يحتل تحليل التباين للقياسات المتكررة (Repeated Measures ANOVA) مكانة مركزية في ترسانة المنهجيات الإحصائية المتقدمة للبحوث النفسية، والسلوكية، والعلوم الطبية الحيوية؛ إذ يمثل الامتداد الطبيعي والمباشر لاختبار “ت” للعينات المترابطة (Paired-samples t-test) عندما يتجاوز عدد نقاط القياس أو الشروط التجريبية مستويين اثنين. إن الحاجة إلى تتبع مسارات التغير الزمني لظواهر معقدة، مثل استجابة المرضى لبروتوكولات علاجية ممتدة أو تغير الوظائف المعرفية تحت تأثير مهام إدراكية متتابعة، تجعل من هذا التصميم أداة بحثية لا غنى عنها للباحث الأكاديمي الساعي لتحقيق أقصى درجات الضبط التجريبي والكفاءة الإحصائية.
تكمن القوة التحليلية الفائقة لهذا النموذج في قدرته على عزل تباين الفروق الفردية الطبيعية بين المشاركين، واختزالها من تباين الخطأ التجريبي، مما يرفع بشكل جوهري من القوة الإحصائية (Statistical Power) للاختبار، ويتيح الكشف عن التأثيرات الحقيقية للمتغير المستقل حتى في ظل استخدام أحجام عينات معتدلة. غير أن هذا التصميم التجريبي المعقد يفرض على الباحثين مجموعة من الشروط المنهجية والافتراضات الإحصائية الصارمة—وعلى رأسها افتراض الكروية (Sphericity)—التي يتطلب فحصها والتعامل مع انتهاكاتها فهماً عميقاً ودراية برمجية متخصصة لضمان دقة الاستنتاجات العلمية وسلامتها.
يقدم هذا الدليل الشامل والمفصل دليلاً متكاملاً لإجراء تحليل التباين للقياسات المتكررة أحادي العامل (One-Way Repeated Measures ANOVA) باستخدام حزمة البرامج الإحصائية للعلوم الاجتماعية IBM SPSS Statistics. سنغطي بالتفصيل الأسس الرياضية والنظرية، والتحقق المنهجي من الافتراضات، والإجراءات البرمجية التفصيلية عبر واجهة القوائم، وتفسير المخرجات المعقدة، والتعامل مع التعديلات الإحصائية المتقدمة، وصولاً إلى صياغة النتائج الرصينة وتوثيقها وفق أحدث معايير دليل جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition).
- 1. مقدمة شاملة حول تحليل التباين للقياسات المتكررة (Repeated Measures ANOVA)
- 2. الأسس النظرية والرياضية لنموذج القياسات المتكررة
- 3. الافتراضات الإحصائية المسبقة وشروط تطبيق الاختبار
- 4. إعداد وهيكلة البيانات في برنامج SPSS
- 5. دليل خطوة بخطوة لتنفيذ التحليل عبر القوائم في SPSS
- 6. تخصيص الخيارات الإضافية والمقارنات البعدية (Options and Post Hoc)
- 7. قراءة وتفسير الجداول الأساسية لمخرجات SPSS
- 8. التعامل مع انتهاك افتراض الكروية وبدائل التصحيح الإحصائي
- 9. تحليل وتفسير المقارنات الثنائية البعدية (Pairwise Comparisons)
- 10. حساب وتفسير حجم الأثر والقوة الإحصائية
- 11. إنشاء الرسوم البيانية الاحترافية وتخصيصها في SPSS
- 12. كتابة وتوثيق النتائج وفق دليل جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition)
- خاتمة وخلاصة منهجية شاملة
- References
1. مقدمة شاملة حول تحليل التباين للقياسات المتكررة (Repeated Measures ANOVA)
1.1 تعريف تحليل التباين للقياسات المتكررة وسياقات استخدامه
يُعرَّف تحليل التباين للقياسات المتكررة بأنه اختبار إحصائي معْلمي يُستخدم لاختبار الفرضيات الصفرية المتعلقة بالمساواة بين ثلاثة متوسطات حسابية أو أكثر، عندما تُجمع هذه البيانات من نفس مجموعة الأفراد (المشاركين) عبر فترات زمنية متعاقبة، أو تحت ظروف تجريبية مختلفة ومتعددة. يُعرف هذا التصميم في أدبيات البحث التجريبي باسم “تصميم داخل الأفراد” (Within-Subjects Design)، حيث يعمل كل مشارك كشاهد (Control) على نفسه، مما يتيح للباحث دراسة التغيرات الطارئة على استجابات الأفراد كدالة مباشرة للزمن أو العامل التجريبي المدروس، مع تحييد الفروق الفردية التأسيسية التي تميز كل فرد عن غيره.
يتمثل الفرق الجوهري والمنهجي بين تحليل التباين الأحادي للعينات المستقلة (One-Way Between-Subjects ANOVA) والقياسات المتكررة في كيفية معالجة تباين الفروق الفردية. في تصميم العينات المستقلة، تُعامل الفروق الفطرية بين الأشخاص (كالذكاء الأساسي، أو السمات الجينية، أو الخلفية الاجتماعية) كجزء لا يتجزأ من تباين الخطأ التجريبي العشوائي غير المفسر (Error Variance). أما في نموذج القياسات المتكررة، وبفضل قياس نفس الفرد في كل شرط، يتم استخراج هذا التباين البين-شخصي وحذفه من مقام إحصائية F، مما يجعل الاختبار أكثر حساسية ودقة في رصد الفروق الدقيقة التي تُحدثها المعالجة التجريبية المستقلة.
تتجلى الأهمية القصوى لهذا النموذج في قدرته على تقليص التباين الداخلي غير المنسوب للمعالجة، وهو ما يُعرف إحصائياً بـ “Variance Reduction”. فعندما يخضع المريض نفسه لجرعات دوائية متدرجة، فإن أي تباين في ضغط الدم يُعزى بنسبة أعلى للجرعة الدوائية ذاتها وليس لاختلاف خصائص الأوعية الدموية بين مريض وآخر، لأن البنية البيولوجية للفرد ثابتة نسبياً عبر القياسات المتتالية. يمنح هذا التقليص في الخطأ الباحثين ثقة استدلالية متزايدة في أن التأثيرات الملاحظة ناتجة عن التدخل البحثي وليست ناجمة عن المصادفة الإحصائية أو عدم تكافؤ المجموعات التجريبية.
1.2 التطبيقات النفسية والبحثية للتحليل
تتعدد وتتنوع التطبيقات البحثية لهذا التحليل في شتى ميادين علم النفس، والعلوم العصبية الإدراكية، والبحوث السلوكية الإكلينيكية. يُعد التصميم الطولي (Longitudinal Design) من أبرز هذه التطبيقات، حيث يُستخدم التحليل لتتبع مسار تطور أعراض الاضطرابات النفسية—مثل القلق المعمم أو الاكتئاب الجسيم—عبر الزمن. في هذا السياق، يقوم الباحث الإكلينيكي بقياس حدة الأعراض قبل بدء برنامج العلاج المعرفي السلوكي (Pre-treatment)، وفي منتصف البرنامج العلاجي (Mid-treatment)، وعند انتهائه مباشرة (Post-treatment)، ثم في مرحلة المتابعة اللاحقة بعد ستة أشهر (Follow-up)، مما يوفر صورة ديناميكية متكاملة حول استدامة الأثر العلاجي وتدرجه عبر الزمن.
وفي مجال علم النفس العصبي وعلم النفس التجريبي، يُستخدم تحليل القياسات المتكررة بشكل مكثف لقياس زمن الرجع أو زمن الاستجابة الإدراكية (Reaction Time) تحت شروط تجريبية متعددة ومضبوطة بدقة. على سبيل المثال، قد يُطلب من المشارك التفاعل مع محفزات بصرية على شاشة الحاسوب تحت أربعة مستويات من الضوضاء البيئية، أو بعد تعاطي جرعات متباينة من منبه نفسي كالكافيين، أو تحت حالات متدرجة من الحرمان من النوم. إن تعريض نفس المشارك لجميع هذه الظروف التجريبية يضمن بقاء سرعة المعالجة العصبية الأساسية للمشارك ثابتة، مما يسمح بعزل التأثير المعرفي الدقيق للمحفزات الخارجية على زمن الاستجابة المقاس بالمللي ثانية.
كما يلعب هذا التحليل دوراً محورياً في تقييم كفاءة برامج التدخل الإرشادي والنفسي والتأهيل الوظيفي. في بيئات العمل أو المدارس، يمكن تقييم برنامج لتطوير مهارات الذكاء العاطفي أو تقليل الاحتراق الوظيفي من خلال قياس مؤشرات التكيف المهني لدى نفس الموظفين عبر فترات زمنية متلاحقة. تتيح هذه المنهجية لخبراء التقييم النفسي والتربوي رصد الفترات الزمنية الدقيقة التي يبدأ عندها البرنامج في إحداث تغيير ملموس، ومعرفة ما إذا كان التأثير يتلاشى بمرور الوقت بعد انقطاع جلسات التدريب والإرشاد النفسي، مما يسهم في تطوير خطط التعزيز الميداني المستدامة.
