تُعد الإحصاءات اللامعلمية (Non-parametric Statistics) أحد الأركان الجوهرية في منهجية البحث العلمي المعاصر، لا سيما في حقول العلوم النفسية، والسلوكية، والتربوية، والطبية، حيث يواجه الباحثون مراراً وتكراراً تحديات منهجية تتعلق بخصائص البيانات، مثل صغر حجم العينات، أو ابتعاد التوزيع التكراري عن التوزيع الطبيعي، أو طبيعة القياس الترتيبية. وفي هذا السياق، يبرز اختبار مان ويتني يو (Mann-Whitney U Test) كواحد من أقوى الأدوات الاستدلالية وأكثرها موثوقية لمقارنة مجموعتين مستقلتين عندما يتعذر استيفاء شروط الاختبارات المعلمية التقليدية مثل اختبار “ت” للعينات المستقلة (Independent Samples t-test).
يقدم هذا الدليل المرجعي الشامل تفكيكاً إبستمولوجياً وتطبيقياً دقيقاً لاختبار مان ويتني يو، بدءاً من أصوله النظرية وفلسفته الرياضية القائمة على تحويل البيانات الخام إلى رتب، مروراً بشروط استخدامه وافتراضاته الإحصائية الصارمة، وصولاً إلى خطوات تنفيذه خطوة بخطوة في بيئة الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية IBM SPSS Statistics عبر كل من المسار التقليدي والمعالج التفاعلي الحديث. كما يفرد الدليل مساحة موسعة لكيفية قراءة وتفسير المخرجات بدقة رياضية، وحساب أحجام الأثر وتفسيرها، وتوثيق النتائج وفق الإصدار السابع لدليل النشر الأكاديمي الصادر عن جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition).
إن إتقان هذا الاختبار لا يقتصر فقط على الضغط على أزرار البرمجيات الإحصائية، بل يتطلب فهماً عميقاً للفروق الدقيقة بين مقارنة الوسائط ومقارنة متوسطات الرتب، وكيفية التعامل مع الرتب المقيدة (Ties)، وتأثير شكل التوزيع على صياغة الاستنتاجات العلمية. يهدف هذا المقال إلى تزويد الباحثين وطلاب الدراسات العليا بمرجع عربي متكامل يغنيهم عن المصادر المتفرقة ويضمن سلامة تحليلاتهم الإحصائية ورصانة استنتاجاتهم البحثية.
- 1. مقدمة شاملة لاختبار مان ويتني يو (Mann-Whitney U Test)
- 2. متى نستخدم اختبار مان ويتني بدلاً من اختبار t للعينات المستقلة؟
- 3. الافتراضات الإحصائية الأساسية لتطبيق الاختبار
- 4. إعداد وتجهيز البيانات في برنامج SPSS
- 5. إجراء الاختبار عبر المسار التقليدي (Legacy Dialogs) في SPSS
- 6. إجراء الاختبار عبر المعالج الحديث (NPTESTS) في SPSS
- 7. قراءة وتفسير مخرجات اختبار مان ويتني في SPSS بالتفصيل
- 8. حساب وتفسير حجم الأثر (Effect Size) للاختبار
- 9. كتابة وتوثيق النتائج وفق أسلوب الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7)
- 10. التمثيل البياني للنتائج في SPSS
- 11. دراسة حالة تطبيقية متكاملة في العلوم النفسية
- 12. الأخطاء الشائعة والأسئلة الأكثر تكراراً حول اختبار مان ويتني
- خاتمة
- المراجع (References)
1. مقدمة شاملة لاختبار مان ويتني يو (Mann-Whitney U Test)
1.1 التعريف بالاختبار وسياقه التاريخي والإحصائي
يُمثل اختبار مان ويتني يو، والذي يُعرف أيضاً في الأدبيات الإحصائية باسم اختبار مان-ويتني-ويلكوكسون (Mann-Whitney-Wilcoxon Test) أو اختبار ويلكوكسون لمجموع الرتب (Wilcoxon Rank-Sum Test)، اختباراً فرضياً لا معلمياً يُستخدم لتحديد ما إذا كانت هناك فروق ذات دلالة إحصائية بين توزيعي مجتمعين مستقلين. تعود الجذور التاريخية لهذا الاختبار إلى عام 1945 عندما نشر عالم الإحصاء الأمريكي فرانك ويلكوكسون (Frank Wilcoxon) ورقته البحثية التأسيسية التي اقترح فيها استخدام مجموع الرتب لمقارنة عينتين متساويتي الحجم. وفي عام 1947، قام كل من هنري مان (Henry Mann) ودونالد ويتني (Donald Whitney) بتعميم هذه التقنية وتوسيع نطاقها الرياضي لتشمل العينات غير المتساوية في الحجم، واشتقاق التوزيع الاحتمالي الدقيق للإحصائية المحسوبة، مما أدى إلى صياغة ما نعرفه اليوم باسم إحصائية U.
يقوم المفهوم الجوهري للاختبار على تحويل القيم العددية الخام (Raw Scores) إلى رتب متسلسلة (Ranks) بعد دمج بيانات المجموعتين معاً وترتيبها تصاعدياً من الأصغر إلى الأكبر. يهدف هذا الإجراء الرياضي إلى تحييد المسافات المطلقة بين القيم والتركيز بدلاً من ذلك على الموقع النسبي لكل مفردة داخل العينة الكلية. وبذلك، يتم تقليص التأثير المشوه للقيم المتطرفة أو الشاذة (Outliers) التي غالباً ما تسحب المتوسط الحسابي باتجاهها وتُفسد دقة الاختبارات المعلمية. ويسعى الاختبار في جوهره إلى فحص الفرضية الصفرية القائلة بأن احتمال أن تكون قيمة مسحوبة عشوائياً من المجتمع الأول أكبر من قيمة مسحوبة عشوائياً من المجتمع الثاني يساوي تماماً احتمال العكس، أي: $P(X > Y) = P(Y > X) = 0.5$.

1.2 الفلسفة الرياضية للاختبارات اللامعلمية
تستند الاختبارات اللامعلمية، والتي يُطلق عليها أيضاً اختبارات التوزيع الحر (Distribution-Free Tests)، إلى فلسفة إحصائية تتجاوز القيود الصارمة التي تفرضها النماذج البارامترية. في الاختبارات المعلمية الكلاسيكية، يُفترض مسبقاً أن البيانات قد سُحبت من مجتمع يتبع توزيعاً بيانياً محدداً بدقة—غالباً ما يكون التوزيع الطبيعي الغوسي المعرف بمتوسطه وتفرطحه وانحرافه المعياري. غير أن الواقع الميداني للبيانات التجريبية والمسحية كثيراً ما يُظهر انتهاكات فادحة لهذه الافتراضات، مما يجعل التقديرات البارامترية غير متحيزة وغير متسقة.
تعتمد الفلسفة الرياضية لاختبار مان ويتني على استبدال القياس الكمي المستمر بنظام الترتيب التنازلي أو التصاعدي، حيث تُعطى أصغر قيمة الرتبة 1، وتُعطى القيمة التي تليها الرتبة 2، وهكذا دواليك حتى القيمة الأخيرة $N$. وعندما تتساوى قيمتان أو أكثر، يتم حساب متوسط الرتب المخصصة لهذه القيم وتوزيعها بالتساوي عليها. تكمن القوة المنهجية لهذا النهج في احتفاظه بالمعلومات المتعلقة بترتيب المشاهدات دون التأثر بحجم الفروق العددية بينها. وتُظهر الدراسات الإحصائية الرياضية أن الكفاءة النسبية المقاربة (Asymptotic Relative Efficiency – ARE) لاختبار مان ويتني مقارنة باختبار$t$ للعينات المستقلة تصل إلى نحو 95.5% عندما تكون البيانات طبيعية التوزيع بالفعل، بينما تتجاوز كفاءته 100% بكثير (وقد تصل إلى ما لا نهاية) عندما تكون التوزيعات شديدة الالتواء أو ذات ذيول ثقيلة (Heavy-tailed Distributions)، مما يجعله خياراً فائق القوة والرصانة الرياضية.
1.3 أهمية الاختبار في البحوث النفسية والعلوم السلوكية
تحظى العلوم النفسية والتربوية والسلوكية بطبيعة خاصة في جمع البيانات تجعل من اختبار مان ويتني أداة لا غنى عنها في الترسانة المنهجية للباحث. فالعديد من السمات النفسية، مثل القلق، والاكتئاب، والرضا الوظيفي، والدافعية للإنجاز، تُقاس باستخدام مقاييس ليكرت (Likert Scales) أو استبيانات التقرير الذاتي. ومن المنظور الإبستمولوجي للقياس، تولد هذه المقاييس بيانات ترتيبية (Ordinal Data) وليست بيانات فئوية ذات مسافات متساوية حقيقية؛ إذ لا يمكن الجزم رياضياً بأن المسافة الفاصلة بين “أوافق بشدة” و”أوافق” تطابق تماماً المسافة بين “محايد” و”أعارض”.
