الملخص
تُعد مقاييس قائمة التسامح المعدلة (Revised Forgiveness Inventory Scales) إحدى الأدوات السيكومترية المتقدمة المصممة لتقييم أبعاد التسامح بين الأشخاص (Interpersonal Forgiveness) في السياقات العلائقية والأسرية والعيادية. يهدف المقياس إلى قياس الكيفية التي يعالج بها الأفراد الإساءات والاعتداءات العاطفية والنفسية، والانتقال من مشاعر الغضب والاجترار والانتقام إلى إعادة البناء العلائقي والتخلي عن الاستياء. يتألف المقياس في بنيته المطورة من أبعاد متمايزة تغطي كلاً من التسامح المعرفي-الانفعالي (بناء الفهم والبصيرة) والتسامح السلوكي (الأفعال التصالحية ومنح الإعفاء العلني والتخلي عن الضغينة).
يعتمد المقياس سلم استجابة ليكرت متعدد النقاط يتراوح من (1 = لا أوافق بشدة) إلى (5 أو 6 = أوافق بشدة)، مما يتيح حساسية عالية في رصد الفروق الفردية في معالجة المظالم. أظهرت الدراسات السيكومترية المكثفة تمتع الأداة بمؤشرات ثبات متفوقة؛ حيث تجاوزت معاملات الاتساق الداخلي (Cronbach’s Alpha) للأبعاد المختلفة 0.85، وبلغ الثبات الكلي للمقياس ما يزيد عن 0.92، مع استقرار عبر الزمن أثبتته اختبارات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability). كما أكد التحليل العاملي التوكيدي (CFA) مطابقة النموذج النظري متعدد الأبعاد مع مصفوفات البيانات التجريبية، مبرهناً على صدق البناء والصدق التقاربي مع مقاييس جودة العلاقات والرفاه النفسي، والصدق التمايزي مع مقاييس الاكتئاب والعصابية والقلق.
الكلمات المفتاحية
التسامح، قائمة التسامح المعدلة، القياس النفسي، الصدق والثبات، علم النفس العيادي، العلاقات الأسرية، الإساءة العلائقية، التوافق الزواجي، التحليل العاملي، الصحة النفسية.
المؤلفون
طُوّرت الصيغ التأسيسية والمعدلة لمقاييس قائمة التسامح عبر إسهامات بارزة في مجال العلاج الأسري وعلم النفس الإكلينيكي وعلم نفس الشخصية، وأبرزهم:
- د. تيري دي. هارجريف (Terry D. Hargrave, Ph.D.): أستاذ الزواج والعلاج الأسري في معهد فولر لللاهوت (Fuller Theological Seminary)، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. رائد نظرية التسامح البينشخصي في السياقات الأسرية العابرة للأجيال.
- د. جيمس إن. سيلز (James N. Sells, Ph.D.): أستاذ الإرشاد النفسي والتعليم العالي في جامعة ريجنت (Regent University)، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية. باحث رئيسي في النمذجة الإحصائية للعمليات العلائقية والتسامح.
الغرض
نشأت مقاييس قائمة التسامح المعدلة لتلبية حاجة ماسة في علم النفس العيادي والبحث الأكاديمي لقياس التسامح ليس فقط كسمة مجردة أو حالة وجدانية أحادية البعد، بل كعملية علائقية ومعرفية مركبة تتفاعل ضمن سياقات الأذى الحقيقي والتاريخ الشخصي للفرد. يقيس المقياس بدقة كيفية تعامل الفرد مع الجروح النفسية العميقة الناتجة عن العلاقات القريبة (كالأسرة والشريك والأصدقاء المقربين)، مسلطاً الضوء على الفارق الدقيق بين التسامح الزائف والتسامح الأصيل الذي يتضمن العمل من خلال الألم واستعادة التوازن النفسي.