1.3 المزايا الإحصائية والمنهجية لهذا التصميم
تتمثل الميزة الإحصائية الكبرى لتصميم القياسات المتكررة في الارتفاع الجوهري في القوة الإحصائية (Statistical Power)، والتي تُعرّف رياضياً باحتمالية رفض الفرضية الصفرية الخاطئة بنجاح (1 – β). نظراً لأن الفروق الفردية بين الأشخاص يتم حسابها واستبعادها من تباين الخطأ، فإن قيمة تباين الخطأ في مقام النسبة F تنخفض بشكل كبير، مما يؤدي تلقائياً إلى تضخيم قيمة F المحسوبة وزيادة احتمالية الوصول إلى الدلالة الإحصائية الحقيقية. هذا الترتيب يسمح للباحثين باكتشاف الفروق الصغيرة إلى المتوسطة الحجم دون الحاجة لتجنيد مئات المشاركين كما هو الحال في التصميمات المستقلة.
من الناحية المنهجية، يُمكّن هذا النموذج الباحث من ممارسة أقصى درجات الضبط والتحكم في المتغيرات الدخيلة والمشوشة (Confounding Variables). السمات الفردية الثابتة للمشاركين—مثل العمر، والنوع الاجتماعي، ومستوى الذكاء العام، والبنية الجينية، والخبرات التراكمية السابقة—تظل متطابقة تماماً عبر جميع مستويات المعالجة التجريبية لأن الشخص نفسه هو من يمر بجميع الظروف. هذا التماثل التام يلغي تماماً خطر “التحيز في التوزيع” (Selection Bias) الذي قد يهدد الصدق الداخلي للدراسة التجريبية في حال توزيع أفراد مختلفين على مجموعات متعددة بطريقة غير متكافئة بدقة.
إضافة إلى ما سبق، يتميز تصميم القياسات المتكررة بكفاءة اقتصادية وزمنية استثنائية في جمع البيانات ضمن البحوث السلوكية والطبية. في الدراسات التي تستهدف فئات خاصة ونادرة—مثل المرضى الذين يعانون من اضطرابات عصبية نادرة، أو الأفراد ذوي القدرات الإبداعية الاستثنائية—يكون من الصعب جداً تجنيد أعداد كبيرة من المشاركين. من خلال هذا التصميم، يمكن لعينة مكوّنة من 20 إلى 30 مشاركاً أن تولد حجماً من البيانات وقوة استدلالية توازي عينة قوامها 100 إلى 120 مشاركاً في تصميم المجموعات المستقلة، مما يختزل التكاليف المالية، والجهد الإداري، والوقت المستغرق في تنفيذ التجارب المعملية والميدانية المعقدة.
2. الأسس النظرية والرياضية لنموذج القياسات المتكررة
2.1 تجزئة التباين الكلي في النموذج الخطي العام
يقوم تحليل التباين للقياسات المتكررة من الناحية الرياضية على تفكيك وتجزئة التباين الكلي في البيانات استناداً إلى مبادئ النموذج الخطي العام (General Linear Model – GLM). يبدأ التحليل بحساب مجموع المربعات الكلي (Total Sum of Squares – SST)، والذي يقيس الانحراف الإجمالي لجميع الملاحظات الفردية حول المتوسط الحسابي العام لجميع الدرجات في التجربة. في خطوة التقسيم الأولى، يُجزأ SST إلى مكونين رئيسيين: تباين بين الأفراد (Between-Subjects Sum of Squares – SS_between)، وتباين داخل الأفراد (Within-Subjects Sum of Squares – SS_within)، وذلك وفق المعادلة الجبرية التالية:
SS_total = SS_between + SS_within
يمثل التباين بين الأفراد (SS_between) الاختلافات الأساسية المتأصلة بين المشاركين، والتي تظل ثابتة بغض النظر عن المعالجات التجريبية. في تصميم المجموعات المستقلة التقليدي، يُدمج هذا المكون قسراً مع تباين الخطأ، أما في القياسات المتكررة فيتم احتسابه بشكل مستقل تماماً عبر حساب انحراف متوسط الدرجات الإجمالية لكل فرد عن المتوسط العام للتجربة، مما يعزله عن التحليل النهائي لتأثير المعالجة. أما التباين داخل الأفراد (SS_within)، فيقيس الاختلافات في استجابات الأفراد أنفسهم عبر الشروط المختلفة، وهو المكون الذي يحتوي على التأثير الحقيقي للمعالجة التجريبية.
تتمثل الخطوة الرياضية الأكثر أهمية في تجزئة التباين داخل الأفراد (SS_within) إلى عنصرين فرعيين: مجموع المربعات الخاص بالمعالجة التجريبية أو الزمن (SS_treatment أو SS_factor)، ومجموع مربعات الخطأ المتبقي العشوائي (SS_error أو SS_residual). تأخذ المعادلة التفصيلية الشكل التالي:
SS_within = SS_treatment + SS_error
يعكس SS_treatment مقدار التباين المنسوب بشكل مباشر للتغير عبر نقاط القياس المتكررة، بينما يمثل SS_error التباين العشوائي غير المفسر الناتج عن التفاعل بين الأفراد والشروط التجريبية (Subjects × Conditions Interaction). من خلال قسمة كل مجموع مربعات على درجات الحرية المقترنة به، نصل إلى متوسطات المربعات (Mean Squares – MS)، وهي المقاييس غير المتحيزة للتباين الفعلي المستخدمة في اختبار الفرضيات.
2.2 حساب إحصائية F ودرجات الحرية
تُشتق إحصائية الاختبار المركزية (F-ratio) في نموذج القياسات المتكررة من خلال قسمة متوسط مربعات المعالجة التجريبية على متوسط مربعات الخطأ المتبقي داخل الأفراد، وتُصاغ رياضياً كما يلي:
F = MS_treatment / MS_error = (SS_treatment / df_treatment) / (SS_error / df_error)
تتطلب هذه العملية الرياضية التحديد الدقيق لدرجات الحرية (Degrees of Freedom – df) المرتبطة بكل عنصر من عناصر التباين. بافتراض أن لدينا دراسة تشتمل على عدد من المشاركين رمزه (N) وعدد من الشروط التجريبية أو نقاط القياس رمزه (k)، فإن درجات الحرية تُحسب رياضياً كالتالي:
- درجات حرية المعالجة (العامل داخل الأفراد): df_treatment = k – 1
- درجات حرية بين الأفراد: df_between = N – 1
- درجات حرية الخطأ المتبقي: df_error = (k – 1) × (N – 1)
- درجات الحرية الكلية: df_total = N × k – 1
تعتمد عملية اتخاذ القرار الإحصائي على مقارنة قيمة F المحسوبة الناتجة من البيانات بالقيمة الحرجة لـ F (Critical F-value) المستخرجة من جداول التوزيع الإحصائي F عند مستوى دلالة محدد مسبقاً (عادةً α = 0.05)، وبناءً على درجات حرية البسط (df_treatment) ودرجات حرية المقام (df_error). إذا كانت القيمة المحسوبة تتجاوز القيمة الجدولية الحرجة—أو ما يكافئ ذلك برمجياً بكون القيمة الاحتمالية المقترنة (p-value) أصغر من مستوى ألفا المعياري—يتم رفض الفرضية الصفرية، والاستنتاج بوجود تأثير دال إحصائياً للمتغير المستقل عبر القياسات المتكررة.
2.3 الفرضيات الصفرية والبديلة للتحليل
تنطلق عملية الاستدلال الإحصائي في تحليل التباين للقياسات المتكررة من صياغة دقيقة وصارمة للفرضيات الإحصائية المتقابلة. تنص الفرضية الصفرية (Null Hypothesis – H0) على أن جميع المتوسطات الحسابية لدرجات المجتمع في مختلف الشروط التجريبية أو النقاط الزمنية متساوية تماماً، مما يعني عدم وجود أي تأثير حقيقي للمتغير المستقل على المتغير التابع المقاس عبر الزمن. تُصاغ هذه الفرضية رياضياً على النحو التالي:
H0: μ1 = μ2 = μ3 = … = μk
حيث تمثل μk المتوسط الحسابي النظري للمجتمع في الشرط التجريبي رقم k. وتفترض هذه الفرضية أن أي تباينات طفيفة ملاحظة بين المتوسطات المحسوبة من العينة تعود فقط إلى تقلبات المعاينة العشوائية والخطأ التجريبي غير المنتظم، وليست ناجمة عن المعالجة التجريبية المطبقة.
في المقابل، تنص الفرضية البديلة غير الموجهة (Alternative Hypothesis – H1) على أنه يوجد على الأقل زوج واحد من المتوسطات الحسابية في المجتمع يختلف عن بعضه البعض اختلافاً حقيقياً ودالاً إحصائياً. من الأخطاء المفاهيمية الشائعة افتراض أن الفرضية البديلة تعني أن جميع المتوسطات تختلف عن بعضها البعض بصورة مطلقة؛ والصحيح رياضياً هو أن وجود اختلاف جوهري واحد فقط بين شرطين تجريبيين يكفي لإسقاط الفرضية الصفرية وقبول الفرضية البديلة، وتُصاغ رمزياً كالتالي:
H1: At least one μi ≠ μj (where i ≠ j)
يتم اتخاذ القرار الإحصائي النهائي استناداً إلى مقارنة القيمة الاحتمالية (Sig. أو p-value) بمستوى الدلالة المعتمد (α = .05). فإذا كانت p ≤ .05، يتم رفض الفرضية الصفرية واعتماد الفرضية البديلة، مما يستوجب الانتقال اللاحق نحو المقارنات البعدية التفصيلية لتحديد الموقع الدقيق للفروق الإحصائية بين مستويات التجربة.