علاوة على ذلك، تتميز البحوث الإكلينيكية والطب النفسي بصعوبة الحصول على عينات ضخمة، وغالباً ما تتراوح أحجام المجموعات العلاجية بين 8 إلى 15 مريضاً فقط لكل مجموعة، كحالات مقارنة بروتوكول علاج نفسي تجريبي مقابل بروتوكول قياسي أو علاج وهمي. في مثل هذه العينات المحدودة، يفقد اختبار كولموجوروف-سميرنوف أو شابيرو-ويلك القدرة الإحصائية الكافية على الكشف الموثوق عن طبيعة التوزيع، ويصبح تطبيق اختبار $t$ مجازفة إحصائية قد تؤدي إلى الوقوع في خطأ من النوع الأول (Type I Error) برفض الفرضية الصفرية وهي صحيحة، أو خطأ من النوع الثاني (Type II Error) بفقدان القدرة على اكتشاف الفروق الحقيقية. إن تطبيق اختبار مان ويتني يوفر الحماية المنهجية اللازمة للباحثين النفسيين، مما يضمن أن الاستنتاجات الإكلينيكية المشتقة تستند إلى أسس استدلالية متينة غير ملوثة بالانحرافات التوزيعية.
2. متى نستخدم اختبار مان ويتني بدلاً من اختبار t للعينات المستقلة؟
2.1 المقارنة المنهجية بين اختبار t واختبار مان ويتني
تقتضي الرصانة العلمية المفاضلة المنهجية الدقيقة بين البدائل البارامترية واللابارامترية قبل الشروع في معالجة البيانات. يُلخص الجدول المقارن التالي أبرز الفروق الجوهرية بين الاختبارين:
- طبيعة الفرضية: يختبر اختبار $t$ الفرضية الصفرية المتعلقة بتساوي المتوسطات الحسابية للمجتمعات ($\mu_1 = \mu_2$)، بينما يختبر مان ويتني تساوي التوزيعات الاحتمالية للمجتمعات، والتي يمكن ترجمتها إلى تساوي الوسائط (Medians) في حال تماثل شكل التوزيع، أو تفوق رتبي لمجموعة على أخرى في حال اختلاف التوزيع.
- مستوى القياس: يتطلب اختبار $t$ متغيراً تابعاً مقاساً على مستوى كمي مستمر (مقياس فتروي Interval أو نسبي Ratio)، بينما يتعامل مان ويتني بكفاءة مع المتغيرات الترتيبية (Ordinal) والمتغيرات الكمية على حد سواء.
- الحساسية للقيم الشاذة: يتأثر اختبار $t$ بشدة بالقيم المتطرفة لأن المتوسط والانحراف المعياري حساسان للغاية للمشاهدات الشاذة، في حين يمتلك اختبار مان ويتني مناعة عالية ضد القيم المتطرفة بفضل اعتماده على الرتب المتسلسلة.
- تجانس التباين: يتطلب اختبار $t$ التقليدي تجانس التباين بين المجموعتين (Homogeneity of Variance)، وفي حال انتهاكه يُلجأ إلى تصحيح ويلش (Welch’s t-test)، بينما يتعامل مان ويتني بمرونة أكبر مع عدم تجانس التباين لا سيما في سياق اختبار الهيمنة العشوائية (Stochastic Dominance).
2.2 مشكلات انتهاك التوزيع الطبيعي وصغر حجم العينة
وفقاً لنظرية النهاية المركزية (Central Limit Theorem)، يميل توزيع متوسطات العينات إلى الاقتراب من التوزيع الطبيعي عندما يتجاوز حجم العينة 30 مفردة في كل مجموعة ($n ge 30$). غير أن هذا الافتراض النظري يصبح باطلاً تماماً عندما تكون العينات صغيرة ($n < 20$)، حيث تصبح الاختبارات المعلمية شديدة الهشاشة في مواجهة أي التواء (Skewness) أو تفرطح (Kurtosis) في بيانات المجتمع الأصلي.
إن إصرار الباحث على استخدام اختبار $t$ للعينات المستقلة في ظل وجود عينات صغيرة منحرفة يؤدي إلى تشويه قيمة الخطأ المعياري للفرق بين المتوسطين، مما ينتج عنه تضخيم أو تقليص مصطنع لقيمة $t$ المحسوبة والقيمة الاحتمالية ($p$-value) المقترنة بها. في المقابل، يمتلك اختبار مان ويتني قدرة إحصائية (Statistical Power) متفوقة في التعامل مع العينات متناهية الصغر، إذ تتيح الإجراءات اللامعلمية الحديثة حساب التوزيع الاحتمالي الدقيق (Exact Probability) عبر كافة التباديل الممكنة للرتب، دون الحاجة إلى الاعتماد على التقريب التقاربي (Asymptotic Approximation) الذي يشترط أحجام عينات كبيرة.
2.3 طبيعة البيانات الترتيبية (Ordinal Data) والكمية المنحرفة
تُمثل البيانات الترتيبية منطقة رمادية يقع فيها الكثير من الباحثين في خطأ منهجي شائع يتمثل في معاملة الرتب كأرقام كمية حقيقية وحساب المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لها. على سبيل المثال، في مقياس تقييم الألم السريري من 1 إلى 10، لا يمكن افتراض أن الانتقال من مستوى ألم 2 إلى 3 يعادل نفسياً وفيزيولوجياً الانتقال من 8 إلى 9. في مثل هذه المقاييس، يكون الوسيط (Median) والمدى الربيعي (Interquartile Range – IQR) هما المقياسين الوصفيين الرياضيين الوحيدين المعبرين بصدق عن النزعة المركزية والتشتت.
إلى جانب البيانات الترتيبية، تظهر في البحوث السلوكية والطبية متغيرات كمية مستمرة بطبيعتها لكنها تتبع توزيعات شديدة الانحراف الإيجابي، مثل زمن الاستجابة الحركية (Reaction Time)، أو مدة البقاء في المستشفى، أو الدخل المالي، أو عدد نوبات الهلع المسجلة شهرياً. هذه المتغيرات تتبع عادة توزيعات لوغاريتمية طبيعية (Log-normal) أو توزيعات أسية. إن تطبيق اختبار مان ويتني يو على هذه البيانات يمثل ضرورة منهجية صارمة توفر على الباحث عناء إجراء تحويلات رياضية معقدة (مثل التحويل اللوغاريتمي أو تحويل الجذر التربيعي) والتي غالباً ما تجعل تفسير النتائج بالوحدات الأصلية للمتغير أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد المفاهيمي.
3. الافتراضات الإحصائية الأساسية لتطبيق الاختبار
3.1 مستويات قياس المتغيرات التابعة والمستقلة
لكي يكون تطبيق اختبار مان ويتني مبرراً وصحيحاً من الناحية الإحصائية، يجب استيفاء مجموعة من الافتراضات المنهجية المتعلقة بطبيعة المتغيرات وتصميم الدراسة. يتمثل الافتراض الأول في طبيعة ومستوى قياس المتغيرين الخاضعين للدراسة:
- المتغير المستقل (Independent Variable): يجب أن يكون متغيراً تصنيفياً نوعياً ثنائياً (Dichotomous Categorical Variable)، يتألف من مجموعتين مستقلتين غير متداخلتين تماماً (مثل: ذكور مقابل إناث، مجموعة تجريبية تتلقى علاجاً معرفياً سلوكياً مقابل مجموعة ضابطة تتلقى تدخلاً علاجياً وهمياً، أو مرضى مصابين باضطراب معين مقابل أصحاء).
- المتغير التابع (Dependent Variable): يجب أن يُقاس على الأقل بمستوى ترتيبي (Ordinal Scale)، أو مستوى فئوي مستمر (Continuous Interval/Ratio Scale). يشمل ذلك الدرجات المستخرجة من مقاييس الشخصية، أو رتب التفضيل، أو القياسات الفسيولوجية المنحرفة.

