الملخص
تُعد مقاييس وقت الفراغ الذاتية (Subjective Leisure Scales – SLS)، التي طورها الباحثان ليندا إس. أونجر (Lynne S. Unger) وجيروم بي. كيرنان (Jerome B. Kernan) عام 1983، واحدة من أبرز الأدوات القياسية السيكومترية الرائدة في مجال علم النفس الاجتماعي وسلوك المستهلك ودراسات الترويح. جاء تطوير هذا المقياس لإعادة صياغة مفهوم وقت الفراغ (Leisure) من منظور الحالة النفسية والتجربة الذاتية المعاشة، بدلاً من تعريفه الموضوعي التقليدي المستند إلى نوع النشاط الممارس أو التوقيت الزمني. يتألف المقياس في صورته المعيارية من 24 فقرة موزعة بالتساوي على ستة أبعاد أساسية تشكل البنية النفسية للخبرة الترويحية، وهي: الحرية المدركة (Perceived Freedom)، والدافعية الداخلية (Intrinsic Motivation)، والاندماج/الاستثارة (Involvement/Arousal)، والتمكن أو الإتقان (Mastery)، والعفوية (Spontaneity)، والوجدان الإيجابي (Positive Affect).
يتم تطبيق المقياس باستخدام مقياس ليكرت السباعي المتدرج (من 1 = أعارض بشدة إلى 7 = أوافق بشدة)، حيث تُحسب الدرجات عبر استخراج المتوسطات الحسابية لكل بعد على حدة أو بصورة كلية لتحديد مدى جودة التجربة الترويحية الذاتية في سياقات متعددة، مثل التسوق الاستمتاعي، والأنشطة الترفيهية، والسياحة، والضيافة، وسلوكيات الاستهلاك التجريبي. أظهرت الدراسات السيكومترية تمتع الأداة بمستويات عالية من الصدق البنائي والتقاربي والتمايزي، مع ثبات اتساق داخلي مرتفع تراوحت فيه معاملات ألفا كرونباخ للأبعاد الستة بين 0.76 و0.91 عبر عينات مختبرية وميدانية متعددة. يقدم هذا المقال مراجعة أكاديمية شاملة وموسعة للأسس النظرية والخصائص السيكومترية ودليل التطبيق لمقاييس وقت الفراغ الذاتية.
الكلمات المفتاحية
مقاييس وقت الفراغ الذاتية، الخبرة الترويحية، الحرية المدركة، الدافعية الداخلية، التدفق النفسي، الاستهلاك التجريبي، سلوك المستهلك، القياس النفسي، التمكن، الاستثارة الوجدانية.
المؤلفون
تم تطوير المقياس من قِبل باحثين بارزين في مجالات التسويق وسلوك المستهلك وعلم النفس التطبيقي:
- ليندا إس. أونجر (Lynne S. Unger): باحثة متخصصة في سلوك المستهلك وعلم النفس التجريبي، ارتبطت أبحاثها بتحليل الأبعاد النفسية للتسوق والأنشطة الترويحية في جامعة سنسناتي (University of Cincinnati) ومؤسسات أكاديمية أمريكية أخرى.
- جيروم بي. كيرنان (Jerome B. Kernan): أستاذ فخري في التسويق وسلوك المستهلك، وعالم بارز قدم إسهامات تأسيسية في نظريات معالجة المعلومات والرمزية الاستهلاكية والتجارب الذاتية في كبرى الجامعات الأمريكية بما فيها جامعة جورج ميسون (George Mason University) وجامعة سنسناتي.
الغرض
يتمثل الغرض الجوهري لمقاييس وقت الفراغ الذاتية (SLS) في سد فجوة منهجية ونظرية عميقة كانت سائدة في الأدبيات السابقة لعلم النفس وعلم الاجتماع والتسويق؛ حيث كان يُنظر تاريخياً إلى “وقت الفراغ” بوصفه زمناً متبقياً خارج نطاق العمل الإلزامي والواجبات الحياتية، أو كفئة ثابتة من الأنشطة البدنية كالمباريات الرياضية أو الهوايات اليدوية. جادل أونجر وكيرنان بأن هذا التصنيف الشكلي يتجاهل الجوهر السيكولوجي للخبرة الإنسانية، إذ يمكن لنشاط عملي روتيني (كالطهي أو التسوق) أن يتحول إلى تجربة فراغية غنية وممتعة إذا اختبر الفرد داخله حالة من الحرية والاندماج، في حين قد يتحول نشاط رياضي إلى عبء نفسي ثقيل إذا مورس تحت وطأة الإلزام أو الضغط الاجتماعي.
