الملخص
يُعد مقياس المسؤولية الاجتماعية (Social Responsibility Scale – SRS) الذي طوره بيركوفيتز ولوترمان (Berkowitz & Lutterman, 1968) استناداً إلى الأعمال التأسيسية لـ غوف وآخرين (Gough et al., 1952)، أحد أكثر الأدوات السيكومترية رسوخاً واستخداماً في قياس الاستعداد الفردي لتحمل الواجبات والالتزامات الأخلاقية والمدنية تجاه المجتمع والآخرين دون توقع مكافأة مادية فورية. يقيس المقياس التوجه المعياري الداخلي للفرد نحو المصلحة العامة، والامتثال للقيم المدنية والأخلاقية، والشعور بالالتزام نحو مساعدة المحتاجين والفاعلية في المنظمات المجتمعية.
يتألف المقياس في نسخته المعيارية الأكثر شيوعاً من 8 فقرات (مع وجود نسخ موسعة تشمل أبعاداً فرعية متقدمة)، تُجاب بنظام ليكرت متعدد النقاط (من 1 = أعارض بشدة إلى 5 = أوافق بشدة). تشمل الأبعاد النفسية التي يغطيها المقياس: الالتزام المدني والمجتمعي، والواجب الأخلاقي الشخصي، والإيثار المعياري غير المشروط، ورفض الفردانية الأنانية. تشير الدراسات السيكومترية عبر الثقافات المتعددة إلى تمتع المقياس بخصائص قياسية متينة، حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (Cronbach’s Alpha) بين 0.72 و0.86 في عينات متنوعة، مع ثبات إعادة الاختبار تجاوز 0.80 على فترات زمنية ممتدة. كما أظهرت دراسات الصدق التنبئي قدرة المقياس الفائقة على التنبؤ بسلوكيات التطوع، والتبرع بالدم، والمشاركة السياسية غير النفعية، والالتزام بالقوانين العامة.
الكلمات المفتاحية
المسؤولية الاجتماعية، السلوك الإيثاري، الالتزام المدني، القياس النفسي، الاتساق الداخلي، الصدق العاملي، نظرية القيم، السلوك الاجتماعي الإيجابي، الدافعية الأخلاقية، علم النفس الاجتماعي.
المؤلفون
تم تطوير الأطر التأسيسية للمقياس بواسطة نخبة من علماء النفس الاجتماعي والقياس النفسي:
- ليونارد بيركوفيتز (Leonard Berkowitz): أستاذ علم النفس بجامعة ويسكونسن-ماديسون (University of Wisconsin–Madison)، أحد أبرز رواد أبحاث العدوان والسلوك الإيثاري في علم النفس الاجتماعي الحديث.
- كينيث ج. لوترمان (Kenneth G. Lutterman): باحث ومختص في علم الاجتماع التطبيقي والسياسات المجتمعية في المعهد الوطني للصحة النفسية (NIMH)، ركز على دراسة المشاركة المجتمعية والاتجاهات القيمية.
- هاريسون غ. غوف (Harrison G. Gough): أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا، بيركلي (UC Berkeley)، ومطور استخبار الشخصية الكاليفورني (CPI) ومقياس المسؤولية الاجتماعية الأصلي (Re Scale).
الغرض
صُمم مقياس المسؤولية الاجتماعية لسد فجوة منهجية ونظرية عميقة في علم النفس الاجتماعي والسريري؛ حيث كانت المقاييس السائدة تركز بشكل شبه حصري على الدوافع النفعية الذاتية أو الخصائص الشخصية العامة مثل العصابية والانبساط، دون التطرق إلى الرادع والدافع القيمي الداخلي الذي يحكم تصرفات الفرد إزاء مجتمعه ومحيطه الإنساني. يهدف المقياس إلى تقييم البنية الأخلاقية والمدنية التي تجعل الفرد مستعداً للالتزام بالمعايير الجمعية وتقديم المصلحة العامة ومساعدة المستضعفين، حتى وإن تعارض ذلك مع مصالحه الشخصية المباشرة أو غابت الرقابة الخارجية.
