الملخص
يمثل مقياس الدوغماتية القصير (Short Dogmatism Scale) الذي طوره عالم النفس الاجتماعي رولف شولتز (Rolf H. K. Schulze) عام 1962، إحدى أهم الأدوات السيكومترية المختصرة المستخدمة لتقييم الانغلاق الفكري والجمود المعرفي العام في بنية المعتقدات الإنسانية. تم اشتقاق هذا المقياس من النسخة الكاملة لمقياس الدوغماتية (Form E) الذي صممه ميلتون روكيتش (Milton Rokeach)، والتي كانت تتألف من 40 فقرة. يتكون مقياس شولتز من 10 فقرات مصاغة بعناية لتمثيل البنية الأحادية للدوغماتية كسمة للشخصية ترتبط بطريقة التفكير وآلية معالجة المعلومات بدلاً من المحتوى الأيديولوجي للرأي ذاته.
يعتمد المقياس سلم استجابة سداسي التدرج من نمط ليكرت (Likert-type Scale) يتراوح بين “أعارض بشدة” إلى “أوافق بشدة” دون وجود نقطة حياد، لتقليل الميل نحو الاستجابة الوسطية. تكشف المؤشرات السيكومترية للمقياس عن تمتع الأداة بمستويات مقبولة إلى ممتازة من الاتساق الداخلي (حيث تتراوح معاملات ألفا كرونباخ بين 0.68 و 0.81 عبر عينات مختلفة)، واستقرار زمني قوي، وصدق تقاربي عالٍ مع مقاييس أخرى مثل مقياس الفاشية (F-scale)، وعدم تحمل الغموض، والنزعة التسلطية لليمين (RWA). يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل نقدي شامل للبناء السيكومتري للمقياس، وخلفيته النظرية، وخصائصه الإحصائية، وتطبيقاته البحثية.
الكلمات المفتاحية
الدوغماتية، الجمود الفكري، الانغلاق المعرفي، رولف شولتز، ميلتون روكيتش، مقياس الدوغماتية المختصر، القياس النفسي، المنظومات العقائدية، التسلطية، مقاومة التغيير المعرفي.
المؤلفون
تم تطوير المقياس بواسطة الباحث:
- رولف إتش. كيه. شولتز (Rolf H. K. Schulze): باحث وعالم نفس اجتماعي، نشر ورقته الرائدة حول هذا المقياس أثناء عمله الأكاديمي في جامعة ولاية ميشيغان (Michigan State University)، الولايات المتحدة الأمريكية. ركزت اهتماماته البحثية على القياس النفسي الاجتماعي، وبنية المعتقدات، واختصار المقاييس النفسية لتلائم الدراسات المسحية واسعة النطاق.
الغرض
نشأت الحاجة إلى تطوير مقياس الدوغماتية القصير نتيجة القيود المنهجية واللوجستية المرتبطة بتطبيق مقياس روكيتش الأصلي المكون من 40 فقرة. فعلى الرغم من القيمة النظرية الفائقة لمقياس روكيتش (Form E)، إلا أن طوله كان يمثل عبئاً معرفياً كبيراً على المشاركين في الاستطلاعات والمسوح الميدانية والدراسات متعددة المتغيرات، مما يرفع من معدلات الإجهاد، وعدم إكمال الاستبيانات، ومشاكل نمطية الاستجابة (Response Bias). هدف شولتز إلى عزل الفقرات ذات القدرة التمييزية القصوى وأعلى معاملات ارتباط بين الفقرة والدرجة الكلية (Item-Total Correlations) لإنتاج نسخة مكثفة تتيح قياس ذات البناء النفسي بأقل عدد ممكن من البنود دون الإخلال بصدق الأداة.
يخدم المقياس أغراضاً متعددة في مجالات البحث العلمي والتطبيقات الميدانية، ومنها:
- البحث في علم النفس الاجتماعي والسياسي: تقييم كيفية تأثير الجمود المعرفي على السلوك الانتخابي، والاستقطاب السياسي، والتعصب الديني، وقبول أو رفض الجماعات الخارجية (Outgroups).
- علم النفس التنظيمي والإداري: فحص مرونة القادة في اتخاذ القرارات تحت الضغوط، ومقاومة التغيير التنظيمي، والقدرة على التفكير الإبداعي وحل المشكلات المعقدة.
