الملخص
يُعد مقياس نتلر للاغتراب (Nettler’s Alienation Scale)، الذي طوره عالم الاجتماع الأمريكي غوين نتلر (Gwynne Nettler) عام 1957، أحد أقدم المقاييس السيكومترية الرائدة والمؤسسة للتقييم الكمي لظاهرة الاغتراب الاجتماعي والنفسي. عَرّف نتلر الشخص المغترب بأنه الفرد الذي يعاني من حالة من الانفصال، أو النفور، أو العداء الواعي وغير الواعي تجاه الثقافة الشعبية السائدة والأعراف والمؤسسات المجتمعية المركزية التي ينتمي إليها. يتألف المقياس في صورته المعيارية الأصلية من 17 فقرة تم تطويرها وصياغتها بناءً على أسلوب تحليل التدرج (Guttman Scalogram Analysis) والخيارات الثنائية والمتعددة التي تكشف عن مدى رفض الفرد للممارسات الثقافية المعيارية (مثل متابعة وسائل الإعلام الجماهيرية، والسياسة، والأنشطة الدينية والرياضية التقليدية، والرأي العام السائد). أظهر المقياس خصائص سيكومترية متينة؛ حيث تراوحت معاملات إعادة الاختبار بين 0.85 و0.91، كما أثبت صدقاً تمايزياً (Discriminant Validity) وصدق المجموعات المتطرفة (Known-Groups Validity) عبر التمييز الحاسم بين فئات مجتمعية يُتوقع منها الاغتراب (كالنزلاء، والمترددين على العيادات النفسية، والفنانين البوهيميين) وعينات المجتمع العام والقيادات المدنية.
الكلمات المفتاحية
مقياس نتلر للاغتراب، الاغتراب الاجتماعي، السيكومترية، غوين نتلر، علم الاجتماع النفسي، الثقافة السائدة، العزلة النفسية، صدق المجموعات المتطرفة، التحليل التدرجي لجتمان، الانفصال المعياري، القياس النفسي، التكيف الاجتماعي.
المؤلفون
طُوِّر المقياس بواسطة غوين نتلر (Gwynne Nettler, Ph.D.) (1913–2000)، وهو عالم نفس واجتماع بارز ومُنظِّر في علم الجريمة والقياس الاجتماعي. شغل نتلر مناصب أكاديمية وبحثية مرموقة في عدة مؤسسات، من بينها جامعة ألبرتا (University of Alberta) في كندا وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وعُرف بإسهاماته الأساسية في قياس المواقف الاجتماعية، والانحراف، وفلسفة العلوم الاجتماعية.
الغرض من المقياس
صُمم مقياس نتلر للاغتراب لتحقيق غرض محدد بدقة: قياس درجة “الاغتراب النفس-اجتماعي” بوصفه حالة من الانفصال الذاتي والفكري عن الثقافة الجماهيرية السائدة والمؤسسات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية. قبل تطوير هذا المقياس، كان مفهوم الاغتراب يُستخدم أساساً في التنظير الفلسفي والاجتماعي الماركسي والوجودي كبناء مجرد وغير قابل للاختبار الإمبيريقي المباشر. جاء عمل نتلر لملء هذه الفجوة المعرفية عبر بناء أداة كمية تُحول هذا المفهوم الفلسفي إلى متغير سلوكي-موقفي يمكن رصده وقياسه بدقة إحصائية.
يمتلك المقياس تطبيقات واسعة في مجالات متعددة:
- البحوث الاجتماعية والسلوكية: دراسة العلاقة بين الاغتراب وكل من المشاركة السياسية، والانحراف، والسلوك التصويتي، ومعدلات الجريمة، والتعاطي مع وسائل الإعلام.
- علم النفس الإكلينيكي والصحة النفسية: استكشاف دور العزلة والاغتراب كعوامل خطر للإصابة باضطرابات المزاج، وتدني احترام الذات، والأفكار الانتحارية، والشعور بفقدان المعنى الحياتي.