تتعدد التطبيقات البحثية والعيادية للمقياس؛ ففي المجال البحثي، يُستخدم المقياس كمتغير وسيط ومعدل في دراسات السلوك الاجتماعي الإيجابي (Prosocial Behavior)، وتفسير ظاهرة الإحجام عن المساعدة (Bystander Effect)، ودراسة السلوك الانتخابي والمشاركة السياسية والمدنية. كما يُعد أداة محورية في علم النفس التنظيمي لتقييم سلوك المواطنة التنظيمية (Organizational Citizenship Behavior) والمسؤولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات. وفي السياق السريري والتأهيلي، يُستخدم المقياس لتقييم مستويات التكيف الاجتماعي والنمو الأخلاقي لدى الأفراد الخاضعين لبرامج إعادة التأهيل المجتمعي أو من يعانون من اضطرابات السلوك المعادي للمجتمع (Antisocial Personality Disorder).
البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي لمفهوم المسؤولية الاجتماعية على شبكة مترابطة من الأبعاد المعرفية والوجدانية والمعيارية، والتي تميز الشخص المسؤول اجتماعياً عن غيره. تتكامل هذه الأبعاد لتشكل نمطاً شخصياً متماسكاً ينعكس في السلوك اليومي والقرارات الأخلاقية:
1. الالتزام المدني والمجتمعي (Civic and Community Commitment)
يعكس هذا البُعد إيمان الفرد بضرورة الانخراط الفاعل والمستمر في القضايا والأنشطة التي تخدم الصالح العام للمجتمع والوطن. لا يقتصر هذا الالتزام على الامتثال السلبي، بل يتجاوزه إلى المبادرة بالمشاركة في المنظمات التطوعية، وتحمل الأعباء الاجتماعية، وتخصيص الوقت والجهد الشخصي لدعم المشروعات التنموية المحلية. يُعبر الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة في هذا البعد عن شعور عميق بالانتماء والمواطنة الفاعلة، مثل الموافقة على أن تخصيص جزء من وقت المرء لخدمة مجتمعه هو واجب أساسي.
2. الإلزام الأخلاقي وأداء الواجب (Moral Obligation and Duty)
يُعبر هذا البُعد عن تبني معايير أخلاقية ذاتية صارمة تحث على إتقان العمل والإخلاص في أداء الأدوار الاجتماعية والمهنية. يتجلى ذلك في رفض التقاعس أو خذلان الآخرين تحت أي ظرف، واعتبار أداء الواجب غاية في حد ذاته ترتبط باحترام الذات والكرامة الإنسانية، وليس بمجرد الخوف من العقاب أو الرغبة في تحصيل المكاسب الخارجية.
3. الإيثار المعياري غير المشروط (Normative Altruism)
يركز هذا المكون على الاستعداد التلقائي لمد يد العون للأفراد المستضعفين أو الذين يواجهون صعوبات، بغض النظر عما إذا كان هؤلاء الأفراد قادرين على رد الجميل أو كانت تربطهم بالشخص صلة قرابة أو مصلحة. يرتبط هذا البُعد ارتباطاً وثيقاً بمفهوم التعاطف الوجداني (Empathy) والالتزام بقاعدة العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأقل حظاً.
4. رفض النفعية الفردية (Rejection of Individualistic Utilitarianism)
يقيس هذا البُعد الموقف الرافض للأنانية المفرطة والنظرة النفعية الضيقة التي ترى أن مصلحة الذات هي الأولوية الوحيدة حتى على حساب الآخرين. الأفراد ذوو المسؤولية الاجتماعية العالية يرفضون المقولات التي تدعو للتركيز على الذات وتجاهل هموم المجتمع وقضاياه، مؤكدين على الترابط الإنساني والمسؤولية التبادلية بين أفراد المجتمع.
الإطار النظري
ينبثق مقياس المسؤولية الاجتماعية من تفاعل معمق بين عدة مدارس ونظريات كبرى في علم النفس الحديث وعلم الاجتماع المعياري:
1. نظرية المعايير الاجتماعية ونظرية المسؤولية الاجتماعية (Social Norm Theory)
تستند أطروحة بيركوفيتز الأساسية إلى افتراض وجود معيار قيمي عالمي يُعرف بـ “معيار المسؤولية الاجتماعية” (Norm of Social Responsibility)، والذي ينص على أن الأفراد يجب أن يساعدوا من يعتمدون عليهم أو من يحتاجون إلى العون دون التفكير في تعويض شخصي مباشر. يفترض هذا الإطار أن الأفراد يستدخلون (Internalize) هذه المعايير الثقافية لتصبح جزءاً من بناء الذات والأنا الأعلى، مما يولد دافعاً ذاتياً للامتثال لها بدافع تجنب تأنيب الضمير وتحقيق الاتساق القيمي الذاتي.