3.2 استقلالية الملاحظات والبيانات
يُعد افتراض استقلالية المشاهدات (Independence of Observations) حجر الزاوية في الاختبارات الإحصائية الاستدلالية كافة، ولا يمكن التساهل فيه تحت أي ظرف رياضي. يعني هذا الافتراض أن درجة أي مفحوص في المجموعة الأولى لا تؤثر ولا تتأثر بدرجة أي مفحوص آخر في نفس المجموعة أو في المجموعة المقابلة. يقتضي ذلك:
- ألا يكون هناك تكرار لقياس نفس الأفراد في المجموعتين عبر الزمن (إذ يتطلب هذا التصميم استخدام اختبار ويلكوكسون للإشارات والرتب المتطابقة).
- ألا يوجد اقتران أو مطابقة إحصائية مقصودة (Matched Pairs) بين أفراد المجموعتين بناءً على متغيرات ديموغرافية، بل يجب أن يكون تصميم العينات مستقلاً تماماً.
- أن يتم جمع البيانات في ظروف تمنع التفاعل أو التأثير المتبادل بين المشاركين أثناء إجراء جلسات التقييم أو الاختبار النفسي.
3.3 شكل التوزيع وتحديد طبيعة المقارنة (الوسيط مقابل الرتب)
يُعد هذا الافتراض من أكثر المفاهيم دقة وإثارة للجدل في التحليل الإحصائي اللامعلمي. لا يشترط اختبار مان ويتني أن تتبع البيانات توزيعاً طبيعياً، ولكنه يشترط تحديد طبيعة العلاقة الهندسية بين شكلي توزيع المجموعتين لتحديد الاستنتاج الرياضي النهائي بدقة:
الحالة الأولى: تماثل شكلي التوزيع (Same Distribution Shape): إذا أظهرت الفحوص البصرية للبيانات (عبر المدرجات التكرارية أو تقدير كثافة النواة Kernel Density) أن توزيع درجات المجموعة الأولى يمتلك نفس الشكل الهندسي ودرجة الالتواء للمجموعة الثانية (حتى وإن كان التوزيع ملتوياً بشدة)، فإن اختبار مان ويتني يُفسر في هذه الحالة كاختبار للفروق بين الوسائط (Difference in Medians). ويكون الاختبار دليلاً على إزاحة مكانية (Shift in Location) بين المجتمعين.
الحالة الثانية: اختلاف شكلي التوزيع (Different Distribution Shapes): إذا كان توزيع درجات المجموعة الأولى يختلف جوهرياً في شكله وتشتته عن توزيع المجموعة الثانية (كأن يكون الأول ملتوياً نحو اليمين والآخر مفلطحاً أو ملتوياً نحو اليسار)، فإن الاختبار لا يقارن الوسائط على الإطلاق، بل يقارن متوسطات الرتب (Mean Ranks) أو ما يُعرف بالهيمنة الاحتمالية العشوائية (Stochastic Dominance). في هذه الحالة، يكون الاستنتاج الصحيح محصوراً في القول بأن درجات إحدى المجموعتين تميل منهجياً إلى أن تكون أعلى أو أدنى من درجات المجموعة الأخرى في الترتيب العام.
3.4 إجراءات التحقق من الافتراضات قبل البدء بالتحليل
قبل الشروع في تطبيق اختبار مان ويتني في برنامج SPSS، يتعين على الباحث اتباع بروتوكول استكشافي منهجي لفحص خصائص البيانات عبر الخطوات التالية:
- فحص التوزيع الطبيعي: استخدام أمر
Exploreلتوليد قيم اختبار شابيرو-ويلك (Shapiro-Wilk Test)، حيث تشير القيمة الدالة إحصائياً ($p < 0.05$) إلى انتهاك التوزيع الطبيعي، مما يبرر اللجوء إلى اختبار مان ويتني. - فحص القيم المتطرفة: استعراض المخططات الصندوقية (Boxplots) لتحديد وجود أي قيم شاذة حادة (Extreme Outliers المرموز لها برمز النجمة في SPSS) والتي من شأنها نسف دقة التحليلات المعلمية.
- فحص تجانس التباين والأشكال: إجراء اختبار ليفين لتجانس التباين (Levene’s Test)، وتوليد مدرجات تكرارية متراكبة لكل مجموعة لمعاينة درجة تماثل الأشكال التوزيعية وتحديد ما إذا كان سيتم توثيق النتائج بالاعتماد على الوسيط أم على متوسط الرتب.
4. إعداد وتجهيز البيانات في برنامج SPSS
4.1 هيكلة ملف البيانات وتعيين خصائص المتغيرات
تتطلب المعالجة السليمة للبيانات في بيئة برنامج IBM SPSS Statistics إعداداً دقيقاً لصفحة خصائص المتغيرات (Variable View). يجب على الباحث تخصيص صف مستقل لكل متغير وفق المعايير الإحصائية القياسية:
- تسمية المتغير (Name): كتابة اسم مختصر وخالٍ من المسافات والرموز الخاصة، مثل
Groupللمتغير المستقل، وAnxiety_Scoreللمتغير التابع. - نوع المتغير (Type): ضبط المتغيرين كمتغيرات عددية (Numeric)؛ إذ حتى المتغيرات النوعية يجب ترميزها رقمياً لتسهيل العمليات الحسابية البرمجية.
- التسمية التوضيحية (Label): كتابة الاسم الكامل والواضح للمتغير والذي سيظهر لاحقاً في جداول المخرجات والرسوم البيانية، مثل: “المجموعة العلاجية” و”مستوى القلق البعدي وفق مقياس بيك”.
- مستوى القياس (Measure): تحديد مستوى القياس بدقة متناهية؛ يُضبط المتغير المستقل على أنه اسمي (Nominal)، بينما يُضبط المتغير التابع على أنه ترتيبي (Ordinal) أو مقياسي (Scale) اعتماداً على طبيعة الأداة المستخدمة.
4.2 ترميز المتغير المستقل ومجموعات الدراسة
لتحديد انتماء كل فرد في العينة إلى مجموعته التجريبية أو الضابطة، يجب استخدام عمود القيم (Values) في شاشة Variable View لترميز الفئات عددياً وتوثيق دلالاتها اللفظية بدقة:
- الضغط على زر النقاط الثلاث (…) داخل خلية
Valuesالمقابلة لمتغير المجموعة. - في خانة
Value، يتم إدخال الرقم 1، وفي خانةLabelيُكتب اسم المجموعة الأولى (مثال: “مجموعة العلاج المعرفي السلوكي – CBT”) ثم الضغط علىAdd. - في خانة
Value، يتم إدخال الرقم 2، وفي خانةLabelيُكتب اسم المجموعة الثانية (مثال: “مجموعة قائمة الانتظار – Control”) ثم الضغط علىAdd. - الضغط على
OKلحفظ الترميز البرمجي.
بعد ذلك، يتم الانتقال إلى شاشة عرض البيانات (Data View)، حيث يمثل كل صف فرداً واحداً مستقلاً من أفراد العينة، ويتم إدخال كود المجموعة المقابل له في عمود Group (إما 1 أو 2)، وتُدرج درجته المقاسة في عمود Anxiety_Score. يجب التأكد من عدم خلط الدرجات وتطابق كل صف مع المشاهدة الميدانية الأصلية بدقة تامة.
4.3 إدارة القيم المفقودة والبيانات الشاذة
تُمثل البيانات المفقودة (Missing Data) تحدياً شائعاً في البحوث التطبيقية. يجب على الباحث تعريف القيم المفقودة المنفصلة (Discrete Missing Values) في عمود Missing داخل برنامج SPSS، وتعيين رموز محددة لها (مثل: 999 أو -99)، وذلك لمنع البرنامج من التعامل مع هذه الرموز كقيم رقمية فعلية أثناء حساب الرتب، الأمر الذي قد يؤدي إلى نسف التحليل الإحصائي بالكامل.
أما فيما يخص القيم الشاذة، فإن اختبار مان ويتني يتميز بقدرته الجوهرية على استيعاب القيم المتطرفة دون الحاجة القسرية إلى حذفها أو استبعادها كما يحدث في اختبار $t$؛ نظراً لأن القيمة المتطرفة القصوى ستحصل ببساطة على أعلى رتبة ($N$) بصرف النظر عن بعدها العددي المطلق عن بقية الدرجات. ومع ذلك، يجب تدقيق هذه القيم للتأكد من أنها لا تعكس أخطاء إدخال مطبعية أو أخطاء في جمع الدرجات الخام، فإذا كانت ناجمة عن خطأ إجرائي تُصحح فوراً، أما إذا كانت قيماً حقيقية للمبحوثين فتُترك داخل التحليل بأمان منهجي تام.