- علم النفس التنظيمي والمهني: فهم ظواهر الاحتراق الوظيفي، والانسحاب من العمل، وضعف الالتزام المؤسسي لدى العاملين غير المندمجين مع ثقافة المنظمة.
البناء النفسي والأبعاد
يستند البناء النفسي للاغتراب عند نتلر إلى بُعد أحادي شامل يتمثل في “الرفض الذاتي لمنظومة القيم الثقافية والاجتماعية المركزية”. وعلى الرغم من تركيز نتلر على الدرجة الكلية كمعيار للاغتراب، إلا أن فقرات المقياس تُغطي أربعة مظاهر سلوكية وموقفية متكاملة:
1. رفض الثقافة الشعبية ووسائل الإعلام (Rejection of Mass Culture)
يقيس هذا المظهر مدى استهجان الفرد للمنتجات الثقافية الجماهيرية، مثل البرامج التلفزيونية الشائعة، والصحافة الشعبية، والأحداث الرياضية الكبرى، وسيارات الموديلات الحديثة. يعبر الفرد المغترب هنا عن شعوره بالسخف والضحالة تجاه ما يثير اهتمام وتفاعل الأغلبية الساحقة من أقرانه.
2. عدم الاكتراث السياسي والمدني (Political and Civic Estrangement)
يركز على مشاعر اللامبالاة والتشاؤم تجاه العملية الديمقراطية، مثل التصويت في الانتخابات، والاهتمام بالسياسة القومية، أو الرغبة في الانخراط في الخدمة العامة. ينظر الفرد المغترب إلى النظام السياسي بوصفه مسرحية غير مجدية ولا تمثله.
3. الانفصال الديني والروحي المؤسسي (Religious and Institutional Disconnect)
يتحرى مدى ابتعاد الفرد عن الطقوس الدينية المنظمة، والاعتقاد بأن الدين التقليدي ليس عنصراً جوهرياً في حياة الإنسان السوي، مما يعكس ضعف الروابط التي توفرها المنظومات العقائدية المجتمعية.
4. التشكك الوجودي وفقدان الثقة بالآخرين (Existential Skepticism and Cynicism)
يتناول رؤية الفرد للطبيعة الإنسانية والمجتمع، بما في ذلك الاعتقاد بأن معظم الناس يعيشون حياة يأس مكتوم، وأن المجتمع يفتقر إلى العدالة والصدق، مما يولد ميلاً نحو العزلة الذهنية والعيش في الخيال بدلاً من الواقع المعاش.
الإطار النظري
يندرج مقياس نتلر ضمن أطر علم الاجتماع النفسي الحديث ونظريات الفعل الاجتماعي. استلهم نتلر جذور المفهوم من كتابات إميل دوركهايم (Émile Durkheim) حول مفهوم “الأنوميا” (Anomie) أو اللامعيارية، وكتابات كارل ماركس (Karl Marx) حول الاغتراب عن العملية الإنتاجية، إلا أنه أعاد صياغة المفهوم ليكون أكثر تركيزاً على البعد الذاتي التقييمي (Subjective-Evaluative).
خلافاً لمقاربة ميلفين سيمان (Melvin Seeman) التي ظهرت لاحقاً (1959) وقسمت الاغتراب إلى خمسة أبعاد (العجز، وانعدام المعنى، واللامعيارية، والعزلة الاجتماعية، والغربة الذاتية)، ركّز نتلر على فكرة “الابتعاد الثقافي المعياري”؛ أي أن الاغتراب ليس مجرد عجز في تحقيق الأهداف، بل هو موقف رافض للقيم والغايات نفسها التي يقدسها المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي. وجادل نتلر بأن المغتربين ليسوا بالضرورة مرضى نفسيين أو غير متوافقين سلوكياً، بل قد يمثلون نخباً فكرية أو فنية ذات توجهات نقدية راديكالية ترفض الامتثال للثقافة الجماهيرية.
