الإحصاء النفسيتحليل البيانات في SPSS

كيفية إنشاء مصفوفة التغاير في SPSS

دليل أكاديمي شامل يوضح خطوات إنشاء وتفسير مصفوفة التغاير (Covariance Matrix) في برنامج SPSS وتطبيقاتها في القياس والبحوث النفسية المتقدمة.

تاريخ النشر

تُعد مصفوفة التغاير (Covariance Matrix) إحدى الركائز البنيوية الجوهرية في الإحصاء متعدد المتغيرات (Multivariate Statistics) والقياس النفسي المتقدم (Psychometrics). فبينما يقتصر التحليل أحادي المتغير على فحص تباين كل سمة على حدة، تنبثق الحاجة الماسة في العلوم السلوكية والتربوية إلى فهم شبكة العلاقات البينية والديناميات المشتركة التي تربط المتغيرات والسمات الكامنة (Latent Traits) ببعضها البعض. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر وظيفة مصفوفة التغاير على تقديم ملخص رقمي للتشتت والاقتران الخطي، بل تمثل حجر الأساس والمدخل الحسابي الأولي الذي تعتمد عليه أعتى النماذج الإحصائية تعقيداً، كنمذجة المعادلة البنائية (SEM)، والتحليل العاملي بشقيه الاستكشافي والتوكيدي، وتحليل التباين متعدد المتغيرات (MANOVA).

في سياق البحوث السيكومترية الحديثة، يواجه الباحث تحدياً منهجياً يتمثل في كيفية الحفاظ على التباين الخام غير المعياري للأدوات والمقاييس النفسية، لاسيما عند تقنين المقاييس واختبار صدق البناء وثبات الاتساق الداخلي للفقرات. وهنا تبرز حزمة البرمجيات الإحصائية للعلوم الاجتماعية IBM SPSS Statistics بوصفها الأداة القياسية الأكثر شيوعاً ورسوخاً في الأوساط الأكاديمية لاستخراج هذه المصفوفات بدقة فائقة. إلا أن الاستخدام الرشيد لبرنامج SPSS يتطلب وعياً عميقاً بالافتراضات الرياضية، وطرق إعداد البيانات، والتفريق الدقيق بين مصفوفة التغاير ومصفوفة الارتباط، بالإضافة إلى امتلاك المهارة التقنية لتنفيذ التحليل سواء عبر الواجهة الرسومية (GUI) أو من خلال محرر الأوامر البرمجية المتقدم (SPSS Syntax).

يهدف هذا الدليل المرجعي الشامل إلى تقديم تفكيك منهجي وتطبيقي متكامل لكيفية إنشاء وقراءة وتفسير مصفوفة التغاير في برنامج SPSS، مع ربط كل خطوة إجرائية بأسسها النظرية والرياضية وتطبيقاتها العملية في دراسات القياس وعلم النفس الإحصائي. سنستعرض عبر هذا المسار الأكاديمي الموسع كافة المفاهيم من البدايات التأسيسية للتغاير الرياضي، مروراً بفحص الفروض الإحصائية الصارمة، وصولاً إلى استكشاف المشكلات الفنية المتقدمة كالمصفوفات غير الموجبة المعرفة، وصياغة النتائج النهائية وفقاً لأحدث معايير جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition).

جدول المحتويات

1. مقدمة تأسيسية: مفهوم التغاير ومصفوفة التغاير في التحليل الإحصائي النفسي

1.1 تعريف التغاير الإحصائي (Covariance) وطبيعته الاتجاهية

يُمثل التغاير الإحصائي (Covariance) المقياس الأساسي لدرجة الاقتران الخطي والتغير المشترك بين متغيرين كميين مستمرين. في الدراسات النفسية والسلوكية، يُعنى التغاير بالإجابة عن سؤال محوري: هل تميل درجات الأفراد على مقياس نفسي معين (مثل القلق) إلى التغير في نفس الاتجاه مع درجاتهم على مقياس آخر (مثل الاكتئاب)، أم تتغير في اتجاه معاكس، أم أن التغيرين مستقلان تماماً؟ إذا كان ارتفاع درجات المتغير الأول مصحوباً بارتفاع درجات المتغير الثاني لدى نفس المفحوصين، فإن التغاير يأخذ إشارة موجبة (+)، ما يدل على اقتران طردي بين السمتين النفسيتين. أما إذا كان ارتفاع درجات متغير ما (مثل الصلابة النفسية) مقترناً بانخفاض درجات المتغير الآخر (مثل الاحتراق الوظيفي)، فإن إشارة التغاير تكون سالبة (-)، دلالة على الاقتران العكسي. وفي حال عدم وجود أي نمط تباين خطي مشترك منتظم، تقترب قيمة التغاير من الصفر، مشيرة إلى انعدام الاقتران الخطي بين المتغيرين.

تكمن السمة المميزة للتغاير في طبيعته غير المعيارية (Unstandardized Measure)؛ إذ ترتبط قيمته العددية المطلقة مباشرة بوحدات القياس الأصلية المستخدمة في أدوات جمع البيانات. فإذا قيس المتغير الأول بمقياس ليكرت خماسي (من 1 إلى 5) بينما قيس المتغير الثاني بمقياس تحصيلي يمتد من (0 إلى 100)، فإن القيمة الناتجة للتغاير ستكون متأثرة بمدى المقاييس وتبايناتها، مما يجعل المقارنة المباشرة بين مقادير التغاير لأزواج مختلفة من المتغيرات أمراً غير ممكن دون توحيد قياسي. وعلى الرغم من هذه الخاصية، يحتل التغاير موقع الصدارة في الإحصاء المتقدم متعدد المتغيرات، نظراً لأنه يحتفظ بكامل التباين الأصلي للبيانات (Raw Variance)، وهو ما تحتاجه الخوارزميات الحسابية المتقدمة لتقدير معلمات النماذج الهيكلية والبنائية بدقة متناهية.

1.2 بنية مصفوفة التغاير (Covariance Matrix) وخصائصها الرياضية

تُعرف مصفوفة التغاير، وتسمى رياضياً مصفوفة التباين والتغاير (Variance-Covariance Matrix) ويرمز لها عادة بالرمز الإغريقي سيغما ($\mathbf{\Sigma}$) للمجتمع أو $\mathbf{S}$ للعينة، بأنها مصفوفة مربعة متماثلة الأبعاد تتألف من $k \times k$ من الصفوف والأعمدة، حيث يمثل $k$ عدد المتغيرات النفسية الداخلة في التحليل الإحصائي. تتسم هذه المصفوفة بخصائص هندسية وجبرية فريدة تحكم بنيتها الرياضية:

  • القطر الرئيسي للمصفوفة (Main Diagonal): يحتوي القطر الممتد من أعلى اليسار إلى أسفل اليمين على تباينات المتغيرات الفردية ($s_i^2$)، حيث يمثل كل عنصر تغاير المتغير مع نفسه، وهو ما يكافئ رياضياً التباين الأحادي لذلك المتغير ($Cov(X_i, X_i) = Var(X_i)$).
  • القيم خارج القطر الرئيسي (Off-Diagonal Elements): تمثل كافة الخلايا الواقعة فوق وتحت القطر الرئيسي قيم التغاير المشترك الثنائي بين أزواج المتغيرات ($Cov(X_i, X_j)$ حيث $i \neq j$).
  • خاصية التماثل الرياضي (Symmetry Property): تتسم المصفوفة بتماثل تام حول قطرها الرئيسي، مما يعني أن العنصر الموجود في الصف $i$ والعمود $j$ يساوي تماماً العنصر الموجود في الصف $j$ والعمود $i$، أي أن$Cov(X, Y) = Cov(Y, X)$. ولذلك، فإن نصف المصفوفة السفلي (Lower Triangle) يحمل معلومات متطابقة تماماً مع نصفها العلوي (Upper Triangle).

تعتبر المصفوفة من الناحية الجبرية مصفوفة شبه موجبة المعرفة (Positive Semi-Definite) أو موجبة المعرفة تماماً (Positive Definite) في الظروف المثالية، مما يعني أن جميع قيمها الذاتية (Eigenvalues) تكون أكبر من الصفر، وهو شرط حاسم لإجراء التحليلات الإحصائية متعددة المتغيرات اللاحقة.

1.3 السياق السيكومتري لاستخدام مصفوفة التغاير في العلوم السلوكية

يستند القياس النفسي والتربوي الحديث في جوهره إلى تحليل مصفوفات التباين والتغاير المشتقة من استجابات الأفراد على بطاريات الاختبارات واستبانات الشخصية والمقاييس السلوكية. فعند تطوير وتقنين مقياس نفسي متعدد الأبعاد (مثل مقياس الذكاء الوجداني أو مقياس التوافق الزواجي)، تُشكل مصفوفة التغاير بين فقرات المقياس الركيزة الأساسية لحساب مؤشرات الاتساق الداخلي (Internal Consistency) المتقدمة، مثل معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s Alpha) وأوميغا ماكدونالد (McDonald’s Omega)؛ حيث يعتمد الأخير كلياً على نسبة التغايرات المشتركة بين الفقرات إلى التباين الكلي للمقياس.