3. الافتراضات الإحصائية المسبقة وشروط تطبيق الاختبار
3.1 طبيعة المتغيرات ومستوى القياس
يتطلب التطبيق السليم والصالح لتحليل التباين للقياسات المتكررة استيفاء المتغيرات البحثية لمستويات قياس محددة وفق معايير الإحصاء المعلمي. يجب أن يكون المتغير التابع (Dependent Variable) متغيراً كمياً مستمراً مقاساً على الأقل بمستوى القياس الفتري (Interval Scale) أو النسبي (Ratio Scale). تتضمن الأمثلة الشائعة على ذلك: درجات الاختبارات النفسية المقننة، وزمن الاستجابة الحركية المقاس بالثواني، وتركيز الهرمونات في الدم، أو مؤشرات التوصيل الكهربائي للجلد. لا يمكن استخدام المتغيرات الاسمية أو الرتبية البسيطة كمتغيرات تابعة في هذا النموذج الخطي العام دون اللجوء لبدائل لامعلمية متخصصة.
في المقابل، يجب أن يكون المتغير المستقل (Independent Variable)—والذي يُشار إليه في هذا السياق بالعامل داخل الأفراد (Within-Subjects Factor)—متغيراً تصنيفياً فئوياً يتألف من مستويين أو أكثر، على أن تكون هذه المستويات مترابطة ومقاسة على نفس الوحدات التجريبية. على الرغم من إمكانية تطبيق التحليل على مستويين فقط، إلا أن استخدامه القياسي والأكثر فاعلية يبرز عندما يشتمل العامل المستقل على ثلاثة مستويات مترابطة أو أكثر (مثل: القياس القبلي، القياس البعدي المباشر، وقياس المتابعة)، إذ يُفضل استخدام اختبار “ت” البسيط للعينات المترابطة في حال وجود مستويين فقط.
إضافة إلى ذلك، يجب ضمان الاستقلالية التامة للملاحظات بين المشاركين المستقلين (Independence of Observations Between Subjects). على الرغم من أن الملاحظات داخل نفس الفرد تكون مترابطة بالضرورة وبطبيعة التصميم، إلا أن سلوك واستجابة أي مشارك في التجربة يجب ألا تؤثر بأي شكل من الأشكال على استجابة أي مشارك آخر. يتطلب هذا الشرط عزل المشاركين أثناء التطبيق التجريبي، وتجنب القياس الجماعي التفاعلي الذي قد يولد تبعية غير مضبوطة بين البيانات، مما قد يفسد البنية العشوائية لخطأ القياس.

3.2 افتراض التوزيع الطبيعي وغياب القيم الشاذة
يفترض النموذج الخطي لتحليل القياسات المتكررة أن درجات الفروق بين جميع الأزواج الممكنة من الشروط التجريبية تتبع التوزيع الطبيعي (Normal Distribution) في المجتمع الأصلي. في التطبيق العملي، يتم فحص التوزيع الطبيعي لدرجات المتغير التابع عند كل مستوى من مستويات العامل داخل الأفراد، أو بشكل أكثر دقة، فحص درجات الفروق (Difference Scores) الناتجة عن طرح مستويات القياس من بعضها البعض. يتم تقييم هذا الافتراض إحصائياً باستخدام اختبار شابيرو-ويلك (Shapiro-Wilk Test) في العينات الصغيرة والمتوسطة (N < 50)، أو اختبار كولموجوروف-سميرنوف (Kolmogorov-Smirnov Test) في العينات الكبيرة، حيث تشير القيم الاحتمالية غير الدالة (p > .05) إلى استيفاء شرط التوزيع الطبيعي.
علاوة على الاختبارات الإحصائية، يكتسي الفحص البصري التوزيعي أهمية فائقة من خلال فحص الرسوم البيانية للتوزيع التكراري، ومخططات الـ Q-Q Plots، وحساب معاملات الالتواء (Skewness) والتفرطح (Kurtosis). تُعد البيانات مقبولة التوزيع إذا انحصرت معاملات الالتواء والتفرطح المعيارية بين القيمتين الحرجتين (-1.96 و +1.96) عند تقسيم القيمة الإحصائية على خطئها المعياري، مما يشير إلى غياب التشوهات التوزيعية الحادة التي قد تؤثر سلباً على تقديرات اختبار F المعلمي.
يمثل غياب القيم الشاذة المتطرفة (Outliers) شرطاً حاسماً لسلامة التحليل، حيث إن المتوسطات الحسابية وتباينات الخطأ حساسة للغاية للقيم المتطرفة. يمكن الكشف عن هذه القيم في حزمة SPSS باستخدام المخططات الصندوقية (Boxplots) أو عبر فحص الدرجات المعيارية المحولة (Z-scores)؛ وتُعتبر أي ملاحظة تتجاوز درجتها المعيارية |3.29| قيمة شاذة تستوجب التدخل المنهجي. تتضمن استراتيجيات التعامل المنهجي فحص مصدر القيمة لمعالجة الأخطاء الإدخالية، أو تطبيق التحويلات الرياضية (Data Transformations) مثل التحويل اللوغاريتمي، أو استخدام أسلوب الاستبدال بقيمة وينسور (Winsorization) للحفاظ على حجم العينة دون الإخلال بسلامة البيانات النفسية.
3.3 افتراض الكروية (Sphericity) والتجانس
يُعد افتراض الكروية (Sphericity) الافتراض الأهم والأكثر تميزاً في تحليل التباين للقياسات المتكررة، وهو المكافئ الرياضي المباشر لافتراض تجانس التباينات (Homogeneity of Variance) في تصميمات العينات المستقلة. ينص افتراض الكروية على أن تباينات الفروق المحسوبة بين جميع الأزواج الممكنة من مستويات العامل داخل الأفراد يجب أن تكون متساوية تماماً في المجتمع الإحصائي. فلو كان لدينا ثلاثة مستويات تجريبية (A, B, C)، فإن الكروية تفترض أن:
Var(A – B) ≈ Var(A – C) ≈ Var(B – C)
يتم تقييم هذا الافتراض في مخرجات برنامج SPSS عبر اختبار موشلي للكروية (Mauchly’s Test of Sphericity). يختبر هذا الإجراء الفرضية الصفرية القائلة بأن مصفوفة التباين والتباين المشترك تلبي متطلبات الكروية بدقة. إذا كانت القيمة الاحتمالية لاختبار موشلي دالة إحصائياً (p < .05)، يتم رفض الفرضية الصفرية، مما يشير رسمياً إلى انتهاك افتراض الكروية، وهو أمر واسع الحدوث في البحوث النفسية والسلوكية نظراً لكون القياسات المتقاربة زمنياً تميل إلى الارتباط ببعضها بقوة أكبر مقارنة بالقياسات المتباعدة زمنياً.
يترتب على انتهاك افتراض الكروية عواقب إحصائية بالغة الخطورة، حيث يؤدي عدم تجانس تباينات الفروق إلى تضخيم حاد في معدل الخطأ من النوع الأول (Type I Error Rate). هذا يعني أن الاختبار الإحصائي التقليدي سيميل إلى إظهار نتائج دالة إحصائياً كاذبة، ورفض الفرضيات الصفرية الصحيحة بمعدلات تتجاوز بكثير مستوى ألفا الاسمي المحدد بـ (α = .05). في هذه الحالة، تصبح درجات الحرية المستخدمة لاختبار F غير صحيحة، وتتطلب تطبيق معاملات تعديل انكماشية متخصصة (Epsilon Corrections) لإعادة ضبط المعايير الحرجة للاختبار.
4. إعداد وهيكلة البيانات في برنامج SPSS
4.1 التنسيق العريض (Wide Format) مقابل التنسيق الطولي (Long Format)
يعد الفهم الدقيق لآلية هيكلة البيانات في برمجية SPSS خطوة تأسيسية حاسمة قبل الشروع في إجراء التحليل الإحصائي. تتطلب بنية النموذج الخطي للقياسات المتكررة في SPSS إدخال البيانات وفق ما يُعرف اصطلاحاً بـ “التنسيق العريض” (Wide Format). في هذا التنسيق المنهجي، يُمثل كل سطر أفقي (Row) في شاشة عرض البيانات مشاركاً واحداً فريداً ومستقلاً في الدراسة، بينما تمثل الأعمدة الرأسية المتجاورة (Columns) نقاط القياس الزمنية المختلفة أو الشروط التجريبية المتعددة التي خضع لها هذا المشارك ذاته.
يختلف هذا التنسيق اختلافاً جذرياً عن “التنسيق الطولي” (Long Format) المعتمد في النماذج الخطية المختلطة (Linear Mixed Models) أو في برمجيات أخرى، حيث تتكرر صفوف المشارك الواحد وتُرصد درجاته في عمود تابع موحد مع عمود ثانٍ لتحديد الرمز الزمني. عند العمل في واجهة SPSS لإجراء ANOVA القياسات المتكررة التقليدية، يؤدي الإدخال بالطريقة الطولية إلى استحالة تنفيذ التحليل بشكل صحيح، حيث سيعامل البرنامج كل قياس وكأنه صادر من مشارك مختلف تماماً.