5. إجراء الاختبار عبر المسار التقليدي (Legacy Dialogs) في SPSS
5.1 الملاحة في القوائم وتحديد نافذة الاختبار
يُعد المسار التقليدي (Legacy Dialogs) في برنامج SPSS المسار الأكثر تفضيلاً وشيوعاً بين الأكاديميين والباحثين نظراً لوضوحه، وسرعته، وعرضه المباشر للجداول الإحصائية الكلاسيكية دون تعقيدات بصرية إضافية. لتنفيذ الاختبار عبر هذا المسار، يتم اتباع الخطوات الآتية:
- من شريط القوائم العلوي، انقر على قائمة Analyze.
- مرر المؤشر فوق خيار الاختبارات اللامعلمية Nonparametric Tests.
- من القائمة الفرعية المنبثقة، اختر الحوارات التقليدية Legacy Dialogs.
- انقر على خيار عينتان مستقلتان 2 Independent Samples….
بمجرد النقر، ستظهر لك نافذة الحوار الرئيسية بعنوان Two-Independent-Samples Tests، والتي تحتوي على قائمة بجميع متغيرات الدراسة على الجانب الأيسر، ومربعات التعيين على الجانب الأيمن، وخيارات الاختبارات الإحصائية في الأسفل.

5.2 تعيين المتغيرات وتعريف المجموعات
داخل نافذة Two-Independent-Samples Tests، يتم تنفيذ الخطوات الإجرائية التالية بدقة:
- نقل المتغير التابع: حدد المتغير التابع الترتيبي أو الكمي (مثل
Anxiety_Score) من القائمة اليسرى، وانقر على زر السهم العلوي لنقله إلى مربع قائمة متغيرات الاختبار (Test Variable List). يمكنك نقل أكثر من متغير تابع في حال الرغبة في إجراء الاختبار لعدة أبعاد متتالية. - نقل المتغير المستقل: حدد المتغير التصنيفي الثنائي (مثل
Group)، وانقر على زر السهم السفلي لنقله إلى مربع متغير التجميع (Grouping Variable). - تعريف المجموعات: ستلاحظ ظهور علامات استفهام بجانب اسم المتغير
Group (? ?)، مما يعني أن البرنامج يطلب تحديد الرموز العددية للمجموعتين. انقر على زر Define Groups… الموجود أسفل الصندوق. - في النافذة المنبثقة الصغيرة، اكتب في خانة Group 1 الرمز العددي المخصص للمجموعة الأولى (مثال: 1)، واكتب في خانة Group 2 الرمز العددي للمجموعة الثانية (مثال: 2). ثم اضغط على Continue.
- تأكيد نوع الاختبار: تأكد من وضع علامة الاختيار ($checkmark$) داخل المربع الصغير المقابل لخيار Mann-Whitney U في قسم نوع الاختبار (Test Type) في الجزء السفلي من النافذة.
5.3 ضبط الخيارات الإضافية والاختبارات الدقيقة (Exact Tests)
لتعزيز دقة التحليل الإحصائي وتوليد المؤشرات الوصفية المرافقة، يوفر البرنامج خيارات متقدمة إضافية يجب ضبطها بعناية:
الإحصاءات الوصفية والربيعيات: انقر على زر Options… من الجانب الأيمن للنافذة. قم بتحديد خيار الإحصاءات الوصفية (Descriptive) للحصول على المتوسطات والانحرافات المعيارية والحد الأدنى والأقصى، وخيار الربيعيات (Quartiles) للحصول على الوسيط والمدى الربيعي لكلا المجموعتين. في قسم معالجة القيم المفقودة (Missing Values)، تأكد من تحديد Exclude cases test-by-test، ثم انقر على Continue.
الاختبارات الدقيقة (Exact Tests): إذا كان حجم إحدى المجموعتين صغيراً جداً ($n < 20$) أو كانت البيانات تحتوي على نسبة عالية من الرتب المتساوية، انقر على زر Exact… من أقصى يمين النافذة. اختر الخيار الدقيق (Exact) بدلاً من التقريبي المقارب الافتراضي (Asymptotic only)، وحدد الحد الزمني الأقصى للحساب (مثلاً 5 دقائق)، ثم انقر على Continue. يضمن هذا الإجراء حساب القيمة الاحتمالية الحقيقية عبر التوزيع التبادلي الدقيق، مما يلغي أي أخطاء ناجمة عن التقريب الرياضي.
أخيراً، انقر على زر Paste لتوليد كود البرمجة النصية (Syntax) في نافذة الأوامر للتوثيق والأرشفة الأكاديمية، أو انقر مباشرة على OK لتنفيذ التحليل وعرض النتائج فوراً في شاشة المخرجات (SPSS Output Viewer).
6. إجراء الاختبار عبر المعالج الحديث (NPTESTS) في SPSS
6.1 الوصول إلى المعالج التفاعلي للاختبارات اللامعلمية
ابتداءً من الإصدار 18 من حزمة IBM SPSS Statistics، أدخلت شركة IBM بيئة تحليلية تفاعلية حديثة وموحدة تُعرف باسم معالج الاختبارات اللامعلمية (NPTESTS Wizard). يتميز هذا المعالج المتقدم بأتمتة اتخاذ القرار الإحصائي بناءً على طبيعة البيانات، وتوليد مخرجات ديناميكية مرئية قابلة للتفاعل (Interactive Model Viewer) تتضمن تلقائياً الرسوم البيانية وفحوص الفرضيات المجدولة بأسلوب عصري جذاب.
للوصول إلى المعالج التفاعلي الحديث، اتبع المسار الآتي:
- من شريط القوائم العلوي، انقر على Analyze.
- اختر الاختبارات اللامعلمية Nonparametric Tests.
- انقر على عينات مستقلة Independent Samples….
6.2 تكوين الأهداف والحقول (Objective & Fields)
عند فتح نافذة Nonparametric Tests: Two or More Independent Samples، ستجد هيكلية منظمة مقسمة إلى ثلاثة تبويبات رئيسية في الأعلى:
تبويب الأهداف (Objective): يمنحك هذا التبويب ثلاثة خيارات رئيسية؛ الخيار الافتراضي هو “مقارنة التوزيعات تلقائياً عبر المجموعات” (Automatically compare distributions across groups). يقوم البرنامج في هذا الوضع بفحص البيانات تلقائياً واختيار اختبار مان ويتني إذا كان المتغير المستقل ثنائياً، أو اختبار كروسكال-واليس إذا كان المتغير المستقل يضم ثلاثة مجموعات أو أكثر. للحصول على تحكم يدوي كامل، يفضل الباحثون أحياناً التخصيص اليدوي، ولكن خيار الأتمتة يعمل بكفاءة بالغة أيضاً.
تبويب الحقول (Fields): انقر على تبويب Fields. ستجد قائمتين أساسيتين:
- قائمة الاختبارات/المستهدفات (Test Fields): انقل المتغير التابع الترتيبي أو الكمي (مثل
Anxiety_Score) إلى هذا الحقل. - حقل المجموعات (Groups): انقل المتغير المستقل التصنيفي (مثل
Group) إلى هذا الحقل. يحدد البرنامج تلقائياً الفئات والمستويات دون الحاجة إلى كتابة قيم الترميز يدوياً كما في المسار التقليدي.
6.3 تخصيص الإعدادات المتقدمة وطرق المقارنة
لضمان التحكم الصارم في الفرضيات والمعادلات الرياضية المستخدمة، انقر على تبويب الإعدادات (Settings) وقم بتعديل الخيارات الآتية:
- اختيار الاختبار يدوياً (Customize tests): حدد خيار Customize tests، ثم ضع علامة الاختيار على Mann-Whitney U (2 samples). يضمن هذا الإلغاء القسري لأي اختيار تلقائي قد يفرضه البرنامج.
- تحديد خيارات المقارنة المتعددة ومستوى الثقة: من اللوحة اليسرى داخل تبويب الإعدادات، انقر على Test Options. هنا يمكنك ضبط مستوى الدلالة الإحصائية ألفا (Significance Level $\alpha$)، والمحدد افتراضياً عند $0.05$، وضبط مستوى فترات الثقة (Confidence Interval) عند $95%$.
- طريقة حساب الدلالة: في قسم Significance Level Computation، يمكنك اختيار الحساب التقريبي المقارب (Asymptotic) أو الحساب الدقيق عبر المحاكاة والتباديل (Exact / Monte Carlo).
بعد الانتهاء من ضبط الإعدادات، انقر على زر Run في أسفل النافذة. سيقوم المعالج بتنفيذ النموذج وتوليد جدول ملخص فرضية التحليل (Hypothesis Test Summary). بمجرد النقر المزدوج على هذا الجدول داخل نافذة المخرجات، ستفتح لك شاشة Model Viewer التفاعلية، والتي تستعرض مخطط الرتب الصندوقي، والتوزيعات التكرارية المقارنة، والجدول التحليلي التفصيلي للاختبار.
