الملخص
تُعد مقاييس الكفاءة الذاتية المدركة (Perceived Self-Efficacy Scales) من أكثر الأدوات السيكومترية تأثيراً واستخداماً في مجالات علم النفس الاجتماعي، والتربوي، والصحي، والعيادي، وإدارة الموارد البشرية. تستند هذه المقاييس إلى الأسس المعرفية والمنهجية التي وضعها عالم النفس الشهير ألبرت باندورا (Albert Bandura) في إطار النظرية المعرفية الاجتماعية (Social Cognitive Theory)، والتي تم تكييفها وتطويرها لاحقاً إلى مقاييس عامة ونوعية متعددة مثل مقياس الكفاءة الذاتية العامة (General Self-Efficacy Scale – GSE) على يد رالف شوارزر وماتياس يروشليم (Schwarzer & Jerusalem, 1995).
تقيس هذه المقاييس المعتقدات الذاتية الراسخة لدى الفرد حول قدرته على تنظيم وتنفيذ مسارات العمل المطلوبة لتحقيق مستويات أداء محددة، والتعامل مع المطالب والمشكلات الصعبة، وتجاوز العقبات والشدائد اليومية والحياتية. تتنوع المقاييس بين أدوات أحادية البُعد تقيس الكفاءة الذاتية العامة وأدوات متعددة الأبعاد تستهدف مجالات محددة (مثل: الكفاءة الذاتية الأكاديمية، والاجتماعية، والتنظيمية الذاتية، ومواجهة الضغوط الصحية). يتألف المقياس المعياري العام من 10 فقرات تُجاب وفق مقياس ليكرت رباعي التدرج (من 1 = غير صحيح على الإطلاق، إلى 4 = صحيح تماماً)، حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى ثقة مرتفعة في التكيف وحل المشكلات والقدرة على الصمود النفسي.
تتمتع المقاييس بخصائص سيكومترية استثنائية تم إثباتها عبر مئات الدراسات العابرة للثقافات في أكثر من 30 دولة؛ حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) بين 0.75 و0.94، كما أظهرت ثبات إعادة الاختبار ارتباطات مستقرة على فترات زمنية ممتدة. كشفت التحليلات العاملية التوكيدية (CFA) عن بنية عاملية متماسكة وصدق تقاربي عالٍ مع التفاؤل، وموضع الضبط الداخلي، والصلابة النفسية، إضافة إلى صدق تمايزي قوي مع الاكتئاب والقلق والعصابية، مما يجعلها معياراً ذهبياً في التقييم النفسي السريري والبحثي على حد سواء.
الكلمات المفتاحية
الكفاءة الذاتية المدركة, مقياس الكفاءة الذاتية العامة, ألبيرت باندورا, النظرية المعرفية الاجتماعية, التقييم السيكومتري, التنظيم الذاتي, الثبات والصدق, المرونة النفسية, التكيف مع الضغوط, السلوك الصحي
المؤلفون
يرجع الفضل الأساسي في تأصيل مفهوم الكفاءة الذاتية وتطوير دلائل قياسها إلى البروفيسور ألبرت باندورا (Albert Bandura, Ph.D.)، أستاذ علم النفس الفخري في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي نشر الدليل المنهجي المرجعي لصياغة وتصميم مقاييس الكفاءة الذاتية (Bandura, 2006). كما قام البروفيسور رالف شوارزر (Ralf Schwarzer, Ph.D.) والبروفيسور ماتياس يروشليم (Matthias Jerusalem, Ph.D.) من جامعة برلين الحرة (Freie Universität Berlin) في ألمانيا، بتطوير النموذج الأكثر استخداماً عالمياً وهو “مقياس الكفاءة الذاتية المدركة العامة” (General Perceived Self-Efficacy Scale – GSE) في عام 1979/1981 وتمت مراجعته ونشره على نطاق عالمي واسع في عام 1995 باللغتين الألمانية والإنجليزية ولاحقاً بأكثر من 30 لغة عالمية.
- Albert Bandura, Ph.D.: Department of Psychology, Stanford University, Stanford, CA, USA.
