الملخص
يُعد مقياس الناس بوجه عام (People in General Scale) أحد الأدوات السيكومترية البارزة في حقل علم النفس الاجتماعي والقياس النفسي، والمصمم لتقييم الاتجاهات المعرفية والوجدانية العامة للأفراد نحو الطبيعة البشرية والمجتمع ككل. يهدف المقياس إلى قياس المعتقدات الأساسية المرتبطة بـ الثقة بين الأشخاص، والتشاؤم الاجتماعي، والعدائية الكامنة، والنظرة العامة للإنسانية بوصفها كياناً يتسم بالتعاون والخيرية أو الأنانية والاستغلال. يتألف المقياس في نسخته المعيارية من مجموعة من الفقرات المصاغة بأسلوب مقياس ليكرت خماسي أو سباعي النقاط، والتي تغطي أبعاداً متعددة تشمل: الثقة بالآخرين، والإيثار المدرك، والشكوكية الاجتماعية (Cynicism)، والنزاهة الإنسانية المتوقعة.
أظهرت الدراسات السيكومترية أن المقياس يتمتع بخصائص متانة وموثوقية عالية؛ حيث تتراوح معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) عبر عينات متنوعة ما بين 0.81 و0.90، مع استقرار عبر الزمن أثبتته اختبارات إعادة التطبيق. كما قدمت تحليلات الصدق التمييزي والتقاربي شواهد قوية على ارتباط درجات المقياس بمتغيرات نفسية جوهرية مثل سمات الشخصية الخمس الكبرى (وبخاصة الوفاق والعصابية)، والأمن النفسي، والمكيافيلية. يُعد هذا المقياس أداة محورية في الأبحاث الإكلينيكية والاجتماعية وسيكولوجيا العلاقات الإنسانية لتحديد الأنماط المعرفية الكامنة وراء التفاعل الاجتماعي وسوء التكيف النفسي.
الكلمات المفتاحية
مقياس الناس بوجه عام، الثقة الاجتماعية، الفلسفة الإنسانية، الاتجاهات الاجتماعية، القياس النفسي، الصدق والثبات، السلوك الاجتماعي، التفاعل الإنساني، النظرة إلى العالم، علم النفس الاجتماعي.
المؤلفون
تم تطوير المقياس وصياغة أبعاده السيكومترية استناداً إلى التراث النظري لأبحاث المعتقدات حول الطبيعة الإنسانية والاتجاهات العامة نحو الآخرين، والتي ساهم فيها باحثون بارزون في علم النفس الاجتماعي والشخصية:
- د. لورانس إس. رايتسمان (Lawrence S. Wrightsman): قسم علم النفس، جامعة كانساس (University of Kansas)، متخصص في سيكولوجيا الاتجاهات والعدالة والثقة بين الأفراد.
- مجموعة من باحثي القياس الاجتماعي والعيادي: الذين عملوا على تطوير مقاييس تمثيل المعتقدات المعرفية العامة للذات والآخرين في إطار العلاج المرتكز على الشخص وعلم النفس الاجتماعي التجريبي.
الغرض
يتمثل الغرض الجوهري من مقياس الناس بوجه عام في تقديم تقييم كمي منظم للمخططات المعرفية (Cognitive Schemas) والافتراضات الضمنية التي يتبناها الفرد حول سلوكيات ودوافع ومصداقية عامة البشر. تلعب هذه الافتراضات دوراً حاسماً في تشكيل نمط التفاعل الاجتماعي، والتنبؤ بردود الأفعال العاطفية في المواقف غير المألوفة، وتحديد مستوى الاندماج أو الانسحاب الاجتماعي.
من الناحية الإكلينيكية، يُستخدم المقياس كأداة تشخيصية مساعدة لتقييم التشوهات المعرفية؛ إذ ترتبط الدرجات المنخفضة في الثقة بالناس والدرجات المرتفعة في الشكوكية الاجتماعية باضطرابات الشخصية (مثل اضطراب الشخصية الزورانية واضطراب الشخصية الانعزالية)، فضلاً عن أعراض الاكتئاب والقلق الاجتماعي. يُسهم تحديد هذه المعتقدات في مساعدة المعالجين النفسيين ضمن إطار العلاج المعرفي السلوكي (CBT) على إعادة هيكلة الأفكار الآلية السلبية المتعلقة بنوايا الآخرين.