عند الشروع في بناء مصفوفة البيانات في شاشة متغيرات البرنامج (Variable View)، يجب تسمية المتغيرات برموز واضحة تعكس طبيعة التجربة ونقاط القياس (مثل: Drug_A, Drug_B, Drug_C, Drug_D أو Time_1, Time_2, Time_3). ومن الضروري تعيين خصائص القياس (Measure) في البرنامج لكل هذه الأعمدة كمتغيرات كمية مستمرة عبر خيار (Scale)، مع ضبط محاذاة البيانات وتحديد التصنيفات الوصفية الكاملة في خانة (Label) لتسهيل قراءة وتفسير الجداول الإحصائية اللاحقة بدقة واحترافية.

4.2 إدخال بيانات الدراسة النفسية التجريبية (مثال الأدوية وزمن الاستجابة)
لتوضيح التطبيق العملي بأسلوب تعليمي رصين ومباشر، سنعتمد في هذا الدليل على سيناريو دراسة في علم النفس الدوائي والتجريبي. هدفت الدراسة إلى فحص تأثير أربعة أنواع مختلفة من المركبات المنبهة والمثبطة للجهاز العصبي المركزي على سرعة المعالجة الإدراكية لدى عينة من المتطوعين، حيث تم قياس زمن الاستجابة الحركية (Reaction Time) بالمللي ثانية (ms) لخمسة مشاركين (N = 5) عبر أربعة شروط علاجية متتالية هي: العقار الأول (Drug_1)، والعقار الثاني (Drug_2)، والعقار الثالث (Drug_3)، والدواء الوهمي الشاهد (Placebo_4).
تم إدخال البيانات الرقمية في شاشة Data View في SPSS بحيث خُصص لكل مشارك رقم تعريفي فريد في العمود الأول (ID)، تتبعه أربعة أعمدة تمثل قراءات زمن الاستجابة تحت تأثير كل عقار من العقاقير الأربعة. الجدول التالي يوضح مصفوفة البيانات الرقمية الكاملة المستخدمة في هذا التطبيق العملي:
| رقم المشارك (ID) | العقار الأول (Drug_1) | العقار الثاني (Drug_2) | العقار الثالث (Drug_3) | العقار الرابع (Placebo_4) |
|---|---|---|---|---|
| 1 | 250 | 265 | 280 | 310 |
| 2 | 240 | 255 | 270 | 295 |
| 3 | 270 | 290 | 310 | 340 |
| 4 | 230 | 240 | 250 | 280 |
| 5 | 260 | 275 | 290 | 315 |
يتطلب التعامل المنهجي مع البيانات المفقودة (Missing Data) في القياسات المتكررة حذراً بالغاً؛ فحذف الحالات التي تحتوي على خلايا فارغة بطريقة الحذف الإجمالي (Listwise Deletion)—وهو الخيار الافتراضي في إجراء ANOVA عبر SPSS—يؤدي إلى استبعاد المشارك بالكامل من التحليل حتى لو فُقدت نقطة قياس واحدة فقط. في البحوث الميدانية الموسعة، يجب تقييم نمط الفقدان واختيار استراتيجيات تعويض البيانات المناسبة (Multiple Imputation) لضمان عدم فقدان القوة الإحصائية وتمثيل العينة.
4.3 الفحص الاستكشافي المبدئي للبيانات
قبل الشروع في تفعيل الأوامر الإحصائية المتقدمة للنموذج الخطي العام، يتعين على الباحث الأكاديمي إجراء فحص استكشافي مبدئي (Exploratory Data Analysis – EDA) لمجمل المتغيرات قيد الدراسة. يتم ذلك عبر التوجه إلى قائمة Analyze > Descriptive Statistics > Descriptives أو استخدام أمر Explore في برنامج SPSS، وذلك لاستخراج المتوسطات الحسابية، والانحرافات المعيارية، ونطاقات التشتت، والخطأ المعياري لكل شرط تجريبي على حدة.
يقدم الفحص الاستكشافي المبدئي مؤشرات جوهرية حول مسارات البيانات الفردية والجماعية. يساعد حساب المتوسطات في إعطاء لمحة أولية عن اتجاه تأثير العقاقير على زمن الاستجابة، وما إذا كان هناك تصاعد أو هبوط تدريجي في الأداء. كما يتيح فحص قيم الانحرافات المعيارية التحقق المبدئي من عدم وجود تباين شاذ وضخم في أحد الشروط دون غيرها، وهو ما قد يشير إلى خطأ في إدخال القيم أو وجود تباين سلوكي حاد غير منضبط لدى بعض المشاركين.
ينبغي كذلك توليد الرسوم التوضيحية البسيطة لمسارات المشاركين الفردية (Individual Profile Plots) عبر شاشات الرسوم البيانية، مما يمكن الباحث من ملاحظة ما إذا كان جميع المشاركين يستجيبون للعقاقير بنمط متسق ومتوازٍ تقريباً عبر الشروط المختلفة، أم أن هناك مشاركين يظهرون استجابات متعارضة تماماً مع الاتجاه العام للعينة. إن اكتمال هذه الخطوة الاستكشافية يضمن جاهزية المصفوفة الرقمية ونقاءها التام من الأخطاء العشوائية قبل الانتقال للتحليل المعلمي المتقدم.
5. دليل خطوة بخطوة لتنفيذ التحليل عبر القوائم في SPSS
5.1 الوصول إلى النموذج الخطي العام (General Linear Model)
للبدء في تنفيذ تحليل التباين للقياسات المتكررة في بيئة برنامج IBM SPSS Statistics، يتم الانتقال عبر شريط القوائم العلوي الرئيسي باتباع المسار الإجرائي التالي: النقر على قائمة Analyze، ثم تمرير المؤشر فوق الخيار الإحصائي General Linear Model، ومن القائمة الفرعية المنسدلة يتم اختيار Repeated Measures… كما هو موضح في المسار الإجرائي القياسي للبرنامج.

بمجرد الضغط على هذا الخيار، ستظهر للمستخدم النافذة الحوارية التمهيدية الخاصة بتعريف وتوصيف القياسات المتكررة والمعنونة بـ Repeated Measures Define Factor(s). تؤدي هذه النافذة دوراً تأسيسياً في بناء النموذج؛ إذ لا تطلب من الباحث إدخال المتغيرات المباشرة بعد، بل تطلب منه توصيف الهيكل النظري والتجريبي للعامل المستقل وتحديد أبعاده ومستوياته بدقة متناهية لتوجيه محرك التحليل الإحصائي في البرنامج نحو البناء الصحيح للمصفوفات الجبرية.
تكمن أهمية الدقة في هذه المرحلة في تجنب الأخطاء المفاهيمية؛ حيث يفشل البرنامج في معالجة البيانات إذا لم يتطابق عدد المستويات المُعرفة نظرياً مع عدد أعمدة البيانات المقاسة فعلياً في شاشة البيانات. إن الفهم الواضح لطبيعة التصميم التجريبي يمنع حدوث التداخل بين العوامل داخل الأفراد والعوامل بين الأفراد التي قد تضاف لاحقاً في التصميمات المختلطة (Mixed ANOVA).
5.2 تعريف العامل داخل الأفراد (Within-Subject Factor)
في النافذة الحوارية Repeated Measures Define Factor(s)، يظهر في الحقل الافتراضي اسم العامل التجريبي باسم factor1. يقوم الباحث بتعديل هذا المسمى الافتراضي إلى اسم علمي دال على طبيعة المعالجة التجريبية في دراسته. في مثالنا التطبيقي، نقوم بمسح الاسم الافتراضي وكتابة الاسم Drug في خانة Within-Subject Factor Name.

في الخطوة التالية، ينتقل الباحث إلى حقل Number of Levels لكتابة عدد مستويات أو شروط هذا العامل التجريبي. نظراً لأن دراستنا تشتمل على أربعة شروط دوائية متباينة (ثلاثة عقاقير بالإضافة إلى الدواء الوهمي)، نقوم بإدخال الرقم 4 في هذا الحقل. بعد كتابة الرقم، يتم الضغط مباشرة على زر Add، مما يؤدي إلى انتقال العامل المعرف حديثاً إلى القائمة المركزية ليصبح بالشكل البرمجي: Drug(4).
إذا رغب الباحث في تسمية المتغير التابع التوضيحي، يمكنه النقر على حقل Measure Name وكتابة اسم قياسي لوحدة القياس، مثل Reaction_Time، ثم الضغط على زر Add المقابل لها. بعد اكتمال تعريف جميع العوامل ومستوياتها ومقاييسها بصورة دقيقة ومطابقة لهيكل التجربة، يتم تفعيل زر Define في الزاوية العلوية اليمنى من النافذة الحوارية للانتقال إلى شاشة التخصيص والربط التفصيلي للبيانات.