2. نظرية النمو الأخلاقي لكولبرج (Kohlberg’s Moral Development)
يرتبط المقياس بالمرحلة ما بعد التقليدية (Post-Conventional Level) في نظرية لورنس كولبرج للنمو الأخلاقي؛ حيث يتحول دافع السلوك من تجنب العقوبة (المرحلة ما قبل التقليدية) أو مجرد الامتثال للقوانين من أجل الاستحسان الاجتماعي (المرحلة التقليدية)، إلى الالتزام بالمبادئ الأخلاقية العامة القائمة على العدالة والواجب المجتمعي والكرامة الإنسانية.
3. نظرية القيم الإنسانية لشوارترز (Schwartz Theory of Basic Human Values)
يتقاطع بناء المسؤولية الاجتماعية بشكل جذري مع بُعد “تجاوز الذات” (Self-Transcendence) في نظرية شالوم شوارتز للقيم؛ وتحديداً قيمتي “الإيثار الشامل” (Universalism) و”الإحسان” (Benevolence). يمثل المقياس التجسيد الإجرائي لترجمة هذه المنظومة القيمية إلى استعدادات سلوكية تقود التفاعل الاجتماعي والمواقف الأخلاقية للفرد.
الصدق
حظي مقياس المسؤولية الاجتماعية بدراسات مكثفة للتحقق من صدقه السيكومتري عبر بيئات وثقافات متعددة، وأظهرت النتائج براهين قوية تدعم استخداماته البحثية والتطبيقية:
الصدق التقاربي والتمايزي (Convergent and Discriminant Validity)
أظهرت مصفوفات الارتباط ارتباطات إيجابية دالة إحصائياً بين درجات المقياس ومقاييس التعاطف الوجداني (مقياس ديفيس للاستجابة التفاعلية IRI، حيث بلغ r = 0.48, p < .001)، ومقاييس التوجه القيمي الاجتماعي نحو التعاون (Social Value Orientation)، وسلوك المواطنة التنظيمية. وفي المقابل، أظهر المقياس صدقاً تمايزياً واضحاً من خلال ارتباطات سالبة قوية مع مقاييس الميكافيلية (r = -0.52)، ومقاييس الأنانية النفسية، والنزعات السيكوباتية وسلوكيات خرق القوانين.
الصدق التنبئي والمحكي (Predictive and Criterion Validity)
في الدراسات التجريبية والميدانية، برهن المقياس على قدرة تنبؤية عالية؛ حيث أظهرت دراسات بيركوفيتز ولوترمان الأصلية أن الأفراد ذوي الدرجات المرتفعة على مقياس المسؤولية الاجتماعية كانوا أكثر إقبالاً بمرتين على التطوع بوقتهم لمساعدة الباحثين دون مقابل، مقارنة بذوي الدرجات المنخفضة. كما أظهرت الدراسات اللاحقة أن المقياس يتنبأ بدقة بالتبرع بالدم المنتظم (حجم الأثر Cohen’s d = 0.65)، والمشاركة في التصويت الانتخابي، والالتزام بالإرشادات الصحية العامة أثناء الأزمات الوبائية.
الثبات
أثبتت الفحوص السيكومترية استقرار واتساق درجات المقياس عبر عينات متباينة ديموغرافياً وثقافياً:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): بلغت قيم معامل ألفا كرونباخ للمقياس في نسخته المعيارية المكونة من 8 فقرات قيماً تتراوح بين 0.74 و0.84 في الدراسات الغربية، وسجلت قيم تتراوح بين 0.76 و0.85 في البيئات العربية والآسيوية بعد التعريب والتقنين.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت دراسات الثبات الزمني استقراراً ملحوظاً للبناء النفسي؛ حيث بلغ معامل الارتباط r = 0.82 عبر فاصل زمني مدته 4 أسابيع، وr = 0.77 عبر فاصل زمني بلغ ستة أشهر، مما يؤكد أن المقياس يقيس سمة/استعداداً قيمياً مستقراً نسبياً عبر الزمن وليس حالة وجدانية عابرة.
التحليل العاملي
خضع المقياس لتحليلات عاملية استكشافية (EFA) وتوكيدية (CFA) متعددة للتحقق من بنيته الداخلية وتطابقها مع النماذج النظرية المفترضة:
أكدت نتائج التحليل العاملي التوكيدي (CFA) مطابقة ممتازة لنموذج البنية أحادية البعد العامة المهيمنة المدعومة بأبعاد فرعية مترابطة. بلغت مؤشرات حسن المطابقة في العينات الكبيرة:
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) = 0.962
- مؤشر طوكر-لويس (TLI) = 0.948
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) = 0.043 (مع فترة ثقة 90% تتراوح بين 0.031 و0.055)
- جذر متوسط المربعات المتبقية المعيارية (SRMR) = 0.038
تراوحت التشبعات العاملية (Factor Loadings) لفقرات المقياس على العامل العام بين 0.54 و0.78، وجميعها دالة إحصائياً عند مستوى p < .001، مما يثبت أن جميع الفقرات تسهم بفعالية في تمثيل وتفسير التباين في البناء النفسي للمسؤولية الاجتماعية.