- Ralf Schwarzer, Ph.D.: Department of Education and Psychology, Freie Universität Berlin, Berlin, Germany. Email: [email protected]
- Matthias Jerusalem, Ph.D.: Institute of Education, Humboldt University of Berlin, Berlin, Germany. Email: [email protected]
الغرض
تم تطوير مقاييس الكفاءة الذاتية المدركة لتلبية حاجة نظرية ومنهجية وتطبيقية ملحة في التقييم النفسي والسلوكي؛ حيث تهدف إلى قياس المنظومة المعرفية التي تحدد كيفية إدراك الأفراد لقدراتهم ومواردهم الذاتية عند مجابهة المواقف المعقدة والضاغطة. لا تهدف الأداة إلى تقييم المهارات الموضوعية الحقيقية المجردة، بل تقيس إدراك الفرد وتوقعاته وثقته في قدرته على تعبئة الموارد المعرفية والحركية والدافعية اللازمة للتحكم في الأحداث التي تؤثر على حياته.
التطبيقات العيادية والصحية
تُعد الكفاءة الذاتية المدركة ركيزة أساسية في برامج العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وتعديل السلوك الصحي والوقاية من الانتكاس في اضطرابات الإدمان. تساعد المقاييس المعالجين في تحديد المرضى الذين يعانون من عجز متعلم (Learned Helplessness) أو تدنٍ في الثقة التكيفية، مما يسهم في صياغة خطط علاجية تستهدف إعادة بناء الفاعلية الذاتية خطوة بخطوة. كما تُستخدم على نطاق واسع في إدارة الأمراض المزمنة مثل السكري، وأمراض القلب والشرايين، والألم المزمن، حيث ترتبط الكفاءة الذاتية العالية بالتزام أعلى بالعلاج، وممارسة الرياضة، والتغذية السليمة، ومقاومة السلوكيات الخطرة كالتبغ والكحول.
التطبيقات التربوية والأكاديمية والمهنية
في البيئات التعليمية، يُمكّن قياس الكفاءة الذاتية الموجهين التربويين والباحثين من التنبؤ بالتحصيل الدراسي، واختيار التخصصات، والإصرار في مواجهة المهام الدراسية المعقدة، ومقاومة القلق الامتحاني والتسويف الأكاديمي. أما في المنظمات وبيئات العمل، فتُستخدم المقاييس لاكتشاف الإمكانات القيادية، وقياس قدرة الموظفين على التكيف مع التغييرات الهيكلية والتكنولوجية، والتنبؤ بالأداء الوظيفي والرضا المهني وانخفاض معدلات الاحتراق النفسي (Burnout).
الفجوة العلمية والنظرية التي تسدها الأداة
قبل ظهور مقاييس الكفاءة الذاتية، كانت الأدبيات النفسية تعتمد بصورة مفرطة على سمات الشخصية الثابتة (مثل العصابية والانبساط) أو مفاهيم عامة غير إجرائية مثل تقدير الذات (Self-Esteem) وموضع الضبط (Locus of Control). ومع ذلك، فشلت هذه المفاهيم في التنبؤ بالسلوك الفعلي والتغيرات الإجرائية في الأداء عبر المواقف المختلفة؛ لأن تقدير الذات يقيس القيمة العاطفية للذات، بينما يوضح موضع الضبط من يملك السيطرة (الذات أم الحظ أم الآخرون) دون الإجابة عما إذا كان الفرد يمتلك المهارة والقدرة على الفعل. سدت مقاييس الكفاءة الذاتية هذه الفجوة بتقديم أداة قياس بنائية وظيفية ترتبط مباشرة بآليات الدافعية، وتحديد الأهداف، واستراتيجيات التكيف مع الضغوط، والجهد المبذول، ومستوى الإصرار.