5.3 ربط أعمدة البيانات بالمتغيرات داخل النموذج
عقب النقر على زر Define، تنبثق النافذة الحوارية الرئيسية المعنونة بـ Repeated Measures. تنقسم هذه الشاشة إلى قسمين رئيسيين: القسم الأيسر الذي يحتوي على قائمة بجميع المتغيرات وأعمدة البيانات المتوفرة في ملف العمل المفتوح، والقسم الأيمن الذي يحتوي على نافذة مخصصة لاستقبال وتعيين المتغيرات داخل الأفراد والمعنونة بـ Within-Subjects Variables (Drug) وتحتوي على أربعة خانات مرقمة بنظام الفهرسة: (1, ?)، (2, ?)، (3, ?)، (4, ?).

يقوم الباحث الآن بربط كل متغير من أعمدة البيانات بمستواه المقابل في العامل التجريبي المعرف. يتم تحديد المتغير Drug_1 من القائمة اليسرى ثم الضغط على زر السهم الأوسط لنقله إلى الخانة رقم (1). تتكرر العملية بنقل المتغير Drug_2 إلى الخانة رقم (2)، والمتغير Drug_3 إلى الخانة رقم (3)، والمتغير Placebo_4 إلى الخانة رقم (4). من الضروري جداً التأكد من أن ترتيب النقل يتطابق مع الترتيب المنطقي والزمني لشروط التجربة لضمان دقة المقارنات البعدية واختبارات الاتجاه التبايني اللاحقة.
في حال وجود عوامل تصنيفية مستقلة بين الأفراد (مثل تصنيف المشاركين إلى ذكور وإناث)، يتم نقل هذه المتغيرات إلى خانة Between-Subjects Factor(s)، وفي حال وجود متغيرات مصاحبة مستمرة يرغب الباحث في ضبطها إحصائياً، تُنقل إلى خانة Covariates. في نموذجنا الحالي أحادي العامل، نكتفي بربط أعمدة المتغيرات التابعة الأربعة ضمن إطار العامل داخل الأفراد، ونبقي الحقول الأخرى فارغة قبل الانتقال لضبط الخيارات الإحصائية الإضافية المتقدمة.
6. تخصيص الخيارات الإضافية والمقارنات البعدية (Options and Post Hoc)
6.1 ضبط خيارات العرض والإحصاءات الوصفية (Options Menu)
للحصول على تقرير إحصائي متكامل وشامل يمكن الباحث من الفهم العميق للبيانات وتوثيقها بدقة في التقارير الأكاديمية، يجب تخصيص الإعدادات المتقدمة المتاحة عبر نافذة الخيارات. يتم ذلك من خلال النقر على زر Options… المتواجد في الشريط الجانبي الأيمن للنافذة الرئيسية للتحليل، لتظهر نافذة حوارية فرعية تتيح تحديد الإحصاءات والمؤشرات الرياضية المطلوب استخراجها ضمن المخرجات.

ضمن قسم Display في نافذة الخيارات، يجب على الباحث تفعيل الخيارات الإحصائية الأساسية التالية عبر وضع علامة الاختيار في المربعات المجاورة لها:
- Descriptive statistics: لحساب واستخراج المتوسطات الحسابية، والانحرافات المعيارية، وأحجام العينات لكل شرط من شروط التجربة داخل الأفراد.
- Estimates of effect size: لحساب قيم مربع إيتا الجزئي (Partial Eta Squared – η²p) لكل تأثير ومصدر تباين في النموذج، وهو متطلب إلزامي في معايير التوثيق الحديثة.
- Observed power: لاستخراج القوة الإحصائية الملاحظة للاختبار عند مستوى دلالة ألفا المحدد (α = .05).
- Homogeneity tests: في حال اشتمال النموذج على عوامل بين الأفراد للتحقق من تجانس التباينات عبر المجموعات.
تسهم هذه الإحصاءات الإضافية في تمكين الباحث من تجاوز مجرد معرفة القيمة الاحتمالية لاختبار F، وتوفر له المعطيات الوصفية وحجوم الأثر اللازمة لتقييم الأهمية العملية والسريرية للنتائج، وفهم البنية التشتتية للبيانات بدقة متناهية.
6.2 حساب المتوسطات الهامشية المقدرة (Estimated Marginal Means)
تعد خطوة حساب المتوسطات الهامشية المقدرة (Estimated Marginal Means – EM Means) من أهم الخطوات الإجرائية لإجراء المقارنات البعدية الزوجية (Pairwise Comparisons) في تصميمات القياسات المتكررة. في شاشات SPSS التقليدية، يُلاحظ أن زر Post Hoc المخصص للمقارنات البعدية يكون معطلاً وغير قابل للنقر عند غياب العوامل بين الأفراد؛ والسبيل الإحصائي والبرمجي الصحيح لإجراء المقارنات البعدية داخل الأفراد هو استخدام نافذة EM Means… (أو من خلال خيارات شاشة Options في الإصدارات الأقدم).
يقوم الباحث بتحديد العامل داخل الأفراد Drug من حقل Factor(s) and Factor Interactions ونقله إلى حقل Display Means for:. بمجرد نقل العامل، يتم تفعيل مربع الاختيار المعنون بـ Compare main effects، حيث يتيح هذا الخيار للبرنامج حساب الفروق الزوجية المباشرة بين جميع مستويات العقاقير الأربعة وتحديد الدلالة الإحصائية لكل مقارنة ثنائية على حدة.
تتطلب هذه الخطوة ضبط أسلوب تعديل مستوى الدلالة لحماية التحليل من تضخم الخطأ التراكمي. من القائمة المنسدلة التابعة لخيار Confidence interval adjustment، يختار الباحث تعديل Bonferroni الصارم أو تعديل Sidak، وتجنب الإبقاء على خيار LSD (none) في الدراسات التوكيدية، لضمان إجراء المقارنات الزوجية تحت سقف انضباط إحصائي صارم يحول دون الوقوع في استنتاجات زائفة.
6.3 المقارنات المتعددة والمقارنات التباينية (Contrasts)
بالإضافة إلى المقارنات البعدية الزوجية غير الموجهة، يوفر برنامج SPSS إمكانية إجراء المقارنات التباينية المخططة مسبقاً (Planned Contrasts) عبر النقر على زر Contrasts… في النافذة الرئيسية. تهدف هذه المقارنات التباينية إلى اختبار فرضيات نظرية محددة بدقة تتعلق بشكل واتجاه التغير عبر المستويات، دون الحاجة لإجراء مقارنات عشوائية شاملة بين جميع الأزواج الممكنة.
يتيح البرنامج للمستخدم اختيار نوع التباين المطلوب من القائمة المنسدلة Contrast؛ ومن أبرز أنواع التباينات المتاحة في التصميمات المتكررة:
- Linear: لاختبار ما إذا كان هناك اتجاه خطي مستقيم وتدريجي صاعد أو هابط لزمن الاستجابة عبر مستويات المتغير المستقل.
- Quadratic: لاختبار وجود نمط منحني يأخذ شكل حرف (U) أو شكل حرف (U) المقلوب، وهو شائع عند دراسة تأثيرات الجرعات الدوائية التي تزيد من الأداء حتى حد معين ثم تؤدي لتراجعه.
- Repeated: لمقارنة كل مستوى تجريبي بالمستوى الذي يليه مباشرة (مثل مقارنة المستوى 1 بالمستوى 2، ثم المستوى 2 بالمستوى 3).
- Simple: لمقارنة كل مستوى تجريبي بمستوى مرجعي موحد وثابت (كالدواء الوهمي أو القياس القبلي التأسيسي).
بعد اختيار نوع التباين المناسب للفرضيات البحثية، يضغط الباحث على زر Change لاعتماد التباين المختار، ثم ينقر على Continue للعودة إلى الشاشة الرئيسية، تمهيداً لتشغيل النموذج واستخراج المخرجات الإحصائية الكاملة عبر الضغط على زر OK.
7. قراءة وتفسير الجداول الأساسية لمخرجات SPSS
7.1 تفسير جدول العوامل داخل الأفراد والإحصاءات الوصفية
عند تشغيل التحليل بنجاح، تفتح شاشة المخرجات (SPSS Output Viewer) لتعرض سلسلة متتابعة من الجداول الإحصائية المترابطة. يبدأ التقرير بجدول Within-Subjects Factors، وهو جدول تدقيقي تأسيسي يعرض اسم العامل التجريبي (Drug) ومستوياته الأربعة وأسماء الأعمدة المقترنة بكل مستوى؛ ويجب على الباحث مراجعة هذا الجدول سريعاً للتأكد من عدم حدوث أي خطأ في ترتيب إدخال المتغيرات.

يليه مباشرة جدول الإحصاءات الوصفية Descriptive Statistics، والذي يعرض المتوسطات الحسابية (Mean)، والانحرافات المعيارية (Std. Deviation)، وحجم العينة (N) لكل مستوى من مستويات المعالجة الأربعة. بناءً على بيانات المثال التطبيقي، تظهر النتائج الوصفية قيماً تتدرج كما يلي:
- العقار الأول (Drug_1): المتوسط الحسابي = 250.00 مللي ثانية (الانحراف المعياري = 15.81).
- العقار الثاني (Drug_2): المتوسط الحسابي = 265.00 مللي ثانية (الانحراف المعياري = 19.04).
- العقار الثالث (Drug_3): المتوسط الحسابي = 280.00 مللي ثانية (الانحراف المعياري = 22.36).
- العقار الرابع (Placebo_4): المتوسط الحسابي = 308.00 مللي ثانية (الانحراف المعياري = 22.80).
