تُعد معالجة البيانات وتحليلها في العلوم السلوكية، الاجتماعية، والنفسية والطبية خطوة محورية للإجابة عن الأسئلة البحثية واختبار الفرضيات العلمية بدقة وموثوقية. وعندما تتناول التصميمات التجريبية أو الوصفية المقارنة بين ثلاث مجموعات مستقلة أو أكثر بناءً على متغير كمي أو ترتيبي، يبرز برنامج SPSS الإحصائي كأحد أقوى الأدوات الحاسوبية المعتمدة عالمياً لتنفيذ هذه المعالجات بكفاءة عالية واختصار زمن الحساب الرياضي المعقد.
في كثير من المواقف الواقعية، تواجه الباحثين عقبات منهجية تحول دون استخدام التحليلات المعلمية التقليدية مثل تحليل التباين الأحادي (One-Way ANOVA)؛ كأن تكون أحجام العينات صغيرة جداً، أو تعاني التوزيعات من التواء حاد وتفتقر إلى التوزيع الطبيعي، أو تُقاس المتغيرات التابعة بمقاييس رتبية مثل مقاييس ليكرت (Likert Scales). في هذه الحالات، يفقد الاختبار المعلمي قوته وتصبح نتائجه غير دقيقة، مما يملي اللجوء إلى البدائل اللامعلمية المتينة.
يمثل اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis H Test) البديل اللامعلمي الأساسي والمعتمد لتحليل التباين الأحادي للعينات المستقلة؛ حيث يتفوق في التعامل مع البيانات الترتيبية والبيانات الرقمية التي تنتهك الفروض المعلمية دون التضحية بالقدرة الاستدلالية. يقدم هذا الدليل المرجعي الشامل شرحاً مفصلاً لكيفية فهم وتطبيق وتفسير وتقرير نتائج اختبار كروسكال-واليس في بيئة SPSS بدقة متناهية وفق أعلى معايير التوثيق الأكاديمي الصادرة عن جمعية علم النفس الأمريكية (APA).
- 1. مقدمة شاملة حول اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis Test)
- 2. الأسس النظرية والرياضية لاختبار كروسكال-واليس
- 3. الافتراضات والشروط الأساسية لتطبيق اختبار كروسكال-واليس
- 4. التحضير العملي للبيانات في برنامج SPSS (Data Preparation)
- 5. الدليل التفصيلي لإجراء اختبار كروسكال-واليس عبر الحوارات التقليدية (Legacy Dialogs)
- 6. الدليل التفصيلي لإجراء الاختبار عبر واجهة العينات المستقلة الحديثة (NPTESTS)
- 7. تفسير وتحليل مخرجات اختبار كروسكال-واليس في SPSS
- 8. المقارنات البعدية الثنائية (Post-Hoc Pairwise Comparisons) في SPSS
- 9. حساب وتفسير حجم الأثر لاختبار كروسكال-واليس (Effect Size)
- 10. التمثيل البياني وتصوير البيانات في SPSS (Data Visualization)
- 11. كتابة وتقرير النتائج وفق دليل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7th Edition)
- 12. الأخطاء الشائعة واستكشاف المشكلات الإحصائية وحلها في SPSS
- خاتمة
- References
1. مقدمة شاملة حول اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis Test)
1.1 التعريف الإحصائي لاختبار كروسكال-واليس وأهميته
يُعرَّف اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis Test)، والذي يُرمز لإحصاءته الحسابية بالرمز (H)، بأنه اختبار إحصائي استدلالي لامعلمي (Non-parametric Test) طُوِّر بواسطة العالِمَين ويليام كروسكال وويليام واليس عام 1952. يُستخدم هذا الاختبار كبديل مباشر لتحليل التباين الأحادي للعينات المستقلة (One-Way ANOVA) عندما لا تستوفي البيانات الفروض البارامترية الأساسية. تتمثل الوظيفة الجوهرية للاختبار في مقارنة ثلاثة أو أكثر من المجتمعات الإحصائية المستقلة لتحديد ما إذا كانت تنحدر من نفس التوزيع الاحتمالي أو تختلف فيما بينها اختلافاً ذا دلالة إحصائية.
تكمن أهمية هذا الاختبار في كونه يعتمد على مقارنة رتب المشاهدات (Ranks) بدلاً من درجاتها الخام المباشرة. عند إجراء التحليل، يتم تحويل الدرجات الفعلية إلى قيم رتبية متسلسلة تعكس الترتيب النسبي لكل مفردة مقارنة بجميع المشاهدات المدمجة في الدراسة، مما يقلص من التأثير السلبي للمقاييس غير المعيارية. وبذلك، لا يختبر كروسكال-واليس الفروق بين المتوسطات الحسابية (Means) كما يفعل تحليل التباين، بل يفحص الفروق بين متوسطات الرتب (Mean Ranks) أو وسائط المجموعات (Medians)، مما يجعله أكثر متانة عند مواجهة التشوهات التوزيعية.
تتجسد الفائدة العظمى للاختبار في حقول علم النفس، علم الاجتماع، والعلوم التربوية والسلوكية؛ حيث تعتمد معظم أدوات القياس على استبانات تتضمن مقاييس ليكرت متعددة الدرجات (مثل: موافق بشدة، موافق، محايد، غير موافق، غير موافق بشدة). هذه البيانات تُصنف إحصائياً كبيانات رتبية (Ordinal Data) تفقد خاصية التباعد المتساوي بين المستويات، وبالتالي فإن استخدام الأساليب اللامعلمية المستندة إلى الرتب مثل اختبار كروسكال-واليس يُعد الخيار المنهجي الأصوب للوصول إلى استنتاجات علمية دقيقة خالية من التحيز القياسي.
1.2 متى يتم استخدام اختبار كروسكال-واليس بدلاً من تحليل التباين الأحادي (ANOVA)؟
يُعد الانتقال من الاختبارات المعلمية إلى الاختبارات اللامعلمية قراراً منهجياً يستند إلى نتائج فحص الفروض الإحصائية القبلية للبيانات. يُفضل استخدام اختبار كروسكال-واليس كبديل لاختبار تحليل التباين الأحادي (ANOVA) في حالات محددة وواضحة يفرضها واقع جمع البيانات وخصائص العينات المتاحة، وفي مقدمتها فشل افتراض التوزيع الطبيعي (Normality)؛ حيث تكون البيانات ذات التواء حاد (Skewed) أو تفلطح غير طبيعي (Kurtosis)، لا سيما مع العينات الصغيرة التي تعجز عن تفعيل مبرهنة النهاية المركزية (Central Limit Theorem).
الحالة الثانية الحتمية هي طبيعة مستوى قياس المتغير التابع؛ فعندما يكون المتغير رتبياً (Ordinal Scale)، كالرتب الوظيفية، مستويات التحصيل الأكاديمي المقسمة إلى فئات، أو استجابات مقاييس الاتجاهات غير الخطية، يُمنع معلمياً حساب المتوسط الحسابي والانحراف المعياري، مما يجعل اختبار الرتب الخيار الوحيد القابل للتطبيق. كما يُعد الاختبار درعاً واقياً عند وجود قيم متطرفة شاذة (Outliers) حقيقية ترفض طبيعة الدراسة حذفها؛ إذ إن تحويل القيم إلى رتب يُلغي الوزن المفرط للقيمة الشاذة على التحليل العام.
علاوة على ذلك، يبرز اختبار كروسكال-واليس كبديل ممتاز عند انتهاك فرضية تجانس التباين (Homoscedasticity) بالتزامن مع عدم تساوي أحجام المجموعات المستقلة وصغرها؛ ففي مثل هذه السيناريوهات المعقدة، يتضخم معدل الخطأ من النوع الأول في اختبار ANOVA التقليدي، في حين يحافظ اختبار كروسكال-واليس على استقراره الإحصائي ويوفر تقديراً موثوقاً لوجود تأثير معنوي حقيقي للمتغير المستقل على المتغير التابع.
1.3 صياغة الفرضيات الإحصائية للاختبار
تتطلب الصياغة الأكاديمية للفرضيات الإحصائية لاختبار كروسكال-واليس دقة متناهية تميز بين شكل التوزيع العام والموقع المركزي للبيانات. تُصاغ الفرضية الصفرية (Null Hypothesis – H0) عموماً بالشكل التالي: “لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين توزيعات درجات المجموعات المقارنة في المجتمع الإحصائي”، أو بصيغة الوسائط: “تتساوى وسائط المجتمعات المستقلة المفحوصة (Median 1 = Median 2 = … = Median k)”، بافتراض تشابه الأشكال التوزيعية لكافة المجموعات.
في المقابل، تُصاغ الفرضية البديلة (Alternative Hypothesis – H1) بصورة غير اتجاهية عامة، كالتالي: “يوجد اختلاف ذو دلالة إحصائية بين توزيع واحد على الأقل من توزيعات المجموعات المقارنة عن باقي التوزيعات”، أو “يختلف وسيط مجتمع واحد على الأقل عن وسائط باقي المجتمعات الإحصائية”. من الضروري التأكيد على أن الفرضية البديلة في اختبار كروسكال-واليس لا تحدد اتجاه الاختلاف ولا تحدد بدقة أي المجموعات تتفوق على الأخرى، بل تقرر فقط وجود تباين جوهري على مستوى النظام الترتيبي الشامل.