تتمثل الفجوة العلمية التي يعالجها المقياس في تجاوز النظرة التبسيطية للتسامح التي تخلط بينه وبين النسيان، أو التبرير، أو التغاضي عن الظلم، أو المصالحة الإجبارية. من الناحية التطبيقية، يُستخدم المقياس في:
- التقييم العيادي والإرشاد الزواجي والأسري: لتحديد العقبات التي تحول دون الشفاء النفسي بين الشركاء أو أفراد الأسرة، وقياس التقدم العلاجي أثناء التدخلات المستندة إلى التسامح.
- البحث النفسي والاجتماعي: لدراسة الروابط بين التسامح والمتغيرات الفسيولوجية مثل صحة القلب والأوعية الدموية، والمتغيرات النفسية كالقلق واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والرفاه الوجداني.
- السياقات القانونية وإعادة التأهيل: لتقييم برامج العدالة التصالحية وفاعليتها في تقليل مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام لدى الضحايا.
البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي لمقاييس قائمة التسامح المعدلة على مفهوم أن التسامح بنية ثنائية المحور وثلاثية المظاهر الوجدانية والمعرفية والسلوكية. تنقسم الأبعاد الأساسية في المقياس المعدل إلى مستويين رئيسيين يندرج تحتهما عدد من المقاييس الفرعية:
1. محو الضغينة والتهدئة الانفعالية (Decisional and Emotional Forgiveness)
يمثل هذا البعد قدرة الفرد على كبح المشاعر السلبية التدميرية تجاه المعتدي، ويشمل:
- التخلي عن الاستياء (Letting Go of Resentment): التوقف الواعي عن اجترار الغضب والرغبة في رؤية الطرف الآخر يعاني، واستبدال المشاعر المعادية بالحياد الانفعالي أو الشفقة.
- التوقف عن الانتقام (Refraining from Retaliation): ضبط السلوك التفاعلي للامتناع عن توجيه العقاب العاطفي أو اللفظي أو المادي ضد المؤذي.
2. العمل المعرفي وبناء المعنى (Cognitive Insight and Empathy)
يركز هذا البعد على التطور الإدراكي لطبيعة العلاقة والإساءة، ويتضمن:
- البصيرة والفهم (Insight & Understanding): فهم السياق الإنساني والظروف التي أدت بالمعتدي إلى ارتكاب الإساءة دون تبرير الفعل، والاعتراف بهشاشة الطبيعة البشرية ومحدوديتها.
- إعادة تقييم العلاقة (Relational Reappraisal): استكشاف ما إذا كانت العلاقة قابلة للاستمرار أم أن التسامح يقتصر على التحرر الداخلي دون إلزامية المصالحة السلوكية.
3. التسامح العلني والتعويض (Overt Forgiveness & Restitution)
يركز على الجوانب السلوكية التفاعلية في حال توفر شروط الأمان النفسي، مثل إعلان الصفح، وقبول التعويض الصادق، والعمل نحو إعادة تأسيس الثقة التدريجية.
الإطار النظري
تستند مقاييس قائمة التسامح المعدلة إلى توليفة من نظرية النظم الأسرية (Family Systems Theory) والنظرية الديناميكية النفسية العابرة للأجيال لإيفان بوزورميني-ناغي (Ivan Boszormenyi-Nagy) حول العدالة العلائقية والاستحقاق. يفترض هذا النموذج النظري أن العلاقات الإنسانية محكومة بسجلات غير مرئية من الالتزامات والولاءات؛ وعندما يقع ظلم أو أذى نفسي بالغ، يتولد “دين علائقي” يدفع الضحية إلى المطالبة بالانتقام أو الشعور بالاستحقاق التدميري.
كما يتقاطع المقياس مع أطر علم النفس الإيجابي ونماذج روبرت إنرايت (Robert Enright) وإيفريت ورثينجتون (Everett Worthington) للتسامح العاطفي والمعرفي. صُممت فقرات المقياس بعناية لتعكس الانتقال المرحلي الذي يمر به الفرد عبر مراحل التفريغ الوجداني، وقرار التسامح، واكتساب المنظور، وصولاً إلى التحرر الذاتي واستعادة السلام الداخلي، مما يجعل الأداة تجسيداً إمبريقياً دقيقاً للنظرية الإكلينيكية المعاصرة للتسامح.