البناء النفسي
يمثل البناء النفسي للكفاءة الذاتية المدركة اعتقاداً معرفياً توليدياً وموجهاً للسلوك. يتناول البناء كيفية تقييم الأفراد لإمكانياتهم في تحويل النوايا إلى أفعال ناجحة، وخاصة عندما تواجههم عوائق غير متوقعة. يرتكز البناء على عدة أبعاد ومظاهر رئيسية تتكامل فيما بينها:
1. المبادأة والإقدام في السلوك (Initiative & Action Orientation)
يعكس هذا البُعد قدرة الفرد على الشروع في اتخاذ القرارات والبدء في تنفيذ الخطط دون تسويف أو تردد مرضي. يمتلك الأفراد ذوو الكفاءة الذاتية العالية ثقة استباقية تمكنهم من خوض غمار التحديات الجديدة بدلاً من تجنبها، وتصور سيناريوهات النجاح التي تدعم المبادرة السلوكية.
2. الإصرار ومضاعفة الجهد عند مواجهة العوائق (Effort & Persistence)
يمثل هذا المكون جوهر المرونة المعرفية؛ إذ يحدد مدى قدرة الفرد على الحفاظ على تركيزه ومضاعفة جهوده عندما تصبح الظروف معاكسة أو عند التعرض لفشل مؤقت. يرى الفرد ذو الكفاءة الذاتية المرتفعة الفشل كنقص في الجهد أو استراتيجية غير مناسبة قابلة للتعلم، وليس كنقص متأصل في القدرة الشخصية، مما يمنحه دافعاً مستمراً للمحاولة حتى تحقيق الهدف المنشود.
3. التعافي واستعادة التوازن بعد الانتكاسات (Resilience & Recovery)
يركز هذا البُعد على السرعة والكفاءة النفسية التي يستعيد بها الفرد توازنه النفسي والوظيفي بعد التعرض للصدمات، أو الإحباطات، أو الفشل المتكرر. ويتضمن القدرة على تقليل المشاعر السلبية المعطلة كالقلق والعجز، وإعادة تقييم الموقف بموضوعية واعتماد خطط بديلة مرنة.
4. الكفاءة الذاتية العامة مقابل الكفاءة الذاتية النوعية
يميز البناء النفسي بين مستويين رئيسيين للقياس:
- الكفاءة الذاتية العامة (General Self-Efficacy): تعكس حساً كلياً ومستقراً نسبياً للثقة التكيفية في القدرة على التعامل مع متطلبات الحياة المختلفة عبر سياقات متنوعة، وتُقاس بالنماذج العامة كنموذج شوارزر ويروشليم.
- الكفاءة الذاتية النوعية (Domain-Specific Self-Efficacy): تركز على مجالات سلوكية دقيقة (مثل الكفاءة الذاتية في الامتناع عن التدخين، الكفاءة الذاتية في الرياضيات، الكفاءة الذاتية في المفاوضات الاجتماعية)، وتتميز بقدرة تنبؤية فائقة بالسلوكيات المحددة ضمن تلك النطاقات وفقاً لتوصيات باندورا (Bandura, 2006).
الإطار النظري
تنبثق مقاييس الكفاءة الذاتية المدركة مباشرة من النظرية المعرفية الاجتماعية التي صاغها ألبرت باندورا في أواخر سبعينيات القرن العشرين (Bandura, 1977, 1986, 1997)، والتي شكلت تحولاً نموذجياً ثورياً في علم النفس عبر الانتقال من النماذج السلوكية الحتمية والميكانيكية والنماذج الديناميكية اللاشعورية إلى النموذج الفاعلي (Agentic Perspective) للإنسان.
الحتمية التبادلية الثلاثية (Triadic Reciprocal Causation)
تنطلق النظرية من أن الأداء البشري هو نتاج تفاعل تبادلي مستمر بين ثلاثة عوامل رئيسية:
- العوامل الشخصية الداخلية: وتشمل العمليات المعرفية، والوجدانية، والأحداث البيولوجية (مثل معتقدات الكفاءة الذاتية، والتوقعات، والأهداف).
- السلوك: الأفعال والاستجابات الحركية والاجتماعية التي تصدر عن الفرد.
- البيئة الخارجية: المحفزات البيئية، والدعم الاجتماعي، والعوائق المادية والثقافية المحيطة.