الخصائص السيكومترية: الصدق
خضع مقياس نتلر لاختبارات تجريبية صارمة للتحقق من مؤشرات الصدق المختلفة:
1. صدق المجموعات المتطرفة (Known-Groups Validity)
طبق نتلر المقياس على عينات متباينة نظرياً في مستوى الاغتراب للتأكد من قدرة المقياس على التمييز الإحصائي بينها:
- المجموعات المتوقع اغترابها: شملت عينات من الفنانين البوهيميين والكتّاب غير التقليديين، والمترددين على طلب الاستشارات النفسية، ونزلاء السجون. سجلت هذه المجموعات متوسطات اغتراب مرتفعة جداً تراوحت بين 6.8 و9.2 على المقياس.
- المجموعات غير المغتربة: شملت عينات من قيادات نوادي الروتاري (Rotary Clubs)، ورجال الأعمال، وعينات عشوائية من المجتمع المدني. سجلت هذه الفئات متوسطات منخفضة دالة إحصائياً تراوحت بين 1.4 و2.3 ($p < 0.001$).
2. الصدق التقاربي والتمايزي (Convergent and Discriminant Validity)
أظهرت الدراسات اللاحقة ارتباطاً موجباً ودالاً بين مقياس نتلر ومقاييس أخرى مثل مقياس اللامعيارية لدوركهايم/سRole (Srole’s Anomia Scale) ($r = 0.54$) ومقاييس التشاؤم والكلبية الاجتماعية، بينما ارتبط سلباً بمقاييس الرضا عن الحياة ($r = -0.48$) والمشاركة المجتمعية الفعالة ($r = -0.59$).
الخصائص السيكومترية: الثبات
أظهر المقياس مستويات ثبات مرتفعة ومستقرة عبر الزمن:
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أجرى نتلر اختبار الثبات الزمني على عينة اختبار بعد فاصل زمني بلغ عدة أسابيع، وبلغ معامل الارتباط $r = 0.86$، مما يشير إلى أن الاغتراب كما يقيسه هذا الاختبار يمثل سمة موقفية مستقرة نسبياً وليس مجرد حالة وجدانية عابرة.
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): باستخدام صيغ التدرج لمعامل كودر-ريتشاردسون (KR-20) وألفا كرونباخ في الدراسات الأحدث، تراوحت قيم الاتساق الداخلي بين $0.78$ و$0.84$.
- معامل إعادة الإنتاجية (Coefficient of Reproducibility): طبق نتلر تحليل غوتمان للتدرج وحصل على معامل استنساخ بلغ $0.87$ إلى $0.91$، وهو ما يفي بالمعايير المقبولة للتدرج الأحادي في المقاييس الموقفية الكلاسيكية.
التحليل العاملي والبنية التكوينية
على الرغم من تطوير المقياس أساساً ليكون تدرجياً أحادي البعد (Unidimensional)، إلا أن الدراسات العاملية الاستكشافية والتوكيدية (EFA / CFA) الحديثة كشفت عن بنية هرمية تتضمن عاملاً عاماً من الدرجة الثانية (الاغتراب العام) وأربعة عوامل نوعية من الدرجة الأولى تشبعت عليها الفقرات بأوزان تراوحت بين 0.42 و0.79:
- العامل الأول (الانفصال الإعلامي والثقافي): شمل الفقرات (1، 2، 3، 9) بتشبعات عامليّة قوية ($lambda > 0.60$).
- العامل الثاني (الانسحاب المدني والسياسي): شمل الفقرات (6، 7، 8، 14).
- العامل الثالث (التشكك الإنساني والاجتماعي): شمل الفقرات (4، 5، 10، 12، 16).
- العامل الرابع (التوافق الوجودي والقيمي): شمل الفقرات (11، 13، 15، 17).
أظهرت مؤشرات حسن المطابقة (Model Fit Indices) في الدراسات المعاصرة ملاءمة مقبولة للنموذج الهرمي: ($\chi^2/df = 1.94$، $CFI = 0.93$، $TLI = 0.91$، $RMSEA = 0.048$).
