الملخص
يُعد مقياس المادية (Materialism Measure) الذي طورته الباحثة مارشا ريتشينز (Marsha L. Richins) عام 1987 أحد المعالم التأسيسية البارزة في حقل علم نفس المستهلك والقياس النفسي للقيم الاستهلاكية. تم تصميم المقياس في الأصل لاستكشاف التفاعل المعقد بين التعرض لوسائل الإعلام، والتطلعات الاستهلاكية الفردية، وتبني المادية كتوجه قيمي ووجداني. يُقاس البناء النفسي بوصفه نزعة أحادية البعد تعكس الاعتقاد الجازم بأن امتلاك الثروة والمقتنيات المادية يمثل محوراً جوهرياً للرضا عن الحياة، ومحدداً رئيساً لتعريف الذات والنجاح الاجتماعي.
يتألف المقياس في نسخته الأصلية من مجموعة فقرات (7 فقرات في دراسة 1987، إلى جانب صيغ تجريبية موسعة) تُجاب عبر سلم ليكرت متدرج. تغطي الفقرات معتقدات الأفراد حول أهمية امتلاك الأشياء الفاخرة، والدور الحاسم للمقتنيات في تحقيق السعادة الشخصية، واستخدام السلع المادية كمؤشرات دالة على المكانة الاجتماعية والتفوق الشخصي. يتمتع المقياس بخصائص سيكومترية متينة؛ حيث تتراوح معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) بين 0.73 و0.85 عبر عينات متنوعة من طلاب الجامعات والبالغين، مع دلائل صدق تقاربي وتمايزي قوية مع مقاييس الرضا عن الحياة والتعرض الإعلاني والاغتراب الاجتماعي.
تكمن الأهمية التاريخية والمنهجية لهذا المقياس في كونه النواة التأسيسية التي مهدت لظهور مقياس القيم المادية الأشهر (Material Values Scale – MVS) الذي طورته ريتشينز وداوسون عام 1992، وصيغه المختصرة اللاحقة عام 2004. وقد أظهرت التحليلات العاملية المقارنة أن مقياس عام 1987 يُشبع بوزن عالٍ على بعدي السعادة والنجاح، مما يجعله الأداة المثالية للباحثين الساعين لقياس التوقعات الوجدانية والتقييمية للمادية دون إثقال المفحوصين ببطاريات اختبار طويلة.
الكلمات المفتاحية
مقياس المادية، مارشا ريتشينز، القيم المادية، علم نفس المستهلك، السلوك الاستهلاكي، التطلعات المادية، السعادة والرفاه الذاتي، المقارنة الاجتماعية، نظرية الغرس الثقافي، القياس النفسي.
المؤلفون
تم تطوير هذا المقياس بواسطة الدكتورة مارشا ل. ريتشينز (Marsha L. Richins)، أستاذة التسويق الفخرية والباحثة المرموقة في السلوك الاستهلاكي وعلم النفس الاقتصادي في جامعة ميسوري (University of Missouri)، والولايات المتحدة الأمريكية (وكانت تتبع حين نشر الدراسة لجامعة ماساتشوستس في أمهرست – University of Massachusetts, Amherst).
تُعد ريتشينز من أبرز المنظرين عالمياً في مجال قياس النزعة الاستهلاكية، وتأثير الثقافة الجماهيرية على الرفاه الشخصي، وقد أسست عبر أبحاثها الممتدة لأربعة عقود الركائز المنهجية المعتمدة في تقييم ارتباط الهوية بالسلع المادية في أدبيات جمعية علم النفس الأمريكية (APA) وجمعية أبحاث المستهلك (ACR).
الغرض
نشأ مقياس المادية لعام 1987 لسد فجوة نظرية ومنهجية حرجة في سيكولوجيا الاستهلاك؛ إذ كانت المقاييس السابقة (مثل مقاييس بيلك Belk لمفهوم التملك والحرص والحسد) تركز على المادية كسمات شخصية متفرقة وسلبية في الغالب، بدلاً من التعامل معها كمنظومة قيمية متكاملة تتعلق بالتطلعات والنتائج الإدراكية المتوقعة من الامتلاك. صُممت الأداة لتحقيق جملة من الأغراض العلمية والتطبيقية تشمل:
- قياس التوجه القيمي المادي العام: توفير مقياس موجز وفعال يرصد اعتقاد الفرد بأن اقتناء الأشياء المادية هو السبيل الأساسي لتحقيق المكانة الاجتماعية والشعور بالسعادة الذاتية.