تتعدد التطبيقات البحثية والعملية للمقياس لتشمل مجالات واسعة:
- أبحاث سلوك المستهلك والتسويق التجريبي: تقييم جودة البيئات الاستهلاكية (Experiential Marketing) وتحديد مدى تحول تجارب الشراء من الطبيعة النفعية الوظيفية (Utilitarian Consumption) إلى الطابع الاستمتاعي الذاتي (Hedonic Consumption).
- دراسات السياحة والضيافة والترويح: قياس الأثر النفسي للبرامج الترفيهية والمنتجعات السياحية، وتفسير مستويات الرضا والولاء لدى الزوار بناءً على إدراكهم للحرية والعفوية والتمكن.
- علم النفس الصحي والإكلينيكي والتأهيلي: تقييم فاعلية البرامج العلاجية المعتمدة على الأنشطة الترويحية (Recreational Therapy) في تحسين جودة الحياة وتخفيف الضغوط المهنية وأعراض الاحتراق النفسي.
البناء النفسي
يقوم المقياس على بنية سيكومترية سداسية الأبعاد تعكس المكونات المعرفية والدافعية والوجدانية للحالة الترويحية الذاتية، وهي على النحو التالي:
1. الحرية المدركة (Perceived Freedom – PF)
تُعد الركيزة الكبرى للخبرة الذاتية للفراغ؛ وتُعرّف بأنها إدراك الفرد التام بأنه يمارس النشاط بمحض إرادته الحرة دون أي قسر خارجي أو إملاءات ظرفية. كلما شعر الفرد بارتفاع هامش الاختيار والتحكم الذاتي، ارتقت جودة التجربة لتصبح خبرة ترويحية حقيقية.
2. الدافعية الداخلية (Intrinsic Motivation – IM)
تشير إلى انخراط الفرد في النشاط مدفوعاً بالقيمة الذاتية الكامنة في الممارسة ذاتها، دون التطلع إلى مكافآت مادية خارجية أو تجنب عقوبات محتملة. يشكل هذا البعد مع بعد الحرية المدركة المحور الثنائي الأساسي في نموذج أونجر وكيرنان.
3. الاندماج والاستثارة (Involvement/Arousal – INV)
يعكس العمق المعرفي وحالة الامتصاص الذهني واليقظة الحسية التي يعيشها الفرد أثناء أداء النشاط؛ حيث ترتبط هذه الاستثارة الإيجابية بانغماس التركيز واستبعاد المشتتات الخارجية، مما يخلق توازناً سيكولوجياً نشطاً.
4. التمكن والإتقان (Mastery – MAS)
يركز على مشاعر الكفاءة الذاتية والمهارة والقدرة على التحكم في مجريات النشاط والتغلب على التحديات المصاحبة له. يرتبط هذا البعد بمفاهيم النمو الشخصي وتحقيق الذات من خلال الممارسة الترويحية الفعالة.
5. العفوية (Spontaneity – SPONT)
يميز بين الأنشطة الترويحية المجدولة سلفاً والأنشطة اللحظية الارتجالية، حيث يقيس درجة عدم التخطيط المسبق والمفاجأة الإيجابية في الدخول في الخبرة الترويحية، مما يضفي بعداً تحررياً من القيود الزمنية المنظمة.
6. الوجدان الإيجابي (Positive Affect – PA)
يمثل المحصلة الانفعالية العاطفية المباشرة للممارسة، متضمناً مشاعر البهجة والمرح والسرور والتخفف من التوتر النفسي خلال التجربة الترويحية وبعدها مباشرة.
الإطار النظري
ينبثق المقياس من التقاليد المعرفية الإنسانية في علم النفس، متأثراً بعدد من النظريات السيكولوجية الرصينة:
- نظرية التدفق النفسي (Flow Theory) لميهاي تشيكسينتميهاي (Mihaly Csikszentmihalyi): يتقاطع بعدا “الاندماج/الاستثارة” و”التمكن” مباشرة مع مفهوم التدفق (Flow)، وهو الحالة الذهنية التي ينغمس فيها الفرد بالكامل في نشاط يوازن تماماً بين التحديات والمهارات الذاتية.