ينبغي للباحث تحديد المتغيرات بدقة قبل الشروع في التحليل؛ حيث يشترط الاختبار وجود متغير مستقل تصنيفي قاطع (Categorical/Grouping Variable) يقسم المشاهدات إلى ثلاث فئات أو أكثر، ومتغير تابع كمي أو ترتيبي يمثل الظاهرة المقاسة. ويجب على الباحث صياغة الفرضيات في ضوء الإطار النظري للدراسة وأسئلتها الاستكشافية؛ تمهيداً لاختبارها وتفسير الدلالة الإحصائية المقابلة لها عبر برنامج SPSS.
2. الأسس النظرية والرياضية لاختبار كروسكال-واليس
2.1 منهجية تحويل البيانات إلى رتب (Rank Transformation)
تعتمد الآلية الرياضية لاختبار كروسكال-واليس على خوارزمية منهجية لتحويل الدرجات الأولية (Raw Scores) إلى رتب جبرية موحدة. تبدأ الخطوة الأولى بدمج جميع مشاهدات المجموعات المختلفة (k من المجموعات) في مصفوفة بيانات موحدة واحدة تتضمن حجماً إجمالياً يُرمز له بالرمز (N)، حيث N يمثل المجموع الكلي للحالات في كافة المجموعات المستقلة. يتم بعد ذلك ترتيب جميع هذه المشاهدات ترتيباً تصاعدياً صارماً من أصغر قيمة إلى أكبر قيمة، مع إعطاء أصغر قيمة الرتبة (1) وتتدرج الرتب تصاعدياً حتى تصل أكبر قيمة إلى الرتبة (N).
تنشأ في البيانات الواقعية ظاهرة تُعرف باسم “الرتب المكررة أو المتساوية” (Tied Ranks)، وهي الحالة التي تتساوى فيها قيمتان أو أكثر في الدرجة الخام. يعالج الاختبار هذه المعضلة الرياضية بحساب “متوسط الرتب” المشتركة (Average Rank) وتخصيصه لكل قيمة من القيم المتكررة. على سبيل المثال، إذا تساوت قيمتان وكانتا تتنافسان على الرتبتين 4 و 5، يُحسب المتوسط (4 + 5) / 2 = 4.5، وتُعطى الرتبة 4.5 لكل من القيمتين، ثم تستأنف القيمة اللاحقة الرتبة رقم 6 مباشرة دون أي إخلال بمجموع الرتب الكلي.
بعد إتمام عملية الترتيب والتصنيف لكامل مصفوفة البيانات المشتركة، يتم تفكيك المشاهدات وإعادة توزيع الرتب المحسوبة إلى مجموعاتها التجريبية أو التصنيفية الأصلية. يتم بعد ذلك حساب المجموع الجبري للرتب (Sum of Ranks – R_j) لكل مجموعة على حدة، وحساب متوسط الرتب الخاص بكل مجموعة عبر قسمة مجموع الرتب على حجم العينة في تلك المجموعة (R_j / n_j). تسهم هذه العملية الرياضية في إزالة الأثر المفرط للقيم الشاذة، حيث تتحول القيمة المتطرفة الكبيرة جداً إلى مجرد أعلى رتبة تالية دون أن تجر التحليل الحسابي باتجاهها بصورة مضللة.
2.2 المعادلة الرياضية وإحصاء الاختبار H
يستند قرار الاختبار إلى حساب القيمة الرياضية لإحصاء كروسكال-واليس، والتي يُرمز لها بالرمز H، وتُحسب وفق المعادلة المعيارية التالية:
H = [ 12 / (N * (N + 1)) ] * Σ [ (R_j^2) / n_j ] – 3 * (N + 1)
حيث يمثل N الحجم الإجمالي لكافة المشاهدات في كل المجموعات، و n_j حجم العينة في المجموعة رقم j، بينما يعبر R_j عن المجموع الكلي للرتب المخصصة للمجموعة j، وتدل علامة المجموع (Σ) على جمع نواتج قسمة مربع مجموع الرتب على حجم العينة لجميع المجموعات من j = 1 إلى j = k.
في حالة وجود رتب مكررة (Ties) في مصفوفة البيانات، تُصبح قيمة H المحسوبة بالصيغة السابقة متحفظة وأقل من قيمتها الفعلية، مما يقتضي تصحيحها بقسمة القيمة H على معامل تصحيح الرتب المكررة (Tie Correction Factor – C)، ويُحسب المعامل عبر الصيغة التالية:
C = 1 – [ Σ (t_i^3 – t_i) / (N^3 – N) ]
حيث تمثل t_i عدد المشاهدات المتطابقة في المجموعة المكررة رقم i. تُحسب القيمة المصححة النهائية عبر الصيغة: H_adj = H / C.
تتميز هذه الإحصاءة بخاصية رياضية بالغة الأهمية؛ فعندما تكون أحجام العينات في المجموعات مناسبة (عادةً n_j ≥ 5 في كل مجموعة)، يتبع إحصاء H تقاربياً توزيع مربع كاي (Chi-Square Distribution) بدرجات حرية تُحسب دائماً وفق الصيغة: df = k – 1، حيث k هو عدد المجموعات المستقلة المقارنة. يتيح هذا التقارب استخدام جداول مربع كاي لاشتقاق القيمة الاحتمالية (p-value) واتخاذ القرار الإحصائي بثقة.
2.3 مقارنة القوة الإحصائية بين ANOVA وكروسكال-واليس
تُقاس جودة الاختبارات الإحصائية بما يُعرف بـ “القوة الإحصائية” (Statistical Power)، وهي احتمالية رفض الفرضية الصفرية عندما تكون خاطئة بالفعل (أي القدرة على اكتشاف الفروق الحقيقية 1 – Beta). وعند مقارنة اختبار كروسكال-واليس بتحليل التباين الأحادي ANOVA، تُشير الدراسات النظرية إلى مفهوم “الكفاءة التقاربية النسبية” (Asymptotic Relative Efficiency – ARE). في ظل التوزيع الطبيعي التام والمثالي للبيانات، تبلغ كفاءة كروسكال-واليس التقاربية حوالي 95.5% (أي 3/π) مقارنة باختبار ANOVA، وهو ما يعني خسارة طفيفة جداً وغير مؤثرة في القوة لا تتجاوز 4.5% لصالح الأمان المنهجي.
في المقابل، عندما تنتهك البيانات فرضية التوزيع الطبيعي—مثل التوزيعات ذات الذيول الثقيلة (Heavy-tailed Distributions) أو التوزيعات اللوجستية والأسية والتوزيعات شديدة الالتواء—تنقلب المعادلة جذرياً؛ حيث تصبح الكفاءة النسبية لاختبار كروسكال-واليس أعلى بكثير من اختبار ANOVA، وتتجاوز في كثير من السيناريوهات 100% لتصل إلى مستويات فائقة تُمكّن الباحث من رصد تأثيرات إحصائية حقيقية يعجز تحليل التباين عن كشفها بسبب تضخم التباين الخطأ وتأثر المتوسطات بالقيم المتطرفة.
يرتبط هذا السلوك الإحصائي بمعدلات الوقوع في الأخطاء الاستدلالية؛ فاختبار كروسكال-واليس يوفر تحكماً فائقاً في معدل الخطأ من النوع الأول (Type I Error – α)، وهو احتمال رفض الفرضية الصفرية وهي صحيحة، خصوصاً مع البيانات الملوثة بالتشوهات، ويقلل في الوقت ذاته من معدل الخطأ من النوع الثاني (Type II Error – β) الناتج عن التقدير غير الكفء لتباين المجموعات. إن زيادة حجم العينة الإجمالي تُسهم بشكل مباشر في رفع قوة اختبار كروسكال-واليس ليصل إلى مستويات كشف شبه تامة عن الفروق الترتيبية في المجتمع الإحصائي.
3. الافتراضات والشروط الأساسية لتطبيق اختبار كروسكال-واليس
3.1 طبيعة المتغيرات ومستوى القياس
يفرض اختبار كروسكال-واليس مجموعة من المحددات المنهجية المتعلقة ببنية المتغيرات ومستويات قياسها لضمان استقامة النتائج الرياضية وقابليتها للتفسير. أول هذه الشروط هو طبيعة المتغير المستقل (Independent Variable / Factor)، والذي يجب أن يكون متغيراً تصنيفياً أو اسمياً مقسماً إلى ثلاث فئات أو مجموعات مستقلة أو أكثر (k ≥ 3). يجب أن تكون هذه المجموعات حصرية ومحددة بدقة؛ بحيث لا يمكن للمفردة الواحدة أن تنتمي لأكثر من مجموعة في آن واحد.
أما بالنسبة للمتغير التابع (Dependent Variable)، فيجب أن يكون مقاساً على مستوى ترتيبي (Ordinal Scale) كحد أدنى، أو على مستوى كمي فئوي/نسبي متصل (Continuous Scale / Interval-Ratio). تشمل المتغيرات الترتيبية النموذجية مقاييس ليكرت الخماسية أو السباعية الشائعة في الاستبانات السلوكية، ومستويات الرضا الوظيفي، وتقديرات الأداء الإكلينيكي المصنفة تدريجياً. في حين تشمل المتغيرات المتصلة درجات الاختبارات، زمن رد الفعل بالمللي ثانية، أو المؤشرات الحيوية التي فشلت في تحقيق التوزيع الطبيعي.