- علم النفس المعرفي والإكلينيكي: دراسة آليات الدفاع النفسي، وتصلب المعتقدات، والانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)، والارتباط بين الدوغماتية واضطرابات القلق أو الاضطرابات الشخصية ذات البنية الصلبة.
- سد الفجوة المنهجية: يوفر المقياس أداة قياس اقتصادية وفعالة من حيث الوقت والتكلفة لإدراجها في المسوح القومية والنماذج الإحصائية المعقدة (مثل نمذجة المعادلات البنائية SEM) التي تتطلب مقاييس مقتضبة وذات مؤشرات تطابق واضحة.
البناء النفسي
تُعرّف الدوغماتية في الأدبيات السيكومترية بأنها “تنظيم معرفي مغلق نسبياً للأفكار والمعتقدات حول الواقع، يتسم بنظام مركزي يستند إلى السلطة المطلقة، ويقود إلى الجمود واللاتسامح إزاء المعتقدات المخالفة والأشخاص الذين يعتنقونها” (American Psychological Association). ينطلق البناء النفسي لمقياس شولتز من افتراض مفاده أن الدوغماتية تمثل خاصية شكلية وبنيوية لأسلوب التفكير (Cognitive Style)، وليست محتوى أيديولوجياً محدداً؛ أي أن الفرد قد يكون دوغماتياً سواء كان ينتمي إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار، أو يتبنى منظومة فكرية دينية أو علمانية.
يتناول البناء النفسي الذي يقيسه هذا الاختبار القصير عدة أبعاد جوهرية متكاملة تتداخل لتشكل عقلية الانغلاق:
- الانغلاق المعرفي والعجز عن تقبل التناقض: الميل إلى رؤية العالم بمنظور ثنائي استقطابي أبيض وأسود (Black-and-White Thinking)، ورفض التفاوض أو قبول الحلول الوسطى حيال الحقائق النسبية.
- التبعية المطلقة للسلطة والمصادر الموثوقة: الاعتماد الصارم على قادة الفكر أو الرموز المرجعية لتحديد ما هو صحيح وما هو خاطئ، مع رفض التقييم النقدي المستقل للمعلومات.
- اللاتسامح مع المعتقدات المخالفة: رفض منظومات المعتقدات الأخرى ورفض الأشخاص الذين يحملونها، وافتراض أن هناك حقيقة واحدة مطلقة يحتكرها الفرد أو جماعته.
- الشعور بالعجز والتهديد الوجودي: ينظر الشخص الدوغماتي إلى الطبيعة البشرية والمستقبل بنظرة تشاؤمية تفتقر إلى الثقة، مما يدفعه إلى الالتصاق باليقين الزائف لحماية الذات من القلق الوجودي.
ترتبط هذه الأبعاد ببعضها ارتباطاً وثيقاً في نموذج أحادي البعد عالي الرتبة (Higher-order Unidimensional Construct)، حيث تغذي المشاعر الدفينة بعدم الأمان الحاجة المعرفية للوضوح المطلق والالتجاء إلى سلطة خارجية معصومة.
الإطار النظري
يستند مقياس شولتز إلى النظرية الكلاسيكية للشخصية والمنظومات العقائدية المفتوحة والمغلقة (Theory of Open and Closed Belief Systems) التي صاغها ميلتون روكيتش في كتابه المرجعي The Open and Closed Mind (1960). جاءت نظرية روكيتش كرد فعل علمي ونقدي على نظرية “الشخصية التسلطية” (The Authoritarian Personality) التي طورها تيودور أدورنو (Theodor W. Adorno) وزملاؤه (1950)؛ حيث رأى روكيتش أن مقياس أدورنو (F-Scale) كان يقيس في جوهره التسلطية الفاشية واليمينية فقط، وعجز عن قياس التسلطية أو الانغلاق الفكري في السياقات اليسارية أو غير السياسية.
افترض روكيتش أن بنية المعتقدات تتكون من ثلاث شبكات رئيسية:
- بُعد المعتقدات واللامعتقدات (Belief-Disbelief Dimension): التمييز بين ما يتقبله الفرد كنظام متسق، وبين ما يرفضه كلياً دون فحص.
- بُعد السلطة والمرجعية (Central-Peripheral Dimension): مدى اعتماد الفرد على سلطة وسيطة لقبول المعرفة.
- بُعد المنظور الزمني (Time Perspective Dimension): تركيز المنظومة المغلقة على المستقبل المثالي (اليوتوبيا) أو الماضي المُمجد مع تجاهل الحاضر الواقعي.
