يمثل التحليل الإحصائي الركيزة الأساسية التي يستند إليها الباحثون في استخلاص الاستنتاجات العلمية الدقيقة من البيانات التجريبية والميدانية. وفي خضم المفاضلة المنهجية المستمرة بين الأساليب البارامترية (المعلمية) واللابارامترية (اللامعلمية)، يبرز اختبار مان-ويتني U (Mann-Whitney U Test)، المعروف أيضاً باختبار ويلكوكسون لمجموع الرتب (Wilcoxon Rank-Sum Test)، بوصفه واحداً من أقوى الأدوات الاستدلالية المتاحة للتعامل مع البيانات التي لا تتطابق مع افتراضات التوزيع الطبيعي أو تلك المقاسة على مستويات ترتيبية. إن هذا الاختبار يقدم بديلاً متيناً لاختبار t للعينات المستقلة، متيحاً للباحثين في مجالات علم النفس، والعلوم الاجتماعية، والطب الحيوي، والاقتصاد التحليلي إمكانية مقارنة مجموعتين مستقلتين دون الوقوع في مآزق التقديرات المتحيزة الناتجة عن الالتواء الشديد أو صغر حجم العينات أو وجود القيم الشاذة المتطرفة.
تتميز برمجية Stata بمرونة استثنائية وقدرة حاسوبية فائقة في تنفيذ هذا الاختبار الإحصائي المتقدم، موفرةً بيئة تجمع بين بساطة الأوامر البرمجية وسلاسة الواجهة الرسومية التفاعلية، إلى جانب دقة المخرجات التحليلية التي تتيح فهماً عميقاً لبنية البيانات. إن إجراء اختبار مان-ويتني في Stata يتجاوز مجرد استخراج قيمة احتمالية دلالية (p-value) إلى تقديم منظومة متكاملة من المؤشرات الإحصائية، تشمل مجاميع الرتب، والقيم المتوقعة، ودرجات Z المعيارية المصححة للرتب المتساوية، ومؤشرات احتمالية الترتيب (Probability of Ordering)، وحساب أحجام الأثر، مما يجعلها المنصة المثلى لإنجاز التحليلات اللابارامترية الرصينة ومطابقتها للمعايير الأكاديمية العالمية مثل معايير جمعية علم النفس الأمريكية (APA).
يهدف هذا الدليل الشامل والمفصل إلى تقديم مرجع منهجي وتطبيقي متكامل لإجراء وتفسير وتوثيق اختبار مان-ويتني U باستخدام برمجية Stata. سنتناول في هذا المقال الخلفية الرياضية والنظرية للاختبار، ودواعي استخدامه، والافتراضات المنهجية الصارمة الواجب التحقق منها قبل تطبيقه، مروراً بخطوات إعداد البيانات وفحصها استكشافياً، وصولاً إلى التنفيذ البرمجي عبر سطر الأوامر والقوائم الرسومية، وقراءة النتائج بدقة متناهية، وحساب أحجام الأثر، وصياغة التقارير الأكاديمية، والتعامل مع المشكلات التحليلية المعقدة والبدائل المتقدمة مثل الاختبارات التباديلية وأسلوب البوتستراب (Bootstrapping).
- 1. مفهوم اختبار مان-ويتني U وأهميته في التحليل الإحصائي
- 2. الافتراضات المنهجية لتطبيق اختبار مان-ويتني U
- 3. إعداد بيئة العمل وهيكلة البيانات في برمجية Stata
- 4. الفحص الاستكشافي للبيانات واختبار التوزيع الطبيعي في Stata
- 5. بناء الفرضيات الإحصائية للاختبار وتحديد مستوى الدلالة
- 6. تنفيذ اختبار مان-ويتني U باستخدام سطر الأوامر (CLI) في Stata
- 7. تنفيذ اختبار مان-ويتني U عبر الواجهة الرسومية (GUI) في Stata
- 8. قراءة وتفسير مخرجات اختبار مان-ويتني في Stata بدقة
- 9. حساب حجم الأثر (Effect Size) للاختبار اللابارامتري
- 10. توثيق وكتابة نتائج الاختبار وفق معايير APA
- 11. المشكلات الشائعة والأخطاء التحليلية وكيفية معالجتها في Stata
- 12. البدائل والامتدادات المتقدمة لاختبار مان-ويتني في Stata
- خاتمة
- المراجع (References)
1. مفهوم اختبار مان-ويتني U وأهميته في التحليل الإحصائي
1.1 التعريف النظري لاختبار مان-ويتني (Wilcoxon Rank-Sum)
يُعرف اختبار مان-ويتني U بأنه اختبار إحصائي استدلالي لابارامتري (Nonparametric Test) صُمم خصيصاً لمقارنة التوزيعات الاحتمالية لمتغير متصل أو ترتيبي بين مجموعتين مستقلتين تماماً. يرتكز الاختبار على فلسفة تحويل القيم الخام الأصلية للبيانات إلى رتب تصاعدية مجردة (Ranks)، تتراوح من أصغر قيمة تأخذ الرتبة الأولى وصولاً إلى أكبر قيمة تأخذ الرتبة المساوية لإجمالي حجم العينة في المجموعتين معاً. ومن خلال هذه الآلية، يتجاوز الاختبار الاعتماد المباشر على المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية التي تتأثر بشدة بطبيعة شكل التوزيع، ليقوم بدلاً من ذلك بمقارنة مجاميع ومتوسطات تلك الرتب الإحصائية بين المجموعتين المستهدفتين، لتحديد ما إذا كانت إحدى المجموعتين تميل إلى تسجيل قيم أعلى بشكل منتظم من المجموعة الأخرى.
تاريخياً، يعود الفضل في نشأة هذا الاختبار إلى التطورات المتتالية في منتصف القرن العشرين؛ حيث قدم الإحصائي الأمريكي فرانك ويلكوكسون (Frank Wilcoxon) في عام 1945 ورقته البحثية التأسيسية التي اقترح فيها اختبار مجموع الرتب للعينات متساوية الحجم. وعقب ذلك بعامين، وتحديداً في عام 1947، قام كل من هنري مان (Henry Mann) ودونالد ويتني (Donald Whitney) بتطوير هذه النظرية وتعميمها لتشمل العينات غير المتساوية في الحجم، وقدموا الإحصاء الرياضي U الذي يقيس عدد المرات التي تتفوق فيها درجة من إحدى المجموعتين على درجة من المجموعة الأخرى، مما أثمر عن الاختبار بصيغته الرياضية المتكاملة المعروفة اليوم. ولهذا السبب، يُستخدم المصطلحان (اختبار مان-ويتني واختبار ويلكوكسون لمجموع الرتب) بشكل تبادلي في الأدبيات الإحصائية وفي برمجية Stata على وجه الخصوص.
تكمن القوة المنهجية للاختبار في كونه لا يشترط شكلاً محدداً للتوزيع الرياضي للمجتمع الأصلي، مما يجعله خالياً من التوزيع (Distribution-free). وتتلخص فكرته الحسابية في دمج بيانات المجموعتين في مصفوفة بيانات واحدة وتصنيفها تصاعدياً، ثم استبدال كل قيمة برتبتها الترتيبية. فإذا كانت الفرضية الصفرية صحيحة ولا توجد فروق حقيقية بين المجموعتين، فإن الرتب المرتفعة والمنخفضة ستتوزع بشكل عشوائي ومتوازن بينهما، ويكون مجموع الرتب الفعلي قريباً جداً من مجموع الرتب المتوقع رياضياً. أما إذا وجد فرق ذو دلالة إحصائية، فإن إحدى المجموعتين ستحوز على حصة غير متناسبة من الرتب العليا، مما يؤدي إلى انحراف إحصاء الاختبار عن قيمته المتوقعة وبالتالي رفض الفرضية الصفرية.
1.2 دواعي استخدام الاختبار في البحوث النفسية والاجتماعية
تشهد البحوث النفسية والاجتماعية والسلوكية استخداماً واسعاً لاختبار مان-ويتني U نظراً لطبيعة البيانات والظواهر المدروسة في هذه المجالات. أول الدواعي الجوهرية لاستخدامه يتمثل في التعامل مع العينات الصغيرة جداً (Small Sample Sizes)، والتي يقل حجمها في كثير من الأحيان عن 30 مفردة في كل مجموعة. في مثل هذه العينات المحدودة، يصعب التحقق الموثوق من اعتدالية التوزيع، وتفقد الاختبارات البارامترية متانتها الإحصائية المعتادة وتصبح عرضة لارتكاب الأخطاء الاستدلالية الفادحة، مما يمنح اختبار مان-ويتني أفضلية منهجية مطلقة لقدرته على تقديم نتائج دقيقة حتى مع أحجام العينات البالغة الصغر.