7. قراءة وتفسير مخرجات اختبار مان ويتني في SPSS بالتفصيل
7.1 تحليل جدول الرتب (Ranks Table)
عند تنفيذ الاختبار عبر المسار التقليدي، يُنتج برنامج SPSS جدولين رئيسيين؛ الجدول الأول يحمل عنوان Ranks، وهو جدول جوهري لفهم اتجاه الفروق وطبيعتها. يحتوي الجدول على الأعمدة الإحصائية التالية:
| المتغير التابع | مجموعة الدراسة (Group) | حجم العينة ($N$) | متوسط الرتب (Mean Rank) | مجموع الرتب (Sum of Ranks) |
|---|---|---|---|---|
| مستوى القلق (Anxiety Score) | مجموعة العلاج السلوكي (CBT) | 15 | 10.20 | 153.00 |
| مجموعة قائمة الانتظار (Control) | 15 | 20.80 | 312.00 | |
| الإجمالي (Total) | 30 | — | — |
يُحسب مجموع الرتب (Sum of Ranks – $W$) عن طريق جمع الرتب التي حصل عليها أفراد كل مجموعة بعد الترتيب المدمج. أما متوسط الرتب (Mean Rank)، فيمثل حاصل قسمة مجموع الرتب على حجم العينة الخاص بتلك المجموعة ($\text{Mean Rank} = \frac{\sum R_i}{n_i}$).
يُعد متوسط الرتب المؤشر التوجيهي لتحديد لصالح من تميل الفروق؛ ففي الجدول التوضيحي أعلاه، نلاحظ أن مجموعة العلاج السلوكي المعرفي حصلت على متوسط رتب بلغ (10.20)، وهو أقل بصورة ملحوظة من متوسط رتب مجموعة الانتظار البالغ (20.80). يشير هذا الانخفاض المنهجي في الرتب إلى أن أفراد المجموعة التجريبية قد تركزوا في المراتب الدنيا من مقياس القلق، مما يعكس تحسناً وانخفاضاً في حدة الأعراض مقارنة بالمجموعة الضابطة.

7.2 تفسير جدول إحصاءات الاختبار (Test Statistics)
يُمثل جدول إحصاءات الاختبار (Test Statistics) المحطة الاستدلالية الحاسمة لاتخاذ القرار الإحصائي بشأن الفرضيات الصفرية والبديلة. يستعرض الجدول القيم والمعادلات المشتقة الآتية:
- إحصائية مان ويتني (Mann-Whitney U): وهي القيمة الصغرى المحسوبة للاختبار وتُعبر عن عدد المرات التي تفوقت فيها قيمة من المجموعة الأولى على قيمة من المجموعة الثانية. تُحسب رياضياً باستخدام الصيغتين:
$$U_1 = n_1 n_2 + \frac{n_1(n_1 + 1)}{2} – R_1$$
$$U_2 = n_1 n_2 + \frac{n_2(n_2 + 1)}{2} – R_2$$
وتكون قيمة $U$ النهائية المعتمدة في الجدول هي: $U = \min(U_1, U_2)$. تشير القيم الصغيرة جداً لـ $U$ إلى وجود تباعد وانفصال قوي بين درجات المجموعتين. - إحصائية ويلكوكسون (Wilcoxon W): تمثل أصغر مجموع رتب بين المجموعتين، وهي ترتبط رياضياً وبشكل مباشر بقيمة $U$ المحسوبة من خلال المعادلة: $W = U + \frac{n_s(n_s + 1)}{2}$، حيث $n_s$ هو حجم العينة ذات مجموع الرتب الأصغر.
- القيمة المعيارية المحولة (Z-score): عندما يقترب حجم العينة الإجمالي من 30 مفردة فأكثر، يقترب توزيع $U$ من التوزيع الطبيعي المعياري. يقوم البرنامج بحساب الدرجة المعيارية $Z$ من خلال طرح المتوسط المتوقع لقيمة $U$ وقسمة الناتج على الخطأ المعياري لإحصائية $U$، مع تطبيق تصحيح الاستمرارية وتصحيح الرتب المقيدة:
$$Z = \frac{U – \frac{n_1 n_2}{2}}{\sigma_U}$$
تُعد قيمة $Z$ إحصائية بالغة الأهمية ليس فقط لمعرفة الدلالة الاحتمالية، بل لاستخدامها المباشر في حساب حجم الأثر كما سنرى لاحقاً.
7.3 تفسير الدلالة الإحصائية (Asymptotic vs. Exact Significance)
يحتوي جدول المخرجات على صفوف خاصة بالدلالة الإحصائية (القيمة الاحتمالية $p$-value)، والتي يجب قراءتها بفهم منهجي دقيق:
الدلالة المقاربة (Asymp. Sig. 2-tailed): وهي القيمة الاحتمالية المستندة إلى التقريب الطبيعي للدرجة المعيارية $Z$. إذا كانت هذه القيمة أقل من مستوى الدلالة المحدد مسبقاً (مثلاً$p < 0.05$)، يتم رفض الفرضية الصفرية ($H_0$) وقبول الفرضية البديلة ($H_1$)، مما يؤكد وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين في المجتمع الأصلي.
الدلالة الدقيقة (Exact Sig. 2-tailed / 1-tailed): إذا تم تفعيل خيار Exact Tests، فسيُدرج البرنامج صفاً إضافياً يحتوي على القيمة الاحتمالية الدقيقة المحسوبة بالتوزيع التبادلي الفعلي دون أي افتراضات تقريبية. يُلزم الباحث بالاعتماد حصرياً على الدلالة الدقيقة في حال العينات الصغيرة ($n < 20$) أو عند وجود قيم دلالة مقاربة حرجة تتأرجح حول عتبة $0.05$. كما يُستخدم خيار الطرف الواحد (1-tailed) في حال كانت الفرضية البحثية موجهة بصورة مسبقة ومبررة نظرياً (Directional Hypothesis)، بينما يُعتمد اختبار الطرفين (2-tailed) في الفرضيات غير الموجهة.
7.4 تفسير النتائج في حالة تساوي الرتب (Ties)
تحدث ظاهرة الرتب المتساوية أو المقيدة (Tied Ranks) عندما يحصل مفحوصان أو أكثر من نفس المجموعة أو من مجموعتين مختلفتين على نفس الدرجة العددية الخام تماماً. في هذه الحالة، يخصص برنامج SPSS متوسط الرتب المتنافس عليها لكل مفردة من هذه المفردات المتطابقة.
من الناحية الرياضية، يؤدي وجود الرتب المتساوية إلى تقليص التباين الكلي لمجموع الرتب ($\sigma_U^2$). ولتدارك هذا الانخفاض وضمان دقة الاستدلال، يقوم برنامج SPSS بتطبيق معادلة تصحيح التباين للرتب المقيدة تلقائياً عند حساب الدرجة المعيارية $Z$ عبر إدخال معامل التصحيح التالي في مقام التباين:
$$\sigma_U = \sqrt{\frac{n_1 n_2}{N(N-1)} \left( \frac{N^3 – N}{12} – \sum \frac{t_i^3 – t_i}{12} \right)}$$
حيث يمثل $t_i$ عدد المشاهدات المتساوية في المجموعة الرتبية رقم $i$. إن هذا التصحيح البرمجي التلقائي يرفع من حساسية وقوة الاختبار، ويمنع الوقوع في الأخطاء الاستدلالية حتى عند التعامل مع مقاييس نفسية متدرجة ذات نطاق محدود تتكرر فيها الدرجات بكثافة عالية.
8. حساب وتفسير حجم الأثر (Effect Size) للاختبار
8.1 ضرورة حساب حجم الأثر بجانب الدلالة الإحصائية
تؤكد توصيات جمعية علم النفس الأمريكية (APA) ومجلس محرري المجلات الإحصائية على أن الاعتماد الحصري على الدلالة الإحصائية ($p$-value) يُعد قصوراً منهجياً لا يفي بمتطلبات البحث العلمي الرصين. فالقيمة الاحتمالية تخبرنا فقط بما إذا كان الفرق الملاحظ من غير المحتمل أن يكون قد نشأ بمحض الصدفة البحتة، ولكنها شديدة التأثر بحجم العينة؛ حيث يمكن لأي فرق تافه وغير ذي قيمة عملية أو سريرية أن يصبح دالاً إحصائياً بمجرد تضخيم حجم العينة.