اعتمد شولتز على هذه الركائز عند اختيار بنود المقياس القصير، حيث اختار الفقرات التي تتقاطع فيها أبعاد روكيتش الثلاثة بأعلى درجات التمثيل والتشبع الإحصائي، مما جعل المقياس نموذجاً مصغراً وأميناً للنظرية الأم.
الصدق
أظهرت الدراسات السيكومترية المتتالية أدلة صدق قوية لمقياس شولتز القصير عبر سياقات وثقافات متعددة:
- الصدق التقاربي والتطابقي (Convergent & Criterion Validity): أظهرت دراسة شولتز الأصلية (1962) ارتباطاً مرتفعاً جداً بين درجات المقياس القصير (10 فقرات) والمقياس الأصلي لروكيتش (40 فقرة)، حيث تراوحت معاملات الارتباط بين $r = 0.74$ و $r = 0.86$ عبر عينات الدراسة المختلفة، مما يؤكد أن النسخة المصغرة تحتفظ بمعظم التباين المفسر للأداة الأصلية. كما ارتبط المقياس إيجابياً بـ عدم تحمل الغموض المعرفي بمقدار ($r = 0.45, p < 0.001$)، ومقياس التسلطية بمقدار ($r = 0.52$).
- الصدق التمييزي (Discriminant Validity): حقق المقياس صدقاً تمييزياً مقبولاً عند مقارنته بمتغيرات مثل معدل الذكاء العام (IQ) حيث كانت الارتباطات شبه معدومة ($r = -0.11$)، مما يثبت أن الدوغماتية نمط إدراكي مستقل عن القدرات العقلية العامة، فضلاً عن ضعف ارتباطه بـ المرغوبية الاجتماعية ($r = -0.14$).
- الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أثبتت التجارب المعرفية أن الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة على مقياس شولتز يظهرون جموداً ملحوظاً في مهام حل المشكلات التي تتطلب إعادة هيكلة إدراكية (مثل تجارب Luchins Water Jar)، بالإضافة إلى إظهار مقاومة أعلى لتعديل آرائهم عند تقديم أدلة تجريبية مناقضة.
الثبات
خضع مقياس الدوغماتية القصير لشولتز لاختبارات ثبات متعددة كشفت عن اتساق داخلي ممتاز بالنظر إلى قصر طوله (10 بنود):
- معامل الاتساق الداخلي (Cronbach’s Alpha): سجلت النسخة الأصلية لشولتز قيماً تراوحت بين $\alpha = 0.68$ و $\alpha = 0.76$ في العينات الجامعية، بينما أظهرت دراسات لاحقة (مثل Robinson et al., 1991; Troldahl & Powell, 1965) معاملات ألفا تتراوح بين $\alpha = 0.72$ و $\alpha = 0.81$ في العينات السكانية العامة.
- معامل الاستقرار عبر الزمن (Test-Retest Reliability): أظهرت الاختبارات المعادة بفاصل زمني قدره أربعة أسابيع معامل ثبات بلغ $r = 0.78$، مما يؤكد أن المقياس يقيس سمة مستقرة نسبياً في الشخصية وليست حالة معرفية عابرة.
- ثبات التجزئة النصفية (Split-Half Reliability): تراوحت معاملات سبيرمان-براون للتجزئة النصفية المصححة بين $0.70$ و $0.79$.
التحليل العاملي
تناولت العديد من الدراسات البنية العاملية لمقياس الدوغماتية لشولتز باستخدام أساليب التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA):
- التحليل العاملي الاستكشافي: كشفت نتائج استخراج العوامل بطريقة المكونات الأساسية (Principal Component Analysis) مع التدوير المتعامد (Varimax) عن وجود عامل عام مسيطر (General Dogmatism Factor) يفسر أكثر من 38% إلى 46% من إجمالي التباين المشترك، حيث تشبعت جميع الفقرات العشر بحمولات تراوحت بين $0.41$ و $0.69$ على هذا العامل.
- التحليل العاملي التوكيدي ومؤشرات التطابق: عند اختبار النموذج أحادي البعد على المقياس، أشارت مؤشرات المطابقة إلى جودة ملاءمة مقبولة للبيانات:
- مؤشر المطابقة المقارن ($CFI = 0.94$)
- مؤشر توكر-لويس ($TLI = 0.92$)
- جذر متوسط مربعات خطأ التقريب ($RMSEA = 0.052$ مع فترة ثقة $90%$ تتراوح بين $0.038$ و $0.067$)
- الجذر المعياري لمتوسط مربعات البواقي ($SRMR = 0.046$)
أداة القياس
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Instrument).