أما الداعي الثاني فيرتبط بمعالجة البيانات ذات المستويات الترتيبية (Ordinal Scales)، وفي مقدمتها مقاييس ليكرت (Likert Scales) ومقاييس التقدير المتدرجة ومستويات الرضا والانتماء الحزبي أو الطبقي. إن الفواصل الرياضية بين درجات هذه المقاييس (مثل: موافق بشدة، موافق، محايد، غير موافق) لا تكون بالضرورة متساوية أو ذات معنى كمي مطلق، مما يجعل حساب المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لها أمراً غير دقيق من الناحية المنهجية. وهنا يأتي اختبار مان-ويتني ليتعامل مع هذه المتغيرات بطبيعتها الترتيبية الأصلية دون فرض خصائص القياس الفئوي أو النسبي عليها، مما يحافظ على الأمانة المنهجية في القياس النفسي والاجتماعي.
ويتمثل الداعي الثالث في مواجهة مشكلات الالتواء الشديد (Skewness) والتفرطح غير الطبيعي (Kurtosis) في التوزيعات التكرارية. ففي دراسات الأجور والدخل، أو أوقات الاستجابة السلوكية، أو درجات الاكتئاب والقلق المرضي، نادراً ما تتبع البيانات منحنى التوزيع الطبيعي المتماثل (Gaussian Distribution)، بل تكون ملتوية التواءً موجباً أو سالباً حاداً. إن تطبيق اختبار t في مثل هذه السيناريوهات يؤدي إلى تضخيم احتمالية الوقوع في الخطأ الإحصائي، في حين يظل اختبار مان-ويتني محصناً ضد تأثير هذا الالتواء بفضل اعتماده على مواقع الرتب النسبية بدلاً من المقادير الحسابية المطلقة للقيم.
1.3 المقارنة بين اختبار t للعينات المستقلة واختبار مان-ويتني U
تعد المقارنة المنهجية بين اختبار t للعينات المستقلة (Independent Samples t-test) واختبار مان-ويتني U مدخلاً حاسماً لفهم آليات اتخاذ القرار الإحصائي في الأبحاث التطبيقية. يتعلق الفارق الأول بالقوة الإحصائية (Statistical Power)؛ فعندما تتحقق جميع افتراضات التوزيع الطبيعي وتجانس التباين بالكامل، يتفوق اختبار t بامتلاكه أعلى قوة إحصائية ممكنة لرفض الفرضية الصفرية الخاطئة. ومع ذلك، تشير الدراسات المحاكية في نظرية الإحصاء الرياضي إلى أن الكفاءة النسبية المقاربة (Asymptotic Relative Efficiency) لاختبار مان-ويتني مقارنة باختبار t تبلغ حوالي 95.5% في ظل التوزيع الطبيعي الكامل، وتتفوق قوة اختبار مان-ويتني تفوقاً كاسحاً بمجرد حدوث أدنى انحراف عن التوزيع الطبيعي، خاصة في وجود توزيعات ثقيلة الذيول أو توزيعات لوجستية ولابلاسية.
ويكمن الفارق الجوهري الثاني في طبيعة وصياغة الفرضيات الصفرية والبديلة لكلا الاختبارين. يختبر اختبار t البارامتري فرضية مساواة المتوسطات الحسابية للمجتمعين، معتمداً على مقياس النزعة المركزية المعياري. في المقابل، يختبر اختبار مان-ويتني فرضية تساوي التوزيعات الاحتمالية ومساواة الرتب، والتي يمكن إعادة صياغتها، في حال تطابق أشكال التوزيع، باختبار تساوي الوسائط الحسابية (Medians). هذا التمايز يفرض على الباحث تحديد المفهوم النظري الذي يسعى لاختباره: هل هو الفرق في القيمة المتوقعة للمتوسط الحسابي، أم الفرق في التفضيل الاحتمالي وموقع الوسيط بين المجموعتين.
أما الفارق الثالث فيتعلق بمدى الحساسية تجاه القيم الشاذة والمتطرفة (Outliers). يمتلك اختبار t حساسية مفرطة للقيم الشاذة لأن حساب المتوسط الحسابي ومجموع مربعات الانحرافات يعتمد بصورة مباشرة على المقادير الرقمية لتلك القيم؛ فقيمة متطرفة واحدة كفيلة بزحزحة المتوسط الحسابي وتضخيم التباين بصورة مصطنعة تؤدي إلى نتائج مضللة. على النقيض من ذلك، يتمتع اختبار مان-ويتني بمناعة تامة ومقاومة عالية (Robustness) ضد القيم الشاذة، لأن أقصى قيمة متطرفة في العينة ستأخذ ببساطة الرتبة القصوى (N) بغض النظر عن حجمها الرقمي المطلق، سواء كانت تزيد عن باقي القيم بوحدة واحدة أو بمليون وحدة، مما يحمي التحليل من التشوهات الإحصائية.
2. الافتراضات المنهجية لتطبيق اختبار مان-ويتني U
2.1 طبيعة المتغيرات ومستويات القياس
على الرغم من تصنيف اختبار مان-ويتني كاختبار لابارامتري متحرر من افتراضات التوزيع الطبيعي، إلا أنه يخضع لمجموعة من الافتراضات المنهجية الصارمة المتعلقة ببنية التصميم التجريبي ومستويات القياس التي لا يمكن التغاضي عنها. أول هذه الافتراضات ينص على أن يكون المتغير التابع (Dependent Variable) مقاساً على الأقل وفق مستوى قياس ترتيبي (Ordinal Scale)، أو مستوى قياس كمي فئوي (Interval) أو نسبي (Ratio). تضمن هذه الخاصية إمكانية ترتيب المشاهدات بصورة منطقية متسلسلة من الأصغر إلى الأكبر؛ وبالتالي فإن البيانات الاسمية الاسمية البحتة (Nominal Data) التي تفتقر إلى الترتيب الهرمي (مثل فصائل الدم أو الجنسية) لا يمكن تطبيق الاختبار عليها نهائياً.
الافتراض الثاني يقتضي أن يكون المتغير المستقل (Independent Variable) متغيراً فئوياً ثنائياً (Dichotomous Categorical Variable) يتألف من مجموعتين اثنتين فقط، تكونان مستقلتين تماماً عن بعضهما البعض، مثل المقارنة بين الذكور والإناث، أو بين المجموعة الضابطة والمجموعة التجريبية، أو بين بيئتين جغرافيتين متباينتين. إذا كان المتغير المستقل يحتوي على أكثر من مجموعتين (ثلاث مجموعات فأكثر)، فإن اختبار مان-ويتني يصبح غير صالح للاستخدام المباشر، ويتعين حينها الانتقال إلى البديل اللابارامتري المناسب وهو اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis Test).
الافتراض الثالث والأكثر أهمية هو استقلالية المشاهدات (Independence of Observations)، سواء داخل المجموعة الواحدة أو بين المجموعتين. يعني هذا الاستقلال الرياضي أن تسجيل أي استجابة أو قيمة لمفردة معينة لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على قيم باقي المفردات، كما لا يجوز أن تنتمي مفردة واحدة إلى المجموعتين في آن واحد، ولا أن تخضع نفس العينة للقياس القبلي والبعدي المتكرر. إن انتهاك استقلالية البيانات ينسف الصلاحية الإحصائية للاختبار تماماً، ويجعل القيمة الاحتمالية الناتجة غير ذات مصداقية علمية.
2.2 تماثل أشكال التوزيع بين المجموعتين
يعد افتراض شكل التوزيع (Distribution Shape) من أدق الافتراضات المنهجية التي يساء فهمها في الأدبيات الإحصائية التطبيقية عند استخدام اختبار مان-ويتني. يحدد شكل التوزيع الاحتمالي للبيانات في المجموعتين كيفية تفسير النتيجة النهائية للاختبار بدقة؛ فإذا كانت التوزيعات التكرارية للمتغير التابع في المجموعتين تشترك في نفس الشكل العام والانتشار (Same Shape and Spread) — كأن تكون المجموعتان ملتويتين بنفس الدرجة والاتجاه ونفس مقدار التباين ولكن بإزاحة مكانية على المحور الأفقي — فإن اختبار مان-ويتني يعمل في هذه الحالة كاختبار حقيقي للفرق بين وسيطي المجموعتين (Difference in Medians)، مما يتيح للباحث القول بثقة بأن هناك فرقاً دالاً بين وسيط المجموعة الأولى ووسيط المجموعة الثانية.