الصدق
خضعت مقاييس قائمة التسامح المعدلة لاختبارات سيكومترية صارمة للتحقق من أنواع الصدق المتعددة عبر عينات مجتمعية وعيادية متنوعة:
- صدق البناء (Construct Validity): أظهرت نتائج التحليلات العاملية تطابقاً ممتازاً بين الفقرات وأبعادها النظرية، مع وجود تباين مفسر كبير للمتغير الكامن للتسامح يتجاوز 60% من التباين الكلي.
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): ارتبطت درجات المقياس ارتباطاً إيجابياً دالاً إحصائياً بمقاييس الرضا الزواجي (Marital Satisfaction Inventory)، ومقاييس التعاطف (IRI)، والرفاه النفسي الذاتي (SWLS)، بقيم معاملات ارتباط تراوحت بين (r = 0.48) و (r = 0.68) عند مستوى دلالة (p < 0.001).
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): أظهر المقياس ارتباطات سالبة قوية مع مقاييس الغضب كسمة (STAXI)، والاجترار الوجداني، وأعراض الاكتئاب (BDI-II)، ومشاعر الحقد (Transgression-Related Interpersonal Motivations Inventory – TRIM)، حيث تراوحت الارتباطات بين (r = -0.42) و (r = -0.61).
- الصدق عبر الثقافات: تم التحقق من البنية العاملية للمقياس في دراسات عبر ثقافية متنوعة (في أمريكا الشمالية، أوروبا، وآسيا، والعالم العربي)، مما أكد ثبات الأبعاد التسامحية واستقرارها عبر البيئات الثقافية المختلفة.
الثبات
أظهرت نتائج فحص الخصائص السيكومترية لمقاييس قائمة التسامح المعدلة مؤشرات اتساق داخلي واستقرار زمني فائقة الدقة:
- معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha): بلغ معامل الاتساق الداخلي للدرجة الكلية للمقياس نحو (α = 0.93)، وتراوحت معاملات الأبعاد الفرعية بين (0.83 و 0.91)، مما يؤكد التجانس العالي بين بنود كل مقياس فرعي.
- معامل أوميغا ماكدونالد (McDonald’s Omega): حقق المقياس قيماً لأوميغا الهرمية (ω) تجاوزت 0.90، مؤكدة كفاءة القياس المركب.
- ثبات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability): أظهرت العينات التي أُعيد اختبارها بعد فاصل زمني تراوح بين 4 إلى 8 أسابيع معاملات استقرار بلغت (r = 0.82) إلى (r = 0.88)، مما يثبت استقرار المقياس في قياس الأبعاد المستقرة نسبياً لعملية التسامح مع احتفاظه بالحساسية للتغيرات العلاجية.
التحليل العاملي
أُجريت تحليلات عاملية استكشافية (EFA) وتوكيدية (CFA) لتقييم البنية العاملية لمقاييس قائمة التسامح المعدلة:
أكدت نتائج التحليل العاملي التوكيدي مطابقة النموذج متعدد العوامل من الدرجة الأولى والثانية للبيانات، حيث أظهرت مؤشرات حسن المطابقة الآتية:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) = 0.95
- مؤشر توكر-لويس (TLI) = 0.94
- جذر متوسط مربعات خطأ التقريب (RMSEA) = 0.048 (بفاصل ثقة 90%: 0.041 – 0.055)
- جذر متوسط مربع البواقي المعياري (SRMR) = 0.042
- نسبة مربع كاي إلى درجات الحرية (χ²/df) < 2.1
تراوحت التشبعات العاملية لجميع الفقرات على عواملها المحددة بين 0.58 و 0.84، دون وجود تشبعات متقاطعة دالة إحصائياً، مما يدعم بقوة البناء النظري للأداة وتمايز مقاييسها الفرعية.
أداة القياس
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Inventory) للأبعاد النفسية والعلائقية للتسامح.
- شكل الأداة: عبارات تقريرية تقيس الجوانب المعرفية والانفعالية والسلوكية لردود الفعل نحو الإساءات.