علاوة على ذلك، تُعد مصفوفة التغاير المدخل الإحصائي الذي لا غنى عنه في تقييم البنية العاملية واستكشاف التباينات البينية (Inter-item Covariances). فعندما تتلازم فقرات معينة ضمن مصفوفة التغاير بمستويات تغاير مرتفعة، فإن ذلك يشير سيكومترياً إلى تشبعها على عامل كامن مشترك (Latent Factor). ومن ثم، فإن اعتماد المنظرين السيكومتريين على مصفوفة التغاير يضمن الحفاظ على الفروق الفردية الحقيقية وتباين الاستجابات الخام دون تشويه قد ينتج عن المعايرة القسرية، مما يجعلها الأداة المثلى في بناء المعايير الوطنية والمحلية للاختبارات النفسية والتحصيلية المقننة.

2. الأسس الرياضية والمعادلات الحسابية لحساب مصفوفة التغاير

2.1 معادلة التغاير للعينات والمجتمعات الإحصائية

يرتكز التغاير بين متغيرين كميين $X$ و $Y$ على قياس حاصل ضرب انحرافات كل حالة فردية عن المتوسط الحسابي العام للمتغير. بالنسبة للمجتمع الإحصائي الكلي (Population)، تُحسب قيمة التغاير البارامتري ($\sigma_{xy}$) باستخدام المعادلة الرياضية التالية:

$$\sigma_{xy} = \frac{\sum_{i=1}^{N} (X_i – \mu_x)(Y_i – \mu_y)}{N}$$

حيث تمثل $N$ الحجم الكلي للمجتمع، و $\mu_x$ و $\mu_y$ المتوسطين الحسابيين للمتغيرين في المجتمع. أما في البحوث الميدانية السلوكية، حيث يتعامل الباحث حتماً مع عينات ممثلة مسحوبة من مجتمعات أوسع، فإن استخدام المعادلة السابقة يؤدي إلى تقدير متحيز وغير دقيق لتباين المجتمع وتغايره. ولتلافي هذا القصور وتوليد مقدر غير متحيز (Unbiased Estimator)، تُحسب صيغة التغاير للعينة ($s_{xy}$ أو $Cov(X, Y)$) باستخدام معامل درجات الحرية ($n – 1$) في المقام:

$$s_{xy} = \frac{\sum_{i=1}^{n} (X_i – \bar{X})(Y_i – \bar{Y})}{n – 1}$$

يُعرف بسط هذه المعادلة بـ “مجموع نواتج الانحرافات المتصالبة” (Sum of Cross-Products deviations – $SS_{xy}$)، وهو المقابل المباشر لمجموع المربعات ($SS_x$) المستخدم في حساب التباين الأحادي. فعندما يكون $X = Y$، تصبح المعادلة مطابقة لمعادلة تباين العينة ($s_x^2 = \frac{\sum (X_i – \bar{X})^2}{n-1}$)، مما يؤكد الرابطة العضوية الوثيقة بين التباين الأحادي والتغاير الثنائي.

2.2 الاشتقاق الجبري لمصفوفة التغاير متعددة الأبعاد

في إطار الجبر الخطي والمصفوفات، يتم حساب مصفوفة التشتت والتغاير $\mathbf{S}$ لكافة المتغيرات دفعة واحدة من خلال مصفوفة البيانات الخام الممركزة (Mean-Centered Data Matrix). لنفترض وجود مصفوفة بيانات $\mathbf{X}$ بأبعاد $n \times k$ (حيث $n$ يمثل عدد المفحوصين و $k$ عدد المتغيرات). يتم أولاً إنشاء مصفوفة الانحرافات الممركزة حول المتوسط $\mathbf{X}_c$ عبر طرح متوسط كل عمود من كل درجة خام فيه:

$$\mathbf{X}_c = \mathbf{X} – \mathbf{1}\bar{\mathbf{x}}^T$$

حيث $\mathbf{1}$ هو متجه عمودي من الآحاد، و $\bar{\mathbf{x}}$ هو متجه متوسطات المتغيرات. بعد ذلك، يتم اشتقاق مصفوفة التغاير $\mathbf{S}$ ذات الأبعاد $k \times k$ عبر ضرب منقول مصفوفة الانحرافات ($\mathbf{X}_c^T$) في المصفوفة الممركزة نفسها ($\mathbf{X}_c$) وقسمة الناتج على درجات الحرية ($n – 1$):

$$\mathbf{S} = \frac{1}{n – 1} \mathbf{X}_c^T \mathbf{X}_c$$

يُطلق على المصفوفة الناتجة أيضاً مصفوفة التشتت (Dispersion Matrix). ترتبط هذه البنية الجبرية بخصائص هندسية حاسمة؛ فمحدد المصفوفة ($|\mathbf{S}|$ أو Generalized Variance) يقيس الحجم الكلي للتشتت متعدد الأبعاد في الفضاء الرياضي، بينما تعكس القيم الذاتية (Eigenvalues) والمتجهات الذاتية (Eigenvectors) تباين المحاور المتعامدة التي تستخدم في التحليل العاملي وتحليل المكونات الأساسية (PCA).

2.3 التحويل الرياضي بين التغاير والارتباط الخطي

يرتبط مفهوم التغاير ارتباطاً وثيقاً بمعامل ارتباط بيرسون للارتباط الخطي ($r_{xy}$)؛ إذ يُعد الارتباط في حقيقته النسخة المقننة أو المعيرة (Standardized) من التغاير. يتم تحويل التغاير إلى معامل ارتباط عن طريق قسمة قيمة التغاير المشترك على حاصل ضرب الانحرافين المعياريين للمتغيرين ($s_x$ و $s_y$):

$$r_{xy} = \frac{s_{xy}}{s_x \cdot s_y} = \frac{Cov(X, Y)}{\sqrt{Var(X)} \cdot \sqrt{Var(Y)}}$$

وعلى النقيض من ذلك، إذا توافرت لدينا مصفوفة الارتباط ($\mathbf{R}$) والانحرافات المعيارية للمتغيرات، يمكننا إعادة بناء مصفوفة التغاير ($\mathbf{S}$) من خلال المصفوفة القطرية للانحرافات المعيارية ($\mathbf{D}_s$) عبر الصيغة الجبرية التالية:

$$\mathbf{S} = \mathbf{D}_s \mathbf{R} \mathbf{D}_s$$

حيث تحتوي المصفوفة القطرية $\mathbf{D}_s$ على الانحرافات المعيارية $s_1, s_2, dots, s_k$ على طول قطرها الرئيسي وأصفار في بقية الخلايا. يوضح هذا التحويل أن التوحيد القياسي للدرجات عبر تحويلها إلى درجات معيارية زائية (Z-scores، حيث يكون المتوسط 0 والانحراف المعياري 1) يحول تلقائياً مصفوفة التغاير إلى مصفوفة ارتباط متطابقة، حيث يصبح تباين كل متغير مساوياً للواحد الصحيح ($s_z^2 = 1$).

3. المقارنة المنهجية بين مصفوفة التغاير ومصفوفة الارتباط في الدراسات النفسية

3.1 أوجه التشابه والفروق الجوهرية بين المصفوفتين

تتشارك مصفوفتَا التغاير والارتباط في كونهما مصفوفتين مربعتين متماثلتين تعبران عن الاتجاه العام للاقتران الخطي بين المتغيرات. غير أن الفروق الجوهرية بينهما تؤثر بشكل حاسم على القرارات الإحصائية والتحليلية للباحثين النفسيين، كما هو موضح في المقارنة التفصيلية التالية:

وجه المقارنة مصفوفة التغاير (Covariance Matrix) مصفوفة الارتباط (Correlation Matrix)
عناصر القطر الرئيسي تباينات المتغيرات الحقيقية ($s_i^2$) وتختلف باختلاف المقاييس. تساوي دائماً الرقم 1 الصحيح ($r_{ii} = 1.00$).
مدى ومجال القيم غير مقيد، يمتد نظرياً من $-\infty$ إلى $+\infty$. مقيد بمدى ثابت ومغلق بين $-1.00$ و $+1.00$.
التأثر بوحدات القياس شديدة الحساسية لمقاييس التدريج وتغير وحدات القياس. مستقلة تماماً عن وحدات القياس ومقننة قياسياً.
الاحتفاظ ببيانات التشتت تحتفظ بكامل معلومات التباين الأصلي والتباين النسبي. تفقد معلومات التباين المطلق وتركز فقط على قوة الاقتران.

تتجلى هذه الفروق بوضوح في دراسات القياس السيكومتري؛ فاستخدام مصفوفة التغاير يتيح للباحث رؤية التفاوت في قدرة الفقرات على التمييز (Item Discrimination) من خلال مقارنة تبايناتها الواقعة في القطر الرئيسي، بينما تخفي مصفوفة الارتباط هذه التمايزات السيكومترية الحيوية باختزال تباين جميع الفقرات إلى الواحد الصحيح.