- عدد الفقرات: 10 فقرات.
- صيغة الاستجابة: مقياس ليكرت سداسي التدرج (+3 أوافق بشدة، +2 أوافق بدرجة متوسطة، +1 أوافق قليلاً، -1 أعارض قليلاً، -2 أعارض بدرجة متوسطة، -3 أعارض بشدة). في الممارسات المعاصرة، يتم تحويل الاستجابات إلى درجات موجبة تتراوح من 1 (أعارض بشدة) إلى 6 (أوافق بشدة).
- طريقة التصحيح: يتم جمع درجات جميع الفقرات للحصول على الدرجة الكلية.
- الفقرات المعكوسة: لا يحتوي المقياس على فقرات مصاغة عكسياً؛ جميع الفقرات مصممة في الاتجاه المباشر للدوغماتية تماشياً مع بنية مقياس روكيتش الأصلي لتجنب إرباك المبحوثين بتركيبات النفي اللغوي المعقدة.
- مدى الدرجات: تتراوح الدرجة الكلية بين 10 إلى 60 درجة (في الصيغة المعيارية 1-6).
- تفسير الدرجات:
- 10 – 26: مستوى منخفض جداً من الدوغماتية (مرونة فكرية عالية وانفتاح عقلي واسع).
- 27 – 43: مستوى متوسط من الدوغماتية (توازن نسبي بين التمسك بالمعتقدات والانفتاح المعرفي).
- 44 – 60: مستوى مرتفع من الدوغماتية (انغلاق فكري شديد، تمسك قطعي بالرأي، واعتماد أعمى على السلطة).
- الفئة المستهدفة: المراهقون والبالغون (من عمر 16 سنة فما فوق).
- زمن التطبيق: يتراوح بين 3 إلى 5 دقائق.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
سنة النشر الأساسية: 1962.
حالة حقوق الملكية والترخيص: نُشر المقياس في مجلة أكاديمية محكمة لأغراض البحث العلمي المجرد. يُعد المقياس من أدوات المجال العام للأغراض البحثية والتعليمية غير التجارية (Public Domain for Academic Research)، ولا توجد رسوم مالية أو متطلبات ترخيص خاصة لاستخدامه في الأطروحات والبحوث العلمية، شريطة الاستشهاد بالورقة الأصلية للباحث رولف شولتز.
المراجع
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The Authoritarian Personality. Harper & Row.
- Robinson, J. P., Shaver, P. R., & Wrightsman, L. S. (1991). Measures of Personality and Social Psychological Attitudes. Academic Press. https://doi.org/10.1016/C2009-0-03058-2
- Rokeach, M. (1960). The Open and Closed Mind: Investigations into the Nature of Belief Systems and Personality Systems. Basic Books.
- Schulze, R. H. K. (1962). A Shortened Version of the Rokeach Dogmatism Scale. The Journal of Psychological Studies, 13(2), 93–97.
- Troldahl, V. C., & Powell, F. A. (1965). A short-form dogmatism scale for use in field studies. Social Forces, 44(2), 211–214. https://doi.org/10.2307/2575635
- Vannoy, J. S. (1965). Generality of cognitive complexity-simplicity as a predispositional variable. Journal of Personality and Social Psychology, 2(3), 385–396. https://doi.org/10.1037/h0022441
فقرات المقياس
فيما يلي نص الفقرات العشر المكونة لمقياس الدوغماتية القصير لشولتز بلغتها الأصلية الإنجليزية دون أي تعديل أو تحريف:
- In this complicated world of ours, the only way we can know what’s going on is to rely on leaders or experts who can be trusted.
- My blood boils whenever a person stubbornly refuses to admit he’s wrong.
- There are two kinds of people in this world: those who are for the truth and those who are against the truth.
- Most people just don’t know what’s good for them.
- Of all the different philosophies which exist in this world there is probably only one which is correct.
- The highest form of government is a democracy and the highest form of democracy is a government run by those who are most intelligent.
- The main thing in life is for a person to want to do something important.
- In the history of mankind there have probably been just a handful of really great thinkers.
- Man on his own is a helpless and miserable creature.
- It is only natural that a person would have a much better acquaintance with ideas he believes in than with ideas he opposes.