من هنا تنبع الضرورة الحتمية لحساب حجم الأثر (Effect Size)، والذي يقيس المقدار والوزن العملي للظاهرة المفحوصة في الواقع التطبيقي، مجرداً من تأثير حجم العينة. يتيح حساب حجم الأثر للباحثين الإكلينيكيين الإجابة عن التساؤل الجوهري: “ما مدى فاعلية هذا التدخل العلاجي عملياً في خفض معاناة المرضى؟”، كما يسمح بالمقارنة المعيارية للنتائج عبر الدراسات المختلفة ضمن أبحاث التحليل البعدي (Meta-Analysis).
8.2 معادلة روزنتال لحساب معامل الارتباط (r)
لا يستخرج برنامج SPSS في مساره التقليدي حجم الأثر لاختبار مان ويتني بصورة مباشرة في جداول المخرجات، ولذلك يقع على عاتق الباحث حسابه يدوياً. يُعد معامل الارتباط الثنائي لرتب روزنتال (Rosenthal’s r) هو المقياس الأكثر شيوعاً وقبولاً في العلوم السلوكية والنفسية، وتُحسب قيمته عبر المعادلة الرياضية المعيارية الآتية:
$$r = \frac{|Z|}{\sqrt{N}}$$
حيث تمثل:
- $|Z|$: القيمة المطلقة للدرجة المعيارية المعروضة في جدول Test Statistics (تؤخذ القيمة موجبة دائماً بإهمال إشارة السالب).
- $N$: الحجم الكلي الإجمالي للعينة في المجموعتين معاً ($N = n_1 + n_2$).
خيار بديل (مربع إيتا اللامعلمي $\eta^2$): يمكن للباحث أيضاً تحويل قيمة $r$ إلى مربع إيتا لتقدير نسبة التباين المفسر في الرتب بواسطة المعادلة: $\eta^2 = \frac{Z^2}{N – 1}$، وهو ما يمثل مؤشراً مكافئاً لنسبة مساهمة المتغير المستقل في تفسير تشتت رتب المتغير التابع.
8.3 معايير كوهين لتفسير حجم الأثر
لتفسير قيمة معامل حجم الأثر المشتق ($r$) وإضفاء الدلالة العلمية عليه، يُعتمد على المحكات الإرشادية القياسية التي وضعها عالم الإحصاء النفسي الشهير جاكوب كوهين (Jacob Cohen):
| قيمة معامل الارتباط ($r$) | مستوى حجم الأثر (Effect Size Magnitude) | التفسير العملي والإكلينيكي في العلوم النفسية |
|---|---|---|
| $0.10 le r < 0.30$ | أثر صغير (Small Effect) | الفرق بين المجموعتين طفيف وحقيقي، لكنه قد لا يترتب عليه تغير جذري في الممارسة الميدانية. |
| $0.30 le r < 0.50$ | أثر متوسط (Medium Effect) | الفرق ملحوظ وظاهر للعيان، وله أهمية سريرية وتطبيقية مباشرة في البرامج السلوكية. |
| $r ge 0.50$ | أثر كبير (Large Effect) | التدخل التجريبي أحدث تبايناً هائلاً وفاصلاً بين أداء المجموعتين، وهو مؤشر على الفاعلية العالية. |
على سبيل المثال، إذا كانت قيمة $Z = -3.25$ وحجم العينة الكلي $N = 30$، فإن حجم الأثر يكون: $r = \frac{3.25}{\sqrt{30}} = \frac{3.25}{5.477} = 0.594$. تُشير هذه النتيجة إلى أثر كبير جداً ($r = 0.59$)، مما يعكس فاعلية تطبيقية قاطعة للبرنامج العلاجي في خفض درجات القلق.
9. كتابة وتوثيق النتائج وفق أسلوب الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7)
9.1 الصيغة المعيارية لعرض إحصاءات مان ويتني
يفرض دليل النشر الأكاديمي الصادر عن جمعية علم النفس الأمريكية في نسخته السابعة (APA 7th Edition) ضوابط توثيقية صارمة لضمان الشفافية وقابلية التكرار العلمي. عند صياغة نتائج اختبار مان ويتني، يجب الالتزام بالقواعد الشكلية الآتية:
- كتابة جميع الرموز والمؤشرات الإحصائية بخط مائل إنجليزي مائل (Italic): مثل $U$،$z$،$p$،$r$،$Mdn$،$IQR$،$n$.
- عرض قيمة إحصائية الاختبار $U$، وتضمين قيم أحجام العينات لكل مجموعة كأرقام فرعية أو داخل النص التوضيحي، متبوعة بالدرجة المعيارية$z$، ثم القيمة الاحتمالية$p$، وأخيراً حجم الأثر$r$.
- كتابة القيمة الاحتمالية بدقة حتى ثلاثة أرقام عشرية دون وضع صفر قبل الفاصلة العشرية إذا كانت القيمة لا يمكن أن تتجاوز الواحد الصحيح (مثل: $p = .003$ بدلاً من $p = 0.003$). وفي حال كانت القيمة في SPSS تظهر كـ $.000$، تُكتب بصيغة: $p < .001$.
- الصيغة الرياضية النموذجية: $U = 25.50, z = -3.25, p < .001, r = .59$.
9.2 عرض الإحصاءات الوصفية المصاحبة
لا تكتمل صياغة التقرير الإحصائي بذكر المؤشرات الاستدلالية وحدها، بل يفرض دليل APA تضمين الإحصاءات الوصفية المقابلة لكل مجموعة لتمكين القارئ من فهم السياق التوزيعي. يجب الالتزام بالقواعد الوصفية التالية:
- في حال تماثل أشكال التوزيع: يتم الإبلاغ عن الوسيط (Median – $Mdn$) والمدى الربيعي (Interquartile Range – $IQR$) لكل مجموعة على النحو التالي: “($Mdn = 14.00, IQR = 5.00$)”.
- في حال اختلاف أشكال التوزيع: يتم الإبلاغ عن متوسط الرتب (Mean Rank) ومجموع الرتب ($Sum of Ranks$) لكل مجموعة لتوضيح اتجاه التفوق الرتبي بدقة.
- بناء جداول وصفية واستدلالية متكاملة تتجنب الخطوط الرأسية وتعتمد فقط على ثلاثة خطوط أفقية رئيسية وفق متطلبات التنسيق الطباعي لـ APA.
9.3 أمثلة نصية متكاملة لفقرات النتائج في الرسائل العلمية
نستعرض فيما يلي نماذج نصية معدة للنشر الأكاديمي في أطروحات الماجستير والدكتوراه تعكس حالتي الدلالة وعدم الدلالة:
نموذج فقرة لنتائج ذات دلالة إحصائية (دالة):
“أُجري اختبار مان ويتني يو (Mann-Whitney U Test) لتقييم الفروق في مستويات القلق البعدي بين أفراد المجموعة التجريبية التي تلقت علاجاً معرفياً سلوكياً ($n = 15$) وأفراد المجموعة الضابطة المدرجين في قائمة الانتظار ($n = 15$). أظهر الفحص البصري للمدرجات التكرارية تماثل شكل التوزيعين للمجموعتين. كشفت النتائج عن وجود فرق ذي دلالة إحصائية بين المجموعتين، $U = 33.00, z = -3.24, p = .001, r = .59$. حيث أظهر أفراد مجموعة العلاج المعرفي السلوكي مستويات قلق بعدي أقل بصورة جوهرية ($Mdn = 12.00, IQR = 4.00, Mean Rank = 10.20$) مقارنة بأفراد المجموعة الضابطة ($Mdn = 24.00, IQR = 6.00, Mean Rank = 20.80$). ويشير حجم الأثر المحسوب ($r = .59$) إلى فاعلية إكلينيكية كبيرة للتدخل العلاجي في خفض أعراض القلق.”
نموذج فقرة لنتائج غير دالة إحصائياً:
“أُجري اختبار مان ويتني يو للمقارنة بين درجات الرضا الوظيفي لدى الموظفين في القطاع العام ($n = 18$) والقطاع الخاص ($n = 18$). أوضحت النتائج عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين القطاعين في مستوى الرضا الوظيفي، $U = 142.50, z = -0.63, p = .528, r = .10$. ولم يُظهر وسيط درجات موظفي القطاع العام ($Mdn = 75.00, IQR = 12.00, Mean Rank = 17.42$) تمايزاً حقيقياً عن وسيط درجات موظفي القطاع الخاص ($Mdn = 78.00, IQR = 14.00, Mean Rank = 19.58$).”