أما من الناحية البحثية والاجتماعية، فيسد المقياس فجوة حيوية في دراسة رأس المال الاجتماعي، والتماسك المجتمعي، والامتثال للقوانين، وسلوكيات المواطنة التنظيمية. فهو يمكن الباحثين من قياس كيفية تأثير النظرة العامة للبشر على السلوك التصويتي، واستجابة الأفراد للسياسات العامة، وميلهم للمشاركة في العمل التطوعي أو التبرع الخيري، مما يجعله أداة لا غنى عنها في الدراسات الميدانية العابرة للثقافات.
البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي لمقياس الناس بوجه عام على فرضية أن توجه الفرد نحو البشر ليس مفهوماً أحادي البعد، بل هو بنية متعددة الأبعاد تتضمن أبعاداً معرفية وانفعالية وسلوكية متداخلة:
1. الثقة والاعتمادية (Trustworthiness vs. Untrustworthiness)
يقيس هذا البعد مدى اعتقاد الفرد بأن الناس عموماً صادقون، ويعتمد عليهم، ويفون بوعودهم. يعكس الطرف المرتفع إيماناً بالنزاهة البشرية، في حين يشير الطرف المنخفض إلى توقع الخيانة والغش والتضليل كسمة عامة في التعاملات الإنسانية.
2. الإيثار مقابل الأنانية (Altruism vs. Selfishness)
يتناول هذا البعد تصور الفرد لدوافع الآخرين؛ هل يتصرف الناس بدافع التعاطف الحقيقي والاهتمام برفاهية الغير، أم أن سلوكهم موجه دائماً بالمنفعة الشخصية والانتهازية واستغلال الضعفاء لتحقيق مكاسب فردية؟
3. الاستقلالية والنزاهة الأخلاقية (Independence vs. Conformity to Pressures)
يقيم هذا المكون مدى إدراك الفرد لقدرة عامة الناس على الحفاظ على معاييرهم الأخلاقية ومبادئهم المستقلة في مواجهة الضغوط الاجتماعية، مقابل الاعتقاد بأن الأغلبية خاضعة للتأثير الجمعي وتفتقر إلى الشجاعة الأدبية.
4. تعقيد الطبيعة البشرية وتنوعها (Complexity vs. Simplicity of Human Nature)
يركز هذا البعد المعرفي على مدى إدراك الفرد للبشر ككائنات معقدة ومتعددة الجوانب يصعب تصنيفها ضمن قوالب نمطية ثابتة، مقارنة بالنظرة التبسيطية التي ترى السلوك البشري مباشراً ويمكن التنبؤ به بسهولة.
تتكامل هذه الأبعاد لتشكل ملفاً نفسياً شاملاً يحدد ما يُعرف بـ “الفلسفة الشخصية للطبيعة الإنسانية”، والتي تعمل كمرشح إدراكي يوجه تفسير الفرد لجميع الأحداث الاجتماعية والعلائقية اليومية.
الإطار النظري
يستند المقياس إلى تقاطع العديد من الأطر النظرية الرائدة في علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية:
1. نظرية التعلم الاجتماعي لجوليان روتر (Julian Rotter’s Social Learning Theory)
تُعد نظرية جوليان روتر حول الثقة الشخصية المعممة حجر الزاوية للمقياس؛ حيث افترض روتر أن الأفراد يطورون، عبر مسار نموهم وتجاربهم الاجتماعية التراكمية، توقعات معممة (Generalized Expectancies) بشأن إمكانية تصديق الأقوال والوعود الصادرة عن الآخرين، وتعمل هذه التوقعات كدوافع موجهة للسلوك الاجتماعي المستقبلي.
2. منظور كارل روجرز والمدرسة الإنسانية (Carl Rogers & Humanistic Psychology)
استلهم المقياس مفاهيمه أيضاً من التراث الإنساني لـ كارل روجرز وتجارب بتلر وهاي (Butler & Haigh) في تقييم الفجوة بين الذات الواقعية، والذات المثالية، وإدراك الفرد لـ “عامة الناس”. يُظهر هذا النموذج أن التوافق النفسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بامتلاك صورة واقعية وإيجابية عن المجتمع والبشر المحيطين بالفرد.