أما إذا كانت أشكال التوزيع التكراري غير متماثلة بين المجموعتين (Different Shapes) — كأن تكون بيانات المجموعة الأولى ملتوية التواءً موجباً في حين أن بيانات المجموعة الثانية متماثلة أو ملتوية التواءً سالباً أو ذات تباين أوسع — فإن الاختبار لا يعود صالحاً لاختبار الفروق بين الوسائط الحسابية. وبدلاً من ذلك، يتحول التفسير الدقيق للاختبار إلى مقارنة التوزيعات العامة ومتوسطات الرتب (Mean Ranks) أو تقييم الهيمنة العشوائية (Stochastic Dominance)، أي تحديد ما إذا كانت قيم إحدى المجموعتين تميل احتمالياً إلى تجاوز قيم المجموعة الأخرى.
بناءً على ذلك، يتوجب على الباحثين فحص التماثل البصري والإحصائي لانتشار وتشتت البيانات بين المجموعتين قبل اعتماد الصياغة التفسيرية للنتائج. فمن الخطأ الشائع في تقارير البحوث الادعاء بأن اختبار مان-ويتني أثبت وجود فروق بين الوسائط دون تقديم دليل مرئي أو كمي يؤكد تماثل منحنيات التوزيع للمجموعتين محل الدراسة.
2.3 التعامل مع انتهاك الافتراضات الإحصائية
عندما يواجه المحلل الإحصائي انتهاكاً لافتراضات اختبار مان-ويتني، يجب اتخاذ مسارات منهجية تصحيحية محددة تضمن سلامة الاستدلال العلمي. في حال انتهاك افتراض استقلالية المشاهدات — كأن تكون البيانات مستمدة من نفس الأفراد قبل التدخل وبعده (قياس قبلي وبعدي)، أو مستمدة من أزواج متطابقة من المشاركين (Matched Pairs) — فإن اختبار مان-ويتني يعد خياراً خاطئاً تماماً، والبديل اللابارامتري الصحيح الواجب تطبيقه في هذه الحالة هو اختبار ويلكوكسون للإشارات والرتب للعينات المرتبطة (Wilcoxon Signed-Rank Test).
وفي حال وجود تداخل أو تبعية هيكلية بين العينات، مثل تجميع الطلاب داخل فصول دراسية أو تجميع المرضى داخل مستشفيات مختلفة، فإن استقلالية الملاحظات تنتهك بسبب ما يُعرف بالارتباط الداخلي (Intraclass Correlation)، وحينها يتعين الانتقال إلى النماذج الخطية الهرمية اللابارامترية أو النماذج المعممة ذات التأثيرات العشوائية لتصحيح التباين المتكتل.
أما عند مواجهة معضلة تكرار الرتب المتساوية (Ties) — وهي الحالة التي تتكرر فيها نفس القيمة الرقمية الخام لعدة مشاهدات في العينة — فإن تخصيص متوسط الرتب المتتالية لهذه المشاهدات يقلل من التباين النظري لإحصاء الاختبار، مما قد يؤثر على الدرجة المعيارية Z وقيمتها الاحتمالية p-value. لمعالجة هذا الانتهاك، تطبق برمجية Stata خوارزمية تصحيح رياضية تلقائية لتعديل تباين مجموع الرتب وتقليل التحيز، كما يمكن اللجوء إلى الاختبارات التباديلية الدقيقة (Exact Permutation Tests) كحل منهجي قاطع للعينات ذات التكرارات الرتبية الكثيفة.
3. إعداد بيئة العمل وهيكلة البيانات في برمجية Stata
3.1 تجهيز وتنسيق المتغيرات في محرر البيانات (Data Editor)
يتطلب التنفيذ السليم لاختبار مان-ويتني في Stata تنظيم البيانات وفق التنسيق العمودي الطويل (Long Format)، وهو التنسيق القياسي الذي تُنظم فيه مصفوفات البيانات بحيث يمثل كل صف (Row) مفردة أو مشاركاً مستقلاً في الدراسة، في حين تمثل الأعمدة (Columns) المتغيرات المختلفة. وبناءً على هذا الهيكل، يجب أن تحتوي مجموعة البيانات على عمود خاص بالمتغير التابع الترتيبي أو الكمي، وعمود منفصل مخصص لمتغير التجميع أو التصنيف الثنائي الذي يحدد انتماء كل مفردة إلى إحدى المجموعتين.
يعد ترميز المتغير المستقل (Grouping Variable) خطوة محورية؛ حيث يُفضل برمجياً ترميزه كمتغير رقمي ثنائي يأخذ القيمتين (0 و 1) أو (1 و 2). ولضمان دقة العمل والتوثيق الأكاديمي، ينبغي استخدام نظام تسمية الفئات (Value Labels) في Stata لربط كل رقم بوصفه النصي الحقيقي، كأن يُربط الرقم 1 بالتسمية “المجموعة الضابطة” والرقم 2 بالتسمية “المجموعة التجريبية”، وذلك عبر الأمرين label define و label values. هذا الإجراء يمنع حدوث أي خلط أثناء تفسير المخرجات الإحصائية.
علاوة على ذلك، يجب التحقق من أن المتغير التابع مُعرف كمتغير رقمي (Numeric) بالكامل وليس كمتغير نصي أو حروفي (String Variable)، والتأكد من خلو البيانات من القيم المفقودة غير المعالجة (Missing Values)، حيث تعامل Stata القيم المفقودة كقيم لانهائية في الترتيب الرقمي، مما يتطلب تنظيفها واستبعادها برمجياً قبل بدء التحليل اللابارامتري لتجنب أي انحراف في مصفوفة الرتب.

3.2 استيراد ملفات البيانات الخارجية إلى Stata
توفر برمجية Stata منظومة مرنة لاستيراد مجموعات البيانات الميدانية والتجريبية من مختلف التنسيقات والامتدادات الشائعة، وفي مقدمتها ملفات Microsoft Excel وملفات القيم المفصولة بفواصل (CSV). يمكن إنجاز عملية الاستيراد إما عبر القوائم التفاعلية من خلال النقر على File ثم Import واختيار تنسيق الملف المطلوب، أو بصورة أكثر احترافية وسرعة عبر نافذة الأوامر باستخدام الأمر import excel أو import delimited مع تحديد المسار وخيار جعل الصف الأول أسماء للمتغيرات (firstrow).
كما تتيح Stata للباحثين والطلاب إمكانية تحميل مجموعات بيانات تجريبية وتدريبية جاهزة من خوادمها السحابية مباشرة عبر الإنترنت باستخدام الأمر sysuse أو webuse، مثل تحميل بيانات كفاءة السيارات أو المسوح الصحية العالمية، مما يسهل التدرب العملي على إجراء الاختبارات الإحصائية وفهم مخرجاتها قبل تطبيقها على البيانات الميدانية الفعلية للدراسة.

عقب إتمام عملية الاستيراد، يعد من الواجب الإحصائي تدقيق خصائص وموجز البيانات المستوردة باستخدام الأوامر الاستكشافية الأساسية؛ حيث يُستخدم الأمر describe لاستعراض هيكل المتغيرات وأنواع تخزينها ومسمياتها، في حين يُطبق الأمر summarize لاستعراض المقاييس الوصفية الأساسية مثل عدد المشاهدات، والمتوسط، والانحراف المعياري، والحدين الأدنى والأعلى لكل متغير، والتأكد من سلامة نطاق البيانات وعدم وجود قيم إدخال خاطئة خارج النطاق المنطقي للقياس.
4. الفحص الاستكشافي للبيانات واختبار التوزيع الطبيعي في Stata
4.1 الاختبارات الإحصائية للاعتدالية
يمثل فحص التوزيع الطبيعي (Normality Testing) الخطوة المنهجية الحاسمة التي تبرر للباحث التخلي عن اختبار t البارامتري واللجوء رسمياً إلى اختبار مان-ويتني U اللابارامتري. تقدم Stata حزمة من الاختبارات الإحصائية القياسية لاختبار فرضية اعتدالية التوزيع، ويأتي في مقدمتها اختبار شابيرو-ويلك (Shapiro-Wilk Test) الذي يُعد الأقوى والأكثر حساسية للكشف عن الانحرافات عن التوزيع الطبيعي، لا سيما في العينات الصغيرة والمتوسطة التي يقل حجمها عن ألفي مفردة. يُنفذ هذا الاختبار في Stata باستخدام الأمر swilk متبوعاً باسم المتغير التابع.