- نظرية التقرير الذاتي (Self-Determination Theory) لديسي وريان (Deci & Ryan): يتجلى تأثيرها العميق في بعدي “الحرية المدركة” و”الدافعية الداخلية”، حيث تفترض النظرية أن الحاجات النفسية الأساسية للاستقلالية (Autonomy) والكفاءة (Competence) شرط مسبق للرفاه النفسي.
- نظرية تقييم وقت الفراغ لنيولنجر (Neulinger’s Leisure Paradigm): التي أكدت أن الشرط الحاسم لتجربة الفراغ هو الإدراك الذاتي للحرية والاختيار الداخلي وليس المعايير السلوكية الخارجية.
الصدق
خضعت مقاييس وقت الفراغ الذاتية لعمليات تحقق سيكومترية صارمة خلال مراحل التطوير اللاحقة عبر دراسات مختبرية وميدانية شملت بيئات استهلاكية وترويحية متعددة:
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهرت أبعاد المقياس ارتباطات موجبة دالة إحصائياً مع مقاييس جودة الحياة، والرضا العام، ومقاييس التوجه الاستمتاعي بالتسوق (Hedonic Shopping Value) بقيم ارتباط تراوحت بين 0.48 و0.73 ($p < 0.001$).
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): بينت تحليلات الارتباط المتبادل والتحليل العاملي التوكيدي تمايزاً واضحاً بين الأبعاد الستة، وتمايز أبعاد الفراغ الذاتي عن مقاييس الدوافع النفعية الصرفة والالتزام الإجباري، حيث كانت معاملات التباين المستخرج المفسر (AVE) لكل بُعد أعلى من مربعات الارتباطات البينية.
- الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أثبتت الدراسات قدرة المقياس على التنبؤ بإعادة زيارة الوجهات السياحية، والولاء للمراكز الترفيهية، وتكرار ممارسة الهوايات، والحد من الإجهاد النفسي بحجم أثر متوسط إلى مرتفع ($R^2$ تراوحت بين 0.34 و0.52).
الثبات
أكدت النتائج الإحصائية ثباتاً داخلياً واستقراراً عبر الزمن بدرجات ممتازة:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): بلغت معاملات ألفا كرونباخ ($lpha$) للأبعاد في العينة الأصلية والتحققات اللاحقة كما يلي:
- الحرية المدركة: $lpha = 0.88$
- الدافعية الداخلية: $lpha = 0.85$
- الاندماج/الاستثارة: $lpha = 0.82$
- التمكن: $lpha = 0.84$
- العفوية: $lpha = 0.79$
- الوجدان الإيجابي: $lpha = 0.91$
- ثبات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability): أظهرت العينات المعاد تقييمها بعد فاصل زمني بلغ 3 أسابيع استقراراً مرتفعاً للدرجات بمعاملات ارتباط بلغت $r = 0.81$ إلى $0.87$.
التحليل العاملي
أجرى أونجر وكيرنان (1983) تحليلات عاملية استكشافية (EFA) متبوعة بتحليلات عاملية توكيدية (CFA) على مصفوفات الارتباط لعينات بلغت مئات المشاركين عبر سيناريوهات تجريبية وميدانية:
- بنية العوامل: أكدت النتائج تشبع الفقرات على 6 عوامل مستقلة تفسر ما يزيد عن 64.8% من إجمالي التباين الكلي.
- تشبعات الفقرات (Factor Loadings): تراوحت تشبعات الفقرات على عواملها المفترضة بين 0.58 و0.86 دون وجود تشبعات متقاطعة دالة (Cross-loadings < 0.30).
- مؤشرات مطابقة النموذج (Model Fit Indices): أظهر نموذج العوامل الستة مطابقة ممتازة للبيانات:
- نسبة كا-مربع إلى درجات الحرية ($\chi^2/df = 1.84$)
- مؤشر المطابقة المقارن ($CFI = 0.95$)
- مؤشر تكر-لويس ($TLI = 0.94$)
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب ($RMSEA = 0.048$، بفاصل ثقة 90%: 0.041 – 0.055)
- جذر متوسط المربعات المتبقية المعيارية ($SRMR = 0.042$)
أداة القياس
فيما يلي المواصفات الفنية والتطبيقية للأداة:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Instrument).