- فحص تأثير الوسائط الإعلانية: استكشاف دور التعرض للتلفزيون والإعلانات التجارية في غرس التطلعات المادية ورفع سقف المقارنات الاجتماعية غير الواقعية.
- دراسة محددات الرفاه النفسي والرضا عن الحياة: استخدام الأداة في البحوث الإكلينيكية والاجتماعية لتقييم فرضية “مفارقة المادية”، والتي تفترض وجود علاقة عكسية بين التمسك بالقيم المادية المرتفعة وتدني مستويات الرضا الحياتي والصحة النفسية.
- تطبيقات التسويق والسياسات العامة: مساعدة الباحثين في تسويق المنتجات وصناع السياسات الاجتماعية على فهم الفروق الفردية في استجابات المستهلكين للرسائل الترويجية، وتقييم مستويات النزعة الاستهلاكية المفرطة في المجتمع.
البناء النفسي
يقوم البناء النفسي لمقياس المادية (1987) على تعريف المادية بوصفها توجهاً قيمياً وإدراكياً يضع التملك واكتساب الثروة في بؤرة اهتمامات الفرد الحياتية. ورغم أن هذا المقياس قُدِّم كبناء أحادي البعد موجز، إلا أن تحليله المفاهيمي الدقيق يرتكز على بعدين تقييميين محوريين تم تأكيدهما وتوسيعهما لاحقاً في نموذج ريتشينز وداوسون (1992):
1. السعادة المشروطة بالتملك (Possessions as Happiness / Evaluative Expectancy)
يمثل هذا البعد الاعتقاد الجازم بأن الرفاه العاطفي، وراحة البال، والبهجة الحقيقية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال امتلاك سلع مادية إضافية وفارهة. يرى الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة على هذا المكون أن النقص المالي أو عدم القدرة على شراء الرغبات يمثل عائقاً رئيساً ومصدراً مزمناً للإحباط والتعاسة. على سبيل المثال، تعكس الفقرات المتعلقة بهذا البعد قناعات من قبيل: “سأكون أكثر سعادة إذا كنت قادراً على تحمل تكلفة شراء المزيد من الأشياء”.
2. المقتنيات كمعيار للنجاح والمكانة (Possessions as Success Indicators)
يركز هذا البعد على استخدام المنتجات المادية والثروة الظاهرة كمعايير حاسمة للحكم على الجدارة الشخصية والنجاح الذاتي ونجاح الآخرين. يرتبط هذا التوجه برغبة الفرد في نيل الاعتراف الاجتماعي والتقييم الإيجابي من الأقران عبر استعراض الرموز المادية؛ حيث يُنظر إلى الأشخاص الذين يمتلكون منازل فاخرة أو سيارات باهظة الثمن على أنهم أكثر كفاءة واستحقاقاً للاحترام.
تتفاعل هذه الأبعاد ديناميكياً لتشكل حلقة تقييمية مستمرة؛ حيث يدفع الاعتقاد بأن النجاح مقترن بالمقتنيات إلى رفع سقف التطلعات المادية، وحين تفشل المقتنيات الحالية في توفير السعادة المستدامة (بفعل ظاهرة التكيف اللذي)، يلجأ الفرد إلى مزيد من الاستهلاك، مما يجعل هذا المقياس أداة دقيقة لرصد جذور النزعة الاستهلاكية القهرية.
الإطار النظري
يستند مقياس ريتشينز (1987) إلى شبكة متينة من النظريات السيكولوجية والاجتماعية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، ويمكن تلخيصها في الأسس التالية:
1. نظرية الغرس الثقافي والإعلامي (Cultivation Theory)
انطلقت ريتشينز من أطروحات جورج غيربنر (George Gerbner) لتفسير كيف تصنع وسائل الإعلام عالماً رمزياً مشبعاً بالثراء والرفاهية المصطنعة. تفترض ريتشينز أن التعرض الكثيف للإعلانات والبرامج التلفزيونية يغرس لدى المشاهدين معتقدات مشوهة عن المستوى المعيشي الطبيعي، مما يجعلهم يدركون الثروة كأمر متاح وشائع، وبالتالي تتضخم تطلعاتهم المادية مقارنة بواقعهم المعاش.