3.2 معايير الاختيار بين مصفوفة التغاير والارتباط في النمذجة المتقدمة

يعتمد الاختيار بين مصفوفة التغاير ومصفوفة الارتباط كمدخل للتحليلات الإحصائية المتقدمة على طبيعة الأدوات البحثية والأهداف المنهجية للدراسة:

  • حالات تفضيل مصفوفة التغاير: يُوصى باستخدامها كخيار إلزامي عند إجراء التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA) ونمذجة المعادلة البنائية (SEM) متى كانت المقاييس النفسية معتمدة على نفس مقياس التدريج (مثل مقاييس ليكرت متطابقة الدرجات)، أو عند مقارنة النماذج عبر مجموعات متعددة (Multi-Group Invariance Analysis)، حيث يؤدي توحيد التباينات في مصفوفة الارتباط إلى تشويه تقدير الأخطاء المعيارية ومعايير المطابقة.
  • حالات تفضيل مصفوفة الارتباط: يُلجأ إليها بشكل رئيسي عندما تشتمل الدراسة على متغيرات مقاسة بمقاييس تدريج مختلفة جذرياً (مثل دمج درجات الذكاء IQ، وزمن الرجع بالمللي ثانية، ومستويات الهرمونات، واستبانات ليكرت)، أو في التحليل العاملي الاستكشافي الكلاسيكي (EFA) لتسهيل تفسير تشبعات العوامل دون طغيان المتغيرات ذات التباينات الضخمة على استخراج العوامل.

في البرمجيات المتقدمة مثل AMOS أو Mplus، يؤدي استخدام مصفوفة الارتباط كبيانات دخل بدلاً من مصفوفة التغاير إلى إنتاج قيم غير دقيقة لاختبار كاي تربيع ($\chi^2$) ولمؤشرات حسن المطابقة (مثل RMSEA و CFI)، نظراً لأن درجات الحرية والافتراضات الاحتمالية تُبنى على لوغاريتم محددات مصفوفات التغاير غير المقيدة.

4. أهمية واستخدامات مصفوفة التغاير في القياس وعلم النفس الإحصائي

4.1 التحليل العاملي الاستكشافي والتوكيدي (EFA & CFA)

تُعد مصفوفة التغاير البنية التحتية الأساسية التي تنطلق منها خوارزميات استخراج العوامل في التحليل العاملي بنوعيه. في التحليل العاملي الاستكشافي (EFA)، تهدف العملية الرياضية إلى تفكيك مصفوفة التغاير ($\mathbf{S}$) إلى مصفوفة تشبعات عاملية ($\mathbf{\Lambda}$) ومصفوفة تباينات فريدة ($\mathbf{\Psi}$)، وفق المعادلة النموذجية: $\mathbf{S} \approx \mathbf{\Lambda}\mathbf{\Lambda}^T + \mathbf{\Psi}$.

أما في التحليل العاملي التوكيدي (CFA)، فإن مصفوفة التغاير تكتسب أهمية أكثر حساسية؛ حيث تُستخدم لتقدير الأوزان الانحدارية للفقرات على أبعادها النظرية، وتقدير التباين المفسر في كل فقرة (الشيوعية أو $R^2$). يتيح الاعتماد على مصفوفة التغاير تقييم دقة القياس عبر مقارنة مصفوفة التغاير الفعلية المشاهدة بالعينة بالمصفوفة المعاد إنتاجها بناءً على النموذج المفترض، مما يُمكّن الباحث السيكومتري من الحكم القاطع على الصدق البنائي للأدوات السلوكية وتحديد الفقرات المعيبة التي تعاني من تباينات خطأ مرتفعة للغاية.

4.2 نمذجة المعادلة البنائية (SEM) وتحليل المسار (Path Analysis)

تقوم فلسفة نمذجة المعادلة البنائية بالكامل على مفهوم مطابقة مصفوفات التغاير (Covariance Structure Analysis). فالهدف الجوهري لاختبار النموذج البنائي يكمن في اختبار الفرضية الصفرية القائلة بعدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين مصفوفة التغاير المشاهدة المستخرجة من بيانات المفحوصين ($\mathbf{S}$) ومصفوفة التغاير الضمنية المتوقعة نظرياً وفق فرضيات النموذج المقترح ($\mathbf{\Sigma}(\theta)$):

$$H_0: \mathbf{\Sigma} = \mathbf{\Sigma}(\theta)$$

تعتمد خوارزميات التقدير الأكثر شيوعاً، مثل طريقة الإمكانية الأعظم (Maximum Likelihood – ML)، على تصغير دالة المطابقة $F_{ML}$ التي تقارن محددات ولوغاريتمات مصفوفات التغاير المشاهدة والمقدرة:

$$F_{ML} = ln|\mathbf{\Sigma}(\theta)| – ln|\mathbf{S}| + \text{tr}(\mathbf{S}\mathbf{\Sigma}(\theta)^{-1}) – k$$

ومن خلال هذه الدالة المشتقة كلياً من مصفوفة التغاير، يتم حساب كافة مؤشرات جودة المطابقة الشهيرة، مثل مؤشر تقارب المطابقة المعياري (TLI)، ومؤشر المطابقة المقارن (CFI)، وجذر متوسط مربع خطأ الاقتراب (RMSEA). وبدون استخراج مصفوفة تغاير دقيقة ومستوفية للشروط، تصبح نتائج نماذج المسارات وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة غير موثوقة باطلاً إحصائياً.

4.3 تحليل التباين المتعدد (MANOVA) والانحدار المتعدد

في التصاميم التجريبية وشبه التجريبية التي تتضمن عدة متغيرات تابعة نفسية مقاسة معاً (مثل قياس القلق والاكتئاب والعدوانية كاستجابة لبرنامج علاجي معرفي سلوكي)، يبرز تحليل التباين المتعدد (MANOVA) كأداة قوية لحماية معدل الخطأ من النوع الأول ($\alpha$). يعتمد MANOVA بصورة مباشرة على مقارنة مصفوفات التباين والتغاير داخل المجموعات ($\mathbf{S}_{\text{within}}$) مع مصفوفة التباين والتغاير بين المجموعات ($\mathbf{S}_{\text{between}}$).

علاوة على ذلك، يُعد شرط تجانس مصفوفات التباين والتغاير عبر المجموعات التجريبية والضابطة (Homogeneity of Covariance Matrices) افتراضاً صارماً لا يمكن تجاوزه في MANOVA والتحليل التمييزي (Discriminant Analysis)، ويتم اختباره عبر مقياس بوكس لإم (Box’s M Test). وفي سياق نماذج الانحدار الخطي المتعدد واللوجستي، تُستخدم مصفوفة التغاير الخاصة بتقديرات المعاملات (Parameter Covariance Matrix) لحساب الأخطاء المعيارية لفروق التأثيرات وضبط المتغيرات التشاركية والدخيلة (Covariates) في تصاميم تحليل التغاير (ANCOVA و MANCOVA).

5. إعداد وتنظيم البيانات النفسية في SPSS قبل استخراج المصفوفة

5.1 هيكلة المتغيرات في شاشة متغيرات البيانات (Variable View)

تتطلب المعالجة السليمة لمصفوفة التغاير في IBM SPSS إعداداً دقيقاً لخصائص الأعمدة والمتغيرات في شاشة عرض المتغيرات (Variable View). يجب على الباحث اتباع المعايير المنهجية التالية لضمان عدم حدوث تشوهات حسابية أثناء التنفيذ الإحصائي:

  • تحديد نوع المتغير (Type): يجب ضبط جميع المتغيرات السيكومترية على أنها متغيرات رقمية كمية (Numeric). في حال تم استيراد البيانات من ملفات خارجية واعتُبرت المتغيرات نصية (String)، سيعجز محرك SPSS عن إدراجها في مصفوفات التغاير.
  • مستوى القياس (Measure): ينبغي تحديد مستوى القياس ليكون كمياً متصلاً (Scale) للمقاييس النفسية ومجموع الفقرات، أو ترتيبياً (Ordinal) في حال التعامل مع فقرات ليكرت الفردية، مع مراعاة أن حساب التغاير الخطي يتطلب فرضية التعامل مع البيانات الترتيبية المتعددة الدرجات كبيانات شبه فئوية (Quasi-Interval).
  • ترميز وتحديد القيم المفقودة (Missing Values): يجب الدخول إلى عمود Missing وتحديد الرموز المخصصة للقيم المفقودة المتقطعة (Discrete missing values مثل 99 أو -999). ترك القيم المفقودة بدون ترميز رسمي قد يجعل البرنامج يقرؤها كقيم رقمية حقيقية، ما يؤدي إلى تضخيم كارثي لقيم التباين والتغاير.
  • تسمية وتوصيف المتغيرات (Name & Label): استخدام أسماء برمجية قصيرة ومباشرة (مثل Anx_Total, Dep_Total, Self_Eff) وتعبئة عمود التوصيف (Label) بدقة لتسهيل قراءة المصفوفة لاحقاً في شاشة المخرجات دون أي التباس بين الأبعاد الفرعية.

5.2 فحص وتجهيز البيانات في شاشة عرض البيانات (Data View)

قبل الشروع في استخراج المصفوفة، يجب تدقيق شاشة عرض البيانات (Data View) للتأكد من خلو مصفوفة المدخلات من أخطاء الرصد والطباعة. يتضمن هذا الإجراء التحقق من أن درجات المشاركين تقع ضمن المدى المنطقي للأداة (فمثلاً في مقياس من 1 إلى 7، تُعد القيمة 77 خطأ إدخال يؤدي إلى نسف حسابات التغاير تماماً). يمكن فحص المدى الأدنى والأقصى بسرعة عبر أمر Analyze > Descriptive Statistics > Descriptives.