من الضروري التأكد من وضوح الفواصل المفهومية والعملياتية بين فئات المتغير المستقل وعدم وجود تداخل تصنيفي بين المجموعات. إن احترام مستويات القياس يقي الباحث من السقوط في فخ التفسيرات الرياضية المضللة، ويضمن أن تكون عملية تحويل المشاهدات إلى رتب ذات دلالة تعكس الواقع الظاهري للمتغير المدروس.

3.2 استقلالية المشاهدات (Independence of Observations)
يُمثل افتراض استقلالية المشاهدات (Independence of Observations) الركيزة المنهجية الأهم والشرط الحرج لتطبيق اختبار كروسكال-واليس بنجاح. ينص هذا الافتراض على أن كل قيمة تم قياسها في مصفوفة البيانات يجب أن تكون مستقلة تماماً عن أي قيمة أخرى، سواء داخل المجموعة الواحدة أو بين المجموعات المختلفة. يعني ذلك عدم وجود أي ارتباط وراثي، بيئي، زمني، أو تفاعلي بين أفراد العينة يوجه استجاباتهم بشكل متطابق أو منظم.
يترتب على هذا الشرط أن اختبار كروسكال-واليس غير صالح إطلاقاً لتحليل التصميمات التجريبية القائمة على القياسات المتكررة (Repeated Measures) أو الأزواج المرتبطة (Matched Pairs)؛ كأن يتم قياس نفس الأفراد قبل التدخل، أثناءه، وبعده. في حالة القياسات المتكررة اللامعلمية، يكون البديل الصحيح هو اختبار فريدمان (Friedman Test). إن خرق فرضية الاستقلالية يؤدي إلى انهيار تام في حسابات درجات الحرية وتضخم هائل في معدل الخطأ من النوع الأول، مما يجعل النتائج المستخلصة باطلة إحصائياً.
لضمان استيفاء هذا الفرض، يجب على الباحث ضبط إجراءات جمع البيانات أثناء مرحلة تصميم البحث الميداني، عبر استخدام أساليب العينات العشوائية البسيطة أو الطبقية المستقلة، والتأكد من أن مشاركة أي فرد في مجموعة تصنيفية تحجب إمكانية مشاركته في المجموعات المقابلة تحت أي ظرف.
3.3 تشابه أشكال التوزيع لتفسير الوسيط (Distribution Shape)
يقع كثير من الباحثين في خلط شائع حول طبيعة الفروق التي يكشفها اختبار كروسكال-واليس، وتحديداً ما إذا كان الاختبار يفحص الفروق بين “الوسائط” (Medians) أم الفروق بين “متوسطات الرتب” (Mean Ranks). تكمن القاعدة الإحصائية الفاصلة في شكل التوزيع التكراري للبيانات عبر المجموعات المختلفة؛ فإذا كانت أشكال التوزيعات التكرارية للمتغير التابع متشابهة بصرياً وإحصائياً في جميع المجموعات (من حيث اتجاه الالتواء ودرجة التفلطح)، فإن اختبار كروسكال-واليس يُعد اختباراً مباشراً للفروق بين وسائط المجموعات (Medians).
أما إذا كانت التوزيعات مختلفة في أشكالها الهندسية عبر المجموعات (كأن يكون التوزيع ملتوياً جهة اليمين في المجموعة الأولى، وملتوياً جهة اليسار في المجموعة الثانية، ومتماثلاً في الثالثة)، فإن الاختبار يفقد قدرته على المقارنة المباشرة بين الوسائط الحسابية، ويتحول إلى اختبار للفروق في التوزيع العام للمشاهدات، ويُفسر رياضياً كفروق بين “متوسطات الرتب” (Mean Ranks) فقط. يتم فحص هذا الافتراض بصرياً في برنامج SPSS عبر استخراج المدرجات التكرارية (Histograms) ومخططات الكثافة أو الصناديق التفاعلية لكل مجموعة على حدة.
توضح المعاينة البصرية لصانع القرار الإحصائي الكيفية السليمة لكتابة التقرير النهائي؛ فإذا تطابقت الأشكال، تُعرض الوسائط والمدى الربيعي كمؤشرات وصفية أساسية، وإذا اختلفت الأشكال التوزيعية، يُلزم الباحث بالاعتماد حصراً على متوسطات الرتب ومجموعها لشرح اتجاه الفروق بين المجموعات.
4. التحضير العملي للبيانات في برنامج SPSS (Data Preparation)
4.1 ترميز المتغيرات في شاشة متغيرات SPSS (Variable View)
يمثل الإعداد السليم لشاشة المتغيرات (Variable View) في برنامج SPSS حجر الزاوية لتنفيذ التحليل اللامعلمي دون أخطاء تقنية. تتطلب العملية تعريف متغيرين أساسيين: المتغير التابع والمتغير المستقل. يتم في عمود الاسم (Name) كتابة اسم رمزي مختصر للمتغير التابع (مثل: Dep_Score أو Job_Satisfaction) واسم للمتغير المستقل (مثل: Group أو Teaching_Method). يجب التأكد من ضبط نوع المتغير في عمود (Type) على الخيار الرقمي (Numeric) لكلا المتغيرين لتفادي رفض البرنامج لإجراء الاختبارات اللامعلمية.
في عمود التسمية (Label)، يُكتب التوصيف الكامل للمتغير لضمان ظهوره في جداول المخرجات التفسيرية. بعد ذلك، يتم الانتقال إلى خطوة بالغة الأهمية في عمود القيم (Values) الخاص بالمتغير المستقل؛ حيث يتم ترميز المجموعات بإعطاء كل فئة رقماً تعريفياً صحيحاً وتسمية نصية مقابلة (مثال: Value: 1 = Label: “المجموعة الضابطة”، Value: 2 = Label: “العلاج المعرفي”، Value: 3 = Label: “العلاج السلوكي”).
أخيراً، يتم تحديد مستوى القياس في عمود (Measure)؛ حيث يُضبط المتغير التابع على خيار (Ordinal) إذا كان رتبياً كليكرت، أو (Scale) إذا كان كمياً متصلاً، في حين يُضبط المتغير المستقل القاطع على خيار (Nominal). كما يجب فحص عمود القيم المفقودة (Missing) وتحديد الأكواد الرقمية المخصصة للمفقودات (مثل: 999) لاستبعادها آلياً من حسابات الاختبار.
4.2 إدخال وتنظيم البيانات في شاشة البيانات (Data View)
تتطلب بنية البيانات في SPSS إدخال المشاهدات وفق التنسيق الطولي القياسي (Long Format) بدلاً من التنسيق العريض المتباعد. يعني ذلك تخصيص صف مستقل لكل مشارك أو وحدة معاينة في شاشة البيانات (Data View)، بحيث تظهر البيانات في عمودين رئيسيين: عمود المتغير التابع يحتوي على الدرجة المحصلة، وعمود المتغير المستقل يحتوي على كود المجموعة التي ينتمي إليها ذلك المشارك.
على سبيل المثال، إذا كانت الدراسة تتضمن 60 مشاركاً مقسمين بالتساوي على 3 مجموعات، فإن مصفوفة البيانات ستتكون من 60 صفاً؛ الصفوف من 1 إلى 20 تحتوي على الكود (1) في عمود المجموعة ودرجات أفراد المجموعة الأولى في عمود الدرجات، والصفوف من 21 إلى 40 تحتوي على الكود (2) مع درجات المجموعة الثانية، وهكذا حتى اكتمال إدخال جميع الحالات.
يجب على الباحث إجراء مراجعة تدقيقية للبيانات المدخلة للتأكد من عدم وجود أخطاء في الإدخال اليدوي، مثل إدخال قيم خارج النطاق المنطقي للمقياس (Data Entry Errors)، والتأكد من اتساق الأكواد الرقمية، وتطهير المصفوفة من أي أسطر فارغة غير مقصودة قد تؤثر سلباً على تقديرات حجم العينة الإجمالي.
4.3 التحقق الاستكشافي من شروط الاختبار في SPSS
قبل الشروع المباشر في تشغيل اختبار كروسكال-واليس، ينبغي تشغيل التحليل الاستكشافي للبيانات للتحقق التوثيقي من مبررات استخدام الاختبار اللامعلمي. يتم ذلك عبر المسار التالي في SPSS: النقر على القائمة العلوية Analyze، ثم اختيار Descriptive Statistics، ثم الضغط على Explore.
في نافذة التحليل الاستكشافي، يتم نقل المتغير التابع إلى صندوق قائمة التوابع (Dependent List)، ونقل متغير المجموعات المستقل إلى صندوق قائمة العوامل (Factor List). يتم بعد ذلك النقر على زر Plots وتفعيل خيار Histogram بالإضافة إلى تفعيل خيار اختبارات التوزيع الطبيعي مع الرسوم (Normality plots with tests)، ثم الضغط على Continue ثم OK.
تتضمن مخرجات هذا الإجراء جدول اختبارات التوزيع الطبيعي (Shapiro-Wilk Test و Kolmogorov-Smirnov Test). إذا كانت القيمة الاحتمالية لاختبار شابيرو-ويلك دالة إحصائياً (p < 0.05) في واحدة أو أكثر من المجموعات، فإن ذلك يُثبت رسمياً انتهاك فرضية التوزيع الطبيعي. كما يُستفاد من اختبار ليفين (Levene’s Test) للتأكد من حالة تباين المجموعات، وبذلك يتأسس القرار المنهجي النهائي باستخدام اختبار كروسكال-واليس بدلاً من تحليل التباين ANOVA استناداً إلى براهين إحصائية قاطعة.