2. نظرية المقارنة الاجتماعية والحرمان النسبي (Social Comparison & Relative Deprivation)
بالاعتماد على نظرية المقارنة الاجتماعية لـ ليون فستنغر (Leon Festinger)، يعالج الإطار النظري للمقياس المادية كاستجابة للمقارنات الاجتماعية الصاعدة (Upward Social Comparisons). فعندما يقارن الأفراد أنفسهم بالشخصيات الثرية والناجحة المعروضة إعلامياً، يتولد لديهم شعور حاد بـ الحرمان النسبي، مما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن اقتناء السلع هو الوسيلة الوحيدة لردم هذه الفجوة الطبقية والرمزية.
3. نظرية التقرير الذاتي والأهداف الخارجية (Self-Determination Theory)
يتوافق المقياس بعمق مع ما طوره لاحقاً تيم كاسر (Tim Kasser) وإدوارد ديسي وريتشارد رايان حول التطلعات الخارجية (Extrinsic Aspirations). يوضح الإطار النظري أن السعي وراء المقتنيات كمصدر خارجي للقيمة الذاتية يزاحم الدوافع الجوهرية (كالنمو الشخصي، والعلاقات الاجتماعية الوثيقة)، وهو ما يفسر الارتباط التاريخي بين الدرجات المرتفعة على هذا المقياس وانخفاض الصحة النفسية.
الصدق
خضع مقياس المادية (1987) لتقييمات سيكومترية شاملة للتحقق من مختلف أشكال الصدق الإحصائي والمنهجي عبر دراسات متعددة:
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهرت نتائج دراسات ريتشينز (1987) ودراسات ريتشينز وداوسون (1992) ارتباطاً موجباً ذا دلالة إحصائية عالية بين المقياس ومقاييس بيلك للمادية ($r = 0.45$ إلى $0.62$، $p < 0.001$). كما ارتبط المقياس إيجابياً بمستويات التعرض للبرامج التلفزيونية والإعلانات التجارية ($r = 0.28$ إلى $0.36$).
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): برهن المقياس على قدرته على التمييز بين الرغبة في التملك كقيمة وبين مفاهيم مجاورة كالحاجة للإنجاز أو تقدير الذات العام؛ حيث أظهرت مصفوفات الارتباط ارتباطات منخفضة إلى شبه معدومة مع الرغبة في الإنجاز الأكاديمي المجرد ($r < 0.15$).
- الصدق التنبؤي والمعياري (Predictive & Criterion Validity): تنبأ المقياس بشكل قوي بعدم الرضا عن الوضع المالي الشخصي، وتدني الرضا الحياتي الكلي كما قيس بـ مقياس الرضا عن الحياة (SWLS)، حيث بلغت أحجام الأثر (Effect Sizes) مستويات متوسطة إلى كبيرة في تفسير التباين المرتبط بالاغتراب الاستهلاكي والسلوك الشرائي الاندفاعي.
الثبات
أثبتت الدراسات التجريبية والميدانية تمتع المقياس بمؤشرات ثبات عالية واستقرار زمني متماسك:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): سجل معامل ألفا كرونباخ ($lpha$) في العينة الأصلية التي شملت طلاباً جامعيين وبالغين قيماً تراوحت بين 0.73 و 0.81، وهي نسب ممتازة لمقياس موجز يتألف من عدد قليل من الفقرات.
- الثبات بإعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت عينات إعادة التطبيق بعد فترات زمنية تراوحت بين 3 إلى 6 أسابيع معاملات ارتباط استقرار تراوحت بين $r = 0.78$ و $0.84$، مما يؤكد أن المقياس يرصد توجهاً قيمياً ثابتاً نسبياً عبر الزمن وليس مجرد حالة وجدانية عابرة.
- ثبات التجزئة النصفية: سجلت معاملات سبيرمان-براون للتجزئة النصفية قيماً فاقت 0.76 في غالبية التطبيقات المستقلة.
التحليل العاملي
أكدت نتائج التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) في دراسة 1987 الأصلية وجود عامل رئيسي مسيطر يفسر النسبة الكبرى من التباين الكلي (أكثر من 42% من التباين المشترك)، مع تشبعات عاملية قوية للفقرات تراوحت بين 0.52 و 0.79.
وعندما أجرى ريتشينز وداوسون (1992) تحليلاً عاملياً توكيدياً (CFA) مقارناً، وجدوا أن فقرات مقياس 1987 تتشبع بشكل أساسي على عاملي السعادة (Happiness) والنجاح (Success) بنسب تطابق عالية، في حين لم تتشبع على بعد “المركزية الحياتية” (Centrality). وأظهرت مؤشرات حسن المطابقة للنموذج الأحادي لفقرات 1987 ملاءمة جيدة للبيانات ($CFI > 0.92$، $TLI > 0.90$، $RMSEA = 0.058$).