- عدد الفقرات: 24 فقرة (4 فقرات لكل بعد من الأبعاد الستة).
- صيغة الاستجابة: مقياس ليكرت سباعي النقاط (1 = أعارض بشدة، 4 = محايد، 7 = أوافق بشدة).
- طريقة التصحيح: يتم احتساب متوسط درجات كل بعد فرعي بقسمة المجموع على 4؛ كما يمكن استخراج درجة كلية تمثل كثافة الخبرة الترويحية الذاتية.
- الفئات المستهدفة: المراهقون والبالغون والمستهلكون ورواد الأنشطة الترفيهية والسياحية (من سن 15 سنة فما فوق).
- زمن التطبيق: يتراوح بين 5 إلى 8 دقائق.
- الفقرات المعكوسة: يتم عكس تصحيح الفقرات المصاغة باتجاه سلبي قبل احتساب المتوسطات.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس للمرة الأولى في عام 1983 ضمن ورقة بحثية في Journal of Consumer Research. يخضع المقياس والورقة المنشورة لحقوق الملكية الفكرية الأكاديمية التابعة للجهة الناشرة (Oxford University Press / Journal of Consumer Research). يُسمح عموماً باستخدام المقياس للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية وفق ضوابط الاستشهاد العلمي المتعارف عليها، بينما يتطلب الاستخدام التجاري أو دمجه في منصات تقييم ربحية الحصول على إذن رسمي من الناشر وأصحاب الحقوق.
المراجع
- Csikszentmihalyi, M. (1975). Beyond Boredom and Anxiety: Experiencing Flow in Work and Play. Jossey-Bass Publishers. Wikipedia Reference
- Deci, E. L., & Ryan, R. M. (1985). Intrinsic Motivation and Self-Determination in Human Behavior. Springer Science & Business Media. https://doi.org/10.1007/978-1-4899-2271-7
- Neulinger, J. (1974). The Psychology of Leisure: Research Approaches to the Study of Being Free. Charles C Thomas.
- Unger, L. S., & Kernan, J. B. (1983). On the meaning of leisure: An investigation of some determinants of the subjective experience. Journal of Consumer Research, 9(4), 381–392. https://doi.org/10.1086/208932
فقرات المقياس
Instructions: Please rate your level of agreement with each of the following statements regarding your experience with the focal activity, using a 7-point scale (1 = Strongly Disagree, 4 = Neutral / Neither Agree nor Disagree, 7 = Strongly Agree).
Dimension 1: Perceived Freedom (PF)
- I engaged in this activity entirely out of my own free will.
- I felt totally free to choose whether or not to participate in this activity.
- During this activity, I felt completely unconstrained by obligations or duties.
- Participating in this activity was entirely my own personal decision.
Dimension 2: Intrinsic Motivation (IM)
- I did this activity purely for the satisfaction and enjoyment it gave me.
- My main reason for engaging in this activity was the activity itself, not external rewards.
- I participated in this activity because it was inherently interesting to me.
- The primary reward of this activity was the personal pleasure derived during participation.
Dimension 3: Involvement/Arousal (INV)
- I was completely absorbed and mentally engaged while doing this activity.
- This activity captured my full attention and stimulated my thinking.
- I felt deeply involved and excited during the entire experience.
- Time seemed to pass very quickly because I was so engrossed in the activity.
Dimension 4: Mastery (MAS)
- I felt a strong sense of competence and skill while performing this activity.
- This activity gave me an opportunity to demonstrate my personal capabilities.
- I felt in complete control of what I was doing during this activity.
- Engaging in this activity gave me a gratifying sense of achievement and mastery.
Dimension 5: Spontaneity (SPONT)
- My participation in this activity was completely unplanned and spontaneous.
- I engaged in this activity on the spur of the moment.
- This was an impromptu activity rather than something scheduled beforehand.
- I decided to take part in this activity without prior deliberation.
Dimension 6: Positive Affect (PA)
- This activity was an extremely enjoyable and pleasurable experience.
- I experienced strong feelings of delight and positive emotions during the activity.
- Participating in this activity put me in a very positive and cheerful mood.
- I felt genuine happiness and satisfaction while engaged in this activity.