10. التمثيل البياني للنتائج في SPSS
10.1 إنشاء المخططات الصندوقية المقارنة (Boxplots)
يُعد المخطط الصندوقي (Boxplot) أو ما يُعرف برسم الصندوق وطرفيه (Box-and-Whisker Plot) التمثيل البياني المعياري الأكثر كفاءة وتمثيلاً لنتائج اختبار مان ويتني؛ نظراً لاعتماده المباشر على الوسيط والأرباع والمدى الربيعي بدلاً من المتوسط الحسابي. لإنشاء مخطط صندوقي مقارن في SPSS:
- من القائمة الرئيسية، اختر Graphs ثم انقر على منشئ الرسوم Chart Builder….
- من معرض الرسوم (Gallery) في الأسفل، اختر فئة Boxplot.
- اسحب المخطط الصندوقي البسيط Simple Boxplot وأفلته في مساحة المعاينة العلوية.
- اسحب المتغير التابع (مثل
Anxiety_Score) وأفلته على المحور الرأسي (Y-Axis). - اسحب المتغير المستقل (مثل
Group) وأفلته على المحور الأفقي (X-Axis). - انقر على OK لتوليد الرسم البياني في شاشة المخرجات.
يستعرض الرسم المتولد خطاً عريضاً في منتصف كل صندوق يمثل الوسيط الحقيقي ($Mdn$)، وحدود الصندوق التي تمثل الإنزياح بين الربيع الأدنى ($Q_1$) والربيع الأعلى ($Q_3$)، بينما تمتد الخطوط الخارجية (الشوارب) لتمثيل أدنى وأعلى قيمة غير شاذة، مما يمنح القارئ رؤية فورية وشاملة لطبيعة التباين المكاني بين المجموعتين.
10.2 رسم المدرجات التكرارية ومنحنيات التوزيع
للتحقق البصري المسبق من تماثل شكلي التوزيع بين المجموعتين وتبرير تفسير الوسيط، يُنصح برسم مدرجات تكرارية متزامنة عبر الخطوات التالية:
- اختر من القائمة Graphs > Chart Builder….
- اختر فئة المدرج التكراري Histogram واسحب المخطط المكدس أو المقارن.
- يمكن استخدام خيار تقسيم اللوحات (Paneling) بسحب متغير المجموعة
Groupإلى صندوق Panel By: Rows، ووضع المتغير التابع على المحور الأفقي. - تفعيل خيار تراكب المنحنى الطبيعي (Display normal curve) لمقارنة مدى التواء كل توزيع عن التوزيع الطبيعي ومقارنة التماثل الشكلي بين اللوحتين رأسياً.
10.3 تنسيق الرسوم البيانية وتصديرها بجودة عالية للنشر
تتطلب المجلات العلمية المحكمة مواصفات فنية وطباعية محددة لقبول الأشكال البيانية. لتعديل وتصدير الرسوم في SPSS:
- تحرير الرسم: انقر نقراً مزدوجاً على المخطط البياني في شاشة المخرجات لفتح نافذة محرر الرسوم (Chart Editor).
- تعديل النمط اللوني وفق APA: يُفضل تحويل ألوان الصناديق إلى تدرجات الرمادي (Grayscale) أو الألوان الأكاديمية الهادئة، وإزالة خطوط الشبكة الخلفية المشتتة للعين (Hide Grid Lines).
- تعديل الخطوط والعناوين: ضبط نوع الخط إلى خط أكاديمي واضح (مثل Times New Roman أو Arial) بحجم يتراوح بين 10 إلى 12 نقطة مع كتابة تسميات واضحة للمحاور متضمنة وحدات القياس.
- تصدير الشكل بدقة طباعية: انقر بزر الفأرة الأيمن على المخطط في شاشة المخرجات واختر Export…. في خانة نوع الملف المصدّر، اختر صيغة TIFF أو EPS، واضبط الدقة المكانية (Resolution) على 300 DPI أو 600 DPI لضمان أقصى درجات الوضوح والحدة في الطباعة الورقية والإلكترونية.
11. دراسة حالة تطبيقية متكاملة في العلوم النفسية
11.1 توصيف المشكلة البحثية والفرضيات النفسية
لترسيخ المفاهيم المنهجية والإجرائية، نتناول دراسة حالة تطبيقية إكلينيكية واقعية من حقل علم النفس الإكلينيكي. استهدفت الدراسة فحص فاعلية برنامج تدخلي قائم على العلاج المعرفي السلوكي (CBT) في خفض مستويات القلق لدى المرضى المشخصين باضطراب القلق العام (GAD). تم اختيار عينة قوامها 20 مريضاً وتوزيعهم عشوائياً وبشكل مستقل تماماً إلى مجموعتين متساويتين ($n_1 = 10, n_2 = 10$):
- المجموعة الأولى (التجريبية): تلقت 12 جلسة علاجية مكثفة باستخدام فنيات العلاج المعرفي السلوكي وإعادة الهيكلة المعرفية.
- المجموعة الثانية (الضابطة): أُدرجت في قائمة الانتظار (Waitlist Control Group) مع تقديم دعم إرشادي غير علاجي.
تم قياس المتغير التابع بعد انتهاء البرنامج التدخلي باستخدام مقياس بيك للقلق (Beck Anxiety Inventory – BAI)، وهو مقياس ترتيبي متعدد التدريج يولد درجات تتراوح من 0 إلى 63. تمت صياغة الفرضيات الإحصائية للاختبار كما يلي:
- الفرضية الصفرية ($H_0$): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية في توزيع درجات القلق البعدي بين أفراد مجموعة العلاج المعرفي السلوكي وأفراد مجموعة قائمة الانتظار ($P(X > Y) = 0.5$).
- الفرضية البديلة ($H_1$): توجد فروق ذات دلالة إحصائية في توزيع درجات القلق البعدي بين المجموعتين لصالح مجموعة العلاج المعرفي السلوكي.
11.2 التطبيق الإجرائي الكامل خطوة بخطوة في SPSS
تم إدخال مصفوفة البيانات الخام في برنامج SPSS وفق الجدول الآتي:
| المجموعة التجريبية (CBT Group: Code = 1) | المجموعة الضابطة (Control Group: Code = 2) |
|---|---|
| 8 | 22 |
| 11 | 28 |
| 9 | 31 |
| 14 | 19 |
| 7 | 25 |
| 12 | 34 |
| 15 | 27 |
| 10 | 20 |
| 6 | 29 |
| 13 | 23 |
خطوات التنفيذ البرمجي:
- فحص شرط التوزيع الطبيعي لكل مجموعة عبر مسار
Analyze > Descriptive Statistics > Explore، حيث أسفر اختبار شابيرو-ويلك للمجموعة التجريبية عن دلالة إحصائية حرجة ($p = .041$)، مما يؤكد انتهاك التوزيع الطبيعي وضرورة استخدام الاختبار اللامعلمي. - تنفيذ الاختبار عبر المسار الكلاسيكي:
Analyze > Nonparametric Tests > Legacy Dialogs > 2 Independent Samples. - نقل
BAI_Scoreإلى Test Variable List، ونقلGroupإلى Grouping Variable وتحديد القيمتين (1 و 2) في نافذة Define Groups. - تحديد خيار Mann-Whitney U، وتفعيل خياري Descriptives و Quartiles من نافذة Options، وتفعيل خيار Exact من نافذة Exact Tests.
- الضغط على OK لتشغيل التحليل.
11.3 التحليل الشامل للمخرجات وصياغة القرار النهائي
أسفرت مخرجات برنامج SPSS عن النتائج الإحصائية الدقيقة التالية:
| المؤشر الإحصائي (Statistic) | القيمة المحسوبة (Value) | المؤشر الإحصائي (Statistic) | القيمة المحسوبة (Value) |
|---|---|---|---|
| متوسط رتب مجموعة CBT ($n=10$) | 5.50 | إحصائية مان ويتني ($U$) | 0.000 |
| متوسط رتب مجموعة الانتظار ($n=10$) | 15.50 | إحصائية ويلكوكسون ($W$) | 55.000 |
| وسيط مجموعة CBT ($Mdn, IQR$) | 10.50 ($IQR = 5.25$) | الدرجة المعيارية المحولة ($Z$) | -3.780 |
| وسيط مجموعة الانتظار ($Mdn, IQR$) | 26.00 ($IQR = 8.25$) | الدلالة الدقيقة (Exact Sig. 2-tailed) | $p < .001$ |
حساب حجم الأثر:
$$r = \frac{|-3.780|}{\sqrt{20}} = \frac{3.780}{4.472} = 0.845$$
التقرير الإحصائي والتفسير الإكلينيكي النهائي:
“أظهرت نتائج اختبار مان ويتني وجود فروق جوهرية ذات دلالة إحصائية قاطعة بين المرضى الذين خضعوا لبرنامج العلاج المعرفي السلوكي والمرضى في قائمة الانتظار في درجات مقياس بيك للقلق البعدي، $U = 0.000, z = -3.78, p < .001, r = .85$. وسجل أفراد مجموعة العلاج السلوكي وسيط درجات قلق منخفضاً بصورة حادة ($Mdn = 10.50, IQR = 5.25$) بمتوسط رتب بلغ (5.50)، مقارنة بأفراد مجموعة قائمة الانتظار الذين حافظوا على مستويات قلق مرتفعة ($Mdn = 26.00, IQR = 8.25$) بمتوسط رتب بلغ (15.50). واستناداً إلى قيمة حجم الأثر الكبيرة جداً ($r = .85$)، نرفض الفرضية الصفرية بثقة إحصائية تتجاوز 99.9%، ونستنتج أن التدخل المعرفي السلوكي يتمتع بفاعلية علاجية وتطبيقية فائقة في تقليص أعراض اضطراب القلق العام في الممارسة العيادية."