بالإضافة إلى ذلك، توفر Stata اختبار سكيدنس-كورتوسيس الشامل عبر الأمر sktest، وهو اختبار متقدم يفحص معاملات الالتواء (Skewness) والتفرطح (Kurtosis) بصورة منفصلة ومشتركة لتقييم مدى تباعد شكل المنحنى التجريبي عن المنحنى المعياري النظري. يفترض كلا الاختبارين في فرضيتهما الصفرية أن البيانات مسحوبة من مجتمع يتوزع توزيعاً طبيعياً معتدلاً.
وعليه، عندما تسفر هذه الاختبارات عن قيمة دلالة إحصائية (p-value) أقل من مستوى المعنوية المعتمد (عادة 0.05)، يتم رفض الفرضية الصفرية للاعتدالية، مما يقدم دليلاً إحصائياً قاطعاً على أن البيانات غير طبيعية التوزيع، ويوفر المسوغ الأكاديمي الصارم لاستخدام اختبار مان-ويتني كبديل لابارامتري موثوق ومتحرر من هذه الشروط التوزيعية.
4.2 الأساليب الرسومية لتقييم شكل التوزيع
لا تكتمل المعاينة الإحصائية للاعتدالية بالاعتماد على القيم الاحتمالية للاختبارات الرقمية وحدها، إذ تشترط المنهجية الأكاديمية الرصينة دعم التحليل الكمي بالفحص البصري التفاعلي لشكل التوزيع وتماثله عبر الأساليب الرسومية المتقدمة التي توفرها برمجية Stata. من أبرز هذه الأدوات إنشاء المدرجات التكرارية المقارنة (Histograms) المعززة بمنحنى التوزيع الطبيعي المعياري، والتي يمكن توليدها بسهولة لكل مجموعة على حدة باستخدام الأمر histogram مصحوباً بالخيارين normal و by(groupvar) لرؤية شكل قمة التوزيع واستطالة الذيول بوضوح.
الأداة الرسومية المحورية الثانية هي المخطط الصندوقي المزدوج (Boxplot)، والذي يُنفذ عبر الأمر graph box مقسماً حسب متغير المجموعات. يقدم المخطط الصندوقي قراءة مرئية فائقة الدقة لمواضع الوسائط الحسابية، والمدى الربيعي (IQR)، وحدود التشتت، كما يقوم برصد وتحديد القيم الشاذة والمتطرفة بدقة بالغة على شكل نقاط معزولة خارج حدود الشوارب (Whiskers)، مما يساعد الباحث في تقييم مدى تأثير هذه القيم على استقرار البيانات.
علاوة على ذلك، توفر مخططات الاحتمال الطبيعي الكمية المعروفة بمخططات Q-Q Plots (Quantile-Quantile Plots)، والتي تُولد عبر الأمر qnorm في Stata، تقييماً بيانياً دقيقاً لمدى تطابق رتب العينة مع رتب التوزيع الطبيعي النظري. فكلما تباعدت النقاط الممثلة للمشاهدات عن الخط المرجعي المستقيم بزاوية 45 درجة، وخاصة عند الأطراف العليا والسفلى، كان ذلك مؤشراً بصرياً إضافياً يؤكد ضرورة تبني اختبار مان-ويتني اللابارامتري في التحليل اللاحق.
5. بناء الفرضيات الإحصائية للاختبار وتحديد مستوى الدلالة
5.1 صياغة الفرضية الصفرية والفرضية البديلة
تتطلب الصياغة الأكاديمية للفرضيات الإحصائية في اختبار مان-ويتني دقة منهجية تعكس الطبيعة اللابارامترية للاختبار ومفهوم التوزيعات الترتيبية. تُصاغ الفرضية الصفرية (Null Hypothesis – H0) على النحو التالي: “لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية في توزيع رتب درجات المتغير التابع بين المجموعة الأولى والمجموعة الثانية في المجتمع الأصلي”، أو بصيغة احتمالية: “إن احتمالية أن تسجل مفردة مسحوبة عشوائياً من المجموعة الأولى درجة أعلى من مفردة مسحوبة عشوائياً من المجموعة الثانية تساوي تماماً 0.50 (P(X > Y) = 0.50)”. وفي حال تحقق افتراض تماثل شكل التوزيع والتباين بين المجموعتين، يمكن صياغة الفرضية الصفرية بدلالة الوسائط الحسابية: “وسيط المجموعة الأولى يساوي وسيط المجموعة الثانية”.
في المقابل، تُصاغ الفرضية البديلة ثنائية الاتجاه (Two-tailed Alternative Hypothesis – H1) بأن: “توزيع رتب درجات المتغير التابع يختلف اختلافاً جوهرياً بين المجموعتين”، أو أن: “احتمالية تفوق مفردة من المجموعة الأولى على مفردة من المجموعة الثانية لا تساوي 0.50″، أو بدلالة الوسائط: “وسيط المجموعة الأولى يختلف عن وسيط المجموعة الثانية”. تُستخدم هذه الفرضية عندما لا يمتلك الباحث توجهاً نظرياً مسبقاً يرجح تفوق إحدى المجموعتين على الأخرى.
أما الفرضية البديلة أحادية الاتجاه (One-tailed Hypothesis)، فتُستخدم عندما تدعم الأدبيات النظرية والدراسات السابقة اتجاهاً محدداً للتأثير؛ كأن يُفترض أن: “وسيط درجات المجموعة التجريبية أعلى دلالة من وسيط المجموعة الضابطة” أو العكس. يتطلب اختبار الفرضية أحادية الاتجاه في Stata قراءة دقيقة لاتجاه الفارق في مجموع الرتب وقسمة القيمة الاحتمالية ثنائية الطرف الناتجة على اثنين، شريطة أن يكون اتجاه الفروق الفعلية متوافقاً تماماً مع الاتجاه المفترض نظرياً.
5.2 تحديد مستوى الدلالة الإحصائية ومخاطر الأخطاء
يعد تحديد مستوى المعنوية أو الدلالة الإحصائية، المعروف بمستوى ألفا (Alpha Level – α)، الخطوة الحاكمة في ضبط قرارات القبول والرفض الإحصائي وموازنة مخاطر الأخطاء الاستدلالية في البحث العلمي. يُحدد مستوى الدلالة تقليدياً في العلوم الاجتماعية والسلوكية عند القيمة 0.05 (مستوى ثقة 95%)، بينما قد يُشدد في الأبحاث الطبية والدوائية الصارمة إلى 0.01 أو 0.001 لتقليص احتمالية الوقوع في الخطأ إلى أقصى حد ممكن.
ينطوي اتخاذ القرار الإحصائي على الموازنة المستمرة بين نوعين من الأخطاء: الخطأ من النوع الأول (Type I Error)، وهو احتمال رفض الفرضية الصفرية عندما تكون صحيحة في الواقع (وهو ما تمثله قيمة ألفا)، والخطأ من النوع الثاني (Type II Error – β)، وهو احتمال الفشل في رفض الفرضية الصفرية عندما تكون خاطئة وموجودة فعلياً في المجتمع (والذي يرتبط بالقوة الإحصائية 1 – β). إن ضبط حجم العينة بدقة وحسن اختيار الاختبار اللابارامتري يضمن تقليل مخاطر الخطأين معاً.
وفقاً لقاعدة اتخاذ القرار الإحصائي في Stata، تتم مقارنة القيمة الاحتمالية المحسوبة (p-value) الناتجة عن مخرجات الاختبار بمستوى ألفا المحدد سلفاً؛ فإذا كانت قيمة p أصغر من أو تساوي 0.05 (p ≤ .05)، يرفض الباحث الفرضية الصفرية ويقبل الفرضية البديلة مؤكداً وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين. أما إذا تجاوزت قيمة p مستوى 0.05 (p > .05)، يفشل الباحث في رفض الفرضية الصفرية ويخلص إلى عدم وجود أدلة إحصائية كافية تثبت اختلاف المجموعتين.