5. الدليل التفصيلي لإجراء اختبار كروسكال-واليس عبر الحوارات التقليدية (Legacy Dialogs)
5.1 الوصول إلى أداة الاختبارات التقليدية للعينات المستقلة
تُعد واجهة الحوارات التقليدية (Legacy Dialogs) في برنامج SPSS الطريقة الأكثر شيوعاً واستقراراً عبر مختلف إصدارات البرنامج المتعاقبة، ويفضلها كثير من الباحثين لبساطتها وسرعة استخراج النتائج في صورة جداول واضحة قابلة للنسخ المباشر. للوصول إلى هذه الأداة، يتبع الباحث المسار الأكاديمي القياسي من شريط القوائم الرئيسي كالتالي:
Analyze > Nonparametric Tests > Legacy Dialogs > K Independent Samples…

بمجرد الضغط على هذا الخيار، تفتح نافذة فرعية منبثقة تحمل عنوان Tests for Several Independent Samples. تحتوي هذه النافذة على قائمة بكافة المتغيرات المعرفة في الملف على الجانب الأيسر، ومربعات حوار مخصصة لتوزيع المتغيرات على الجانب الأيمن، بالإضافة إلى قسم خاص باختيار نوع الاختبار المطلوب في الجزء السفلي من النافذة.
تتميز الحوارات التقليدية بأنها تمنح الباحث تحكماً مباشراً في تحديد مجالات المجموعات بدقة عبر الأرقام التعريفية، كما أنها تُنتج مخرجات نصية وجداول إحصائية كلاسيكية لا تتطلب استعراضاً عبر أدوات العرض التفاعلية المعقدة، مما يسهل قراءتها من قبل الباحثين من مختلف مستويات الخبرة الإحصائية.
5.2 تحديد المتغيرات ونطاق المجموعات (Define Range)
بعد فتح نافذة التحليل، يتم نقل المتغير التابع (الدرجات المقاسة) من القائمة اليسرى إلى صندوق Test Variable List عبر تحديده والضغط على السهم العلوي. يمكن للباحث إضافة أكثر من متغير تابع في هذا الصندوق إذا كان يهدف إلى إجراء الاختبار على عدة سمات مقاسة في نفس الوقت وبنفس المتغير التصنيفي المستقل.
في الخطوة التالية، يتم نقل المتغير المستقل القاطع إلى صندوق Grouping Variable. سيلاحظ الباحث ظهور علامات استفهام بجانب اسم المتغير المستقل مثل Group(?,?)، مما يشير إلى ضرورة تعريف نطاق المجموعات المفحوصة. للقيام بذلك، يتم النقر على زر Define Range… الموجود مباشرة أسفل صندوق متغير التجميع.
في نافذة تحديد النطاق، يُدخل الباحث الحد الأدنى للترميز الرقمي في خانة Minimum (مثلاً: الرقم 1 إذا كانت أول مجموعة مرمزة برقم 1)، والحد الأقصى في خانة Maximum (مثلاً: الرقم 3 إذا كانت الدراسة تتضمن ثلاث مجموعات). يتم بعد ذلك الضغط على Continue للعودة إلى النافذة السابقة. وأخيراً، يتم التأكد من تفعيل مربع الاختيار المسمى Kruskal-Wallis H في قسم Test Type أسفل الشاشة، مع إمكانية إلغاء تفعيل أي اختبارات أخرى غير مطلوبة كاختبار الوسيط (Median Test).
5.3 تخصيص الخيارات الإضافية (Options)
يوفر زر Options… الموجود في الجانب الأيمن من نافذة الحوار التقليدية إمكانات مهمة لتعزيز شمولية التحليل الإحصائي المستخرج. عند النقر على هذا الزر، تظهر نافذة فرعية تتيح تفعيل خيارات إحصائية إضافية حيوية؛ ويُنصح دائماً بتفعيل خيار Quartiles لاستخراج الوسائط والمئينات (Percentiles: 25th, 50th, 75th) لكل متغير من المتغيرات المفحوصة.

كما يمكن تفعيل خيار الإحصاءات الوصفية Descriptive إذا رغب الباحث في استعراض المتوسطات العامة والانحرافات المعيارية والمدى الأدنى والأعلى، مع التنبيه المنهجي إلى عدم الاعتماد على المتوسطات الحسابية في تفسير الفروق اللامعلمية. وفي نفس النافذة، يحدد الباحث طريقة التعامل مع البيانات المفقودة في قسم Missing Values، حيث يمكن الاختيار بين الاستبعاد اختباراً باختبار (Exclude cases test-by-test) أو الاستبعاد على مستوى الحالات الإجمالية للملف (Exclude cases listwise).
بعد ضبط كافة الخيارات، يتم الضغط على Continue. لإجراء التحليل الفوري، يتم الضغط على زر OK ليقوم البرنامج بمعالجة البيانات وتوليد المخرجات في نافذة SPSS Viewer. أما إذا رغب الباحث في حفظ كود الأوامر للتوثيق أو لإعادة الاستخدام في التحليلات الموسعة، فيمكنه الضغط على زر Paste ليتم نقل كود السنتكس (Syntax) إلى محرر الأوامر البرمجية في SPSS بصيغة NPAR TESTS /K-W=....
6. الدليل التفصيلي لإجراء الاختبار عبر واجهة العينات المستقلة الحديثة (NPTESTS)
6.1 المسار الحديث للتحليلات اللامعلمية التلقائية في SPSS
أضافت الإصدارات الحديثة من برنامج SPSS واجهة متطورة وديناميكية لإجراء الاختبارات اللامعلمية تُعرف بنظام الأوامر (NPTESTS). تتميز هذه الواجهة بأنها تعتمد على النمذجة الحديثة وتقدم مخرجات تفاعلية ثرية بالرسوم البيانية والمقارنات البعدية التلقائية المصححة إحصائياً. للوصول إلى هذا المعالج الحديث، يتبع الباحث المسار التالي من شريط القوائم:
Analyze > Nonparametric Tests > Independent Samples…
تفتح هذه النافذة الحديثة منظم اختبارات متكامل يتكون من ثلاثة تبويبات رئيسية في الأعلى مرتبة منطقياً: تبويب الأهداف (Objective)، تبويب الحقول (Fields)، وتبويب الإعدادات المتقدمة (Settings). في تبويب Objective، يجد الباحث خياراً افتراضياً يُسمى Automatically compare data across groups، والذي يقوم بفحص طبيعة البيانات وتطبيق الاختبار اللامعلمي المناسب تلقائياً. ومع ذلك، يُفضل أكاديمياً اختيار الضبط المخصص للتحكم الكامل في نوع الاختبار وإعدادات المقارنات البعدية.
تتفوق الواجهة الحديثة على الحوارات التقليدية في قدرتها على إدارة التحليلات المتعددة دفعة واحدة وتقديم عارض نماذج تفاعلي (Model Viewer) يدمج الرسوم البيانية والجداول واختبارات الدلالة في شاشة واحدة متناسقة توفر رؤية شاملة لسلوك البيانات.
6.2 ضبط الحقول والإعدادات المتقدمة (Fields and Settings Tabs)
يبدأ التخصيص الدقيق بالانتقال إلى التبويب الثاني المسمى Fields؛ حيث تحتوي الواجهة على قائمتين مخصصتين. يتم نقل المتغير التابع أو مجموعة المتغيرات التابعة إلى قائمة حقول الاختبار (Test Fields)، ونقل المتغير المستقل القاطع إلى قائمة المجموعات (Groups). يتميز هذا النظام بأنه يتعرف تلقائياً على كافة الفئات والأكواد المتاحة في المتغير المستقل دون الحاجة لتحديد الحد الأدنى والأقصى يدوياً كما في النظام التقليدي.
بعد ذلك، ينتقل الباحث إلى التبويب الثالث المسمى Settings، ويقوم بتفعيل الدائرة المخصصة لاختيار الفحص المخصص (Customize tests). من بين قائمة الاختبارات المتاحة، يتم تفعيل خيار Kruskal-Wallis 1-way ANOVA (k samples). وبمجرد تفعيله، يظهر أسفل الاختبار خيار فرعي للمقارنات المتعددة (Multiple comparisons)؛ حيث يُنصح بتحديد خيار All pairwise لتشغيل المقارنات الثنائية بين كافة المجموعات أو خيار Stepwise step-down للتحليل التتابعي.
في نفس شاشة الإعدادات، يمكن النقر على خيار Test Options من القائمة الجانبية لتعديل مستوى الدلالة الألفي (Significance Level Alpha) الذي يُضبط افتراضياً عند 0.05، وضبط مستوى فترات الثقة عند 95%. كما يمكن تحديد معايير تصحيح المقارنات البعدية بدقة متناهية لضمان ضبط خطأ العائلة الشامل.
6.3 تنفيذ الإجراء واستعراض عارض النماذج التفاعلي (Model Viewer)
بعد إتمام ضبط الحقول والإعدادات، يتم النقر على زر Run أسفل النافذة لتنفيذ التحليل المعقد. يُصدر البرنامج في نافذة المخرجات جدولاً أولياً مقتضباً يحمل عنوان Hypothesis Test Summary. يحتوي هذا الجدول على نص الفرضية الصفرية المفحوصة، ونوع الاختبار المستخدم (Independent-Samples Kruskal-Wallis Test)، وقيمة الدلالة الإحصائية المقاربة (Asymptotic Sig.)، والقرار الإحصائي التلقائي المقترح من البرنامج (Reject the null hypothesis أو Retain the null hypothesis).