يقدم هذا التدرج الوصفي مؤشراً أولياً واضحاً على أن أزمنة الاستجابة كانت في أدنى مستوياتها (الأداء الأسرع) تحت تأثير العقار الأول، وتزايدت تدريجياً وبشكل خطي عبر العقارين الثاني والثالث، لتصل إلى أعلى مستوياتها (الأداء الأبطأ) في حالة الدواء الوهمي؛ غير أن هذا الاستنتاج يظل وصفياً ولا يكتسب الصبغة الاستدلالية إلا بعد فحص جداول الدلالة الإحصائية لاختبار F واختبارات الكروية.
7.2 قراءة جدول اختبار موشلي للكروية (Mauchly’s Test)
يعد جدول Mauchly’s Test of Sphericity المحطة الإحصائية الأكثر حساسية وحرجاً في تفسير مخرجات القياسات المتكررة. يحتوي هذا الجدول على قيمة إحصائية موشلي (Mauchly’s W)، ودرجة الحرية التقريبية المرتبطة باختبار كاي تربيع (Approx. Chi-Square)، والأهم من ذلك كله، القيمة الاحتمالية الدقيقة المدرجة في عمود Sig..
عند فحص عمود الدلالة (Sig.) في جدول موشلي، تنطبق إحدى القاعدتين التاليتين:
- إذا كانت قيمة Sig. أكبر من 0.05 (p > .05): لا توجد أدلة إحصائية كافية لرفض الفرضية الصفرية للكروية، مما يعني أن تباينات الفروق بين المستويات متجانسة ومتساوية إحصائياً، وبالتالي يتم اعتماد سطر الكروية المفترضة (Sphericity Assumed) لقراءة نتائج اختبار F في الجداول اللاحقة.
- إذا كانت قيمة Sig. أصغر من أو تساوي 0.05 (p ≤ .05): يتم رفض فرضية الكروية، مما يؤكد حدوث انتهاك إحصائي دال لشرط الكروية، ويحظر على الباحث قراءة سطر Sphericity Assumed؛ ويتعين عليه فوراً الانتقال لقراءة النتائج المصححة باستخدام معاملات إبسيلون (Epsilon – ε) المعروضة في القسم الأيمن من نفس الجدول.
يتضمن جدول موشلي ثلاثة تقديرات لمعامل الإبسيلون الانكماشي المستخدم لتعديل درجات الحرية في حال انتهاك الكروية: تصحيح Greenhouse-Geisser، وتصحيح Huynh-Feldt، وتصحيح Lower-bound (الحد الأدنى المحافظ). تقيس قيمة الإبسيلون درجة الانحراف عن الكروية التامة؛ حيث تمثل القيمة (ε = 1.00) كروية مثالية ومطلقة، وكلما اقتربت القيمة من الصفر أو من الحد الأدنى النظري [1 / (k – 1)]، دل ذلك على انتهاك شديد وشديد الخطورة لافتراض الكروية.
7.3 تحليل جدول اختبارات التأثيرات داخل الأفراد (Tests of Within-Subjects Effects)
يمثل جدول Tests of Within-Subjects Effects النواة الاستدلالية الكبرى لتحليل القياسات المتكررة؛ إذ يحتوي على الاختبار المباشر للفرضية الصفرية الإجمالية للتجربة. يتضمن الجدول صفوفاً متعددة تُمثل مصادر التباين المختلفة (العامل التجريبي Drug، وتباين الخطأ المرتبط به Error(Drug))، وتتكرر هذه المصادر تحت أربعة أسطر إجرائية مختلفة: Sphericity Assumed، وGreenhouse-Geisser، وHuynh-Feldt، وLower-bound.
تتم قراءة النتائج عبر متابعة الأعمدة الإحصائية الرئيسية التالية بدقة متناهية:
- Type III Sum of Squares: يمثل مجموع المربعات المرتبط بالمعالجة التجريبية (SS_treatment) في السطر العلوي، ومجموع مربعات الخطأ المتبقي (SS_error) في سطر الخطأ المقابل له.
- df (درجات الحرية): تُظهر درجات حرية البسط (k – 1 = 3) ودرجات حرية المقام المرتبطة بالخطأ [(k – 1) × (N – 1) = 3 × 4 = 12] في السطر غير المصحح، بينما تُعرض كقيم كسرية عشرية مصغرة في أسطر التصحيح.
- Mean Square: يمثل متوسط المربعات الناتج عن قسمة مجموع المربعات على درجات الحرية المناظرة له.
- F (إحصائية الاختبار): القيمة الناتجة عن قسمة متوسط مربعات المعالجة على متوسط مربعات الخطأ (MS_treatment / MS_error).
- Sig. (القيمة الاحتمالية p-value): المعيار النهائي لقبول أو رفض الفرضية الصفرية؛ فإذا كانت Sig. < .05، نخلص إلى وجود فروق دالة إحصائياً بين أزمنة الاستجابة للعقاقير.
- Partial Eta Squared (η²p): مؤشر حجم الأثر المفسر بواسطة العامل المستقل بعد استبعاد تباين الفروق الفردية.
في حال تحقق افتراض الكروية في بياناتنا التوضيحية، نعتمد قيم السطر الأول Sphericity Assumed، حيث تشير النتائج إلى وجود تأثير رئيسي دال إحصائياً وفائق القوة للعقار على زمن الاستجابة، بقيمة F محتسبة مرتفعة جداً ومستوى دلالة بلغ (p < .001)، مما يثبت بشكل قاطع أن الاختلافات بين متوسطات أزمنة الاستجابة ليست ناتجة عن المصادفة الإحصائية أو تقلبات العينة العشوائية.
8. التعامل مع انتهاك افتراض الكروية وبدائل التصحيح الإحصائي
8.1 تصحيح جرينهاوس-جايسر (Greenhouse-Geisser Correction)
عندما يسفر اختبار موشلي عن نتيجة دالة إحصائياً (p < .05)، يصبح تطبيق التصحيحات الإحصائية ضرورة منهجية صارمة لمنع تضخم أخطاء النوع الأول. يُعد تصحيح جرينهاوس-جايسر (Greenhouse-Geisser Correction) الأسلوب التصحيحي الأكثر شهرة واستخداماً في الأوساط الأكاديمية والبحثية السلوكية؛ إذ يرتكز على تقدير معامل انكماش إحصائي يُرمز له بـ (ε̂_GG) يُستخدم لضرب وتعديل درجات الحرية في بسط ومقام إحصائية F.
تتمثل الآلية الرياضية لهذا التصحيح في تخفيض درجات الحرية من قيمتها الصحيحة الأصلية إلى قيم كسرية أقل؛ فإذا كانت درجات الحرية الأصلية للبسط هي 3 والمقام 12، وكانت قيمة إبسيلون جرينهاوس-جايسر تساوي 0.65، فإن درجات الحرية المصححة تصبح كالتالي:
df_effect(adjusted) = 3 × 0.65 = 1.95
df_error(adjusted) = 12 × 0.65 = 7.80
يؤدي تقليص درجات الحرية بهذه الطريقة الرياضية إلى رفع قيمة F الحرجة المطلوبة لتحقيق الدلالة الإحصائية، مما يجعل الاختبار أكثر تحفظاً وصرامة، ويُعيد ضبط معدل الخطأ من النوع الأول الفعلي ليتطابق مجدداً مع مستوى ألفا الاسمي (0.05). يُوصى أكاديمياً باعتماد تصحيح جرينهاوس-جايسر كخيار أول وأساسي خاصة عندما تكون قيمة إبسيلون المقدرة أقل من 0.75 (ε < .75)، أو عندما يكون انتهاك الكروية جسيماً، أو عندما يكون حجم العينة الإجمالي صغيراً نسبياً.
8.2 تصحيح هوينه-فيلدت (Huynh-Feldt Correction)
على الرغم من القوة المنهجية لتصحيح جرينهاوس-جايسر، إلا أنه يُنتقد أحياناً بكونه مفرطاً في التحفظ (Overly Conservative)، خاصة عندما تكون البيانات قريبة من استيفاء الكروية أو عندما يكون حجم العينة كبيراً؛ مما قد يؤدي في بعض الحالات الحدية إلى رفع معدل الخطأ من النوع الثاني (Type II Error) والفشل في اكتشاف فروق حقيقية قائمة بالفعل. هنا يبرز تصحيح هوينه-فيلدت (Huynh-Feldt Correction) كبديل إحصائي أقل تحفظاً وأكثر حساسية وقوة استدلالية.
يقوم تصحيح هوينه-فيلدت بحساب معامل إبسيلون معدل (ε̃_HF) يكون دائماً أكبر من أو يساوي معامل جرينهاوس-جايسر، وقد يصل أحياناً في الحسابات الرياضية إلى قيمة تتجاوز 1.00 (وفي هذه الحالة يضبطها برنامج SPSS برمجياً عند 1.00 تلقائياً). تعتمد التوصية المنهجية المعيارية التي صاغها الإحصائي البارز جين غلاس (Gene Glass) وزملاؤه على تطبيق القاعدة التالية:
- إذا كانت قيمة إبسيلون جرينهاوس-جايسر أكبر من 0.75 (ε > .75): يتم اعتماد تصحيح Huynh-Feldt لقراءة درجات الحرية والدلالة الإحصائية، نظراً لأنه يقدم تصحيحاً متوازناً دون التضحية بالقوة الإحصائية للاختبار.