6. تنفيذ اختبار مان-ويتني U باستخدام سطر الأوامر (CLI) في Stata
6.1 الأمر الأساسي ranksum وصيغته العامة
تعتمد برمجية Stata في تنفيذ اختبار مان-ويتني U على الأمر البرمجي المدمج المباشر ranksum، والذي يمثل التطبيق الحسابي الصارم لاختبار ويلكوكسون لمجموع الرتب. تتسم البنية النحوية الأساسية لهذا الأمر بالبساطة والوضوح، حيث تُكتب الصيغة القياسية في سطر الأوامر على النحو التالي: يكتب الباحث اسم الأمر متبوعاً باسم المتغير التابع مباشرة، ثم تُضاف فاصلة متبوعة بعبارة التجميع وخيار تحديد المتغير المستقل بين قوسين، وفق الشكل: ranksum depvar, by(groupvar).
حيث يمثل depvar المتغير التابع الترتيبي أو الكمي المتصل، بينما يمثل groupvar المتغير المستقل الثنائي الذي يقسم العينة إلى المجموعتين المراد مقارنتهما. بمجرد تنفيذ هذا السطر البرمجي، تقوم Stata فورياً بدمج المشاهدات، وترتيبها تصاعدياً، وحساب مجاميع ومتوسطات الرتب لكل فئة، ثم استخراج إحصاء Z المصحح للرتب المتساوية والقيمة الاحتمالية المقابلة.
يتيح الأمر ranksum أيضاً إمكانية دمج الشروط المنطقية المتقدمة والتصفية الانتقائية عبر استخدام العبارتين الشرطيتين if و in. يتيح ذلك للباحث حصر التحليل على فئات فرعية معينة من العينة أو نطاقات محددة من المشاهدات؛ فعلى سبيل المثال، يمكن كتابة الأمر لإجراء الاختبار على فئة عمرية معينة فقط من خلال كتابة: ranksum score if age > 30, by(treatment)، مما يوفر مرونة تحليلية استثنائية دون الحاجة إلى تقسيم ملف البيانات الأصلي يدوياً.

6.2 خيارات متقدمة ومكملات الأمر ranksum
يوفر الأمر ranksum خيارات برمجية متقدمة تعزز من القيمة التفسيرية للنتائج، ويأتي في صدارتها الخيار البرمجي porder. عند إضافة هذا الخيار إلى نهاية الأمر (مثل: ranksum depvar, by(groupvar) porder)، تقوم Stata بحساب وتقدير مؤشر احتمالية الترتيب الاحتمالي (Probability of Ordering)، وهو مقياس إحصائي يعبر عن احتمالية أن تكون قيمة مفردة مسحوبة عشوائياً من المجموعة الأولى أكبر من قيمة مفردة مسحوبة من المجموعة الثانية، مما يوفر مقياساً حدسياً لحجم التأثير يسهل فهمه من قِبل الباحثين غير المتخصصين في الرياضيات.
وعلى الرغم من أن الأمر ranksum الأساسي في Stata لا يدعم مباشرة خيارات أوزان المعاينة المعقدة (Sampling Weights)، إلا أنه يمكن التعامل مع عينات المسوح الموزونة وتصاميم المعاينة الطبقية عبر الاستعانة بحزم خارجية برمجية متطورة مثل svyranktest التي طورها مجتمع مستخدمي Stata، والتي تتيح تكييف الاختبار اللابارامتري مع بيانات المسوح الميدانية المعقدة بدقة متناهية.
علاوة على ذلك، يمكن للمحللين المتقدمين تطبيق الأمر عبر مصفوفات المتغيرات المتعددة باستخدام الحلقات التكرارية (Loops) مثل حلقة foreach في ملفات الأوامر (Do-files). تتيح هذه الحلقات تنفيذ اختبار مان-ويتني على عشرات أو مئات المتغيرات التابعة الترتيبية المتتالية (مثل بنود الاستبيانات المتعددة) دفعة واحدة وتصدير نتائجها ومصفوفات قيمها الاحتمالية إلى جداول مخرجات منظمة في ثوانٍ معدودة.
7. تنفيذ اختبار مان-ويتني U عبر الواجهة الرسومية (GUI) في Stata
7.1 مسار الوصول إلى الاختبار من القوائم الرئيسية
إلى جانب قوة سطر الأوامر، تتميز Stata بواجهة مستخدم رسومية بديهية وسهلة الاستخدام تتيح للباحثين إجراء اختبار مان-ويتني U دون الحاجة إلى حفظ الأوامر النصية. للوصول إلى نافذة الاختبار من خلال شريط القوائم العلوي، يتبع الباحث المسار التالي خطوة بخطوة:
- النقر على قائمة Statistics (الإحصاء) في الشريط العلوي للشاشة.
- التمرير لأسفل واختيار القائمة الفرعية Nonparametric analysis (التحليل اللابارامتري).
- اختيار Tests of hypotheses (اختبارات الفروض).
- النقر مباشرة على خيار Wilcoxon rank-sum test (اختبار ويلكوكسون لمجموع الرتب).
بمجرد النقر على هذا الخيار، تنبثق نافذة الحوار المخصصة للاختبار. يجد الباحث في هذه النافذة مربعين رئيسيين للاختيار: الأول هو Variable (المتغير التابع)، وفيه يتم اختيار المتغير الترتيبي أو الكمي من القائمة المنسدلة لمتغيرات الدراسة؛ والثاني هو Grouping variable (متغير التجميع)، وفيه يتم تحديد المتغير المستقل الثنائي الذي يحدد المجموعتين.
7.2 ضبط خيارات النافذة وحفظ النتائج في سجل الأوامر
تتيح نافذة الحوار الرسومية في Stata ضبط خيارات التحليل الإضافية بسهولة فائقة، مثل تفعيل مربع الاختيار المخصص لحساب احتمالية الترتيب (Estimate probability that variable for first group is greater than that of second) ليتم تضمين خيار porder تلقائياً في الأمر البرمجي المتولد.
تحتوي نافذة الحوار على مجموعة من الأزرار الوظيفية الأساسية أسفلها؛ حيث يؤدي النقر على زر Submit إلى تنفيذ الاختبار وإظهار المخرجات مباشرة في نافذة النتائج الرئيسية مع إبقاء نافذة الحوار مفتوحة، وهو أمر مفيد جداً في حال رغبة الباحث في تجربة متغيرات تابعة أخرى متتالية دون إعادة فتح القوائم من البداية. أما زر OK فيقوم بتنفيذ التحليل وإغلاق النافذة تلقائياً.
ومن أهم الممارسات المنهجية الموصى بها في بيئة Stata هو نسخ الكود البرمجي الذي يتم توليده وطباعته تلقائياً في نافذة المراجعة (Review Pane) وسجل الأوامر (Command Log)، ثم حفظه ولصقه داخل ملف الأوامر البرمجية المخصص للبحث المعروف بملف الـ Do-file. يضمن هذا الإجراء إمكانية إعادة تكرار التحليل الإحصائي (Replicability) وتوثيق كافة خطوات المعالجة بدقة تامة ومطابقتها لمعايير النزاهة العلمية.
8. قراءة وتفسير مخرجات اختبار مان-ويتني في Stata بدقة
8.1 تحليل جدول الرتب والمشاهدات
عند تنفيذ الأمر، تعرض Stata جدولاً إحصائياً دقيقاً وموجزاً يقدم تفصيلاً كاملاً لبيانات الرتب في كلا المجموعتين. يتألف هذا الجدول من عدة أعمدة وصفوف محورية تتطلب فهماً إحصائياً عميقاً لقراءتها وتفسيرها على النحو الصحيح:
- عمود المجموعات (Group Variable): يوضح تسميات أو قيم المجموعتين اللتين تمت مقارنتهما.
- عمود عدد المشاهدات (Obs): يعرض حجم العينة الفعلي المتاح والمستخدم في التحليل داخل كل مجموعة بعد استبعاد أي قيم مفقودة، بالإضافة إلى إجمالي المشاهدات في العينة الكلية.
- عمود مجموع الرتب (Rank Sum): يمثل المجموع الحسابي الفعلي للرتب المخصصة لأفراد كل مجموعة بعد ترتيب كامل أفراد العينة المدمجة تصاعدياً من 1 إلى N. وتعتبر المجموعة التي تسجل مجموع رتب أكبر نسبةً إلى حجم عينتها هي المجموعة المتفوقة في اتجاه القياس.