للوصول إلى التحليلات المعمقة والرسوم البيانية، يقوم الباحث بالنقر المزدوج (Double-Click) بالماوس فوق جدول ملخص الفرضيات، مما يؤدي إلى فتح نافذة تفاعلية متقدمة هي Model Viewer. ينقسم عارض النماذج إلى قسمين: الجانب الأيمن يعرض المخططات البيانية المدمجة لتوزيعات الرتب ومخططات الصناديق التفاعلية لكل مجموعة، والجانب الأيسر يعرض الجداول الإحصائية المفصلة ومصفوفات المقارنات البعدية.
يتيح عارض النماذج التبديل بين طرق العرض المختلفة عبر القائمة المنسدلة في الأسفل (View)؛ حيث يمكن استعراض جدول المقارنات الثنائية (Pairwise Comparisons) مع الرسوم البيانية لشبكة الوصلات التفاعلية، وتصدير هذه الرسوم والجداول مباشرة بدقة متناهية إلى ملفات خارجية لاستخدامها في إعداد التقرير الأكاديمي.
7. تفسير وتحليل مخرجات اختبار كروسكال-واليس في SPSS
7.1 قراءة جدول الرتب (Ranks Table)
يُعد جدول الرتب (Ranks Table) الناتج عن الحوارات التقليدية أول مخرجات الاختبار وأكثرها أهمية لفهم الاتجاه الوصفي للفروق بين المجموعات. يتكون هذا الجدول من أربعة أعمدة رئيسية: عمود اسم المتغير المستقل وفئاته (Group)، عمود حجم العينة الفعلي داخل كل مجموعة (N)، عمود متوسط الرتب (Mean Rank)، وعمود مجموع الرتب (Sum of Ranks).

يُعبر عمود N عن عدد المشاركين الصالحين للتحليل في كل مجموعة؛ وتساعد قراءته في التأكد من عدم فقدان حالات أثناء المعالجة الحسابية. أما العمود الجوهري فهو عمود Mean Rank، والذي يمثل متوسط الرتب المخصصة لمشاهدات كل مجموعة في فضاء البيانات الإجمالي؛ فالمجموعة التي تمتلك أعلى متوسط رتب هي المجموعة ذات التقييم أو الأداء الأعلى، في حين تُعد المجموعة ذات متوسط الرتب الأدنى هي الأقل أداءً في السمة المقاسة.
يُقدم تحليل متوسطات الرتب تفسيراً ترتيبياً مباشراً؛ فإذا أظهرت النتائج أن متوسط رتب مجموعة “العلاج المعرفي” بلغ (45.50)، بينما بلغ متوسط رتب “العلاج السلوكي” (32.10)، ومجموعة “الضابطة” (18.40)، فإن ذلك يشير مبدئياً إلى تفوق العلاج المعرفي على باقي المجموعات في رفع درجات المتغير التابع، مما يمهد للتحقق من المعنوية الإحصائية لهذا التفاوت الترتيبي.
7.2 قراءة جدول إحصاءات الاختبار (Test Statistics Table)
يحتوي جدول إحصاءات الاختبار (Test Statistics) على القيم المعيارية الحاسمة للبت في صحة الفرضيات الإحصائية. يشتمل هذا الجدول على المؤشرات الأساسية التالية: إحصاء مربع كاي المحسوب لاختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis H أو Chi-Square)، درجات الحرية (df)، والقيمة الاحتمالية المقاربة (Asymp. Sig.).
تُمثل قيمة Chi-Square / H التباين الموزون للرتب بين المجموعات؛ وكلما كبرت هذه القيمة الرياضية، دل ذلك على تباعد أوسع بين متوسطات رتب المجموعات. تُشير قيمة df إلى درجات الحرية وتساوي دائماً عدد المجموعات المقارنة مطروحاً منه واحد (df = k – 1)؛ ففي دراسة تضم 3 مجموعات، تكون درجات الحرية 2 دائماً.
أما السطر الأخير وهو Asymp. Sig. (القيمة الاحتمالية التقاربية p-value)، فيُمثل المعيار القاطع لاتخاذ القرار؛ وتُطبق قاعدة القرار الإحصائي المعيارية كالتالي: إذا كانت القيمة الاحتمالية أقل من أو تساوي مستوى الدلالة المعتمد (p ≤ 0.05)، يتم رفض الفرضية الصفرية وقبول الفرضية البديلة، مما يؤكد وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعات. أما إذا كانت القيمة الاحتمالية أكبر من 0.05 (p > 0.05)، فيتم قبول الفرضية الصفرية واستنتاج عدم وجود فروق معنوية ذات دلالة إحصائية.
7.3 الدلالة الدقيقة مقابل الدلالة التقاربية (Exact vs Asymptotic P-Value)
يعتمد برنامج SPSS افتراضياً على حساب الدلالة التقاربية (Asymptotic Significance)، والتي تفترض أن حجم العينة كبير بما يكفي ليقترب توزيع إحصاء H بدقة من توزيع مربع كاي النظري. غير أنه في البحوث الإكلينيكية، أو الدراسات النفسية المتخصصة ذات العينات النادرة والصغيرة جداً (مثل: n < 5 في المجموعة الواحدة)، تصبح الدلالة التقاربية غير دقيقة وتزيد من احتمالية الوصول إلى قرارات استدلالية خاطئة.
في مثل هذه الحالات الخاصة، يوفر SPSS وحدة إضافية تُسمى Exact Tests تتيح حساب “الدلالة الدقيقة” (Exact Significance) عبر حساب كافة التباديل الرياضية الممكنة للرتب، أو حساب دلالة “مونت كارلو” (Monte Carlo Significance) القائمة على المحاكاة العشوائية المتكررة للعينات. تعتمد الدلالة الدقيقة على التوزيع الاحتمالي الفعلي للبيانات دون أي افتراضات تقاربية، مما يمنح الباحث قيمة p صحيحة تماماً لا تتأثر بصغر العينة.
كما تؤثر كثرة الرتب المكررة (Tied Ranks) في البيانات على دقة التقريب النظري؛ لذا يُنصح الباحثون عند التعامل مع عينات صغيرة أو بيانات شديدة التكرار بالاعتماد على خيار الدلالة الدقيقة (Exact p-value) في جداول SPSS لضمان الصرامة المنهجية والموثوقية الاستدلالية للنشر الأكاديمي الرصين.
8. المقارنات البعدية الثنائية (Post-Hoc Pairwise Comparisons) في SPSS
8.1 ضرورة إجراء الاختبارات البعدية بعد النتيجة الدالة
عندما يسفر اختبار كروسكال-واليس عن نتيجة دالة إحصائياً (p ≤ 0.05)، يخبرنا الاختبار بوجود اختلاف جوهري بين مجموعة واحدة على الأقل وباقي المجموعات، لكنه كاختبار شامل (Omnibus Test) يعجز تماماً عن تحديد موقع هذا الاختلاف بدقة؛ فلا نستطيع من خلاله معرفة ما إذا كان الفرق يكمن بين المجموعة الأولى والثانية، أم بين الأولى والثالثة، أم بين جميع الأزواج معاً. تبرز هنا الحاجة الحتمية لإجراء المقارنات البعدية الثنائية (Post-Hoc Pairwise Comparisons).
تتمثل المعضلة المنهجية عند إجراء مقارنات ثنائية متعددة في ظاهرة “تضخم معدل الخطأ من النوع الأول على مستوى العائلة” (Familywise Error Rate Inflation). عند اختبار عدة أزواج بمستوى ألفا منفرد (α = 0.05)، يتراكم احتمال ارتكاب خطأ إحصائي وفق المعادلة: α_fw = 1 - (1 - α)^c، حيث c هو عدد المقارنات الثنائية. ففي حالة 3 مجموعات (c = 3 مقارنات)، يرتفع معدل الخطأ الكلي إلى قرابة 14.3% بدلاً من 5%، مما يفرض استخدام اختبارات بعدية لامعلمية متخصصة ومصححة.
يُعد اختبار دن للمقارنات المتعددة (Dunn’s Test) المعيار الأكاديمي الذهبي للمقارنات البعدية اللامعلمية بعد اختبار كروسكال-واليس؛ حيث يعتمد على استخدام متوسطات الرتب المشتقة من التحليل الشامل نفسه، ويطبق تصحيحات احتمالية متقدمة لمعالجة تضخم الأخطاء الإحصائية بكفاءة متناهية تتفوق على إجراء اختبارات مان-ويتني منفصلة تعيد ترتيب الرتب من جديد لكل زوج.
8.2 استخراج المقارنات البعدية عبر الواجهة الحديثة وتصحيح بونفيروني
توفر الواجهة الحديثة للاختبارات اللامعلمية (NPTESTS) في SPSS آلية آلية متكاملة لتنفيذ اختبار “دن” للمقارنات البعدية مع تصحيح بونفيروني (Bonferroni Correction). للوصول إلى هذا الجدول، يقوم الباحث بالنقر المزدوج على جدول ملخص الفرضيات لفتح عارض النماذج (Model Viewer)، ثم يختار من القائمة المنسدلة السفلية عرض المقارنات الثنائية (Pairwise Comparisons).
