1-6)؛ بل تُعالج الاستجابات بتطبيق “أوزان المنفعة متعددة السمات” (Multi-Attribute Utility Weights) المشتقة من تقييمات سكانية معيارية مدروسة. تُمنح استجابة المريض على كل بعد وزناً محدداً يطرح من القيمة العظمى، وتُجمع أوزان الأبعاد الستة لتنتج درجة واحدة مركبة لنفعية الصحة (Handicap Utility Score) تتراوح بين:
- 1.0: تمثل الحالة الصحية المثالية الخالية تماماً من الإعاقة والتفاوت المجتمعي.
- 0.0: تمثل حالة الإعاقة القصوى المطلقة (المكافئة للوفاة في نماذج الاقتصاد الصحي).
- الفقرات المعكوسة: لا توجد فقرات معكوسة الصياغة بالمعنى التقليدي لمقاييس ليكرت؛ حيث تتجه كافة الفقرات بطريقة منتظمة ومنسقة من الكفاءة الكاملة (المستوى 1) إلى العجز التام (المستوى 6).
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة الصدور الأولى: نُشر المقياس رسمياً في صورته الأصلية المعتمدة في عام 1995 من قِبل الباحثين روان إتش. هاروود وشاه إبراهيم. كما نُشرت النسخة الهولندية المحدثة في عام 2015.
- حقوق الملكية الفكرية والأذونات: طُوِّر مقياس لندن للإعاقة كأداة بحثية وسريرية أكاديمية لدعم ممارسات طب المجتمع وإعادة التأهيل. المقياس متاح للاستخدام المجاني غير التجاري في الأبحاث العلمية والممارسات الطبية السريرية دون الحاجة لدفع رسوم اشتراك، شريطة الالتزام بالاقتباس الأكاديمي الصحيح للأوراق الأصلية للمؤلفين، واستخدام جداول الأوزان النفعية الرسمية المعتمدة.
- الاستخدام التجاري: في حالات التجارب الدوائية التي ترعاها شركات الأدوية التجارية أو التطبيقات الرقمية الربحية، يتعين الحصول على إذن خطي مسبق من المؤلفين أو من الجهات الأكاديمية المالكة لحقوق النشر المعيارية.
المراجع
- Groothuis-Oudshoorn, C. G. M., Harwood, R. H., & van der Palen, J. (2015). Psychometric evaluation of the Dutch version of the London Handicap Scale. Health and Quality of Life Outcomes, 13, Article 105. https://doi.org/10.1186/s12955-015-0302-8
- Harwood, R. H., & Ebrahim, S. (1995). The London Handicap Scale: A new measure of handicap in the elderly. Quality of Life Research, 4(5), 416–417.
- Harwood, R. H., Rogers, A., Dickinson, E., & Ebrahim, S. (1994). Measuring handicap: The London Handicap Scale, a new outcome measure for clinical trials. Clinical Rehabilitation, 8(3), 207–216. https://doi.org/10.1177/026921559400800304
- Harwood, R. H., Gompertz, P., & Ebrahim, S. (1994). Handicap one year after a stroke: Validity of a new scale. Journal of Neurology, Neurosurgery & Psychiatry, 57(7), 825–829. https://doi.org/10.1136/jnnp.57.7.825
- Jenkins, C. R., & Harwood, R. H. (2002). The measurement of handicap in chronic obstructive pulmonary disease using the London Handicap Scale. Respiratory Medicine, 96(8), 587–592. https://doi.org/10.1053/rmed.2002.1322
- World Health Organization. (1980). International Classification of Impairments, Disabilities, and Handicaps: A manual of classification relating to the consequences of disease. World Health Organization.
- World Health Organization. (2001). International Classification of Functioning, Disability and Health: ICF. World Health Organization.