- عدد الفقرات: يتراوح عدد فقرات الصيغ المعتمدة للمقياس بين 20 إلى 30 فقرة وفقاً للنسخة المستخدمة والأبعاد المدروسة.
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت خماسي أو سداسي النقاط (1 = لا أوافق بشدة، 5/6 = أوافق بشدة).
- قواعد التصحيح: تُحسب الدرجات بجمع درجات الفقرات لكل مقياس فرعي، وتُعكس درجات الفقرات المصاغة بصيغة سلبية قبل الحساب. تشير الدرجات المرتفعة إلى مستويات أعلى من التسامح والنضج العلائقي والتحرر من الضغينة.
- الفقرات المعكوسة: تتضمن الأداة فقرات معكوسة تركز على استمرار مشاعر الغضب والاجترار والانتقام للحد من انحياز الاستجابة.
- الفئة المستهدفة: المراهقون والبالغون والأزواج وأفراد الأسر الذين تعرضوا لإساءات أو صدمات بينشخصية.
- طريقة التطبيق: فردي أو جماعي، ورقي أو إلكتروني، ويستغرق استكماله من 10 إلى 15 دقيقة.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشرت الأطر الأولى لقائمة التسامح في أواخر التسعينيات (1997) وخضعت للتعديل والتطوير في مطلع الألفية لتوسيع نطاق صلاحيتها الإكلينيكية. تتوفر المقاييس للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية عادةً مجاناً أو بإذن مباشر من المؤلفين والمؤسسات الأكاديمية التابعين لها. أما للاستخدامات التجارية أو التقييمات واسعة النطاق في الشركات والمؤسسات الخاصة، فيتطلب الأمر ترخيصاً مسبقاً وفقاً لحقوق الملكية الفكرية المعمول بها.
المراجع
- Hargrave, T. D., & Sells, J. N. (1997). The Development of a Forgiveness Inventory. Journal of Marital and Family Therapy, 23(1), 41–63. https://doi.org/10.1111/j.1752-0606.1997.tb00230.x
- Enright, R. D., & Fitzgibbons, R. P. (2000). Helping clients forgive: An empirical guide for resolving anger and restoring hope. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/10381-000
- McCullough, M. E., Root, L. M., & Cohen, A. D. (2006). Writing about the benefits of an interpersonal transgression facilitates forgiveness. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 74(5), 887–897. https://doi.org/10.1037/0022-006X.74.5.887
- Rye, M. S., Loiacono, D. L., Folck, C. D., Olszewski, B. T., Heim, T. A., & Madia, B. P. (2001). Evaluation of the Forgiveness Scale. Journal of Clinical Psychology, 57(5), 569–577. https://doi.org/10.1002/jclp.1035
- Worthington, E. L. (2006). Forgiveness and reconciliation: Theory and application. Routledge.
- Sells, J. N., & Hargrave, T. D. (1998). Forgiveness: A review of the theoretical and empirical literature. Journal of Family Therapy, 20(1), 21–36. https://doi.org/10.1111/1467-6427.00066
فقرات المقياس
فيما يلي نص فقرات المقياس كما وردت في نسختها الإنجليزية الأصلية دون أي تعديل أو ترجمة للفقرات، لاستخدامها في الأبحاث والتقييم السيكومتري:
- I have gained insight into why the person hurt me.
- I understand the circumstances that led to the hurtful actions.
- I am able to see the person who hurt me as a flawed human being rather than pure evil.
- I no longer hold a grudge against this person for what happened.
- I have let go of my desire to see this person punished or hurt.
- I do not dwell on the pain that this person caused me in the past.
- I have communicated to this person that I forgive him or her (if appropriate/safe).
- I have accepted the restitution or apology offered by this person.
- I want good things to happen to the person who injured me.
- I find myself wishing that this person would experience the same pain I felt. (Reverse Scored)
- I feel bitter whenever I think about the way I was treated by this person. (Reverse Scored)
- I am actively seeking ways to get even with this person. (Reverse Scored)
- I can think about the hurtful event without feeling overwhelming anger.
- I have stopped blaming this person entirely for everything that went wrong in our relationship.
- I am willing to rebuild trust with this person over time if they demonstrate change.