يُولد البرنامج جدولاً تفصيلياً يضم جميع الأزواج المقارنة، ويشتمل على الأعمدة التالية: عمود مقارنة العينات (Sample 1 – Sample 2)، إحصاء الاختبار المحسوب (Test Statistic)، الخطأ المعياري للفرق (Std. Error)، الخطأ المعياري المعياري (Std. Test Statistic / z-score)، القيمة الاحتمالية غير المعدلة (Sig.)، والأهم هو عمود القيمة الاحتمالية المعدلة (Adj. Sig.).
تعتمد قراءة الجدول الأكاديمية حصراً على عمود Adj. Sig.؛ حيث يقوم SPSS بضرب القيمة الاحتمالية الأصلية في عدد المقارنات الثنائية الكلية وفق خوارزمية بونفيروني الصارمة. إذا كانت قيمة Adj. Sig. أقل من 0.05 للزوج المقارن، يُقرر الباحث وجود فرق دال إحصائياً بين هاتين المجموعتين المحددة أسماؤهما في الصف، مع الاستعانة بمخطط شبكة الوصلات التفاعلي (Network Plot) المرفق لتصوير العلاقات المعنوية بصرياً عبر الخطوط الملونة.
8.3 إجراء المقارنات اليدوية باستخدام اختبار مان-ويتني (Mann-Whitney U)
في الحالات التي يستخدم فيها الباحث الحوارات التقليدية القديمة لبرنامج SPSS، لا تتوفر أداة اختبار دن المدمجة تلقائياً، مما يضطره إلى تنفيذ المقارنات البعدية يدوياً عبر إجراء سلسلة من اختبارات مان-ويتني (Mann-Whitney U Test) المستقلة بين كل زوج من المجموعات (المجموعة 1 ضد 2، المجموعة 1 ضد 3، والمجموعة 2 ضد 3).
لتطبيق هذه الطريقة بصورة أكاديمية منضبطة دون الوقوع في خطأ التضخم الإحصائي، يجب على الباحث تطبيق معادلة تصحيح بونفيروني اليدوية على مستوى الدلالة المستهدف (Alpha). تُحسب عتبة الدلالة المعدلة الجديدة (α_adjusted) بقسمة مستوى الدلالة الأصلي (0.05) على عدد المقارنات الثنائية المنجزة (k*(k-1)/2):
α_adjusted = α / c = 0.05 / 3 = 0.0167
عند استخراج قيم الدلالة (p-value) من اختبارات مان-ويتني الثلاثة المنفصلة، لا يقارنها الباحث بمستوى 0.05 التقليدي، بل يقارنها بالمستوى المعدل الجديد (0.0167)؛ وتُعتبر المقارنة دالة إحصائياً فقط إذا كانت القيمة الاحتمالية المستخرجة أصغر من أو تساوي 0.0167. تضمن هذه المعايرة اليدوية الصارمة حماية النموذج البحثي من القرارات الإيجابية الكاذبة وتحافظ على النزاهة العلمية للاستدلال الإحصائي.
9. حساب وتفسير حجم الأثر لاختبار كروسكال-واليس (Effect Size)
9.1 مفهوم حجم الأثر في التحليلات اللامعلمية وأهميته الأكاديمية
تؤكد المعايير الصارمة لجمعية علم النفس الأمريكية (APA) وتوصيات المجلات العلمية المحكمة ذات معامل التأثير العالي أن الاكتفاء بتقرير الدلالة الإحصائية (Statistical Significance / p-value) لم يعد كافياً لتقييم النتائج العلمية؛ فالقيمة الاحتمالية تتأثر بحجم العينة ويمكن أن تصبح دالة إحصائياً حتى مع الفروق التافهة عملياً إذا كانت العينة ضخمة جداً. من هنا تبرز الأهمية لتقرير “حجم الأثر” (Effect Size).
يُعبر حجم الأثر عن الدلالة العملية والتطبيقية (Practical Significance) لقوة التمايز بين المجموعات؛ حيث يوضح المقدار النسبي لتباين المتغير التابع الذي يعود بشكل مباشر إلى تأثير المتغير المستقل، بصرف النظر عن حجم العينة. كما يُعد حساب حجم الأثر مطلباً جوهرياً لتمكين الباحثين المستقبليين من تضمين نتائج الدراسة في بحوث التحليل التلوي والتحليل البعدي الشامل (Meta-Analysis).
تواجه التحليلات اللامعلمية القائمة على الرتب تحدياً خاصاً؛ حيث لا يُصدر برنامج SPSS في مخرجاته التقليدية قيمة حجم الأثر لاختبار كروسكال-واليس بصورة مباشرة ومستقلة، مما يملي على الباحث ضرورة استخراج المعاملات الرياضية لحجم الأثر وحسابها يدوياً باستخدام المؤشرات والمعادلات الإحصائية المعيارية المعتمدة.
9.2 معادلات حساب إيتا تربيع اللامعلمية (Eta-Squared based on H)
يُعد معامل إيتا تربيع المستند إلى إحصاء كروسكال-واليس (Eta-Squared: η²_H) المؤشر الأكثر انتشاراً واعتماداً في الأدبيات الإحصائية لقياس حجم الأثر الإجمالي للاختبار اللامعلمي للعينات المستقلة. يُحسب هذا المعامل الرياضي باستخدام الصيغة التالية:
η²_H = (H – k + 1) / (N – k)
حيث يمثل H قيمة إحصاء مربع كاي المستخرجة من جدول مخرجات اختبار كروسكال-واليس، ويمثل k عدد المجموعات المستقلة المفحوصة، بينما يمثل N العدد الإجمالي الكلي للحالات والمشاهدات في التحليل الإحصائي.
تتراوح قيمة إيتا تربيع الناتجة نظرياً بين 0 و 1 (أو كنسبة مئوية من 0% إلى 100%)، وتُعبر بدقة عن نسبة التباين في رتب المتغير التابع التي يفسرها التغير في فئات المتغير المستقل. ولتفسير المعنى العملي لهذه القيمة، اعتمدت الأوساط الأكاديمية معايير العالِم الإحصائي جاكوب كوهين (Cohen, 1988) المعدلة كالتالي:
- أثر صغير (Small Effect): 0.01 ≤ η² < 0.06 (يفسر المتغير المستقل من 1% إلى أقل من 6% من التباين).
- أثر متوسط (Medium Effect): 0.06 ≤ η² < 0.14 (يفسر المتغير المستقل من 6% إلى أقل من 14% من التباين).
- أثر كبير (Large Effect): η² ≥ 0.14 (يفسر المتغير المستقل 14% أو أكثر من إجمالي التباين).
مثال تطبيقي حسابي: في دراسة اشتملت على 3 مجموعات (k = 3) وإجمالي عينة بلغت (N = 93) مشاركاً، وكانت قيمة إحصاء كروسكال-واليس المحسوبة (H = 14.28)؛ يُحسب حجم الأثر كالتالي: η²_H = (14.28 - 3 + 1) / (93 - 3) = 12.28 / 90 = 0.136. تدل هذه النتيجة على أن طريقة التدخل تفسر حوالي 13.6% من التباين الكلي في رتب درجات المشاركين، وهو حجم أثر متوسط يقترب من الحد الفاصل للأثر الكبير.
9.3 معادلة إبسيلون تربيع (Epsilon-Squared) ومعامل الارتباط r للمقارنات الثنائية
إلى جانب إيتا تربيع، يُفضل بعض الإحصائيين استخدام مؤشر إبسيلون تربيع (Epsilon-Squared: ε²_R) كبديل متحفظ لحجم الأثر الكلي لاختبار كروسكال-واليس، وتُحسب قيمته وفق المعادلة التالية: ε²_R = H / [ (N^2 - 1) / (N + 1) ] والتي تؤول رياضياً إلى الصيغة المبسطة: ε²_R = H / (N – 1). تمتاز هذه المعادلة بعدم تأثرها بعدد المجموعات وتوفر تقديراً غير متحيز لحجم الأثر في المجتمعات الإحصائية.
أما على مستوى المقارنات البعدية الثنائية (Pairwise Post-Hoc Comparisons)، فيلزم الباحث حساب حجم الأثر الخاص بكل زوج مقارن عبر معامل الارتباط المعياري (r). يُشتق معامل r من الدرجة المعيارية z-score الناتجة عن اختبار مان-ويتني أو اختبار دن عبر الصيغة التالية:
r = |z| / sqrt(N_pair)
حيث تمثل |z| القيمة المطلقة للدرجة المعيارية المعيارية المحسوبة للزوج، بينما تمثل N_pair إجمالي حجم العينة في المجموعتين المقارنتين فقط. يُفسر معامل r وفق معايير كوهين القياسية: (r = 0.10 أثر صغير)، (r = 0.30 أثر متوسط)، و (r = 0.50 أثر كبير). يُنصح الباحث دائماً ببناء جدول إحصائي مركب يجمع مخرجات الدلالة وقيم حجم الأثر لكل مقارنة لتوفير صورة متكاملة عن القوة الإحصائية والتطبيقية للنتائج.