في هذا الإطار، لا يكون الفرد مجرد متلقٍ سلبي للمؤثرات البيئية، بل فاعلاً مؤثراً (Agent) يصنع مسار حياته من خلال معتقداته حول قدراته وفاعليته الذاتية.
مصادر بناء الكفاءة الذاتية
بنى باندورا مقاييسه وافتراضاته النظرية على أربعة مصادر رئيسية مسؤولة عن تكوين وتعديل معتقدات الكفاءة الذاتية لدى الإنسان:
- خبرات التمكن والإتقان (Mastery Experiences): وهي أقوى المصادر وأكثرها تأثيراً؛ فالنجاحات السابقة تعزز الثقة في القدرة، في حين يقوض الفشل المتكرر معتقدات الفاعلية ما لم يُنسب لعوامل غير مستقرة وقابلة للتعديل.
- الخبرات البديلة والنمذجة (Vicarious Experiences): وتتحقق من خلال رؤية أفراد مشابهين ينجحون في مواقف صعبة من خلال الجهد المستمر، مما يولد قناعة لدى المشاهد بأنه يمتلك أيضاً القدرة على النجاح.
- الإقناع اللفظي والاجتماعي (Verbal/Social Persuasion): يشمل التشجيع والتغذية الراجعة الواقعية والإيجابية من أشخاص موثوقين ومهمين في حياة الفرد، مما يحفزه على بذل جهود أكبر ومواجهة الصعاب.
- الحالات الفسيولوجية والانفعالية (Physiological & Affective States): يعتمد الأفراد جزئياً على استجاباتهم الجسدية (مثل تسارع نبضات القلب، التعرق، التوتر) لتفسير كفاءتهم؛ حيث يُفسر التوتر الحاد عادة كعلامة على الضعف أو الخطر الوشيك، بينما يُنظر إلى الهدوء والاستثارة الإيجابية كدلالة على الاستعداد والتمكن.
العمليات المعرفية والدافعية المتأثرة بالكفاءة الذاتية
تحدد معتقدات الكفاءة الذاتية كيفية تفكير الأفراد وشعورهم وتحفيزهم لأنفسهم وتصرفهم عبر أربع عمليات رئيسية: العمليات المعرفية (التفكير الإيجابي التكيفي وبناء سيناريوهات النجاح)، والعمليات الدافعية (وضع أهداف طموحة وزيادة الإصرار)، والعمليات الوجدانية (التحكم في القلق والضغوط ومقاومة الاكتئاب)، وعمليات الاختيار (اختيار البيئات والأنشطة التي تسمح بتطوير الذات وتجنب البيئات التي تفوق الموارد المدركة).
الصدق
خضعت مقاييس الكفاءة الذاتية المدركة، ولا سيما مقياس الكفاءة الذاتية العامة (GSE) لأبحاث مكثفة وشاملة للتحقق من مختلف أشكال الصدق السيكومتري عبر عينات إكلينيكية، ومجتمعية، وطلابية، ومهنية واسعة شملت مئات الآلاف من الأفراد حول العالم.
الصدق التقاربي (Convergent Validity)
أظهرت الدراسات ارتباطات موجبة دالة إحصائياً بين الكفاءة الذاتية المدركة ومجموعة واسعة من المتغيرات الإيجابية والتكيفية، ومنها:
- التفاؤل (Optimism): ارتباطات موجبة قوية تتراوح عادة بين r = 0.50 وr = 0.65 مع مقياس التوجه نحو الحياة (LOT-R).
- تقدير الذات (Self-Esteem): ارتباطات موجبة دالة مع مقياس روزنبرغ لتقدير الذات (RSES) تراوحت بين r = 0.45 وr = 0.60.
- الصلابة والمرونة النفسية (Hardiness & Resilience): ارتباطات إيجابية قوية تراوحت بين r = 0.52 وr = 0.68 مع مقاييس كونور-ديفيدسون للمرونة النفسية.