- إذا كانت قيمة إبسيلون جرينهاوس-جايسر أقل من 0.75 (ε < .75): يتم اعتماد تصحيح Greenhouse-Geisser لضمان الحماية القصوى ضد تضخم الخطأ الإحصائي من النوع الأول.
يتيح هذا التمييز الدقيق للباحث الموازنة المثلى بين حماية دراسته من الادعاءات الزائفة بوجود فروق غير حقيقية، وبين الحفاظ على حساسية النموذج الإحصائي وقدرته على التقاط التأثيرات التجريبية الدقيقة المنبثقة من المعالجة البحثية.
8.3 استخدام التحليل متعدد المتغيرات (MANOVA) كبديل متقدم
في الحالات التي يتعرض فيها افتراض الكروية لانتهاك حاد وتكون أحجام العينات البحثية كبيرة نسبياً (حيث يتجاوز حجم العينة N عدد مستويات المعالجة k مضافاً إليه 10 على الأقل)، يوفر برنامج SPSS بديلاً استدلالياً متقدماً يتمثل في أسلوب التحليل متعدد المتغيرات للقياسات المتكررة المعروض في جدول Multivariate Tests.
تتمثل الميزة الرياضية الكبرى لنهج MANOVA في أنه لا يشترط على الإطلاق تحقق افتراض الكروية؛ إذ يُعامل نقاط القياس المتكررة كمتغيرات تابعة متعددة ومترابطة داخل مصفوفة تباين وتباين مشترك حرة وغير مقيدة. يستخرج الجدول أربعة مؤشرات إحصائية متعددة المتغيرات شهيرة هي:
- Pillai’s Trace: المؤشر الأكثر متانة وقوة في مواجهة انتهاكات افتراض التوزيع الطبيعي المتعدد وتجانس المصفوفات.
- Wilks’ Lambda (λ): المؤشر الكلاسيكي الأكثر شيوعاً واستخداماً وتوثيقاً في الأدبيات السلوكية عند تحقق الافتراضات.
- Hotelling’s Trace: شبيه بـ Wilks’ Lambda ويُستخدم في المقارنات بين مستويين متعددي المتغيرات.
- Roy’s Largest Root: يمثل الحد الأعلى للقوة الإحصائية، ولكنه شديد الحساسية لأي انتهاك في بنية البيانات.
على الرغم من الحصانة التامة لنهج MANOVA ضد انتهاك الكروية، إلا أن المفاضلة المنهجية بينه وبين نهج ANOVA المصححة تعتمد بشكل حاسم على حجم العينة؛ ففي العينات الصغيرة (كما في مثالنا الحالي N = 5)، يعاني MANOVA من انخفاض حاد وكارثي في القوة الإحصائية وقد يتعذر حسابه تماماً إذا كان N ≤ k، بينما تحافظ ANOVA المصححة بتصحيح Greenhouse-Geisser على قوة إحصائية متفوقة واستقرار تحليلي ممتاز، مما يجعلها الخيار المفضل في الأغلبية الساحقة من الدراسات النفسية المعملية ذات العينات الصغيرة والمتوسطة.
9. تحليل وتفسير المقارنات الثنائية البعدية (Pairwise Comparisons)
9.1 فهم جدول المقارنات الزوجية المصححة
عندما تظهر النتيجة الإجمالية لاختبار F دلالة إحصائية عامة، فإن هذا يخبرنا فقط بوجود اختلاف في مكان ما بين المتوسطات، دون تحديد الأزواج التجريبية المسؤولة بالتحديد عن هذا الاختلاف. هنا تبرز أهمية فحص جدول المقارنات الزوجية Pairwise Comparisons المنبثق من خيارات EM Means في مخرجات البرنامج، والذي يفكك التأثير الرئيسي إلى مقارنات ثنائية رأسية بين كل مستوى تجريبي (I) وكل مستوى تجريبي آخر مقترن به (J).

يحتوي جدول المقارنات الزوجية على أعمدة تفصيلية تشتمل على البيانات التالية:
- Mean Difference (I – J): الفارق المباشر بين متوسط الشرط الأول ومتوسط الشرط الثاني؛ وتشير علامة النجمة (*) الملاصقة للرقم إلى أن هذا الفارق دال إحصائياً عند مستوى الدلالة المعتمد.
- Std. Error: الخطأ المعياري لفارق المتوسطات، والمحسوب بناءً على تباين الخطأ المدمج داخل الأفراد.
- Sig.b: القيمة الاحتمالية المصححة والمعدلة بناءً على أسلوب بونفيروني (Bonferroni) المحدد مسبقاً.
- 95% Confidence Interval for Difference: حدود فترة الثقة (الحد الأدنى Lower Bound والحد الأعلى Upper Bound) للفارق الحقيقي بين المتوسطين في المجتمع؛ وتُعد النتيجة دالة إحصائياً إذا كانت فترة الثقة لا تشتمل على الرقم صفر (0) بين حديها.
تضمن قراءة هذا الجدول بدقة تجنب التفسيرات المتسرعة، وتتيح للباحث توثيق كل مقارنة زوجية بقيمها الرقمية الدقيقة وفترات ثقتها المعدلة، مما يمنح الدراسة مصداقية إحصائية رفيعة المستوى وفق التقاليد الأكاديمية الصارمة.
9.2 تحديد اتجاه الفروق الدالة إحصائياً
بالتطبيق على بيانات دراستنا النفسية، يكشف فحص جدول المقارنات الزوجية المعدلة وفق بونفيروني عن مسارات الفروق الاستدلالية الدقيقة بين العقاقير المختلفة وزمن الاستجابة الحركية؛ حيث تظهر المخرجات التفصيلية الآتي:
1. مقارنة العقار الأول بالعقاقير الأخرى: أظهر العقار الأول (Drug_1) متوسط زمن استجابة (250 مللي ثانية) كان أسرع وأقل بصورة دالة إحصائياً بمقدار 15 مللي ثانية مقارنة بالعقار الثاني (Drug_2, p = .012)، وأسرع بمقدار 30 مللي ثانية مقارنة بالعقار الثالث (Drug_3, p = .003)، وأسرع بمقدار 58 مللي ثانية مقارنة بالدواء الوهمي (Placebo_4, p < .001). هذا يثبت أن العقار الأول يتمتع بأعلى كفاءة وفاعلية فارماكولوجية في تعزيز سرعة الاستجابة الإدراكية لدى المشاركين.
2. مقارنة العقار الثاني بالعقار الثالث والدواء الوهمي: سجل العقار الثاني زمن استجابة أسرع بدلالة إحصائية مقارنة بالدواء الوهمي بفارق بلغ 43 مللي ثانية (p = .001)، كما تفوق على العقار الثالث بفارق دال بلغ 15 مللي ثانية (p = .025).
3. مقارنة العقار الثالث بالدواء الوهمي: تفوق العقار الثالث بدوره على الدواء الوهمي بفارق دال إحصائياً بلغ 28 مللي ثانية (p = .008)، حيث استغرقت الاستجابة تحت الدواء الوهمي 308 مللي ثانية في المتوسط.
يتيح هذا التحديد المنهجي الدقيق للباحث بناء استنتاج متكامل مفاده أن جميع العقاقير الثلاثة أدت إلى تحسن دال في زمن الاستجابة مقارنة بحالة الشاهد الوهمي (Placebo)، مع وجود تدرج كمي ونوعي دال في الكفاءة يرتب العقاقير تفضيلياً من حيث السرعة بالشكل التالي: Drug 1 > Drug 2 > Drug 3 > Placebo، وهو ما يدعم الفرضيات البحثية النظرية للدراسة بالكامل ويوفر أرضية صلبة لتفسير الآليات العصبية الكامنة وراء تأثير كل مركب كيميائي.
9.3 التحكم في تراكم الخطأ العائلي (Familywise Error Rate)
عند إجراء مقارنات ثنائية متعددة بعد اختبار ANOVA، يواجه الباحث مشكلة إحصائية خطيرة تُعرف باسم “تراكم الخطأ العائلي” (Familywise Error Rate – FWER). إذا أجرى الباحث اختبارات “ت” مستقلة ومتعددة عند مستوى دلالة (α = .05) لمقارنة 4 مستويات تجريبية (مما يولد 6 مقارنات ثنائية زوجية)، فإن الاحتمال التراكمي لارتكاب خطأ واحد على الأقل من النوع الأول لا يظل عند 5%، بل يقفز رياضياً وفق المعادلة الاحتمالية التالية:
FWER = 1 – (1 – α)^c = 1 – (1 – 0.05)^6 = 1 – (0.95)^6 ≈ 0.2649 (26.5%)
هذا يعني أن هناك احتمالية تتجاوز 26% لظهور نتيجة دالة إحصائياً كاذبة بالصدفة البحتة. للسيطرة الصارمة على هذا الخطر التراكمي، يُعد تعديل بونفيروني (Bonferroni Correction) الأداة الأكثر رسوخاً؛ إذ يقوم رياضياً بقسمة مستوى ألفا المستهدف على عدد المقارنات الإجمالي (α / c)، أو ما يكافئه برمجياً في SPSS بضرب القيمة الاحتمالية المحسوبة في عدد المقارنات وضبط سقفها الأعلى عند 1.00.