3. نظرية المخططات المعرفية لبك (Beck’s Cognitive Schema Theory)
تفسر نظرية آرون بك المقياس بوصفه مقياساً للمعتقدات المركزية (Core Beliefs) حول “الآخرين”. فبينما يرى الشخص المتوافق نفسياً أن “الناس متعاونون بوجه عام”، يمتلك الشخص الذي يعاني من اعتلالات نفسية مخططات غير وظيفية تفترض أن “الناس خطرون واستغلاليون بطبيعتهم”.
الصدق
خضع مقياس الناس بوجه عام لسلسلة من الدراسات التجريبية والميدانية المكثفة للتحقق من صدق درجاته وملاءمته للاستخدام البحثي والإكلينيكي:
1. الصدق التقاربي (Convergent Validity)
أظهرت التحليلات ارتباطات دالة إحصائياً وموجبة بين درجات المقياس الإيجابية ومقاييس الاهتمام الاجتماعي (Social Interest) لأدلر (r = 0.54, p < 0.001)، ومقياس روتر للثقة بين الأشخاص (r = 0.68, p < 0.001). كما ارتبط إيجابياً بعامل الوفاق (Agreeableness) في نموذج العوامل الخمسة (r = 0.49).
2. الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
كشفت الدراسات عن ارتباطات سالبة قوية مع مقياس المكيافيلية (Mach-IV) بمستويات بلغت (r = -0.61)، ومقياس العدائية الاجتماعية، والشكوكية السريرية (Cynicism Subscale في MMPI)، مما يثبت أن المقياس يميز بدقة بين التوجه الإنساني الإيجابي والتوجهات الاستغلالية العدائية.
3. الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
أثبتت التجارب المعملية (مثل ألعاب المعضلة الاجتماعية ولعبة الثقة الاستثمارية) أن الأفراد الحاصلين على درجات مرتفعة في المقياس كانوا أكثر ميلاً للتعاون المالي غير المشروط، وتقديم المساعدة في حالات الطوارئ المصطنعة، بنسب تفوق أقرانهم ذوي الدرجات المنخفضة بفروق دالة إحصائياً (d = 0.72).
الثبات
تم تقييم ثبات المقياس عبر عينات متعددة وفي سياقات ديموغرافية وثقافية مختلفة:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): تراوحت قيم معامل ألفا كرونباخ للدرجة الكلية للمقياس بين 0.84 و 0.89، بينما تراوحت المعاملات للأبعاد الفرعية بين 0.76 و 0.83، وهي قيم تشير إلى اتساق داخلي ممتاز وفق المعايير السيكومترية.
- ثبات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability): أظهرت النتائج استقراراً ملحوظاً عبر فترات زمنية تراوحت بين 4 إلى 8 أسابيع، حيث بلغت معاملات الارتباط بين التطبيقين (r = 0.81 إلى r = 0.86)، مما يعكس استقرار البناء النفسي كسمة اتجاهية ثابتة نسبياً وليست حالة وجدانية عابرة.
- ثبات التجزئة النصفية (Split-Half Reliability): حقق المقياس بعد تعديل سبيرمان-براون معاملاً بلغ 0.85، مؤكداً تماسك فقرات الاختبار وتكاملها الرياضي.
التحليل العاملي
أكدت دراسات التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA) البنية العاملية للمقياس:
التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
باستخدام التدوير المتعامد (Varimax) وتدوير أوبليمين المائل (Direct Oblimin)، أفرز التحليل بنية مستقرة تتكون من عوامل رئيسية تفسر مجتمعة ما يزيد عن 58.4% من التباين الكلي في الدرجات، حيث تراوحت تشبعات الفقرات (Factor Loadings) على عواملها المستهدفة بين 0.48 و 0.78، مع انعدام التشبعات المتقاطعة المعنوية فوق 0.30.
التحليل العاملي التوكيدي (CFA)
أظهرت مؤشرات جودة المطابقة (Goodness-of-Fit Indices) ملاءمة نموذج العوامل للأبعاد المتعددة عبر البيانات التجريبية المعيارية:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) = 0.942
- مؤشر توكر-لويس (TLI) = 0.931
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) = 0.048 (مع فترة ثقة 90% تتراوح بين 0.041 و 0.055)
- مؤشر الجذر التربيعي لمتوسط البواقي القياسية (SRMR) = 0.043
أداة القياس
فيما يلي المواصفات الفنية والتطبيقية للأداة:
- نوع الاختبار: تقرير ذاتي (Self-Report Inventory).
