الملخص
يُعد مقياس أساليب المواجهة الدينية (Ways of Religious Coping Scale – WORCS) أداة قياس سيكومترية متخصصة ومصممة لتقييم الاستراتيجيات والسلوكيات المعرفية والوجدانية والاجتماعية التي يوظفها الأفراد بالاعتماد على الدين والمعتقدات الروحية للتعامل مع أحداث الحياة الضاغطة والشدائد النفسية. تم تطوير هذا المقياس بواسطة بودرو وزملائه (Boudreaux et al., 1995) استناداً إلى نموذج المواجهة المعرفي التفاعلي الذي صاغه ريتشارد لازاروس وسوزان فولكمان، مع تطويعه لاستيعاب البعد الديني والروحي كمورد تكيفي أساسي. يتألف المقياس من 40 فقرة موزعة على مقياس استجابة ليكرت خماسي التدريج يمتد من 0 (إطلاقاً / لا ينطبق) إلى 4 (دائماً). تفرز البنية العاملية للمقياس بُعدين رئيسيين هما: المواجهة الدينية الداخلية/الفردية (Internal/Private Religious Coping) والمواجهة الدينية الخارجية/الاجتماعية (External/Social Religious Coping)، مع اشتماله على فقرات مفرغة ومعكوسة التوجيه لضبط النزعة التوافقية والتصيد السلبي للاستجابة. أظهرت الدراسات السيكومترية تمتع المقياس بمستويات عالية من الاتساق الداخلي، حيث تتراوح قيم معامل ألفا كرونباخ للأبعاد والدرجة الكلية بين 0.85 و0.93، إلى جانب صدق بناء متين ودلائل صدق تقاربي وتمايزي مؤكدة عبر ارتباطات دالة إحصائياً مع مقاييس الصحة النفسية، والاكتئاب، والتدين الجوهري، وجودة الحياة المرتبطة بالصحة.
الكلمات المفتاحية
المواجهة الدينية، أساليب التكيف، الضغط النفسي، القياس النفسي، الصدق والثبات، التحليل العاملي، المواجهة الداخلية، المواجهة الخارجية، علم نفس الدين، الصحة النفسية.
المؤلفون
تم تطوير مقياس أساليب المواجهة الدينية بواسطة فريق بحثي متخصص في علم النفس الإكلينيكي والصحي، يضم:
- إدوين بودرو (Edwin Boudreaux, Ph.D.): أستاذ طب الطوارئ وعلم النفس السلوكي، كلية الطب بجامعة ماساتشوستس (University of Massachusetts Medical School)، خبير في التدخلات السلوكية وعلم النفس الإكلينيكي القياسي. (البريد الإلكتروني المرجعي للمراسلات الأكاديمية: [email protected]).
- شيريل كاتز (Sheryl L. Catz, Ph.D.): باحثة وأستاذة في علم النفس الصحي والالتزام السلوكي، جامعة كاليفورنيا ديفيس (UC Davis).
- لاريسا رايان (Larissa Ryan, M.S.): باحثة في القياس النفسي وعلم النفس العيادي، جامعة ولاية لويزيانا (Louisiana State University).
- مارسيلا أمارال-ميلينديز (Marcela Amaral-Melendez, Ph.D.): متخصصة في العلاج المعرفي السلوكي والتكيف والبحث النفسي الاجتماعي.
الغرض
صُمم مقياس أساليب المواجهة الدينية (WORCS) لتحقيق أهداف سريرية وبحثية دقيقة، استجابةً للحاجة الملحة لأدوات قياس سيكومترية تميز بين أشكال التدين السلوكية والوظيفية أثناء مجابهة الأزمات، بدلاً من الاقتصار على قياس معدل تكرار ممارسة الشعائر الدينية أو المعتقدات اللاهوتية المجردة. يهدف المقياس إلى تحديد كيفية ترجمة الأفراد لعقائدهم ومواردهم الدينية إلى استراتيجيات مواجهة تكيفية تساهم في التخفيف من وطأة المحن النفسية والجسدية والاجتماعية.
من الناحية البحثية، يوفر المقياس منصة رصينة لفحص التفاعلات المعقدة بين الإجهاد والتدين والنتائج الصحية، مستكشفاً التمايز بين النشاط التعبدي الانعزالي (المواجهة الداخلية) والتفاعل المجتمعي القائم على المؤسسة الدينية (المواجهة الخارجية). أما في المجال الإكلينيكي والعلاجي، فيُمكّن المقياس المعالجين النفسيين والأطباء من تحديد مصادر القوة الروحية التي يمكن دمجها في خطط العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، ورصد أي علامات تدل على الصراع الديني أو التخلي التكيفي (كما تعكسه الفقرات المعكوسة)، مما يتيح التنبؤ بمسارات الشفاء والتكيف الإيجابي لدى مرضى الحالات المزمنة، والمصابين بالصدمات النفسية، ومرضى الاكتئاب والقلق.