أداة القياس
تتميز الأداة ببنائها المباشر وسهولة تطبيقها في مختلف البيئات البحثية:
- نوع الاختبار: تقرير ذاتي (Self-Report Measure) يقيس التوجه القيمي المادي.
- عدد الفقرات: يتكون المقياس الموجز المعتمد لعام 1987 من 7 فقرات أساسية.
- طريقة الاستجابة: مقياس ليكرت خماسي أو سباعي النقاط، يتدرج من (1 = أعارض بشدة / Strongly Disagree) إلى (5 أو 7 = أوافق بشدة / Strongly Agree).
- قواعد التصحيح: يتم حساب الدرجة الكلية بجمع درجات الفقرات، مع عكس تصحيح الفقرات المصاغة عكسياً (Reverse-coded items). تدل الدرجات المرتفعة على مستويات أعلى من التوجه القيمي المادي.
- الفقرات المعكوسة: يتضمن المقياس فقرات مصاغة بصيغة سالبة (مثل الفقرة رقم 5: “People place too much emphasis on material things”) لمنع التحيز في الاستجابة (Acquiescence bias)، ويتم عكس درجاتها قبل احتساب المجموع.
- الفئة المستهدفة والمرحلة العمرية: البالغون والمراهقون من عمر 16 سنة فما فوق، والطلاب الجامعيون، والمستهلكون عموماً.
- زمن التطبيق: يستغرق تطبيقه ما بين 2 إلى 5 دقائق فقط.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
تم نشر المقياس رسمياً لأول مرة في عام 1987 ضمن منشورات جمعية أبحاث المستهلك (Advances in Consumer Research). المقياس متاح مجاناً للاستخدام الأكاديمي والبحثي غير التجاري كجزء من المخرجات العلمية المفتوحة للباحثين، مع اشتراط الاستشهاد بالورقة العلمية الأصلية لمارشا ريتشينز (1987) وفق الأصول الأكاديمية المتبعة. لا توجد رسوم لاستخدام الأداة في البحوث والرسائل الجامعية.
المراجع
- Belk, R. W. (1985). Materialism: Trait aspects of living in the material world. Journal of Consumer Research, 12(3), 265–280. https://doi.org/10.1086/208515
- Gerbner, G., Gross, L., Morgan, M., & Signorielli, N. (1986). Living with television: The dynamics of the cultivation process. In J. Bryant & D. Zillmann (Eds.), Perspectives on media effects (pp. 17–40). Lawrence Erlbaum Associates.
- Kasser, T., & Ryan, R. M. (1993). A dark side of the American dream: Correlates of financial success as a central life aspiration. Journal of Personality and Social Psychology, 65(2), 410–422. https://doi.org/10.1037/0022-3514.65.2.410
- Richins, M. L. (1987). Media, materialism, and human happiness. Advances in Consumer Research, 14(1), 352–356.
- Richins, M. L., & Dawson, S. (1992). A consumer values orientation for materialism and its measurement: Scale development and validation. Journal of Consumer Research, 19(3), 303–316. https://doi.org/10.1086/209304
- Richins, M. L. (2004). The Material Values Scale: Measurement properties and development of a short form. Journal of Consumer Research, 31(1), 209–219. https://doi.org/10.1086/383436
فقرات المقياس
فيما يلي الفقرات الأصلية لمقياس المادية (Richins, 1987) بلغتها الإنجليزية المعتمدة وفقاً لمنشورات الباحثة الأصلية. يُطلب من المفحوصين تحديد درجة موافقتهم على كل عبارة باستخدام سلم ليكرت من 1 (Strongly Disagree) إلى 5 أو 7 (Strongly Agree):
Response Options:
- 1 = Strongly Disagree
- 2 = Disagree
- 3 = Neutral / Undecided
- 4 = Agree
- 5 = Strongly Agree
Items:
- It is important to me to have really nice things.
- I would like to be rich enough to buy anything I want.
- I’d be happier if I could afford to buy more things.
- It sometimes bothers me quite a bit that I can’t afford to buy all the things I’d like.
- People place too much emphasis on material things. (Reverse scored)
- It’s really true that money can buy happiness.
- The things I own say a lot about how well I’m doing in life.