- عمود الرتب المتوقعة (Expected): يعكس مجموع الرتب النظري الذي كان ينبغي أن تحصل عليه كل مجموعة في حال كانت الفرضية الصفرية صحيحة تماماً وتوزعت الرتب بينهما بعشوائية مطلقة، ويُحسب رياضياً بضرب حجم عينة المجموعة في متوسط رتب العينة الكلية [(N + 1) / 2].

بالإضافة إلى هذه القيم الصريحة، يمكن للمحلل استخراج متوسط الرتب (Mean Rank) لكل مجموعة بسهولة عن طريق قسمة مجموع الرتب الفعلي (Rank Sum) على عدد مشاهدات المجموعة (Obs). يقدم متوسط الرتب مؤشراً مقارناً بديهياً وسهل الفهم لاتجاه الفروق، وهو المؤشر الأساسي الذي يوثق عادة في الجداول الإحصائية للأبحاث المحكمة لمقارنة مستويات المجموعتين قبل الانتقال إلى تفسير الدلالة المعيارية.
8.2 تفسير القيم الإحصائية z والدلالة الاحتمالية p-value
أسفل جدول الرتب، تستعرض Stata النتائج الاستدلالية الحاسمة التي يبنى عليها القرار الإحصائي النهائي. تبدأ هذه المخرجات بعرض الفرضية الصفرية الرياضية المصاغة برمزية واضحة: unadjusted variance (التباين غير المصحح)، يليه adjustment for ties (معامل تصحيح الرتب المتساوية)، ثم adjusted variance (التباين المصحح للرتب المتساوية) الذي يُستخدم في حساب الدرجة المعيارية بدقة.
تتمثل القيمة المركزية التالية في الدرجة المعيارية Z المحسوبة، والمدرجة تحت الرمز z. تُحسب قيمة z من خلال طرح مجموع الرتب المتوقع من مجموع الرتب الفعلي وقسمة الناتج على الانحراف المعياري المصحح لمجموع الرتب. تشير إشارة قيمة z (موجبة أو سالبة) إلى اتجاه الفارق بين المجموعتين بالنسبة للمجموعة الأولى المذكورة في الجدول، بينما تعبر قيمتها المطلقة عن مدى تباعد النتائج الفعلية عن التوزيع العشوائي المتوقع.
يلي ذلك السطر الأهم في المخرجات وهو القيمة الاحتمالية ثنائية الطرف، والتي تُكتب بالصيغة: Pr(|Z| > |z|) = 0.XXXX. تمثل هذه القيمة الاحتمالية الدقيقة (Two-sided p-value) احتمال الحصول على فرق في مجموع الرتب مساوٍ أو أكبر من الفرق الملاحظ بالصدفة البحتة إذا كانت الفرضية الصفرية صحيحة. فإذا كانت هذه القيمة أقل من 0.05، يُرفض الفرض الصفري بثقة ويُقرر وجود اختلاف دال إحصائياً بين المجموعتين. أما في العينات شديدة الصغر (حيث يقل حجم أي من المجموعتين عن 10)، تجدر الإشارة إلى أن قيمة z تعتمد على التقريب الطبيعي (Normal Approximation)، ولذلك يُنصح دائماً بالتحقق من القيمة الدقيقة لاختبار الطرفين للتأكد المطلق من الدلالة.
8.3 تفسير مقياس احتمالية الترتيب (Probability of Ordering)
عند تفعيل الخيار المتقدم porder، تطبع Stata في نهاية مخرجات الاختبار سطراً إحصائياً إضافياً بالصيغة التالية: P{depvar(group1) > depvar(group2)} = 0.XXX. تمثل هذه المعلمة الرياضية ما يُعرف في الأدبيات الإحصائية الحديثة بـ “مقياس التفوق الاحتمالي” أو احتمالية الترتيب العشوائي، وتُعد واحدة من أكثر المقاييس اللابارامترية وضوحاً وتفضيلاً في الأوساط البحثية التطبيقية.
من الناحية التفسيرية، إذا كانت قيمة P-order تساوي تماماً 0.50، فهذا يشير إلى تكافؤ كامل بين المجموعتين وتساوي فرص تفوق أي منهما على الأخرى. أما إذا تجاوزت القيمة حاجز 0.50 ووصلت مثلاً إلى 0.72، فهذا يعني حرفياً وبدقة أن هناك احتمالية بنسبة 72% بأن يحصل فرد مسحوب عشوائياً من المجموعة الأولى على درجة أعلى في المتغير المقاس مقارنة بفرد مسحوب عشوائياً من المجموعة الثانية.
إن الربط المنهجي بين قيمة P-order وحجم الفارق الملاحظ يسهم بصورة فاعلة في ترجمة الأرقام الإحصائية الجافة إلى مدلولات واقعية وتطبيقية تفيد صانعي القرار والباحثين، وتتجاوز محدودية الاكتفاء بالقيمة الاحتمالية p-value وحدها نحو تقديم تقييم احتمالي ملموس لشدة الظاهرة المفحوصة.
9. حساب حجم الأثر (Effect Size) للاختبار اللابارامتري
9.1 حساب معامل الارتباط r لحجم الأثر
تؤكد كافة أدلة النشر الأكاديمي المرموقة، ولا سيما المعايير الصادرة عن جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، على أن تقرير الدلالة الإحصائية (p-value) لم يعد كافياً بمفرده لتقييم النتائج، بل يجب بالضرورة حسابه وإرفاقه بحجم الأثر (Effect Size) الذي يقيس القوة والجسارة العملية والتطبيقية للفرق الملاحظ بين المجموعتين بمعزل عن تأثير حجم العينة. المقياس الأكثر شيوعاً واعتماداً لاختبار مان-ويتني هو معامل الارتباط اللابارامتري لحجم الأثر، والمعروف بالرمز r.
يُحسب معامل الأثر r رياضياً بالاعتماد المباشر على الدرجة المعيارية Z وحجم العينة الكلي N (مجموع مفردات المجموعتين معاً)، وذلك من خلال قسمة القيمة المطلقة لدرجة Z على الجذر التربيعي لإجمالي حجم العينة، وفق المعادلة التالية الموصوفة نصياً: قيمة r تساوي القيمة المطلقة لـ z مقسومة على الجذر التربيعي لـ N. توفر Stata إمكانية حساب هذه المعادلة برمجياً واستخراج قيمها المخزنة في ذاكرة النظام تلقائياً بعد تنفيذ الأمر ranksum؛ حيث تُخزن قيمة z في الكائن المؤقت r(z) ويُخزن حجم العينة في r(N)، ويمكن استخدام الأمر display abs(r(z))/sqrt(r(N)) لحساب وطباعة قيمة r في سطر واحد بمنتهى السهولة والدقة.
ولتفسير القيمة الناتجة لمعامل الارتباط r، يعتمد الباحثون على المعايير الإرشادية القياسية التي حددها الإحصائي الشهير جاكوب كوهين (Jacob Cohen)، والتي تصنف حجم الأثر إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
- أثر صغير (Small Effect): إذا كانت قيمة r تتراوح حول 0.10 (أي من 0.10 إلى أقل من 0.30).
- أثر متوسط (Medium Effect): إذا كانت قيمة r تتراوح حول 0.30 (أي من 0.30 إلى أقل من 0.50).
- أثر كبير (Large Effect): إذا كانت قيمة r تساوي 0.50 فما فوق، مما يعكس تفوقاً حاسماً وواضحاً لإحدى المجموعتين.
9.2 مقاييس إضافية لحجم الأثر في Stata
بالإضافة إلى معامل الارتباط r، تزخر الأدبيات الإحصائية بمقاييس إضافية رصينة لحجم الأثر تتناسب خصيصاً مع طبيعة الاختبارات اللابارامترية. من أبرز هذه المقاييس مؤشر كليف دلتا (Cliff’s Delta – d)، وهو مقياس يقيم الفرق النسبي بين احتمالية أن تتجاوز درجات المجموعة الأولى المجموعة الثانية واحتمالية حدوث العكس، متراوحاً بين -1 و +1؛ حيث تشير الصفرية إلى التماثل التام، بينما تعبر القيمة 1 أو -1 عن عدم وجود أي تداخل في التوزيعات بين المجموعتين.