البناء النفسي
يستند المقياس إلى بناء نفسي متعدد المستويات يفترض أن المواجهة الدينية ليست سمة أحادية البعد، بل هي عملية ديناميكية تشمل المكونات المعرفية والسلوكية والعلائقية، وتتوزع عبر بعدين جوهريين:
1. المواجهة الدينية الداخلية/الفردية (Internal/Private Religious Coping)
يعكس هذا البعد العمليات المعرفية والوجدانية الذاتية التي يمارسها الفرد في عزلته للتواصل مع الخالق وإعادة تأطير الموقف الضاغط روحياً. يشمل ذلك: الصلاة الفردية، وطلب الغفران الإلهي، والتأمل في المعاني الروحية، وتسليم المشكلات للمشيئة الإلهية، والبحث عن الحكمة والدروس المستفادة من الأزمة، والامتنان للنعم. على سبيل المثال، تمثل الفقرة “أضع مشاكلي بين يدي الله” والفقرة “أبحث عن درس من الله في هذا الموقف” جوانب إعادة التقييم المعرفي الإيجابي المرتبط بالسلام النفسي وتخفيف أعباء التحكم الشخصي المفرط.
2. المواجهة الدينية الخارجية/الاجتماعية (External/Social Religious Coping)
يقيس هذا البعد الاعتماد على البيئة الاجتماعية والمؤسسية للدين، من خلال طلب الدعم الاجتماعي من أعضاء المجتمع الديني، واستشارة رجال الدين والقادة الروحيين، والانخراط في الأنشطة والخدمات التطوعية داخل دور العبادة، وطلب الدعاء من الآخرين. يجسد هذا البعد التكاتف المجتمعي ويوفر شبكة أمان عاطفية وسلوكية تقلل من العزلة الاجتماعية أثناء الأزمات الشديدة.
الإطار النظري
يرتكز المقياس معرفياً على نموذج الضغط والتقييم المعرفي والمواجهة (Transactional Stress and Coping Model) الذي طوره ريتشارد لازاروس وسوزان فولكمان (1984)، إلى جانب أعمال كينيث بارغامنت (Kenneth Pargament, 1997) في سيكولوجية التكيف الديني. وفقاً لهذا الإطار، فإن الضغط النفسي ينشأ من العلاقة الجدلية بين الفرد وبيئته؛ حيث يُجري الفرد تقييماً أولياً لمدى تهديد الحدث لرفاهيته، يعقبه تقييم ثانوي للموارد التكيفية المتاحة للتعامل مع هذا التهديد.
يعمل الدين في هذا النموذج كمخطط معرفي (Cognitive Schema) ومورد شخصي وبيئي حاسم يوجه كلا المستويين من التقييم. تسهم استراتيجيات المواجهة الدينية الداخلية في تعديل التقييم الأولي للأزمة (عبر تحويل المحنة من مجرد تهديد عبثي إلى فرصة للنمو الروحي والتقرب)، بينما توفر استراتيجيات المواجهة الخارجية موارد تواصل ملموسة ودعماً اجتماعياً يساند التقييم الثانوي، مما يمنح الفرد شعوراً بالكفاءة والقدرة على مجابهة التحديات.
الصدق
خضع مقياس أساليب المواجهة الدينية لفحوصات قياسية متعددة للتحقق من مؤشرات صدقه عبر عينات متباينة، وتضمنت الأدلة ما يلي:
- صدق البناء (Construct Validity): أكدت تحليلات التباين والفروق الفردية قدرة أبعاد المقياس على التمييز بدقة بين مستويات الضغط النفسي وأنماط الالتزام الديني؛ حيث ارتبطت الدرجات المرتفعة في المواجهة الداخلية بمستويات أقل من العجز واليأس.
- الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهرت الدرجة الكلية وأبعاد المقياس ارتباطات إيجابية دالة إحصائياً مع مقاييس التدين الجوهري (Allport & Ross Intrinsic Religiousness) بمعاملات تراوحت بين (r = 0.58 إلى 0.74)، وارتباطات موجبة مع أبعاد الدعم الاجتماعي المدرك وجودة الحياة العاطفية.
- الصدق التمايزي (Discriminant Validity): أثبتت الدراسات ضعف أو انعدام الارتباط بين أبعاد المقياس ومقاييس الاستحسان الاجتماعي (Social Desirability)، مما يؤكد أن الاستجابات تعبر عن سلوكيات مواجهة حقيقية وليست محاولات للظهور بمظهر المتدين اجتماعياً.
- الصدق التنبؤي والمحكي (Predictive & Criterion Validity): تنبأت درجات المواجهة الدينية بانخفاض أعراض الاكتئاب والقلق لدى عينات سريرية من المرضى المزمنين وأفراد أسرهم الذين يواجهون أحداثاً مهددة للحياة.