في معظم التطبيقات السلوكية، لا تُحسب مصفوفة التغاير للفقرات المنفردة فحسب، بل للأبعاد والمقاييس الكلية. يتم بناء هذه الدرجات المركبة باستخدام محرر الحسابات الإحصائية في SPSS عبر المسار Transform > Compute Variable. على سبيل المثال، لحساب الدرجة الكلية للرضا الوظيفي، تُستخدم الدالة الحسابية:

Job_Satisfaction = SUM(JS_Item1, JS_Item2, JS_Item3, JS_Item4, JS_Item5)

أو باستخدام دالة المتوسط الشرطي MEAN.3(JS_Item1 TO JS_Item5) لتعويض الحالات التي تحوي استجابات مفقودة جزئياً وفق المعايير المنهجية المعتمدة. كما يجب فرز الحالات والتأكد من خلو الملف من السجلات المكررة (Duplicate Cases) عبر أداة Data > Identify Duplicate Cases لضمان استقلالية المشاهدات كشرط حتمي لحساب التغاير.

6. التحقق من الفروض الإحصائية اللازمة لإنشاء مصفوفة التغاير

6.1 فرضية التوزيع الطبيعي المتعدد (Multivariate Normality)

تستند موثوقية مصفوفة التغاير واستخداماتها اللاحقة في الاستدلال الإحصائي المتقدم ونمذجة المعادلات البنائية إلى افتراض اعتدالية التوزيع المشترك للمتغيرات (Multivariate Normality). يعني هذا الافتراض أن كل متغير بمفرده يتبع التوزيع الطبيعي، وأن كل توليفة خطية من المتغيرات تتوزع طبيعياً أيضاً. يبدأ الباحث النفسي بالتحقق من الاعتدالية أحادية المتغير (Univariate Normality) عبر مؤشرات الالتواء (Skewness) والتفرطح (Kurtosis)؛ حيث تُعد القيم الواقعة بين $-1.5$ و $+1.5$ مقبولة عموماً في القياس النفسي، وتختبر إحصائياً عبر اختباري شابيرو-ويلك (Shapiro-Wilk) وكولموجوروف-سميرنوف (Kolmogorov-Smirnov) عبر الأمر Analyze > Descriptive Statistics > Explore.

ولتقييم الاعتدالية المتعددة بصورة شاملة، يُعتمد على مقياس مارديا للتفرطح المتعدد (Mardia’s Coefficient of Multivariate Kurtosis) المتوفر في برمجيات القياس المتقدمة أو إضافات SPSS المبرمجة بـ R/Python؛ حيث تشير القيمة المعيارية المرتفعة لمارديا (التي تزيد عن 5.00 أو القيمة الحرجة $p(p+2)$) إلى انتهاك التوزيع الطبيعي المتعدد. في حال وجود التواء شديد أو لا اعتدالية جوهرية، يتعين على الباحث تطبيق تحويلات رياضية للبيانات (مثل تحويل اللوغاريتم الطبيعي Log Transformation أو تحويل الجذر التربيعي Square Root) قبل استخراج مصفوفة التغاير، أو الاعتماد على طرق التقدير الحصينة (Robust Estimators مثل Satorra-Bentler) في التحليلات اللاحقة.

6.2 فرضية الخطية (Linearity) وعدم وجود قيم متطرفة متعددة

يقيس التغاير الاقتران الخطي الصرف بين المتغيرات؛ وبالتالي، إذا كانت العلاقة الحقيقية بين سمتين نفسيتين منحنية أو غير خطية (Curvilinear – مثل العلاقة بين مستوى الاستثارة العصبية والأداء وفق قانون يركس-دودسون)، فإن التغاير المحسوب سيفشل تماماً في التقاط قوة العلاقة وسيقترب من الصفر بصورة مضللة. يتم فحص فرضية الخطية بيانياً من خلال توليد مصفوفة مخططات الانتشار الثنائية (Scatterplot Matrix) عبر Graphs > Chart Builder > Scatter/Dot > Scatterplot Matrix.

من جانب آخر، تُعد القيم المتطرفة متعددة المتغيرات (Multivariate Outliers) – وهي الحالات التي تمتلك نمط استجابات غريب وشاذ عبر توليفة المتغيرات معاً حتى وإن لم تكن متطرفة على مستوى كل متغير بمفرده – من أخطر العوامل التي تدمر مصفوفة التغاير؛ إذ تعمل على تضخيم التغايرات الاصطناعية أو تقليص التغايرات الحقيقية. يتم الكشف عن هذه الحالات عبر حساب مسافة ماهالانوبيس التربيعية (Mahalanobis Distance – $D^2$) من خلال نافذة الانحدار الخطي المتعدد Analyze > Regression > Linear > Save > Distances: Mahalanobis. تقارن قيم $D^2$ المحسوبة لكل مفحوص بقيمة التوزيع الحرج لكاي تربيع ($\chi^2$) عند درجات حرية مساوية لعدد المتغيرات ومستوى دلالة صارم ($p < 0.001$). يتم فحص الحالات المتطرفة دلالياً لاتخاذ قرار استبعادها أو تعديلها لمنع تشويه المصفوفة.

6.3 فرضية حجم العينة والبيانات المفقودة

يتطلب التقدير المستقر لمصفوفة التغاير حجماً كافياً من العينة يتناسب طردياً مع عدد المتغيرات ($p$). تتطلب القواعد الإحصائية الراسخة في السيكومتركس ألا تقل نسبة عدد المفحوصين إلى عدد المتغيرات ($N:p$) عن $10:1$ إلى $20:1$ في أدنى التقديرات، مع اشتراط حجم عينة مطلق لا يقل عن 200 إلى 300 حالة عند الرغبة في إخضاع مصفوفة التغاير لنماذج النمذجة الهيكلية (SEM)، لضمان عدم تذبذب قيم التغاير والتباين بفعل خطأ المعاينة الصدفية.

تُمثل البيانات المفقودة (Missing Data) تحدياً حاسماً يؤثر على سلامة البنية الجبرية لمصفوفة التغاير. يوفر برنامج SPSS استراتيجيتين كلاسيكيتين للتعامل مع الفقد في تحليل التغاير والارتباط:

  • الحذف الشامل للحالة (Listwise Deletion): يتم استبعاد أي مشارك لديه قيمة مفقودة في أي متغير من المتغيرات المحللة. تحافظ هذه الطريقة على ثبات العينة الموحدة ($N$) عبر كافة خلايا المصفوفة وتضمن مصفوفة موجبة المعرفة، لكنها تؤدي إلى هدر كبير في حجم العينة وتحيز محتمل إذا لم تكن البيانات مفقودة تماماً بصورة عشوائية (MCAR).
  • الحذف الثنائي للحالة (Pairwise Deletion): يتم حساب التغاير بين كل زوج من المتغيرات باستخدام كافة الحالات المتاحة التي تتضمن درجات لهذين المتغيرين فقط. ينتج عن ذلك تباين أحجام العينات ($N$) بين خلايا المصفوفة المختلفة، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إنتاج “مصفوفات غير موجبة المعرفة” (Non-positive definite) تعجز البرمجيات المتقدمة عن قلبها رياضياً (Inversion).

في البحوث النفسية المعاصرة، يُفضل استخدام أساليب التعويض المتقدمة، مثل خوارزمية تعظيم التوقع (Expectation-Maximization – EM) أو التعويض المتعدد (Multiple Imputation – MI) عبر Analyze > Multiple Imputation لتوليد مصفوفات تغاير مكتملة وذات كفاءة إحصائية متفوقة.

7. الدليل الإرشادي خطوة بخطوة لإنشاء مصفوفة التغاير عبر القوائم في SPSS

7.1 الوصول إلى نافذة الارتباطات الثنائية (Bivariate Correlations)

تُعد نافذة الارتباطات الثنائية (Bivariate Correlations) المسار الإجرائي القياسي والأكثر مباشرة لاستخراج مصفوفة التغاير الكاملة جنباً إلى جنب مع مصفوفة الارتباط في واجهة SPSS الرسومية. لتنفيذ هذا الإجراء، اتبع الخطوات المنهجية التالية بدقة:

  1. من شريط القوائم الرئيسي أعلى شاشة البرنامج، انقر على قائمة Analyze (تحليل).
  2. مرر المؤشر فوق الخيار الفرعي Correlate (ارتباط)، ثم اختر من القائمة المنسدلة Bivariate… (ثنائي المتغير).
  3. ستفتح لك نافذة الحوار الرئيسية المعنونة بـ Bivariate Correlations. ستشاهد في الصندوق الأيسر قائمة بجميع المتغيرات المسجلة في ملف البيانات.
  4. قم بتحديد المتغيرات النفسية أو المقاييس المطلوب حساب مصفوفة التغاير بينها، ثم انقر على زر السهم الأزرق الأوسط لنقلها إلى صندوق المتغيرات المستهدفة Variables: على الجانب الأيمن.
  5. في قسم Correlation Coefficients، تأكد من تفعيل خيار Pearson (معامل بيرسون)؛ حيث إن خوارزمية استخراج التغاير في هذه النافذة مرتبطة بالاقتران الخطي القياسي لبيرسون.
  6. في قسم Test of Significance، اختر Two-tailed (اختبار ثنائي الطرف) ما لم تكن تمتلك فرضيات اتجاهية صارمة ومسبقة تبرر اختيار One-tailed.