- موضع الضبط الداخلي (Internal Locus of Control): ارتباطات إيجابية دالة تراوحت بين r = 0.35 وr = 0.48.
الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أكدت نتائج الأبحاث السيكومترية استقلالية مفهوم الكفاءة الذاتية عن الاضطرابات الانفعالية والسمات السلبية، حيث أسفرت التحليلات عن وجود ارتباطات سالبة قوية ودالة إحصائياً مع:
- أعراض الاكتئاب: تراوحت الارتباطات بين r = -0.40 وr = -0.58 مع مقياس بيك للاكتئاب (BDI) ومقياس CES-D.
- القلق العام وقلق الحالة والسمة: ارتباطات سالبة بين r = -0.38 وr = -0.52 مع مقياس سبيلبيرغر (STAI).
- العصابية (Neuroticism): ارتباطات سالبة واضحة تراوحت بين r = -0.42 وr = -0.55 مع قوائم عوامل الشخصية الخمسة الكبرى (NEO-PI-R).
- الاحتراق النفسي (Burnout): ارتباط سالب قوي مع الإجهاد الانفعالي وتدني الإنجاز الشخصي على مقياس ماسلاش للاحتراق النفسي (MBI).
الصدق التنبؤي والمعياري (Predictive & Criterion Validity)
أثبتت الدراسات الطولية (Longitudinal Studies) قدرة مقاييس الكفاءة الذاتية على التنبؤ بمجموعة متنوعة من المخرجات السلوكية والصحية والوظيفية. فقد بينت دراسات شوارزر وزملاؤه أن درجات الكفاءة الذاتية تتنبأ بنجاح الإقلاع عن التدخين على مدى 6 و12 شهراً بحجم أثر متوسط إلى كبير (Cohen’s d تراوح بين 0.45 و0.70)، كما تتنبأ بمستويات النشاط البدني وإعادة التأهيل القلبي والالتزام بالنظام الغذائي بعد الجراحات. وفي المجال الأكاديمي، بينت دراسات التحليل البعدي (Meta-analyses مثل Multon et al., 1991) أن الكفاءة الذاتية تفسر ما يقارب 14% من التباين في الأداء الأكاديمي للطلاب و12% من التباين في استمرارهم ومثابرتهم في الدراسة.
الصدق العابر للثقافات والتكافؤ القياسي (Cross-Cultural Validity & Measurement Invariance)
في دراسة كبرى قادها شولتز وزملاؤه (Scholz, Doña, Sud, & Schwarzer, 2002) شملت 19,120 مشاركاً من 25 دولة في 5 قارات، أظهرت نتائج التحليل العاملي التوكيدي متعدد المجموعات (Multigroup CFA) تكافؤاً بنيوياً وتكافؤاً في الأوزان العاملية (Metric Invariance) عبر الثقافات المختلفة، مما يؤكد أن البناء النفسي للكفاءة الذاتية العامة يحمل معنى ومفهوماً متطابقاً جوهرياً عبر الشعوب واللغات المتنوعة.
الثبات
تتمتع مقاييس الكفاءة الذاتية المدركة بمستويات عالية ومثالية من الثبات الإحصائي، سواء من حيث الاتساق الداخلي لبنودها أو من حيث استقرار درجاتها عبر الزمن في اختبارات الإعادة.
الاتساق الداخلي (Internal Consistency)
في الدراسات المعيارية المرجعية لمقياس الكفاءة الذاتية العامة (GSE) عبر لغات وعينات متعددة:
- تراوحت قيم معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) في الغالبية العظمى من الدراسات الدولية بين 0.75 و 0.94.
- في العينة الألمانية الأصلية (Jerusalem & Schwarzer): بلغ معامل ألفا 0.86 إلى 0.92.
- في العينة الأمريكية والبريطانية: بلغ معامل ألفا 0.87 و 0.89 على التوالي.
- في الدراسات المعربة (مثل دراسات في مصر والسعودية والأردن والجزائر): استقرت قيم ألفا كرونباخ في المدى من 0.81 إلى 0.88.