12. الأخطاء الشائعة والأسئلة الأكثر تكراراً حول اختبار مان ويتني
12.1 الأخطاء المنهجية الشائعة عند استخدام الاختبار
يقع العديد من الباحثين في منزلقات منهجية أثناء استخدام اختبار مان ويتني وتفسير مخرجاته. نوجز أبرز هذه الأخطاء وسبل تجنبها:
- الخلط بين مقارنة الوسائط ومقارنة متوسطات الرتب: من الخطأ الشائع الجزم بأن الاختبار يقارن وسيطي المجموعتين دائماً. إذا كان شكلا توزيع الدرجات مختلفين بين المجموعتين، فإن الاختبار لا يقارن الوسائط على الإطلاق بل يقارن متوسطات الرتب، ويجب صياغة الاستنتاج بناءً على هيمنة الرتب وليس إزاحة الوسيط.
- تطبيق الاختبار على عينات مرتبطة أو مقترنة: استخدام مان ويتني لمقارنة القياس القبلي والبعدي لنفس العينة يُعد خطأً فادحاً ينسف استقلالية المشاهدات؛ إذ يجب في هذه الحالة استخدام اختبار ويلكوكسون للرتب المتطابقة (Wilcoxon Signed-Rank Test).
- إهمال حساب حجم الأثر: الاكتفاء بذكر $p < 0.05$ دون حساب معامل $r$ يحرم البحث من إبراز الأهمية العملية للنتائج، ويخالف معايير التوثيق الأكاديمي الصادرة عن APA.
- التعامل الخاطئ مع الرتب المتساوية: إهمال تفعيل خيار Exact Tests عند وجود عينات صغيرة تحتوي على رتب متطابقة بكثافة، مما يؤدي إلى الاعتماد على دلالة تقريبية غير دقيقة.
12.2 التعامل مع الحالات الخاصة والمعقدة
تطرح الممارسة البحثية الميدانية تساؤلات معقدة حول كيفية التعامل مع السيناريوهات غير النمطية:
س: ماذا نفعل في حال وجود تباين هائل بين حجمي المجموعتين (Unequal Sample Sizes)؟
ج: يستوعب اختبار مان ويتني عدم تساوي العينات (مثل: $n_1 = 15, n_2 = 45$) بكفاءة تفوق الاختبارات المعلمية. غير أنه إذا كان التباين شديداً للغاية مترافقاً مع تباين كبير في التشتت، يُوصى بالاعتماد الصارم على الدلالة الدقيقة (Exact Significance) أو استخدام أسلوب إعادة أخذ العينات المعزز (Bootstrapping) لتقدير فترات ثقة موثوقة للرتب.
س: هل يمكن استخدام اختبار مان ويتني كبديل لتحليل التباين أحادي الاتجاه (ANOVA)؟
ج: لا؛ فاختبار مان ويتني مخصص حصرياً للمقارنة بين مجموعتين اثنتين فقط. إذا كان المتغير المستقل يحتوي على ثلاثة مستويات أو أكثر (مثل: منخفض، متوسط، مرتفع)، فإن البديل اللامعلمي الإلزامي هو اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis H Test)، وفي حال ثبوت دلالته، يمكن حينئذ استخدام اختبار مان ويتني لإجراء المقارنات البعدية الثنائية (Post-Hoc Pairwise Comparisons) مع تطبيق تصحيح بونفيروني (Bonferroni Correction) لتفادي تضخم الخطأ من النوع الأول.
12.3 إرشادات وتوصيات عملية للباحثين
لضمان الشفافية العلمية والرصانة الاستدلالية عند تطبيق اختبار مان ويتني، يُوصى باتباع قائمة المراجعة المنهجية التالية:
- توثيق مبررات اللجوء للاختبار اللامعلمي: يجب أن يوضح الباحث في قسم المنهجية أسباب اختيار مان ويتني بوضوح (مثل: طبيعة البيانات الترتيبية، صغر حجم العينة، أو نتائج فحص شابيرو-ويلك الدالة على انتهاك التوزيع الطبيعي).
- فحص الرسوم التوزيعية مسبقاً: إدراج المخططات الصندوقية والمدرجات التكرارية ضمن خطوات الفحص الاستكشافي للبيانات قبل اتخاذ القرار النهائي بصياغة النتائج بناءً على الوسيط أو متوسط الرتب.
- التوثيق المتكامل وفق APA 7: تضمين كافة الإحصاءات الوصفية والاستدلالية ($n$,$Mdn$,$IQR$,$Mean Rank$,$U$,$z$,$p$,$r$) في نص متماسك أو جدول منظم.
- حفظ شفرات الأوامر (Syntax): الاحتفاظ بملفات بناء الجمل البرمجية الخاصة ببرنامج SPSS لضمان إمكانية مراجعة التحليلات والتحقق من موثوقيتها واسترجاعها بدقة أثناء عمليات التحكيم الأكاديمي.
خاتمة
يُمثل اختبار مان ويتني يو (Mann-Whitney U Test) ركيزة إحصائية متقدمة وحلاً منهجياً أنيقاً لمعضلات التحليل الاستدلالي في البحوث النفسية والاجتماعية والطبية المعاصرة. بفضل تحرره من قيود التوزيع الطبيعي الصارمة واعتماده الذكي على تحويل القيم إلى رتب متسلسلة، يمنح الاختبار الباحثين أداة فائقة القوة لتحليل البيانات الترتيبية والكمية المنحرفة والعينات الصغيرة بدرجة عالية من الأمان الإحصائي.
إن التطبيق المنهجي الناجح لهذا الاختبار في برنامج IBM SPSS Statistics يتطلب وعياً يتجاوز مجرد استخراج النتائج الرقمية؛ إذ يبدأ بالتحقق الدقيق من استقلالية المشاهدات وتماثل الأشكال التوزيعية، ويمر بالاختيار الرشيد بين المسار الكلاسيكي والمعالج التفاعلي الحديث، وينتهي بالتفسير المتزن لقيم $U$ و $Z$ وحساب حجم الأثر وتوثيق المؤشرات وفق ضوابط دليل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7). إن اتباع الممارسات الفضلى والبروتوكولات التفصيلية الموضحة في هذا الدليل يضمن للباحثين والدارسين سلامة استدلالاتهم العلمية ورصانة أطروحاتهم وأبحاثهم المنشورة في أرقى المحافل الأكاديمية العالمية.
المراجع (References)
- American Psychological Association. (2020). Publication manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/0000165-000
- Cohen, J. (1988). Statistical power analysis for the behavioral sciences (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
- Field, A. (2018). Discovering statistics using IBM SPSS statistics (5th ed.). SAGE Publications.
- Fritz, C. O., Morris, P. E., & Richler, J. J. (2012). Effect size estimates: Current use, calculations, and interpretation. Journal of Experimental Psychology: General, 141(1), 2–18. https://doi.org/10.1037/a0024338
- IBM Corp. (2021). IBM SPSS Statistics 28 Core System User’s Guide. IBM Corp. https://www.ibm.com/docs/en/spss-statistics/28.0.0
- Mann, H. B., & Whitney, D. R. (1947). On a test of whether one of two random variables is stochastically larger than the other. The Annals of Mathematical Statistics, 18(1), 50–60. https://doi.org/10.1214/aoms/1177730491
- Rosenthal, R. (1991). Meta-analytic procedures for social research (Revised ed.). SAGE Publications. https://doi.org/10.4135/9781412984997
- Siegel, S., & Castellan, N. J. (1988). Nonparametric statistics for the behavioral sciences (2nd ed.). McGraw-Hill.
- Wilcoxon, F. (1945). Individual comparisons by ranking methods. Biometrics Bulletin, 1(6), 80–83. https://doi.org/10.2307/3001968