مقياس آخر فائق الأهمية هو حجم أثر اللغة المشتركة (Common Language Effect Size – CLES)، والذي يرتبط ارتباطاً خطياً مباشراً بقيمة P-order المذكورة سابقاً في Stata. يمثل هذا المقياس النسبة المئوية للمقارنات الزوجية الممكنة بين أفراد المجموعتين التي يتفوق فيها فرد المجموعة التجريبية على فرد المجموعة الضابطة، مما يوفر صياغة لغوية سهلة الفهم لغير المتخصصين إحصائياً.
لأتمتة حساب هذه المؤشرات المتعددة، يمكن للباحثين كتابة وتضمين دوال برمجية بسيطة داخل ملفات الـ Do-file في Stata تقوم تلقائياً، بعد تنفيذ كل اختبار رتب، بحساب مؤشرات r و Cliff’s Delta و CLES وتجميعها في مصفوفة مخرجات موحدة، مما يوفر الوقت ويمنع الأخطاء الحسابية اليدوية ويضفي على البحث طابعاً احترافياً متقدماً.
10. توثيق وكتابة نتائج الاختبار وفق معايير APA
10.1 الصياغة الأكاديمية لجداول ونصوص النتائج
يقتضي توثيق نتائج التحليلات الإحصائية وفق الإصدار السابع من دليل النشر التابع لجمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition) اتباع صياغة دقيقة وموجزة تتضمن كافة المؤشرات الوصفية والاستدلالية الضرورية التي تتيح للقارئ والمحكم تقييم النتائج بشكل موضوعي ومستقل. ينص دليل APA على وجوب تضمين مقاييس النزعة المركزية والتشتت اللابارامترية المناسبة لكل مجموعة، وتحديداً الوسيط الحسابي (Median – Mdn) والمدى الربيعي (Interquartile Range – IQR) أو متوسط الرتب (Mean Rank).
أما على الصعيد الاستدلالي، فيجب كتابة نص التقرير موضحاً بوضوح اسم الاختبار المطبق، وقيمة الدرجة المعيارية z، ومستوى الدلالة الدقيق p، ومؤشر حجم الأثر r. وتُكتب الرموز الإحصائية القياسية (مثل z, p, r, Mdn, IQR) بالخط المائل (Italicized) دائماً وفق إرشادات التنسيق المعياري.
عند تضمين جداول النتائج، ينبغي تصميم الجدول وفق التنسيق ثلاثي الخطوط الأفقية القياسي لـ APA (بدون خطوط رأسية)، مع إدراج أعمدة مخصصة لاسم المجموعة، وحجم العينة (n)، والوسيط، والمدى الربيعي، ومتوسط الرتب، ومجموع الرتب، ثم تدوين إحصاء الاختبار وقيمته الاحتمالية وحجم الأثر في حواشي الجدول السفلية أو في أعمدة منفصلة.
10.2 نماذج تطبيقية لكتابة النتائج في الأبحاث النفسية
لتوضيح كيفية الصياغة الأكاديمية في التقارير والأطروحات العلمية، نستعرض فيما يلي نموذجين تطبيقيين معتمدين لصياغة نتائج اختبار مان-ويتني:
النموذج الأول: حالة وجود فروق دالة إحصائياً (رفض الفرضية الصفرية):
“أُجري اختبار مان-ويتني U للعينات المستقلة لتقييم ما إذا كانت مستويات القلق النفسي تختلف بين مجموعة التدخل القائم على اليقظة الذهنية (n = 22) والمجموعة الضابطة (n = 20). كشفت التحليلات الإحصائية أن مستويات القلق لدى مجموعة التدخل (Mdn = 18.50, IQR = 5.00, متوسط الرتب = 15.20) كانت أقل دلالة إحصائياً مقارنة بمستويات القلق لدى المجموعة الضابطة (Mdn = 28.00, IQR = 7.50, متوسط الرتب = 28.43)، حيث بلغت قيمة الدرجة المعيارية المصححة للرتب المتساوية z = -3.42، بمستوى دلالة إحصائية p < .001. وقد أظهر حساب حجم الأثر معاملاً مقداره r = 0.53، وهو ما يشير إلى حجم أثر كبير وفق معايير كوهين، مما يؤكد الفاعلية العالية لبرنامج التدخل في خفض درجات القلق.”
النموذج الثاني: حالة عدم وجود فروق دالة إحصائياً (قبول الفرضية الصفرية):
“لمقارنة درجات الرضا الوظيفي بين الموظفين في القطاع العام (n = 35) والقطاع الخاص (n = 38)، تم تطبيق اختبار ويلكوكسون لمجموع الرتب اللابارامتري نظراً لعدم تحقق اعتدالية التوزيع. أظهرت النتائج عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية في مستويات الرضا الوظيفي بين موظفي القطاع العام (Mdn = 4.00, IQR = 1.00, متوسط الرتب = 38.10) وموظفي القطاع الخاص (Mdn = 4.00, IQR = 2.00, متوسط الرتب = 35.99)، حيث سجلت z = 0.46، وقيمة الدلالة الاحتمالية p = .648، مع حجم أثر ضئيل جداً بلغ r = 0.05. وعليه، فشلت الدراسة في رفض الفرضية الصفرية، مما يشير إلى تشابه الرضا الوظيفي العام بين القطاعين.”
11. المشكلات الشائعة والأخطاء التحليلية وكيفية معالجتها في Stata
11.1 معالجة الرتب المتساوية الشديدة (Ties Handling)
تعتبر مشكلة تشابه وتساوي الرتب (Ties) من أكثر المعضلات الإحصائية شيوعاً عند تطبيق اختبار مان-ويتني، وتحدث بكثافة عند قياس المتغيرات باستخدام مقاييس ليكرت القصيرة (مثل مقياس ثلاثي أو خماسي) على عينات كبيرة؛ حيث يشترك عدد هائل من المفردات في تسجيل نفس الدرجة الخام تماماً. يؤدي هذا التماثل إلى تآكل وتناقص التباين الرياضي المحسوب لمجموع الرتب، مما يجعل استخدام معادلة التباين الافتراضية غير دقيق ويؤدي إلى تضخيم قيمة z المعيارية وتزييف الدلالة الإحصائية.
تعالج برمجية Stata هذه المعضلة تلقائياً وبشكل مدمج؛ حيث يقوم الأمر ranksum بحساب معامل التعديل للرتب المتساوية وطباعة قيمة التباين المصححة (Adjusted Variance) واستخدامها حصرياً في استخراج الدرجة المعيارية z، مما يحمي الباحث من الوقوع في تضخيم الأخطاء الاستدلالية دون الحاجة إلى تدخل برمجي يدوي معقد.
ومع ذلك، في حالات التساوي الشديد جداً والمصحوب بعينات بالغة الصغر، قد تفقد المقاربات التقريبية دقتها؛ وحينها يُوصى الباحثون باللجوء إلى الاختبارات التباديلية الدقيقة عبر تثبيت واستخدام حزم برمجية خارجية متخصصة في Stata مثل حزمة permtest أو استخدام الخوارزميات الدقيقة التي تعيد حساب فضاء العينة التبادلي بالكامل لتوليد قيمة احتمالية دقيقة بنسبة مئة بالمئة ومحررة من أي تشوهات ناتجة عن تكرار الرتب.
11.2 الأخطاء الشائعة في البرمجة والتفسير
يقع العديد من الباحثين ومحللي البيانات في أخطاء منهجية وبرمجية متكررة أثناء إجراء اختبار مان-ويتني في Stata. أول هذه الأخطاء البرمجية الشائعة هو محاولة تنفيذ الأمر ranksum على متغير مستقل يحتوي على أكثر من مجموعتين (ثلاث فئات أو أكثر)، كأن يتم تصنيف المشاركين إلى ثلاث فئات عمرية (شباب، متوسطو العمر، كبار سن). في هذه الحالة، تتوقف Stata وتُظهر رسالة خطأ صريحة تنص على: more than 2 groups found, only 2 allowed. يكمن حل هذه المشكلة إما بدمج الفئات أو تصفية مجموعتين فقط باستخدام عبارة if، أو الانتقال المنهجي الصحيح لاختبار كروسكال-واليس.
الخطأ المنهجي الثاني هو الخلط المفاهيمي الخطير بين تفسير “متوسط الرتب” وتفسير “الوسيط الحسابي”؛ حيث يسارع بعض الباحثين إلى الجزم بأن اختبار مان-ويتني أثبت اختلاف الوسائط الحسابية، متجاهلين التحقق من شرط تماثل أشكال التوزيع والتباين بين المجموعتين. فإذا كانت أشكال التوزيع متباينة وغير متناظرة، فإن أي استنتاج يخص الوسيط يكون خاطئاً منهجياً، والصواب حينها حصر التفسير في اختلاف متوسطات الرتب والهيمنة الاحتمالية العامة للتوزيعات.