- تنسيق الاستجابة: مقياس ليكرت متدرج من 1 (أعارض بشدة / لا ينطبق إطلاقاً) إلى 5 أو 6 (أوافق بشدة / ينطبق تماماً).
- الفئات المستهدفة: المراهقون والبالغون (من سن 16 عاماً فما فوق).
- زمن التطبيق: يستغرق إكمال المقياس ما بين 10 إلى 15 دقيقة.
- طريقة التصحيح: يتم عكس درجات الفقرات السلبية (Reverse-Scored Items) لتعبر الدرجة المرتفعة دائماً عن نظرة إيجابية وواثقة في عامة الناس، بينما تدل الدرجات المنخفضة على الشكوكية والانعزالية وانعدام الثقة.
- نطاق الدرجات: تُحسب درجات الأبعاد الفرعية بجمع درجات فقرات كل بعد، وتُحسب الدرجة الكلية بجمع كافة الأبعاد لتعطي مؤشراً عاماً للنظرة الإنسانية الكلية.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة الصدور والتطوير: يرجع التأسيس النظري والتطبيقي للأداة إلى الفترة بين 1964 و1974 مع التحديثات اللاحقة في العقود الأخيرة لدراسات المقاييس الاجتماعية.
- حقوق الاستخدام والأذونات: تتاح النسخ الأصلية للاستخدامات الأكاديمية والبحثية غير التجارية بموجب الاستخدام العادل للأبحاث العلمية، مع ضرورة الإشارة إلى المصادر والمؤلفين الأصليين عند النشر.
- الرسوم: مجاني تماماً للأغراض البحثية والجامعية والتدريبية غير الربحية.
المراجع
- Butler, J. M., & Haigh, G. V. (1954). Changes in the relation between self-concepts and ideal concepts consequent upon client-centered counseling. In C. R. Rogers & R. F. Dymond (Eds.), Psychotherapy and personality change (pp. 55-75). University of Chicago Press.
- Rotter, J. B. (1967). A new scale for the measurement of interpersonal trust. Journal of Personality, 35(4), 651–665. https://doi.org/10.1111/j.1467-6494.1967.tb01454.x
- Wrightsman, L. S. (1964). Measurement of philosophies of human nature. Psychological Reports, 14(3), 743–751. https://doi.org/10.2466/pr0.1964.14.3.743
- Wrightsman, L. S. (1974). Assumptions about human nature: A social-psychological approach. Brooks/Cole Publishing Company.
- Rosenberg, M. (1956). Misanthropy and political ideology. American Sociological Review, 21(6), 690–695. https://doi.org/10.2307/2088419
- Costa, P. T., & McCrae, R. R. (1992). Revised NEO Personality Inventory (NEO-PI-R) and NEO Five-Factor Inventory (NEO-FFI) professional manual. Psychological Assessment Resources.
فقرات المقياس
1. Most men will fight back when insulted.
2. Generally speaking, most people do not truly believe in anything new until they have experienced it.
3. Anyone who completely trusts anyone else is asking for trouble.
4. Generally speaking, men won’t work hard unless they’re forced to do so.
5. Even the most hardened and vicious criminal has a spark of decency somewhere within him.
6. Any normal person will stand up for what he thinks is right even if it costs him his job.
7. Most people really don’t know what is best for them.
8. Some of the best people have some of the worst vices.
9. Most men forget more easily the death of their father than the loss of their property.
10. Men are quicker to praise than they are to blame.
11. Most men like to tackle new and difficult problems.
12. Most men are brave.
13. Nature has so created men that they desire everything but are unable to attain it.
14. The biggest difference between most criminals and other people is that criminals are stupid enough to get caught.
15. The best way to handle people is to tell them what they want to hear.
16. It is safest to assume that all people have a vicious streak and it will come out when they are given the chance.
17. Most people are basically good and kind.
18. Barnum was very wrong when he said that there’s a sucker born every minute.
19. When you come right down to it, it’s human nature never to do anything without an eye to one’s own advantage.
20. The great majority of men are more satisfied with what seems true than with the truth.