10. التمثيل البياني وتصوير البيانات في SPSS (Data Visualization)
10.1 إنشاء مخططات الصندوق (Boxplots) للمجموعات
يُمثل التمثيل البياني ركيزة أساسية لنقل نتائج التحليلات اللامعلمية بوضوح وإقناع، ويُعد مخطط الصندوق والشاربين (Boxplot) الشكل البياني الأنسب والأنقى إحصائياً لتمثيل مخرجات اختبار كروسكال-واليس؛ لكونه يعتمد كلياً على الوسائط والمئينات والمدى الربيعي بدلاً من المتوسطات الحسابية. لإنشاء مخطط صندوقي احترافي في SPSS، يتبع الباحث المسار التالي:
Graphs > Chart Builder…
من معرض الرسوم البيانية في الجزء السفلي من نافذة Chart Builder، يتم اختيار فئة Boxplot، ثم سحب قالب Simple Boxplot وإفلاته في منطقة المعاينة العلوية. يتم بعد ذلك سحب المتغير التابع من قائمة المتغيرات وإفلاته على محور الصادات (Y-Axis)، وسحب المتغير المستقل القاطع وإفلاته على محور السينات (X-Axis)، ثم الضغط على OK.
يُقدم المخطط الصندوقي تحليلاً بصرياً؛ فالخط الأفقي العريض داخل الصندوق يُمثل الوسيط الإحصائي (Median / 50th Percentile)، وحدود الصندوق السفلية والعلوية تمثلان الربيع الأدنى (Q1 – 25th) والربيع الأعلى (Q3 – 75th) على التوالي (وهو المدى الربيعي IQR)، في حين تمثل الشوارب الممتدة نطاق القيم الطبيعية، وتظهر القيم المتطرفة كنقاط منفصلة أو نجوم خارج الشوارب. يتيح هذا المخطط المقارنة الفورية بين تشتت ومواقع المجموعات بدقة عالية.
10.2 رسم مخططات الأعمدة لمتوسطات الرتب والوسائط الخطأ
رغم كفاءة المخططات الصندوقية، يرغب كثير من المحكمين في رؤية مخططات بيانية شريطية (Bar Charts) تعكس الفروق المباشرة في متوسطات الرتب المحسوبة (Mean Ranks) التي استند إليها اختبار كروسكال-واليس في اتخاذ قراره الإحصائي. لإنشاء هذا المخطط المتخصص، يمكن استخدام أداة بناء الرسوم لنقل فئات المجموعات على المحور الأفقي، وتخصيص عمود متوسط الرتب على المحور الرأسي.
يجب التنبيه المنهجي الصارم إلى ضرورة تجنب رسم الأعمدة البيانية التقليدية المعتمدة على المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية عند مناقشة بيانات اختبار كروسكال-واليس؛ إذ إن رسم المتوسطات الحسابية لبيانات ملتوية أو رتبية يعطي انطباعاً مضللاً للقارئ ولا يعكس حقيقة القياس اللامعلمي. البديل العلمي الصحيح هو رسم شريط يمثل وسيط كل مجموعة مصحوباً بأشرطة خطأ تمثل المدى الربيعي (Interquartile Range Error Bars) أو فترات الثقة للوسيط المشتقة بطريقة البوتستراب (Bootstrap).
يمكن للباحث إضافة خطوط توضيحية أعلى الأعمدة البيانية تُحدد الأزواج التي أظهرت فروقاً دالة إحصائياً في المقارنات البعدية مع وضع علامات الدلالة المعيارية (* عند p ≤ 0.05، ** عند p ≤ 0.01، *** عند p ≤ 0.001)، مما يرفع من جودة الإخراج البصري للتقرير العلمي.
10.3 تصدير الرسوم البيانية بجودة عالية للنشر العلمي
تفرض المجلات العلمية العالمية المحكمة ودور النشر الأكاديمية معايير تقنية صارمة لجودة ودقة الأشكال والرسوم البيانية المضمنة في الأوراق البحثية. لتعديل وتصدير الرسوم البيانية من SPSS، يقوم الباحث بالنقر المزدوج على الرسم البياني داخل نافذة المخرجات، ليفتح محرر الرسومات (SPSS Chart Editor).
من خلال محرر الرسومات، يستطيع الباحث تعديل خصائص الرسم بما يتوافق مع دليل أسلوب APA؛ مثل تحويل ألوان المخططات إلى التدرج الرمادي التمييزي (Grayscale) إذا كان النشر ورقياً، وتغيير نوع وحجم الخطوط لتكون خطوطاً واضحة (مثل: Arial أو Times New Roman بحجم 10-12 نقطة)، وإلغاء خطوط الشبكة الخلفية غير الضرورية (Gridlines)، وضبط أسماء المحاور لتكون دقيقة ومعبرة.
بعد الانتهاء من التنسيق، يتم تصدير الشكل عبر النقر بزر الماوس الأيمن على الرسم داخل نافذة المخرجات واختيار Export…، ثم تحديد صيغة الصورة المطلوبة؛ ويُفضل دائماً اختيار صيغ الصور الشعاعية أو النقطية عالية الدقة مثل TIFF أو EPS مع ضبط دقة الوضوح (Resolution) على 300 DPI أو 600 DPI. يضمن ذلك بقاء الرسم حاداً وواضحاً تماماً عند الطباعة والتحجيم في المستند النهائي.
11. كتابة وتقرير النتائج وفق دليل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7th Edition)
11.1 العناصر الأساسية الواجب تضمينها في التقرير الإحصائي
يتطلب التوثيق العلمي الدقيق لنتائج اختبار كروسكال-واليس وفق الإصدار السابع لدليل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7th Edition) تضمين مجموعة محددة من العناصر الإحصائية والمنهجية في متن النص؛ لضمان الشفافية وقابلية تكرار التحليل من قبل باحثين آخرين. تشمل هذه العناصر بالترتيب:
- ذكر اسم الاختبار بوضوح ومبررات اختياره اللامعلمي (مثل: انتهاك فرضية التوزيع الطبيعي أو ترتبية مستوى القياس).
- عرض المؤشرات الوصفية المعبرة لكل مجموعة، وتحديداً: الوسيط (Median – Mdn) والمدى الربيعي (Interquartile Range – IQR)، بالإضافة إلى متوسط الرتب (Mean Rank).
- توثيق المعاملات الرياضية لإحصاء الاختبار بالصيغة الرمزية المعيارية المائلة: H(df) = [القيمة المحسوبة]، p = [القيمة الاحتمالية الدقيقة بثلاث خانات عشرية]، مع استخدام الرمز المائل H أو χ².
- إدراج قيمة حجم الأثر المحسوبة وتحديد نوعها (مثل: إيتا تربيع η²_H أو إبسيلون تربيع ε²) مع تفسير دلالتها العملية (صغير، متوسط، كبير).
11.2 صياغة نتائج المقارنات البعدية في النص الأكاديمي
عند وجود نتيجة كلية دالة إحصائياً، يجب أن يتبع تقرير الاختبار الشامل فقرة تفصيلية تصف بدقة نتائج المقارنات البعدية الثنائية. تتطلب صياغة APA توضيح اسم الاختبار البعدي المستخدم (مثل: اختبار دن مع تصحيح بونفيروني Dunn-Bonferroni post-hoc test)، وتوثيق الدرجة المعيارية المعيارية المحسوبة (z)، والقيمة الاحتمالية المعدلة (p_adj)، وقيمة حجم الأثر الثنائي (r) لكل زوج من المجموعات.
يجب على الباحث صياغة الاتجاه بوضوح؛ مبيناً المجموعات التي تفوقت على غيرها بالأدلة الرقمية، والمجموعات التي لم تظهر بينها فروق ذات دلالة إحصائية. تُسهم هذه الصياغة في تحويل الأرقام الإحصائية الجافة إلى إجابات سردية مباشرة عن الفرضيات العلمية للبحث، وتربط النتائج الاستدلالية بالإطار النظري للدراسة.
11.3 نماذج عملية وجداول تطبيقية جاهزة وفق أسلوب APA
نستعرض فيما يلي نموذجاً تطبيقياً متكاملاً لكتابة التقرير النهائي باللغة العربية متوافقاً مع معايير APA 7th، مستنداً إلى دراسة افتراضية تفحص تأثير ثلاثة أساليب علاجية على مستوى القلق:
نموذج الصياغة النصية:
“أُجري اختبار كروسكال-واليس للعينات المستقلة (Kruskal-Wallis H Test) لفحص الفروق في مستويات القلق الترتيبية بين ثلاث مجموعات علاجية: مجموعة العلاج المعرفي السلوكي (n = 30)، مجموعة التدريب على اليقظة الذهنية (n = 30)، والمجموعة الضابطة في قائمة الانتظار (n = 30). أظهرت النتائج الإحصائية وجود تأثير ذي دلالة إحصائية لنوع التدخل العلاجي على مستويات القلق، H(2) = 18.45، p < .001، مع حجم أثر كبير، η²_H = .189، مما يشير إلى أن نوع العلاج يفسر حوالي 18.9% من التباين الكلي في رتب درجات القلق.
وللكشف عن مواقع الفروق بدقة، أُجريت مقارنات بعدية ثنائية باستخدام اختبار دن المصحح وفق معادلة بونفيروني (Dunn-Bonferroni test). كشفت المقارنات عن وجود انخفاض ذي دلالة إحصائية في مستويات القلق لدى مجموعة العلاج المعرفي السلوكي (Mdn = 22.00, IQR = 6.00, Mean Rank = 28.50) مقارنة بالمجموعة الضابطة (Mdn = 41.50, IQR = 8.00, Mean Rank = 63.80)، z = -4.25، p_adj < .001، r = -.55. كما تفوقت مجموعة اليقظة الذهنية (Mdn = 28.00, IQR = 7.00, Mean Rank = 44.20) على المجموعة الضابطة بدلالة إحصائية، z = -2.36، p_adj = .027، r = -.30. في حين لم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية بين مجموعتي العلاج المعرفي واليقظة الذهنية بعد تطبيق تصحيح بونفيروني، z = -1.89، p_adj = .176، r = -.24.”