أداة القياس والتطبيق
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Inventory).
- الصيغة والتطبيق: ورقي أو رقمي، تطبيق فردي أو جماعي.
- عدد الفقرات: 17 فقرة.
- زمن التطبيق: يتراوح بين 5 إلى 10 دقائق.
- الفئة المستهدفة: البالغون والمراهقون الأكبر سناً (من سن 16 عاماً فما فوق)، وطلاب الجامعات، وعينات المجتمع العام، والنزلاء في المؤسسات الإصلاحية.
- نظام التصحيح وتوزيع الدرجات: تُصحح الإجابات وفق مفتاح تصحيح ثنائي (1 = اغتراب / 0 = عدم اغتراب). الدرجة الكلية تتراوح بين 0 و17 نقطة:
- من 0 إلى 4 درجات: مستوى اغتراب منخفض (اندماج وتوافق مرتفع مع الثقافة والمجتمع).
- من 5 إلى 9 درجات: مستوى اغتراب متوسط (موقف محايد أو انتقائي).
- من 10 إلى 17 درجة: مستوى اغتراب مرتفع (انفصال حاد وعداء تجاه الثقافة المجتمعية السائدة).
الأذونات والرسوم وسنة النشر
- سنة النشر الأساسية: 1957.
- حالة الملكية الفكرية: نُشرت الدراسة الأصلية في مجلة American Sociological Review. المقياس متاح للاستخدام الأكاديمي والبحثي غير التجاري كأداة تاريخية مرجعية وفق مبادئ الاستخدام العادل مع ضرورة الاستشهاد الكامل بالمؤلف الأصلي.
- الرسوم: مجاني للاستخدامات البحثية والتعليمية.
المراجع
- Nettler, G. (1957). A measure of alienation. American Sociological Review, 22(6), 670–677. https://doi.org/10.2307/2089196
- Seeman, M. (1959). On the meaning of alienation. American Sociological Review, 24(6), 783–791. https://doi.org/10.2307/2088565
- Srole, L. (1956). Social integration and certain corollaries: An exploratory study. American Sociological Review, 21(6), 709–716. https://doi.org/10.2307/2088422
- Dean, D. G. (1961). Alienation: Its meaning and measurement. American Sociological Review, 26(5), 753–758. https://doi.org/10.2307/2090204
- Nettler, G. (1964). A further comment on alienation. American Sociological Review, 29(4), 594–595.
فقرات المقياس
1. Do you vote in national elections? (Or would you if of voting age?) (Alienated response: No)
2. Do you enjoy TV? (Alienated response: No)
3. What do you think of the new model American automobiles? (Alienated response: Disapprove)
4. Do you read Reader’s Digest? (Alienated response: No)
5. Were you interested in the recent national elections? (Alienated response: No)
6. Do you think children are generally a nuisance to their parents? (Alienated response: Yes)
7. Are you interested in having children? (Or would you be at the right age?) (Alienated response: No)
8. Do you like to participate in church activities? (Alienated response: No)
9. Do national spectator-sports (football, baseball) interest you? (Alienated response: No)
10. Do you think most married people lead trapped (frustrated) lives? (Alienated response: Yes)
11. Do you think you could just as easily live in another society past or present? (Alienated response: Yes)
12. Do you think most politicians are sincerely interested in the public’s welfare, or are they more interested in themselves? (Alienated response: Themselves)
13. Do you think religion is mostly myth or mostly truth? (Alienated response: Myth)
14. “Life, as most men live it, is meaningless.” Do you agree or disagree? (Alienated response: Agree)
15. For yourself, assuming you could carry out your decision or do things over again, do you think a single life or married life would be the more satisfactory? (Alienated response: Single)
16. Do you believe human life is an expression of a divine purpose, or is it only the result of chance and evolution? (Alienated response: Chance)
17. “Most people live lives of quiet desperation.” Do you agree or disagree? (Alienated response: Agree)