7.2 تفعيل خيارات استخراج التغاير من نافذة Options

بشكل افتراضي، يُخرج برنامج SPSS مصفوفة الارتباط فقط عند تنفيذ أمر Bivariate Correlations. لاستخراج مصفوفة التغاير ونواتج الانحرافات المتصالبة، يجب تفعيل المعلمات الإحصائية الإضافية من خلال نافذة الخيارات المتقدمة:

  1. في الجانب الأيمن من نافذة Bivariate Correlations، انقر على زر Options… (خيارات).
  2. ستظهر لك نافذة حوار منبثقة صغيرة تحتوي على خيارات الإحصاءات ومعالجة القيم المفقودة.
  3. ضمن قسم Statistics في الجزء العلوي، ضع علامة صح داخل مربع الاختيار Cross-product deviations and covariances (انحرافات النواتج المتصالبة والتغايرات). يُعد هذا المربع هو المفتاح الإجرائي الفعلي لتوليد مصفوفة التغاير.
  4. يُستحسن بشدة أيضاً تحديد خيار Means and standard deviations (المتوسطات والانحرافات المعيارية) للحصول على جدول إحصاءات وصفية متكامل يوثق تباينات ومتوسطات العينة قبل قراءة المصفوفة.
  5. ضمن قسم Missing Values، اختر إما:
    • Exclude cases pairwise: لحساب التغاير بين كل زوج بناءً على الحالات المتوفرة فقط لهذا الزوج.
    • Exclude cases listwise: لحذف أي حالة تفتقد أي قيمة في المتغيرات المحددة بالكامل، وهو الخيار الأضمن رياضياً لمنع تباين أحجام العينات داخل خلايا المصفوفة.
  6. بعد ضبط هذه الإعدادات، انقر على زر Continue (متابعة) للعودة إلى النافذة السابقة.

7.3 تنفيذ الإجراء وتوليد المخرجات الإحصائية

بعد العودة إلى نافذة الحوار الرئيسية Bivariate Correlations، تتاح أمام الباحث طريقتان رئيسيتان لتنفيذ الإجراء البرمجي وتوليد جداول المخرجات:

  • التنفيذ المباشر (OK): بالنقر على زر OK في أسفل نافذة الحوار، سيقوم محرك SPSS بمعالجة البيانات فورياً وعرض الجداول الإحصائية الناتجة داخل شاشة عارض المخرجات (IBM SPSS Statistics Viewer).
  • التوثيق البرمجي (Paste): يُنصح الأكاديميون والباحثون دائماً بالنقر على زر Paste بدلاً من OK. يؤدي هذا الخيار إلى نسخ وتصدير الكود البرمجي الصريح للأمر المخصص إلى شاشة محرر الأوامر (Syntax Editor)، مما يتيح توثيق خطوات التحليل، والرجوع إليها مستقبلاً، وإعادة إنتاج النتائج بنفس الشروط والمعايير بدقة علمية متناهية.

بمجرد اكتمال المعالجة، سيظهر في شاشة المخرجات جدول موسع معنون بـ Correlations يشتمل على معاملات بيرسون، ومستويات الدلالة الإحصائية، ومجموع المربعات والانحرافات المتصالبة، وقيم التغاير (Covariance) المنشودة لكل زوج من المتغيرات.

Covariance matrix in SPSS
Covariance matrix in SPSS

8. طريقة إنشاء وتصدير مصفوفة التغاير باستخدام كود SPSS Syntax

8.1 كتابة وتنفيذ أمر CORRELATIONS مع معلمات التغاير

يُعد استخدام محرر الأوامر البرمجية (Syntax) في SPSS الأسلوب المفضل للباحثين المتقدمين وفرق العمل البحثية؛ نظراً للسرعة والدقة العالية والقدرة على التحكم البرمجي الكامل في المعلمات الإحصائية. لاستخراج مصفوفة التغاير ومصفوفة الارتباط والإحصاءات الوصفية، يُستخدم الأمر الأساسي CORRELATIONS متبوعاً بالمعلمات والأوامر الفرعية المناسبة.

يتم فتح شاشة محرر الأوامر عبر القوائم: File > New > Syntax، ثم كتابة الشفرة البرمجية القياسية التالية:

CORRELATIONS
  /VARIABLES=Anxiety Depression Burnout Resilience
  /PRINT=TWOTAIL NOSIG
  /STATISTICS DESCRIPTIVES XPROD
  /MISSING=LISTWISE.

تفكيك مكونات هذا الكود البرمجي:

  • /VARIABLES=: يُحدد قائمة أسماء المتغيرات المستهدفة المراد إدخالها في مصفوفة التغاير، مفصولة بمسافات.
  • /PRINT=TWOTAIL NOSIG: يُحدد تطبيق الاختبار ثنائي الطرف (Two-tailed) لتقييم الدلالة الإحصائية دون حجب الارتباطات غير الدالة تلقائياً.
  • /STATISTICS DESCRIPTIVES XPROD: المعلمة المحورية؛ حيث تطلب DESCRIPTIVES حساب المتوسطات والانحرافات المعيارية، بينما تطلب XPROD استخراج انحرافات النواتج المتصالبة ومصفوفة التغايرات (Cross-product deviations and covariances).
  • /MISSING=LISTWISE: يحدد استبعاد الحالات التي تحتوي على بيانات مفقودة وفق أسلوب الحذف الشامل لضمان ثبات حجم العينة $N$ لكافة عناصر المصفوفة (يمكن استبداله بـ PAIRWISE إذا اقتضت طبيعة المعاينة ذلك).

لتشغيل الكود، قم بتظليل كامل الأسطر البرمجية المكتوبة، ثم انقر على أيقونة التشغيل الخضراء الكبيرة (Run Selection / Current) في شريط الأدوات العلوي أو اضغط على اختصار لوحة المفاتيح Ctrl + R.

8.2 استخراج مصفوفة التغاير عبر أوامر مصفوفات متقدمة (Matrix Syntax)

يوفر برنامج SPSS بيئة برمجية جبرية متقدمة تُعرف بـ Matrix Syntax تتيح للمحللين التعامل المباشر مع مصفوفات البيانات وإجراء العمليات الجبرية المعقدة كضرب المصفوفات وعكسها واستخراج القيم الذاتية دون الاعتماد على القوائم المنسدلة الجاهزة. لحساب مصفوفة التغاير برمجياً وتصديرها كملف بيانات إحصائي منفصل بصيغة (.sav)، يُستخدم الكود المتقدم التالي داخل محرر Syntax:

MATRIX.
GET RawData /VARIABLES=Anxiety Depression Burnout Resilience /NAMES=varNames.
COMPUTE N = NROW(RawData).
COMPUTE MeanVec = CSUM(RawData) / N.
COMPUTE CenteredData = RawData – (MAKE(N, 1, 1) * MeanVec).
COMPUTE CovMatrix = (TRANSPOS(CenteredData) * CenteredData) / (N – 1).
PRINT CovMatrix /TITLE=”Sample Covariance Matrix (S)” /RNAMES=varNames /CNAMES=varNames /FORMAT=”F10.4″.
MSAVE CovMatrix /TYPE=COV /VARIABLES=Anxiety Depression Burnout Resilience.
END MATRIX.

يقوم هذا الإجراء البرمجي بقراءة البيانات الخام في مصفوفة جبرية RawData، ومركزتها حول متوسطاتها الحسابية، وحساب حاصل الضرب النقطي لمنقول المصفوفة الممركزة مقسوماً على درجات الحرية ($n-1$)، ثم طباعة مصفوفة التغاير بصيغة منسقة تماماً وحفظها عبر أمر MSAVE. يُعد هذا الملف الناتج مهيأً للاستيراد المباشر كبيانات مدخلة (Matrix Data Input) في برمجيات التحليل المتقدم كبرنامج AMOS أو LISREL، مما يوفر على الباحث ساعات طويلة من إعادة إدخال المصفوفات يدوياً.