تصميم الجدول الإحصائي المقترح (APA 7th Style):
يُنظم الجدول التوثيقي اللامعلمي بحيث يحتوي على أعمدة واضحة: المجموعات، N، الوسيط (Mdn)، المدى الربيعي (IQR)، متوسط الرتب (Mean Rank)، قيمة إحصاء الاختبار H، درجات الحرية df، القيمة الاحتمالية p، وحجم الأثر η²_H، مع كتابة هوامش سفلية توضح نوع الاختبار البعدي ومعاملات التصحيح المعتمدة.
12. الأخطاء الشائعة واستكشاف المشكلات الإحصائية وحلها في SPSS
12.1 الأخطاء المنهجية الشائعة عند تطبيق الاختبار
يقع بعض الباحثين في أخطاء منهجية متكررة عند التعامل مع اختبار كروسكال-واليس؛ يأتي في مقدمتها تطبيق الاختبار على بيانات عينات مرتبطة أو قياسات متكررة (مثل قياس قبلي، بعدي، وتتبعي لنفس الأفراد). يُعد هذا الاستخدام خاطئاً منهجياً لخرقه فرضية استقلالية المشاهدات، والبديل الصحيح الحتمي في هذه الحالة هو اختبار فريدمان (Friedman Test).
الخطأ المنهجي الثاني هو الاعتماد على المتوسط الحسابي (Mean) والانحراف المعياري (SD) في تفسير اتجاه الفروق بدلاً من الوسيط (Median) ومتوسط الرتب (Mean Rank). إن استخدام المتوسطات مع بيانات غير معلمية ملتوية ينسف الغرض الأساسي من استخدام الاختبار اللامعلمي وقد يعطي انطباعاً معاكساً للترتيب الفعلي للرتب.
ومن الأخطاء الشائعة أيضاً التسرع في تعميم النتيجة على أنها “فروق في الوسائط” دون فحص بصري مسبق لتطابق أشكال التوزيع؛ فإذا كانت الأشكال مختلفة، يجب أن ينحصر التقرير في “فروق في متوسطات الرتب والتوزيع العام”. كذلك، يُعد إجراء عدة اختبارات مان-ويتني منفصلة بعد الاختبار دون تطبيق تصحيح بونفيروني على مستوى ألفا خطأً جسيماً يضخم النتائج الإيجابية الزائفة.
12.2 المشكلات التقنية في برنامج SPSS وكيفية معالجتها
أثناء العمل على برنامج SPSS، قد تواجه الباحث عقبات تقنية تؤدي إلى توقف التحليل أو ظهور مخرجات غير متوقعة. من أبرز هذه المشكلات ظهور زر OK معطلاً وغير نشط في نافذة الحوارات التقليدية؛ ويعود السبب في الغالب إلى نسيان النقر على زر Define Range وإدخال الحد الأدنى والأقصى لترميز المجموعات المستقلة.
المشكلة التقنية الثانية هي ظهور رسالة خطأ تُفيد بعدم قدرة البرنامج على تشغيل الاختبار لاحتواء المتغير على قيم نصية؛ وتُعالج هذه المشكلة بالدخول إلى شاشة Variable View وتحويل نوع المتغير من (String) إلى (Numeric) وإعادة إدخال الأكواد الرقمية. كما يجب الانتباه إلى أن ترميز المجموعات في الحوارات التقليدية يشترط أرقاماً صحيحة متتالية (مثل: 1، 2، 3)؛ فإذا كانت الأكواد متباعدة (مثل: 10، 20، 30)، فإن البرنامج سيحتسب كافة الأرقام الوسيطة كمجموعات فارغة مما يفسد التحليل، والحل هو إعادة ترميز المتغير (Recode) ليكون متسلسلاً.
وفي حال ظهور رسائل تحذيرية تتعلق بعدم كفاية الذاكرة عند طلب الدلالة الدقيقة (Exact Test)، يُنصح بالتحول إلى خيار محاكاة “مونت كارلو” (Monte Carlo) وضبط عدد العينات على 10,000 عينة عشوائية بمستوى ثقة 99% للحصول على نتائج شديدة الدقة دون استنزاف ذاكرة الحاسوب.
12.3 الأسئلة الشائعة (FAQ) حول اختبار كروسكال-واليس في SPSS
س1: ماذا أفعل إذا كان لدي مجموعتان فقط بدلاً من ثلاث مجموعات؟
ج: اختبار كروسكال-واليس مخصص لثلاث مجموعات فأكثر. إذا كان المتغير المستقل يحتوي على مجموعتين مستقلتين فقط، فإن البديل اللامعلمي الصحيح والمباشر هو اختبار مان-ويتني (Mann-Whitney U Test). إذا قمت بتشغيل كروسكال-واليس على مجموعتين، ستكون قيمة مربع كاي مكافئة تماماً لمربع الدرجة المعيارية z لاختبار مان-ويتني.
س2: هل يشترط تساوي أحجام العينات (Sample Sizes) بين المجموعات؟
ج: لا، لا يشترط اختبار كروسكال-واليس تساوي أحجام العينات بين المجموعات المقارنة؛ فالمعادلة الرياضية للاختبار تأخذ في الاعتبار حجم كل مجموعة (n_j) بشكل مستقل عند حساب التباين الموزون للرتب. ومع ذلك، يُفضل ألا يكون التفاوت في الأحجام كبيراً جداً مع العينات الصغيرة جداً.
س3: كيف أتعامل مع البيانات التي تحتوي على عدد كبير جداً من الرتب المتكررة (Ties)؟
ج: يقوم برنامج SPSS تلقائياً بحساب معامل التصحيح للرتب المتكررة وتعديل قيمة إحصاء H وإصدارها تحت مسمى Chi-Square المصححة. إذا كان المتغير رتبياً بسيطاً بعدد فئات قليل جداً وتكرارات هائلة، يمكن أيضاً الاستئناس بنتائج اختبار الوسيط (Median Test) كفحص مكمل.
س4: ما هو البديل اللامعلمي المناسب عند وجود متغيرين مستقلين في نفس التصميم (Two-Way Non-parametric ANOVA)؟
ج: لا يوفر اختبار كروسكال-واليس تحليلاً للتباين اللامعلمي ثنائي الاتجاه؛ وفي حال وجود متغيرين مستقلين مع بيانات غير معلمية، تشمل البدائل المتقدمة: استخدام اختبار شيرير-راي-هير (Scheirer-Ray-Hare Test) وهو امتداد مباشر لكروسكال-واليس، أو إجراء تحويل الرتب الشامل للبيانات (Rank Transformation) ثم تطبيق تحليل التباين ثنائي الاتجاه ANOVA التقليدي، أو اللجوء إلى النماذج الخطية المعممة (Generalized Linear Models – GZLM) في SPSS.
خاتمة
يمثل اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis H Test) أداة إحصائية متينة في ترسانة الباحث العلمي؛ حيث يسد فجوة منهجية عند تعذر تطبيق الاختبارات المعلمية بسبب عدم تحقق التوزيع الطبيعي، أو وجود قيم شاذة، أو طبيعة البيانات الترتيبية ومقاييس الاتجاهات. يوفر برنامج SPSS مسارات متكاملة لتنفيذ هذا التحليل بكفاءة؛ سواء عبر الواجهة التقليدية المألوفة أو عبر عارض النماذج الحديث التفاعلي.
إن إتقان الباحث للأسس النظرية لتحويل الرتب، وفحص تطابق التوزيعات، وتنفيذ المقارنات البعدية المصححة، وحساب معاملات حجم الأثر بدقة، يعزز من جودة النشر العلمي ويمنح الاستنتاجات مصداقية عالية. يُعد الالتزام بمعايير التوثيق الأكاديمي الصادرة عن جمعية علم النفس الأمريكية (APA) في كتابة النصوص وتصميم الجداول والرسوم البيانية الضمانة الأساسية لتقديم بحوث علمية رصينة تثري المعرفة الإنسانية في شتى حقول العلوم السلوكية والاجتماعية.
References
- American Psychological Association. (2020). Publication manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/0000165-000
- Cohen, J. (1988). Statistical power analysis for the behavioral sciences (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
- Conover, W. J. (1999). Practical nonparametric statistics (3rd ed.). John Wiley & Sons.
- Dunn, O. J. (1964). Multiple comparisons using rank sums. Technometrics, 6(3), 241–252. https://doi.org/10.1080/00401706.1964.10490181
- Field, A. (2018). Discovering statistics using IBM SPSS Statistics (5th ed.). SAGE Publications.
- IBM Corp. (2021). IBM SPSS Statistics for Windows, Version 28.0. IBM Corp. https://www.ibm.com/products/spss-statistics
- Kruskal, W. H., & Wallis, W. A. (1952). Use of ranks in one-criterion variance analysis. Journal of the American Statistical Association, 47(260), 583–621. https://doi.org/10.1080/01621459.1952.10483441
- Pallant, J. (2020). SPSS survival manual: A step by step guide to data analysis using IBM SPSS (7th ed.). Routledge. https://doi.org/10.4324/9781003117452
- Tomczak, M., & Tomczak, E. (2014). The need to report effect size estimates revisited: An overview of some recommended measures of effect size. Trends in Sport Sciences, 21(1), 19–25.