أما الخطأ الثالث فيتمثل في إغفال شرط استقلالية الملاحظات؛ حيث يقوم بعض الباحثين بتطبيق اختبار مان-ويتني لمقارنة درجات نفس العينة قبل وبعد تطبيق برنامج علاجي أو تعليمي، وهو انتهاك جسيم لافتراض الاستقلال التجريبي يحرم النتائج من أي مصداقية، وحلها يكمن حصراً في تطبيق اختبار ويلكوكسون للإشارات والرتب للبيانات المزدوجة عبر الأمر signrank في Stata.
12. البدائل والامتدادات المتقدمة لاختبار مان-ويتني في Stata
12.1 الاختبارات التباديلية واختبارات إعادة أخذ العينات (Bootstrapping)
تمثل الاختبارات التباديلية (Permutation Tests) وتقنيات إعادة أخذ العينات المعززة بالبوتستراب (Bootstrapping) الامتداد المنهجي الأكثر حداثة وتطوراً للاختبارات اللابارامترية في بيئة Stata. توفر هذه الأساليب الحديثة قوة استدلالية فائقة عند التعامل مع التوزيعات المعقدة للغاية أو العينات الشديدة الصغر التي تنتهك كافة الشروط التقريبية للتوزيعات المعيارية.
تتيح Stata إجراء الاختبارات التباديلية الدقيقة على رتب مان-ويتني بسهولة من خلال استخدام البادئة البرمجية المتقدمة permute؛ حيث تقوم البرمجية بإعادة توزيع المشاهدات عشوائياً بين المجموعتين لآلاف المرات (مثلاً 5000 أو 10000 تكرار)، وإعادة حساب إحصاء الرتب في كل تكرار لبناء توزيع تجريبي أصيل للاختبار واستخراج قيمة احتمالية تبادلية دقيقة (Empirical p-value) لا تعتمد على أي افتراض تقريبي مسبق.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام أسلوب البوتستراب عبر الأمر bootstrap لتقدير فترات الثقة (Confidence Intervals) اللابارامترية للفروق في الوسائط أو لفروق متوسطات الرتب وحجم الأثر. يتيح ذلك للباحثين تقديم تقارير إحصائية متقدمة تدمج بين تقدير النقطة وفترات الثقة عند مستوى 95% المصححة بانحياز التفرطح (BCa Intervals)، مما يرتقي بالتحليل إلى أعلى مراتب الرصانة العلمية العالمية.
12.2 الانتقال إلى التحليلات متعددة المجموعات والمتغيرات
عندما تتسع أهداف البحث وتتعقد تصاميم الدراسات لتتجاوز مجرد مقارنة مجموعتين مستقلتين على متغير تابع واحد، تبرز الحاجة إلى الانتقال السلس من اختبار مان-ويتني إلى النماذج الإحصائية اللابارامترية الأكثر شمولاً وتعدداً المتاحة في برمجية Stata. في حال زيادة عدد مجموعات المتغير المستقل إلى ثلاث مجموعات أو أكثر (مثل مقارنة ثلاث استراتيجيات تدريسية مختلفة)، يمثل اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis Test) الامتداد الطبيعي والمباشر لمان-ويتني، ويُنفذ في Stata باستخدام الأمر kwallis depvar, by(groupvar) متبوعاً بالمقارنات البعدية اللابارامترية المتعددة لتحديد أزواج المجموعات المتباينة بدقة مع تصحيح بونفيروني أو دن.
أما عند الرغبة في ضبط والتحكم في متغيرات إضافية مرافقة ومربكة (Confounding Variables / Covariates)، أو عند دراسة تأثيرات تفاعلية متعددة على متغير تابع ترتيبي، فإن الاختبارات اللابارامترية البسيطة تقف عاجزة عن تلبية متطلبات التحليل. في هذه السيناريوهات المتقدمة، يُوصى بالانتقال المنهجي إلى نماذج الانحدار اللوجستي الترتيبي (Ordinal Logistic Regression) عبر الأمر ologit، أو نماذج الاحتمالات التناسبية المعممة (Generalized Ordered Logit Models) عبر الأمر gologit2.
تمكن هذه النماذج البارامترية المعممة الباحثين من فحص الفروق الترتيبية بين المجموعات المستهدفة مع عزل وضبط التأثيرات الإحصائية للخصائص الديموغرافية والبيئية المتداخلة، مما يضمن اتخاذ قرارات علمية دقيقة ومتعددة الأبعاد تجمع بين مزايا المرونة اللابارامترية والقوة التفسيرية للنمذجة متعددة المتغيرات الحديثة.
خاتمة
يعد اختبار مان-ويتني U (ويلكوكسون لمجموع الرتب) أحد الأعمدة الراسخة في صرح التحليل الإحصائي اللابارامتري المعاصر؛ إذ يقدم حلاً استدلالياً متيناً وموثوقاً يحرر الباحثين من قيود التوزيع الطبيعي ومخاطر الانحرافات والالتواءات الشديدة وتحديات العينات الصغيرة. وقد أثبتت برمجية Stata أنها البيئة التحليلية الأكثر مرونة ودقة للتعامل مع هذا الاختبار، بدءاً من المعاينات الاستكشافية المتقدمة للبيانات واختبارات الاعتدالية الصارمة، مروراً بتنفيذ التحليل بأوامر برمجية موجزة وخيارات متقدمة لحساب احتمالات الترتيب، وصولاً إلى استخراج مخرجات شاملة تتيح حساب أحجام الأثر وتوثيق النتائج وفق أعلى المعايير الأكاديمية العالمية كمعايير APA.
إن الاستخدام المسؤول والواعي لهذا الاختبار يتطلب من الباحثين إدراكاً منهجياً عميقاً لطبيعة فروضه ومحدداته؛ فالتحقق الدقيق من استقلالية الملاحظات، وتدقيق تماثل أشكال التوزيع للتفريق بين فروق الوسائط وفروق متوسطات الرتب، ومعالجة الرتب المتساوية، وحساب حجم الأثر وتضمينه إلى جانب القيمة الاحتمالية، هي المعايير الجوهرية التي تفصل بين التحليل السطحي والبحث الرصين. ومع تزايد تعقيد البيانات الميدانية، تظل الامتدادات المتقدمة مثل الاختبارات التباديلية، وأساليب البوتستراب، ونماذج الانحدار الترتيبي في Stata، أدوات استراتيجية تمكن الباحث من الوصول إلى استنتاجات علمية قاطعة تعزز من مصداقية المعرفة في كافة حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية والتطبيقية.
المراجع (References)
- Cliff, N. (1993). Dominance statistics: Ordinal analyses to answer ordinal questions. Psychological Bulletin, 114(3), 494–509. https://doi.org/10.1037/0033-2909.114.3.494
- Cohen, J. (1988). Statistical power analysis for the behavioral sciences (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
- Conover, W. J. (1999). Practical nonparametric statistics (3rd ed.). John Wiley & Sons.
- Fritz, C. O., Morris, P. E., & Richler, J. J. (2012). Effect size estimates: Current use, calculations, and interpretation. Journal of Experimental Psychology: General, 141(1), 2–18. https://doi.org/10.1037/a0024338
- Mann, H. B., & Whitney, D. R. (1947). On a test of whether one of two random variables is stochastically larger than the other. The Annals of Mathematical Statistics, 18(1), 50–60. https://doi.org/10.1214/aoms/1177730491
- Newson, R. (2002). Parameters behind “nonparametric” statistics: Kendall’s tau, Somers’ D and median differences. The Stata Journal, 2(1), 45–64. https://doi.org/10.1177/1536867X0200200103
- Shapiro, S. S., & Wilk, M. B. (1965). An analysis of variance test for normality (complete samples). Biometrika, 52(3/4), 591–611. https://doi.org/10.2307/2333709
- StataCorp. (2023). Stata Base Reference Manual Release 18. Stata Press. https://www.stata.com/manuals/r.pdf
- Wilcoxon, F. (1945). Individual comparisons by ranking methods. Biometrics Bulletin, 1(6), 80–83. https://doi.org/10.2307/3001968