الثبات
أثبت المقياس مستويات استقرار واتساق داخلي رفيعة المستوى عبر العينات المعيارية ودراسات التحقق اللاحقة:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): بلغ معامل ألفا كرونباخ للمقياس ككل 0.92 في العينة التأسيسية، بينما حقق بعد المواجهة الدينية الداخلية معامل ثبات قدره 0.90، وسجل بعد المواجهة الخارجية معامل ثبات بلغ 0.86، مما يشير إلى تماسك بنيوي ممتاز للفقرات المشكلة لكل بعد.
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهر تطبيق المقياس على فاصل زمني مدته أربعة أسابيع استقراراً زمنياً عالياً بمعامل ارتباط تجاوز 0.82، مما يؤكد ثبات استراتيجيات المواجهة كنمط سلوكي ثابت نسبياً مع احتفاظه بالحساسية للتغيرات في شدة الحدث الضاغط.
التحليل العاملي
تم إخضاع فقرات المقياس التأسيسية لعمليات التحليل العاملي الاستكشفي (EFA) باستخدام طريقة المحاور الرئيسية مع التدوير المتعامد والمائل (Varimax & Promax)، وأسفرت النتائج عن دعم واضح لنموذج العاملين المتمايزين اللذين فسرا معاً ما يزيد عن 48% من التباين الكلي في البيانات:
- العامل الأول (المواجهة الداخلية): تشبعت عليه الفقرات المعبرة عن الصلاة، طلب الغفران، والتأمل الذاتي بحمولات عاملية تراوحت بين 0.45 و0.81.
- العامل الثاني (المواجهة الخارجية): تشبعت عليه الفقرات المعبرة عن التفاعل مع دور العبادة، واستشارة رجال الدين، والدعم الاجتماعي الروحي بحمولات تراوحت بين 0.42 و0.78.
كذلك دعمت نتائج التحليل العاملي التوكيدي (CFA) في دراسات لاحقة (مثل دراسة Kulkarni, 2012) ملاءمة نموذج العاملين بوجود مؤشرات تطابق مقبولة سيكومترياً (CFI > 0.91، TLI > 0.90، و RMSEA < 0.06)، مع الاحتفاظ بالفقرات المعكوسة (Items 6, 19, 23, 39) التي تساهم في كشف عدم الانخراط الديني.
أداة القياس
تتمتع أداة القياس بالمواصفات الفنية والتطبيقية التالية:
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-report Inventory).
- عدد الفقرات: 40 فقرة موزعة على أبعاد التكيف الداخلي والخارجي.
- مقياس الاستجابة: مقياس متدرج خماسي من 0 إلى 4 على النحو الآتي:
- 0 = إطلاقاً / لا ينطبق (not at all / does not apply)
- 1 = أحياناً (sometimes)
- 2 = غالباً (often)
- 3 = في كثير من الأحيان (very often)
- 4 = دائماً (always)
- التصحيح وحساب الدرجات:
- يتم عكس درجات الفقرات السلبية المشار إليها بالحرف (R)، وهي الفقرات: 6، 19، 23، 39؛ بحيث تصبح الدرجة 4=0، 3=1، 2=2، 1=3، و0=4.
- المواجهة الداخلية/الفردية (Internal/Private): تُحسب بجمع درجات الفقرات: 1، 5، 12، 14، 15، 16، 24، 28، 31، 32، 33، 34، 35، 37، 38.
- المواجهة الخارجية/الاجتماعية (External/Social): تُحسب بجمع درجات الفقرات: 7، 8، 17، 20، 25، 26، 29، 30، 36، 40.
- تشير الدرجات المرتفعة في كل بعد إلى اعتماد الفرد المكثف على ذلك النمط المحدد من المواجهة في تدبير الضغوط.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر المقياس لأول مرة في عام 1995 من قبل إدوين بودرو وزملائه في مجلة Assessment. المقياس متاح للاستخدام الأكاديمي والبحثي غير التجاري دون الحاجة إلى دفع رسوم مالية، شريطة الإشارة المرجعية الكاملة للدراسة التأسيسية للمؤلفين. أما للاستخدامات التجارية، أو مشاريع تقييم المنتجات الصحية والمؤسسية الممولة، فيلزم التواصل مع المؤلفين أو الجهة الناشرة للحصول على إذن كتابي رسمي.
المراجع
- Boudreaux, E., Catz, S., Ryan, L., & Amaral-Melendez, M. (1995). The Ways of Religious Coping Scale: Reliability, validity, and scale development. Assessment, 2(3), 233-244. https://doi.org/10.1177/1073191195002003004
- Kulkarni, M. S. (2012). Initial Development and Validation of the Assessment of Beliefs and Behaviors in Coping (ABC) (Doctoral dissertation). The University of Texas at Austin. Available online: http://repositories.lib.utexas.edu/handle/2152/ETD-UT-2012-08-6020
- Lazarus, R. S., & Folkman, S. (1984). Stress, appraisal, and coping. Springer Publishing Company.
- Pargament, K. I. (1997). The psychology of religion and coping: Theory, research, practice. Guilford Press.