8.3 مزايا استخدام Syntax في توثيق البحوث الأكاديمية وإعادة الإنتاجية

يكتسب الاعتماد على الشفرات البرمجية (Syntax) أهمية قصوى في المشهد البحثي الأكاديمي المعاصر في ظل حركة “علم النفس المفتوح” (Open Science) والتشديد على قابلية إعادة الإنتاج والتحقق المستقل (Reproducibility & Replicability). وتتمثل أبرز المزايا المؤسسية والمنهجية لاستخدام Syntax فيما يلي:

  • الأرشفة المنهجية الشفافة: تتيح حفظ سجل تاريخي دقيق لكافة العمليات الإحصائية المطبقة على البيانات الخام، مما يسهل إرفاق ملف الأوامر البرمجية ضمن الملاحق التكميلية (Supplementary Materials) عند إرسال الأبحاث للنشر في المجلات العلمية المحكمة المصنفة ضمن Web of Science و Scopus.
  • تقليل الأخطاء البشرية وسرعة المعالجة: النقر عبر القوائم المنسدلة عرضة للخطأ البشري غير المقصود (كإسقاط متغير سهواً أو نسيان تحديد خيار Pairwise/Listwise). أما الـ Syntax، فيضمن ثبات المعايير وتطبيق نفس التحليل المتشعب على عينات ضخمة أو مئات المتغيرات في أجزاء من الثانية.
  • التعديل والتطوير المرن: عند إضافة مفحوصين جدد للعينة أو تعديل تسميات المتغيرات، لا يحتاج الباحث إلى إعادة إجراءات النقر من الصفر، بل يكتفي بإعادة تشغيل الكود البرمجي المحفوظ بنقرة زر واحدة.
Covariance matrix in SPSS
Covariance matrix in SPSS

9. قراءة وتفسير مخرجات مصفوفة التغاير (Output Navigation & Interpretation)

9.1 تحليل صفوف وأعمدة جدول المخرجات في SPSS

عند اكتمال تشغيل إجراء الارتباطات الموسع عبر خيار Cross-product deviations and covariances، يولد برنامج SPSS جدولاً مصفوفياً معقداً يجمع أربعة مستويات من المعلومات الإحصائية لكل تقاطع بين متغيرين. لفهم هذا الجدول واستخراج مصفوفة التغاير بدقة، يجب تفكيك بنية الصفوف الأربعة المكونة لكل متغير في شاشة المخرجات:

  • صف Pearson Correlation: يعرض قيمة معامل ارتباط بيرسون الخطي المعياري بين المتغيرين، وتتراوح قيمته دائماً بين $-1.00$ و $+1.00$.
  • صف Sig. (2-tailed): يعرض القيمة الاحتمالية للدلالة الإحصائية ($p\text{-value}$) لاختبار الفرضية الصفرية القائلة بانعدام العلاقة بين المتغيرين في المجتمع. إذا كانت القيمة أقل من 0.05، تُعد العلاقة دالة إحصائياً.
  • صف Sum of Squares and Cross-products: يحتوي عند تقاطع المتغير مع نفسه على مجموع مربعات الانحرافات عن المتوسط ($SS_x = \sum (X_i – \bar{X})^2$). أما عند تقاطع متغيرين مختلفين ($X$ و $Y$)، فإنه يعرض مجموع نواتج الانحرافات المتصالبة ($SS_{xy} = sum (X_i – bar{X})(Y_i – bar{Y})$).
  • صف Covariance: هذا هو الصف المنشود الذي يمثل مصفوفة التغاير الفعلية. يعرض قيمة التباين الأحادي غير المعياري ($s_x^2$) عند تقاطع المتغير مع نفسه، ويعرض قيمة التغاير المشترك غير المعياري ($s_{xy}$) عند تقاطع متغيرين مختلفين.
  • صف N: يعرض عدد الحالات الفعلي المشارك في حساب هذا التقاطع المحدد (ويكون ثابتاً في كل الخلايا عند اختيار Listwise، ومتغيراً عند اختيار Pairwise).

9.2 الحساب اليدوي للتأكد من مخرجات البرنامج

لتعميق الفهم الإحصائي ومطابقة نتائج SPSS مع المعادلات الرياضية النظرية، يمكن للباحث التحقق يدوياً من الأرقام الظاهرة في صف Covariance باستخدام القيم المعروضة في صف Sum of Squares and Cross-products وصف N. لنأخذ مثالاً رقمياً من واقع مخرجات حقيقية لتحليل التغاير بين مقياس القلق ($X$) ومقياس الاكتئاب ($Y$) لعينة حجمها$N = 101$ مفحوصاً:

إذا أظهر جدول SPSS المخرجات التالية لتقاطع القلق مع الاكتئاب:

  • مجموع نواتج الانحرافات المتصالبة ($SS_{xy}$) = $1458.500$
  • حجم العينة ($N$) = $101$

يتم حساب قيمة التغاير المشترك للعينة بتطبيق معادلة القسمة على درجات الحرية ($n – 1$):

$$s_{xy} = \frac{SS_{xy}}{N – 1} = \frac{1458.500}{101 – 1} = \frac{1458.500}{100} = 14.585$$

وهذه هي القيمة المتطابقة تماماً مع الرقم المسجل في صف Covariance داخل الجدول. وبالمثل، إذا كان مجموع مربعات مقياس القلق مع نفسه ($SS_x$) يساوي $2500.000$، فإن تباين القلق ($s_x^2$) المسجل في خلية القطر الرئيسي سيساوي:

$$s_x^2 = \frac{SS_x}{N – 1} = \frac{2500.000}{100} = 25.000$$

يؤكد هذا التطبيق أن البرنامج يطبق معادلة العينة غير المتحيزة عبر درجات الحرية ($n-1$) وليس معادلة المجتمع المقسومة على $N$.

9.3 التفسير السيكولوجي والدلالة الإحصائية لقيم التغاير

يتطلب التفسير النفسي السليم لمصفوفة التغاير قراءة ثلاثية الأبعاد تشمل: الإشارة، والقيمة المطلقة مقارنة بالتباينات، ومستوى الدلالة الإحصائية المرافق:

  • تفسير الإشارة والاتجاه: يشير التغاير الموجب المرتفع (مثل $Cov = +14.585$ بين القلق والاكتئاب) إلى أن الأفراد الذين يعانون من مستويات متصاعدة من الأعراض القلقية يميلون بشكل منهجي وسلوكي إلى إظهار درجات اكتئابية أعلى، مما يبرهن سيكومترياً على وجود اعتلال نفسي مشترك (Comorbidity). وفي المقابل، إذا كان التغاير سالباً بين الصلابة النفسية والاحتراق الأكاديمي ($Cov = -8.750$)، فإنه يفسر بأن السمات الشخصية المرنة تلعب دوراً وقائياً يقلل من الاستنزاف النفسي.
  • تقييم الدلالة الإحصائية: لا يعرض برنامج SPSS سطراً مخصصاً لقيمة $p\text{-value}$ خاصة بالتغاير بمفرده، بل يعتمد على قيمة Sig. (2-tailed) المرافقة لمعامل ارتباط بيرسون في نفس الخلية؛ نظراً لأن اختبار الدلالة الصفرية للتغاير ($H_0: \sigma_{xy} = 0$) يتطابق رياضياً مع اختبار دلالة معامل الارتباط ($H_0: \rho_{xy} = 0$) ويتبعان نفس التوزيع التائي الإحصائي ($t\text{-distribution}$).
  • الحذر من تفسير الحجم المطلق: يجب على الباحث ألا يقع في فخ الحكم على قوة العلاقة من ضخامة قيمة التغاير بمفردها؛ فقيمة تغاير $Cov = 50.0$ قد تعكس اقتراناً خطياً ضعيفاً إذا كانت تباينات المتغيرات الأصلية بالآلاف، بينما قيمة $Cov = 2.5$ قد تمثل اقتراناً شبه تام إذا كانت المتغيرات مقاسة بمقاييس ذات تباينات ضئيلة جداً تتراوح حول الواحد الصحيح.

10. طرق بديلة لإنشاء مصفوفات التغاير في SPSS (التحليل العاملي ونمذجة الانحدار)

10.1 استخراج مصفوفة التغاير عبر التحليل العاملي (Factor Analysis)

يوفر إجراء التحليل العاملي في SPSS نافذة مخصصة لاستخراج مصفوفات التغاير المشاهدة (Observed) ومقارنتها بمصفوفات التغاير المعاد إنتاجها (Reproduced Covariance Matrix) ومصفوفة البواقي (Residuals). يتيح هذا المسار فهماً معمقاً لمدى نجاح النموذج العاملي في تفسير التباينات البينية للمتغيرات. يتم الوصول إلى هذا الإجراء عبر المسار:

Analyze > Dimension Reduction > Factor...

  1. انقل المتغيرات النفسية المستهدفة إلى صندوق Variables:.
  2. انقر على زر Descriptives… على الجانب الأيمن.
  3. ضمن قسم Correlation Matrix، حدد خيارين أساسيين:
    • Covariances: لطباعة مصفوفة التغاير المشاهدة الأصلية للعينة في المخرجات.
    • Reproduced: لتوليد مصفوفة التغاير المعاد حسابها بناءً على العوامل المستخرجة، متبوعة بمصفوفة الفروق المتبقية (Residuals) في الجزء السفلي من الجدول.
  4. انقر على Continue ثم OK.

تكمن القيمة المضافة العظيمة لهذا الإجراء السيكومتري في فحص مصفوفة بواقي التغاير (Residual Covariances)؛ حيث تمثل كل خلية فيها الفرق الجبري بين التغاير الفعلي والتغاير المفسر بالنموذج ($Cov_{\text{residual}} = Cov_{\text{observed}} – Cov_{\text{reproduced}}$). إذا كانت قيم البواقي صغيرة جداً وتقترب من الصفر (أقل من 0.05)، فإن ذلك يقدم برهاناً تجريبياً قاطعاً على كفاية البنية العاملية وجودة مطابقتها لبيانات القياس.