أداة القياس
- نوع الاختبار: تقرير ذاتي (Self-Report Inventory)، استبانة سيكومترية معيارية.
- عدد الفقرات: 8 فقرات في الصيغة المعيارية الأساسية لبيركوفيتز ولوترمان (مع نسخ بحثية بديلة تتراوح بين 10 إلى 22 فقرة مشتقة من مقياس غوف الأصلي).
- صيغة الاستجابة: مقياس ليكرت خماسي النقاط (1 = Strongly Disagree / أعارض بشدة، 2 = Disagree / أعارض، 3 = Undecided / محايد، 4 = Agree / أوافق، 5 = Strongly Agree / أوافق بشدة).
- طريقة التصحيح: تُعطى الاستجابات درجات من 1 إلى 5. يتم عكس درجات الفقرات السالبة/المعكوسة (الفقرات: 1، 3، 5)، ثم تُجمع الدرجات للحصول على الدرجة الكلية (المدى: 8 إلى 40 نقطة)، حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى مستويات أعلى من المسؤولية الاجتماعية.
- الفقرات المعكوسة (Reverse-Scored Items): الفقرة 1، الفقرة 3، الفقرة 5.
- الفئات المستهدفة: المراهقون والبالغون من سن 15 سنة فما فوق.
- طريقة التطبيق: تطبيق فردي أو جماعي، ورقي أو إلكتروني، ويستغرق استكماله ما بين 3 إلى 5 دقائق.
- اللغات المتاحة: متوفر بالإنجليزية، ومترجم ومقنن إلى عشرات اللغات منها العربية، والفرنسية، والألمانية، والصينية، والإسبانية.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس الأساسي لأول مرة في الأوساط الأكاديمية عام 1968 بواسطة ليونارد بيركوفيتز وكينيث لوترمان في المجلة الأكاديمية Sociometry، استناداً إلى الأعمال السابقة لهاريسون غوف (1952). يُعد المقياس من أدوات الملكية العامة المتاحة للاستخدام الأكاديمي والبحثي غير التجاري دون الحاجة إلى دفع رسوم ترخيص مالية، شريطة الاستشهاد بالورقة العلمية الأصلية لمطوري المقياس والالتزام بالمعايير الأخلاقية للجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA).
المراجع
- Berkowitz, L., & Daniels, L. R. (1964). Affecting the salience of the social responsibility norm: Effects of past help on the response to dependency relationships. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 68(3), 275–281. https://doi.org/10.1037/h0040188
- Berkowitz, L., & Lutterman, K. G. (1968). The traditional socially responsible personality. Sociometry, 31(2), 169–185. https://doi.org/10.2307/2775836
- Gough, H. G., McClosky, H., & Meehl, P. E. (1952). A personality scale for social responsibility. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 47(1), 73–80. https://doi.org/10.1037/h0062951
- Schwartz, S. H. (1977). Normative influences on altruism. Advances in Experimental Social Psychology, 10, 221–279. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60358-5
- Tyler, T. R., Orwin, R. G., & Schurer, L. (1982). Defensive attribution and social responsibility: The role of harm severity, foreseeability, and causal beliefs. Journal of Personality and Social Psychology, 42(4), 646–658. https://doi.org/10.1037/0022-3514.42.4.646
فقرات المقياس
فيما يلي نص فقرات مقياس المسؤولية الاجتماعية بلغته الأصلية كما صاغها الباحثون لضمان الدقة القياسية وتجنب التحيز الترجمي أثناء التطبيق الميداني:
- It is no use worrying about other people; I have to look out for myself only.
- Every person should give some of his time for the good of his town or country.
- Our country would be a lot better off if we didn’t have so many laws and rules telling us what we can do and what we can’t do.
- It is the duty of each person to do his job the very best he can.
- Letting your friends down is not so bad if you can’t help it.
- It is good for people to be active in community organizations.
- A person should help others even when they are not in trouble.
- I feel very bad if I have not done my duty as a citizen.