- تراوحت معاملات ارتباط الفقرة بالدرجة الكلية المصححة (Corrected Item-Total Correlations) بين 0.42 و 0.73، مما يعكس تجانساً بنائياً ممتازاً لكافة فقرات المقياس دون وجود فقرات شاذة أو ضعيفة.
ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability)
أكدت الدراسات التتبعية استقراراً ملحوظاً لمفهوم الكفاءة الذاتية العامة مع الحفاظ على حساسيته للتغيرات الناتجة عن التدخلات العلاجية أو الأحداث الحياتية الكبرى:
- على مدى فاصل زمني مدته شهر واحد: بلغت معاملات ثبات إعادة الاختبار قيم تتراوح بين r = 0.75 و r = 0.83.
- على مدى فاصل زمني قدره 6 أشهر: تراوحت المعاملات بين r = 0.65 و r = 0.72.
- على مدى فاصل زمني طويل بلغ سنتين في دراسة على المعلمين والطلاب: بلغ معامل الاستقرار r = 0.55 إلى r = 0.60، وهو ما يتوافق تماماً مع الافتراض النظري الذي يرى الكفاءة الذاتية العامة كسمة معرفية مستقرة نسبياً قابلة للتطور وليست بنية جامدة لا تقبل التعديل.
التحليل العاملي
أجريت مئات الدراسات القائمة على التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA) لفحص البنية الداخلية لمقياس الكفاءة الذاتية العامة وتحديد أبعاده ومؤشرات ملاءمته الإحصائية.
التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)
أكدت نتائج التحليل العاملي الاستكشافي باستخدام طريقة المكونات الأساسية (Principal Component Analysis) مع التدوير المتعامد (Varimax) والمائل (Oblimin) في عشرات البلدان ظهور عامل عام وحيد نقي (Unidimensional Structure) يفسر نسبة مرتفعة من التباين الكلي تتراوح بين 42% و 58% عبر مختلف العينات. وتجاوز الجذر الكامن (Eigenvalue) للعامل الأول دائماً القيمة 3.5 إلى 4.8، بينما هبطت الجذور الكامنة لبقية العوامل المحتملة إلى ما دون 0.9، مما دعم بإجماع نموذج العامل الأحادي لمقياس الكفاءة الذاتية العامة.
التحليل العاملي التوكيدي (CFA) ومؤشرات حسن المطابقة
في نماذج المعادلة البنائية (SEM) والتحليل التوكيدي عبر دراسات شولتز وزملائه (Scholz et al., 2002) ودراسات شيرير وليجيت (Scherbaum et al., 2006)، حقق نموذج العامل الواحد درجات تطابق ممتازة تفوق المعايير الإحصائية القياسية المقبولة:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI – Comparative Fit Index): تراوح بين 0.95 و 0.98 (المعيار المقبول > 0.90، الممتاز > 0.95).
- مؤشر تكر-لويس (TLI – Tucker-Lewis Index): تراوح بين 0.94 و 0.97.
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA – Root Mean Square Error of Approximation): تراوح بين 0.035 و 0.054 مع فترة ثقة 90% ممتازة (المعيار الممتاز < 0.06).
- مؤشر حسن المطابقة المعياري (SRMR – Standardized Root Mean Square Residual): بلغ أقل من 0.040.
تشبعات البنود (Factor Loadings)
تراوحت التشبعات المعيارية (Standardized Factor Loadings) لفقرات المقياس العشر على العامل العام بين 0.50 و 0.82 في مختلف الثقافات، وكانت جميعها دالة إحصائياً عند مستوى p < .001. وفيما يلي أمثلة على توزيع تشبعات البنود على العامل الكامن:
- الفقرة 1 (حل المشكلات الصعبة عند بذل الجهد): تشبع عاملي = 0.63 – 0.71.
- الفقرة 2 (إيجاد الطرق لتحقيق الغايات رغم المعارضة): تشبع عاملي = 0.58 – 0.68.
- الفقرة 4 (الثقة في التعامل مع الأحداث غير المتوقعة بفاعلية): تشبع عاملي = 0.72 – 0.81.