10.2 استخراج مصفوفة تغاير المعلمات في الانحدار الخطي المتعدد

في نماذج الانحدار الخطي المتعدد (Multiple Linear Regression)، لا تقتصر الحاجة على مصفوفة تغاير المتغيرات المستقلة والتابعة، بل تمتد إلى استخراج “مصفوفة التباين والتغاير لمعاملات الانحدار المقدرة” (Covariance Matrix of Estimated Regression Coefficients / Beta Weights). تعكس هذه المصفوفة مقدار عدم اليقين والتداخل الخطي بين المعاملات الانحدارية ($B_j$). يتم استخراج هذه المصفوفة عبر المسار:

Analyze > Regression > Linear...

  1. حدد المتغير التابع (Dependent) والمتغيرات التفسيرية المستقلة (Independent(s)).
  2. انقر على زر Statistics… في الزاوية اليمنى.
  3. في نافذة الإحصاءات، ضع علامة صح بجوار خيار Covariance matrix (مصفوفة التغاير).
  4. انقر على Continue ثم OK.

يظهر في شاشة المخرجات جدول متخصص بعنوان Coefficient Correlations / Covariances. يُستخدم النصف السفلي من هذا الجدول المتضمن لتغايرات المعاملات في الكشف المتقدم عن مشكلة التعددية الخطية الحادة (Multicollinearity)؛ فعندما يكون التغاير بين معاملي انحدار لمتغيرين مستقلين مرتفعاً وسالباً، فإن ذلك يشير إلى أن تضخم تباين أحدهما يؤدي بالضرورة إلى زعزعة استقرار تقدير المعامل الآخر، مما يتطلب دمج المتغيرين أو استبعاد أحدهما من النموذج السلوكي.

10.3 استخراج مصفوفة التباين-التغاير في النماذج الخطية العامة (GLM)

عند إجراء تحليلات التباين متعددة المتغيرات (MANOVA / MANCOVA) أو النماذج الخطية العامة المتكررة (Repeated Measures GLM)، يوفر إجراء General Linear Model في SPSS إمكانية فحص مصفوفات التباين والتغاير للمتغيرات التابعة عبر مستويات المجموعات التجريبية، بالإضافة إلى اختبار تجانسها الإحصائي. يتم الوصول إلى هذا الإجراء المتقدم عبر المسار:

Analyze > General Linear Model > Multivariate...

  1. انقل المتغيرات التابعة السلوكية إلى صندوق Dependent Variables: والمتغيرات التصنيفية المستقلة إلى Fixed Factor(s):.
  2. انقر على زر Options… في القائمة اليمنى.
  3. حدد خيار Homogeneity tests (اختبارات التجانس) واختيار Residual SSCP matrix و Residual covariance matrix.
  4. انقر على Continue ثم OK.

يولد هذا الإجراء مصفوفة التغاير المتبقية داخل المجموعات ($\mathbf{S}_{\text{error}}$) وجدول Box’s Test of Equality of Covariance Matrices. إذا كانت الدلالة الإحصائية لاختبار بوكس غير دالة ($p > 0.001$)، يتحقق شرط تكافؤ وتجانس مصفوفات التغاير عبر المجموعات، مما يمنح الباحث الشرعية الإحصائية للاعتماد على مؤشرات فيلكس لامبدا (Wilks’ Lambda) وأثر بيلاي (Pillai’s Trace) في تفسير الفروق متعددة المتغيرات.

11. الأخطاء الشائعة واستكشاف المشكلات وإصلاحها عند حساب التغاير في SPSS

11.1 مشكلة المصفوفة غير الموجبة المعرفة (Non-Positive Definite Matrix)

تُعد رسالة الخطأ “The covariance matrix is not positive definite” الكابوس الإحصائي الأكبر لعلماء النفس والباحثين السلوكيين عند تصدير مصفوفة التغاير من SPSS إلى برمجيات نمذجة المعادلات البنائية والتحليل العاملي التوكيدي (مثل AMOS أو Mplus). تعني هذه المشكلة هندسياً ورياضياً أن محدد المصفوفة ($|\mathbf{S}|$) سالب أو مساوٍ للصفر، أو أن واحدة أو أكثر من قيمها الذاتية (Eigenvalues) سالبة أو صفرية، مما يجعل من المستحيل رياضياً حساب مقلوب المصفوفة (Matrix Inversion – $\mathbf{S}^{-1}$).

ترجع الأسباب الرئيسية لظهور هذه المشكلة وطرق علاجها المنهجية إلى العوامل التالية:

  • الازدواجية الخطية التامة (Singularity & Collinearity): وجود ارتباط تام أو شبه تام ($r > 0.95$) بين فقرتين أو إدخال درجات الأبعاد الفرعية مع الدرجة الكلية المركبة في نفس المصفوفة. العلاج: فحص مصفوفة الارتباط وحذف المتغيرات الزائدة أو المكررة بنيوياً.
  • استخدام الحذف الثنائي للقيم المفقودة (Pairwise Deletion): يؤدي حساب كل خلية في المصفوفة بناءً على عدد وحالات مختلفة من المفحوصين إلى إنتاج مصفوفة تغاير مشوهة ومتناقضة رياضياً لا يمكن أن تنشأ عن أي فضاء عيني متماسك. العلاج: التحول الإلزامي إلى الحذف الشامل (Listwise) أو تطبيق خوارزميات التعويض المتعدد (Multiple Imputation).
  • صغر حجم العينة الشديد مقارنة بعدد المتغيرات ($N < p$): يؤدي إلى انعدام رتبة المصفوفة (Rank Deficiency). العلاج: زيادة حجم العينة ليتجاوز أضعاف عدد المتغيرات قيد الدراسة.

11.2 الخلط بين مصفوفة تباين العينة وتغاير المجتمع

يقع بعض الباحثين في خطأ منهجي فادح يتمثل في محاولة حساب مصفوفة التغاير يدوياً أو برمجياً باستخدام معادلة المجتمع (القسمة على $N$) مع عينات نفسية استقرائية صغيرة، أو الخلط بين تباين العينة وتباين المجتمع. يؤدي هذا الخلط إلى تقليص مصطنع في قيم التباينات والتغايرات بمقدار المعامل$frac{N-1}{N}$، وهو تباين ذو أثر بالغ وحساسية مفرطة في العينات الصغيرة ($N < 50$).

علاوة على ذلك، يخلط مبتدئو التحليل السلوكي أحياناً بين قيم التغاير غير المقيدة ومعاملات الارتباط؛ فيفترضون خطأً أن قيمة تغاير مثل $Cov = 0.85$ تعني اقتراناً قوياً للغاية، أو أن قيمة $Cov = 4.2$ قيمة خاطئة لتجاوزها الرقم 1. يجب ترسيخ الوعي بأن التغاير مقياس غير مقيد بوحدات معيارية، ولا يمكن استنتاج قوة العلاقة منه بمفرده دون قسمته على جداء الانحرافين المعياريين، أو الاستعانة بمصفوفة ارتباط بيرسون المقابلة لتحديد القوة المعيارية للأثر.

11.3 أخطاء التعامل مع المتغيرات الفئوية والترتيبية

يُعد إدخال المتغيرات الاسمية البحتة متعددة الفئات (Nominal Variables مثل: نوع التخصص الأكاديمي، الحالة الاجتماعية، المحافظة الجغرافية) كمتغيرات عددية في نافذة Bivariate Correlations من الأخطاء الكارثية الشائعة؛ حيث يتعامل محرك SPSS مع الأرقام الترميزية (1، 2، 3) ككميات مستمرة، وينتج عن ذلك مصفوفة تغاير عديمة المعنى رياضياً وسيكومترياً. يجب في هذه الحالات تحويل المتغيرات الاسمية إلى “متغيرات وهمية ثنائية” (Dummy Variables: 0 أو 1) قبل إدراجها في أي مصفوفات تباين وتغاير خطية.

من جانب آخر، عند التعامل مع فقرات مقاييس ليكرت الترتيبية ذات الفئات المحدودة (مثل المقاييس الثلاثية أو الرباعية ذات التوزيعات الملتوية بشدة)، يفقد تغاير بيرسون الخطي العادي كفاءته ودقته نتيجة لتقييد المدى (Range Restriction). في مثل هذه البيئات السيكومترية، يُعد البديل المنهجي الأكثر رصانة هو حساب مصفوفة التغاير متعدد السلسلة (Polychoric Covariance Matrix) عبر وحدات R الإضافية داخل SPSS (مثل حزمة psych أو lavaan) لتقدير التغايرات بين المتغيرات الكامنة المستمرة المفترضة خلف الاستجابات الترتيبية المتقطعة.

12. صياغة وتوثيق نتائج مصفوفة التغاير وفق معايير جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7)

12.1 قواعد تصميم جداول مصفوفة التغاير بأسلوب APA

وضعت جمعية علم النفس الأمريكية في دليل نشرها السابع (APA Publication Manual, 7th Edition) معايير طباعية وأكاديمية دقيقة لعرض مصفوفات التباين والتغاير داخل المقالات العلمية والأطروحات الأكاديمية. تتلخص هذه القواعد المنهجية في البنود التالية:

  • الخطوط الأفقية الصارمة: استخدام ثلاثة خطوط أفقية رئيسية فقط في كامل الجدول (خط أعلى ترويسة الأعمدة، وخط أسفل ترويسة الأعمدة، وخط أسفل نهاية الجدول)، مع حظر استخدام كافة الخطوط الرأسية (Vertical borders) فصلاً باتاً.
  • عرض المثلث السفلي والقطر الرئيسي: لتفادي التكرار والحشو البصري الناتج عن تماثل المصفوفة، يُعرض النصف السفلي فقط (Lower Triangle) لقيم التغاير المشترك، بينما تُعرض قيم التباينات الأحادية ($s_i^2$) على طول القطر الرئيسي للمصفوفة، وتُترك الخلايا العلوية فارغة.
  • دمج الإحصاءات الوصفية: يُفضل أكاديمياً إضافة عمودين في أقصى يسار/يمين الجدول للمتوسطات الحسابية ($M$) والانحرافات المعيارية ($SD$) لكل متغير نفسي، لتقديم صورة سيكومترية شاملة في مساحة بصرية موحدة.
  • ترقيم وترميز المتغيرات: تُرقم المتغيرات في ترويسة الصفوف (1، 2، 3، …) وتُستخدم نفس الأرقام في ترويسة الأعمدة الأفقية اختصاراً للمساحة، مع كتابة الأسماء الكاملة للمتغيرات بوضوح في العمود الأول.
  • الملاحظات التفسيرية السفلية (Table Notes): وضع ملاحظة توضيحية أسفل الجدول تبدأ بكلمة Note. بخط مائل، لتوضيح حجم العينة الإجمالي ($N$)، وتحديد أن القيم الواقعة على القطر تمثل التباينات ($s^2$)، وتوضيح مستويات الدلالة الإحصائية للارتباطات المرافقة باستخدام النجوم (*$p < .05$, **$p < .01$, ***$p < .001$).

12.2 كتابة التقرير النصي التفسيري للنتائج في البحوث النفسية

عند صياغة قسم النتائج (Results Section) في الأوراق البحثية، يجب أن يدمج التقرير النصي بين الدقة الرياضية للأرقام المعروضة والتفسير السيكولوجي السلوكي المباشر. يتم توثيق قيم التباينات والتغايرات ومستويات الدلالة الإحصائية وحجم العينة بصيغة موحدة ورصينة.

نموذج صياغة نصية معتمدة وفق أسلوب APA 7:

“أُجريت تحليلات التباين والتغاير لفحص مصفوفة الاقتران الخطي بين أبعاد الصحة النفسية لدى عينة الدراسة ($N = 250$). أظهرت النتائج تبايناً ملحوظاً في درجات مقياس القلق ($s^2 = 34.82$) والاحتراق الأكاديمي ($s^2 = 28.15$)، مما يعكس حساسية الأدوات في رصد الفروق الفردية. كما كشفت مصفوفة التغاير عن وجود اقتران موجب ودال إحصائياً بين القلق والاحتراق الأكاديمي ($Cov = 18.45, p < .001$)، مما يشير إلى تزايد الاستنزاف النفسي بصورة طردية مع تفاقم حدة الاستثارة القلقية. وفي المقابل، أظهرت مصفوفة التغاير اقتراناً سالباً ودالاً بين المرونة النفسية والاحتراق الأكاديمي ($Cov = -12.30, p < .001$)، بما يدعم الفرضية النظرية القائلة بالدور الوقائي لسمات الصلابة الذاتية. وتوضح المصفوفة المعروضة في الجدول (1) استيفاء البيانات لشروط التباين والتغاير المشترك المطلوبة لإجراء نمذجة المعادلات البنائية اللاحقة."

12.3 أمثلة تطبيقية شاملة على بيانات نفسية وسلوكية واقعية

لتجسيد كافة القواعد النظرية والإجرائية السابقة، نعرض فيما يلي نموذجاً تطبيقياً أكاديمياً متكاملاً لمصفوفة تباين وتغاير مستخرجة من دراسة نفسية واقعية تبحث في ديناميات بيئة العمل والسلوك التنظيمي، تشتمل على أربعة متغيرات: (1) الرضا الوظيفي، (2) الاحتراق النفسي، (3) الأداء الوظيفي، و (4) الدعم التنظيمي المدرك، لعينة قوامها $N = 300$ موظف.

الجدول 1: مصفوفة التباين والتغاير والإحصاءات الوصفية لمتغيرات الدراسة التنظيمية ($N = 300$)

المتغير $M$ $SD$ 1 2 3 4
1. الرضا الوظيفي 32.45 5.82 (33.87)
2. الاحتراق النفسي 24.10 6.14 -19.42*** (37.70)
3. الأداء الوظيفي 41.80 4.50 14.25** -12.80** (20.25)
4. الدعم التنظيمي 28.75 5.20 18.60*** -15.10*** 11.35* (27.04)

Note. $N = 300$. تمثل القيم الموضوعة بين قوسين عريضين على طول القطر الرئيسي تباينات العينة الفردية ($s^2$). تمثل القيم الواقعة في المثلث السفلي خارج القطر معاملات التغاير غير المعيارية ($Cov$) بين أزواج المتغيرات. حُسبت مستويات الدلالة الإحصائية المرافقة عبر اختبار بيرسون ثنائي الطرف.
* $p < .05$. ** $p < .01$. *** $p < .001$.

يقدم هذا الجدول نموذجاً مثالياً لنشر مصفوفات التغاير في الأطروحات والمجلات المصنفة؛ حيث يجمع بين التباينات الأصلية، والتغايرات البينية، والإحصاءات الوصفية المركزية في نسق بصري منسجم رياضياً وموثق سيكومترياً بصورة متكاملة.

خاتمة شاملة (Conclusion)

تمثل مصفوفة التباين والتغاير (Variance-Covariance Matrix) في التحليل الإحصائي النفسي والسلوكي حجر الزاوية الذي تنبثق منه النماذج متعددة المتغيرات الأكثر تطوراً ورصانة. فمن خلال قدرتها الفائقة على الحفاظ على التباينات الطبيعية الخام للبيانات ومقاييس التشتت الأصلية، تُتيح للباحثين تقييم البنى الكامنة، وفحص الاتساق السيكومتري للمقاييس، واختبار النماذج البنائية المعقدة دون التشويه الرياضي الذي قد ينتج عن التوحيد القياسي غير المبرر.

وقد استعرض هذا الدليل الموسع أن إتقان استخراج مصفوفة التغاير في برنامج IBM SPSS Statistics يتجاوز مجرد النقر الآلي على القوائم المنسدلة؛ إذ يتطلب ممارسة علمية واعية تبدأ بالفحص الدقيق للفروض الإحصائية — كالاعتدالية المتعددة، والخطية، وضبط القيم الشاذة، والتعامل الرشيد مع البيانات المفقودة — مروراً بالتمكن من أدوات التحليل المتقدمة كاستخدام محرر الأوامر البرمجية (Syntax) والبيئة الجبرية (Matrix Syntax)، وصولاً إلى امتلاك المهارة السيكومترية لقراءة المخرجات وتفسير أبعادها وتوثيقها بصرامة أكاديمية وفق معايير الإصدار السابع لجمعية علم النفس الأمريكية (APA 7). إن اتباع هذه الخطوات المنهجية الصارمة يضمن للباحثين وطلاب الدراسات العليا في مجالات العلوم النفسية والتربوية والاجتماعية سلامة استدلالاتهم الإحصائية وجودة بحوثهم ومطابقتها لأرقى معايير النشر العلمي الدولي.

المراجع (References)

  • American Psychological Association. (2020). Publication manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/0000165-000
  • Bollen, K. A. (1989). Structural equations with latent variables. John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9781118619179
  • Field, A. (2018). Discovering statistics using IBM SPSS Statistics (5th ed.). SAGE Publications.
  • Hair, J. F., Black, W. C., Babin, B. J., & Anderson, R. E. (2019). Multivariate data analysis (8th ed.). Cengage Learning.
  • IBM Corporation. (2021). IBM SPSS Statistics 28 algorithms. IBM Corporation. https://www.ibm.com/support/pages/ibm-spss-statistics-28-documentation
  • Kline, R. B. (2023). Principles and practice of structural equation modeling (5th ed.). Guilford Press.
  • Mardia, K. V. (1970). Measures of multivariate skewness and kurtosis with applications. Biometrika, 57(3), 519–530. https://doi.org/10.1093/biomet/57.3.519
  • Tabachnick, B. G., & Fidell, L. S. (2019). Using multivariate statistics (7th ed.). Pearson.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 26). كيفية إنشاء مصفوفة التغاير في SPSS. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/statistics/how-to-create-covariance-matrix-in-spss/
looti, Mohammed. “كيفية إنشاء مصفوفة التغاير في SPSS.” عرب سايكلوجي, 26 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/statistics/how-to-create-covariance-matrix-in-spss/.
looti, Mohammed. “كيفية إنشاء مصفوفة التغاير في SPSS.” عرب سايكلوجي. أغسطس 26, 2026. https://arabpsychology.com/statistics/how-to-create-covariance-matrix-in-spss/.