- الفقرة 7 (الهدوء ومواجهة الصعوبات بالاعتماد على القدرات): تشبع عاملي = 0.74 – 0.82.
- الفقرة 9 (التعامل بكفاءة مع المشكلات غير المتوقعة): تشبع عاملي = 0.70 – 0.79.
أداة القياس
تتضمن الخصائص المنهجية والإجرائية لمقاييس الكفاءة الذاتية المدركة (بالتركيز على مقياس الكفاءة الذاتية العامة المعياري لـ Schwarzer & Jerusalem) التفاصيل الفنية الآتية:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي سيكومتري (Self-Report Psychometric Scale).
- صيغة الاستجابة: مقياس متدرج رباعي من نمط ليكرت (4-point Likert Scale):
- 1 = Not at all true (غير صحيح على الإطلاق)
- 2 = Hardly true (بالكاد صحيح / نادراً ما يكون صحيحاً)
- 3 = Moderately true (صحيح بدرجة معتدلة)
- 4 = Exactly true (صحيح تماماً)
- عدد الفقرات: 10 فقرات مصاغة بوضوح ومباشرة وإيجابية.
- البنود المعكوسة (Reverse-Coded Items): لا توجد بنود معكوسة في المقياس المعياري؛ حيث صُممت جميع الفقرات العشر باتجاه إيجابي مباشر لتجنب تشويش المفحوصين وضمان نقاء التحليل العاملي.
- طريقة حساب الدرجات (Scoring Rules): يتم جمع استجابات الفرد على الفقرات العشر للحصول على درجة كلية خام تتراوح بين 10 درجات (أدنى كفاءة ذاتية ممكنة) و 40 درجة (أقصى كفاءة ذاتية ممكنة). في بعض الأبحاث، يمكن حساب المتوسط الحسابي بقسمة المجموع الكلي على 10 ليتراوح المدى بين 1.0 و 4.0.
- تفسير الدرجات ومستويات القطع:
- 10 – 20 درجة: كفاءة ذاتية متدنية (Low Self-Efficacy) — يعكس ميلاً نحو العجز المكتسب والضعف التكيفي وارتفاع القابلية للضغوط.
- 21 – 30 درجة: كفاءة ذاتية متوسطة/معتدلة (Moderate Self-Efficacy) — قدرة تكيفية عادية مع تذبذب في مواجهة الشدائد الشديدة.
- 31 – 40 درجة: كفاءة ذاتية مرتفعة (High Self-Efficacy) — ثقة فائقة، مرونة نفسية عالية، قدرة ممتازة على التكيف وحل المشكلات والاستجابة للتحديات.
- الفئات المستهدفة: المراهقون والبالغون، والطلاب، والموظفون، والمرضى في البيئات الإكلينيكية، وكبار السن.
- الفئة العمرية: مناسب للأعمار من 12 عاماً فما فوق (يتطلب مستوى قرائي أساسي لا يتجاوز الصف السادس الابتدائي).
- طريقة التطبيق: فردي أو جماعي؛ ورقي أو إلكتروني (عبر الإنترنت أو الأجهزة اللوحية)؛ يستغرق زمناً قياسياً يتراوح بين 3 إلى 5 دقائق فقط.
- اللغات المتاحة: متوفر رسمياً بأكثر من 30 لغة عالمية، بما في ذلك: الإنجليزية، الألمانية، العربية، الفرنسية، الإسبانية، الصينية، اليابانية، الروسية، والبرتغالية.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
تم تطوير المقياس المعياري العام للكفاءة الذاتية (GSE) لأول مرة باللغة الألمانية في عام 1979/1981، وتم نشر النسخة الإنجليزية المعتمدة في عام 1995. أما دليل بناء مقاييس الكفاءة الذاتية المتخصصة لـ Albert Bandura فقد نُشر رسمياً في عام 2006.
حالة حقوق النشر والترخيص: يُعد مقياس الكفاءة الذاتية العامة (General Self-Efficacy Scale) متاحاً في النطاق الأكاديمي المفتوح (Open Access for Non-Commercial Research)؛ حيث منح المؤلفان (Ralf Schwarzer & Matthias Jerusalem) إذناً عاماً صريحاً لكافة الباحثين والطلاب والأطباء السريريين حول العالم لاستخدام المقياس وترجمته وتطبيقه في الأبحاث العلمية والممارسات غير التجارية دون الحاجة إلى دفع أي رسوم مالية ودون الحاجة لطلب إذن كتابي مسبق، شريطة التوثيق الأكاديمي السليم والاستشهاد بالمرجع الأصلي. أما الاستخدامات التجارية أو تضمين المقياس في برمجيات تجارية للربح فيتطلب إذناً رسمياً خاصاً من المؤلفين أو ممثليهم القانونيين.
يمكن الحصول على نسخ المقياس المعتمدة بمختلف اللغات والمقالات التحليلية عبر الموقع الأكاديمي الرسمي للبروفيسور رالف شوارزر التابع لجامعة برلين الحرة.
المراجع
- Bandura, A. (1977). Self-efficacy: Toward a unifying theory of behavioral change. Psychological Review, 84(2), 191–215. https://doi.org/10.1037/0033-295X.84.2.191
- Bandura, A. (1986). Social foundations of thought and action: A social cognitive theory. Prentice-Hall, Inc.
- Bandura, A. (1997). Self-efficacy: The exercise of control. W. H. Freeman and Company.
- Bandura, A. (2006). Guide for constructing self-efficacy scales. In F. Pajares & T. Urdan (Eds.), Self-efficacy beliefs of adolescents (Vol. 5, pp. 307–337). Information Age Publishing.
- Jerusalem, M., & Schwarzer, R. (1992). Self-efficacy as a resource factor in stress appraisal processes. In R. Schwarzer (Ed.), Self-efficacy: Thought control of action (pp. 195–213). Hemisphere Publishing Corp.
- Multon, K. D., Brown, S. D., & Lent, R. W. (1991). Relation of self-efficacy beliefs to academic outcomes: A meta-analytic investigation. Journal of Counseling Psychology, 38(1), 30–38. https://doi.org/10.1037/0022-0167.38.1.30
- Scherbaum, C. A., Cohen-Charash, Y., & Kern, M. J. (2006). Measuring general self-efficacy: A comparison of three measures using item response theory and classical test theory. Educational and Psychological Measurement, 66(6), 1047–1063. https://doi.org/10.1177/0013164406288171
- Scholz, U., Doña, B. G., Sud, S., & Schwarzer, R. (2002). Is general self-efficacy a universal construct? Psychometric findings from 25 countries. European Journal of Psychological Assessment, 18(3), 242–251. https://doi.org/10.1027//1015-5759.18.3.242
- Schwarzer, R., & Jerusalem, M. (1995). Generalized Self-Efficacy scale. In J. Weinman, S. Wright, & M. Johnston (Eds.), Measures in health psychology: A user’s portfolio. Causal and control beliefs (pp. 35–37). NFER-NELSON.
فقرات المقياس
فيما يلي نص البنود الأصلية لمقياس الكفاءة الذاتية العامة (General Self-Efficacy Scale – GSE) باللغة الإنجليزية كما صاغها شوارزر ويروشليم (Schwarzer & Jerusalem, 1995)، دون أي تعديل أو تحريف، مع خيارات الاستجابة الرباعية المعيارية:
Response Format:
1 = Not at all true
2 = Hardly true
3 = Moderately true
4 = Exactly true
- I can always manage to solve difficult problems if I try hard enough.
- If someone opposes me, I can find the means and ways to get what I want.
- It is easy for me to stick to my aims and accomplish my goals.
- I am confident that I could deal efficiently with unexpected events.
- Thanks to my resourcefulness, I know how to handle unforeseen situations.
- I can solve most problems if I invest the necessary effort.
- I can remain calm when facing difficulties because I can rely on my coping abilities.
- When I am confronted with a problem, I can usually find several solutions.
- If I am in trouble, I can usually think of a solution.
- I can usually handle whatever comes my way.