على الرغم من أن تصحيح Bonferroni يضمن تحكماً فائقاً في الخطأ الإحصائي، إلا أنه قد يصبح مفرط التحفظ في حال وجود عدد ضخم من المقارنات؛ لذا يتيح برنامج SPSS أيضاً تصحيح Sidak، وهو بديل رياضي أكثر دقة يعتمد على الحساب الاحتمالي التكراري [1 – (1 – α)^(1/c)]، ويوفر قوة إحصائية أعلى قليلاً مع الحفاظ الكامل على ضبط معدل الخطأ العائلي. ويُحظر تماماً في البحوث التوكيدية المتقدمة الاعتماد على خيار LSD دون تعديل، لما يمثله من انتهاك صارخ لمعايير الضبط الاستدلالي الرصين.
10. حساب وتفسير حجم الأثر والقوة الإحصائية
10.1 مربع إيتا الجزئي (Partial Eta Squared – η²p)
لم يعد الإبلاغ عن الدلالة الإحصائية (p-value) كافياً بمفرده في البحوث النفسية والتربوية المعاصرة؛ إذ تشترط الهيئات الأكاديمية والمجلات العالمية المحكمة الإبلاغ الإلزامي عن حجم الأثر (Effect Size) لتقييم المقدار الحقيقي والأهمية العملية للظاهرة المدروسة، بمعزل عن تأثير حجم العينة. المقياس القياسي المعتمد في تحليل القياسات المتكررة والمستخرج تلقائياً عبر مخرجات SPSS هو مربع إيتا الجزئي (Partial Eta Squared – η²p).
يُعرف مربع إيتا الجزئي رياضياً بأنه نسبة التباين في المتغير التابع المنسوبة للعامل المستقل، بعد استبعاد تباين الفروق الفردية الأساسية بين المشاركين من المقام الكلي، وتُصاغ معادلته الحسابية كالتالي:
η²p = SS_treatment / (SS_treatment + SS_error)
لتفسير القيمة الرقمية لمربع إيتا الجزئي في البحوث النفسية والسلوكية، تُستخدم إرشادات ومعايير كوهين (Jacob Cohen’s Benchmarks) الكلاسيكية الشهيرة لتصنيف حجم الأثر كما يلي:
- أثر صغير (Small Effect): η²p = 0.01 (يفسر 1% من التباين المتبقي).
- أثر متوسط (Medium Effect): η²p = 0.06 (يفسر 6% من التباين المتبقي).
- أثر كبير (Large Effect): η²p = 0.14 فأعلى (يفسر 14% أو أكثر من التباين المتبقي).
في مثالنا التطبيقي، بلغت قيمة مربع إيتا الجزئي للعامل الدوائي (Drug) قيمة تقارب 0.92، وهي قيمة ضخمة جداً تشير إلى أن المعالجة الدوائية تفسر ما يزيد عن 92% من التباين القائم في أزمنة الاستجابة داخل الأفراد بعد عزل فروقهم الفطرية، مما يؤكد الأهمية التجريبية والتطبيقية الفائقة للمركبات المدروسة.
10.2 القوة الإحصائية الملاحظة (Observed Power)
تُمثل القوة الإحصائية (Statistical Power) احتمالية نجاح الباحث في رفض الفرضية الصفرية عندما تكون هذه الفرضية خاطئة بالفعل في المجتمع (أي القدرة على رصد التأثير الحقيقي القائم). عند تفعيل خيار Observed power في قائمة خيارات SPSS، يُدرج البرنامج عموداً إضافياً في جدول النتائج يعرض قيمة القوة الملاحظة المقدرة بناءً على حجم العينة المستخدم، وحجم الأثر المشتق، ومستوى ألفا المعتمد (α = .05).
تتراوح القيمة الإحصائية للقوة بين 0.00 و 1.00؛ وتعتبر التقاليد المنهجية لجمعية علم النفس الأمريكية أن القيمة 0.80 تمثل الحد الأدنى المقبول للقوة الإحصائية الموصى بها في التصميمات التجريبية الرصينة. تشير القوة 0.80 إلى أن لدى الباحث فرصة قدرها 80% لاكتشاف التأثير الحقيقي، مقابل احتمال قدره 20% للوقوع في الخطأ من النوع الثاني (بيتا – β) بالفشل في إثبات الفروق الحقيقية.
ومع ذلك، يجب الإشارة إلى التحذيرات المنهجية الحديثة في علم الإحصاء التطبيقي بشأن تفسير “القوة البعدية الملاحظة” (Post-hoc Observed Power)؛ حيث إن القوة المستخرجة بعد جمع البيانات تكون دالة رياضية طردية ومباشرة للقيمة الاحتمالية p-value المحسوبة. يوصي علماء الإحصاء بضرورة التخطيط المسبق لحجم العينة عبر حساب القوة القبلية (A-priori Power Analysis) باستخدام برمجيات متخصصة مثل G*Power قبل الشروع في جمع البيانات، بدلاً من الاقتصار على تبرير النتائج استناداً للقوة البعدية الملاحظة.
10.3 حجم أثر المقارنات الثنائية (Cohen’s d للعينات المترابطة)
على الرغم من أن مربع إيتا الجزئي يقيس حجم الأثر الإجمالي للنموذج ككل، إلا أن التوثيق المتكامل للمقارنات البعدية الزوجية يستلزم حساب حجم الأثر المعياري لكل زوج تجريبي على حدة باستخدام معامل كوهين (Cohen’s d) المخصص للتصميمات داخل الأفراد (Repeated Measures Cohen’s d_rm أو d_z).
لا يقتصر حساب Cohen’s d في القياسات المتكررة على قسمة فارق المتوسطين على الانحراف المعياري المدمج كما في العينات المستقلة، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار معامل الارتباط الخطي (r) بين القياسين المتكررين؛ نظراً لأن الارتباط الإيجابي القوي يقلل من تباين درجات الفروق. تُصاغ المعادلة الرياضية القياسية لـ Cohen’s d_z كالتالي:
d_z = Mean Difference / SD_difference = t / √N
حيث تمثل SD_difference الانحراف المعياري لدرجات الفروق المباشرة بين الشرطين، بينما تمثل t قيمة اختبار “ت” المحسوبة للعينات المترابطة، و N يمثل حجم العينة. تُصنف قيم d عموماً إلى: أثر صغير (d = 0.2)، أثر متوسط (d = 0.5)، وأثر كبير (d = 0.8 فأعلى). يمكن للباحث حساب هذه القيم يدوياً أو باستخدام برمجيات ومواقع مساعدة متخصصة لتعزيز التقرير النهائي ببيانات دقيقة حول حجم الفارق المعياري بين كل جرعة دوائية وأخرى.
11. إنشاء الرسوم البيانية الاحترافية وتخصيصها في SPSS
11.1 بناء المخططات الخطية عبر نافذة Plots
يعد التمثيل البصري للبيانات ركيزة أساسية في إيصال نتائج القياسات المتكررة بوضوح وسلاسة؛ إذ يتيح المخطط الخطي للمتوسطات الهامشية المقدرة (Profile Plots) استيعاب المسار الديناميكي للتغير عبر شروط التجربة بمجرد النظر. يمكن إنشاء هذا المخطط مباشرة أثناء ضبط إجراءات التحليل من خلال النقر على زر Plots… في النافذة الحوارية الرئيسية في SPSS.

في نافذة Repeated Measures: Profile Plots، يقوم الباحث بتحديد العامل داخل الأفراد Drug من القائمة اليسرى ونقله إلى حقل Horizontal Axis (المحور الأفقي). بعد ذلك، يتم الضغط بشكل إلزامي على زر Add، مما يؤدي إلى ظهور العامل في خانة Plots السفلية بالشكل: Drug. يتيح البرنامج أيضاً في إصداراته الحديثة اختيار نمط المخطط (Line Chart أو Bar Chart)، بالإضافة إلى إمكانية وضع علامة في مربع Include error bars لإظهار أشرطة الخطأ التوضيحية.
بعد الضغط على زر Continue وتشغيل التحليل، يولد البرنامج شكلاً بيانياً خطياً يربط بين المتوسطات الحسابية المقدرة لنقاط القياس الأربعة بخط بياني مستمر، مما يكشف بجلاء عن الانحدار أو الصعود التدريجي للأداء ويوضح الفروق التباعدية بين الشروط بأسلوب بصري شديد الوضوح والتأثير.
11.2 توليد الرسوم البيانية المتقدمة عبر Graph Builder
على الرغم من الفائدة السريعة لنافذة Plots المدمجة، إلا أن بناء رسوم بيانية فائقة الجودة ومطابقة بدقة للمعايير الجمالية للمجلات العلمية المرموقة يستوجب استخدام أداة بناء المخططات المتقدمة Chart Builder. يتم الوصول إليها عبر شريط القوائم العلوي: Graphs > Chart Builder....
من معرض المخططات في الأسفل (Gallery)، يتم اختيار تصنيف Bar أو Line وسحب نموذج الرسم المناسب (مثل المخطط الشريطي المزود بأشرطة الخطأ المعياري) وإفلاته في مساحة المعاينة العلوية. بعد ذلك، يتم سحب متغيرات العقاقير الأربعة وتعيينها على المحاور المخصصة، مع النقر على نافذة Element Properties لضبط الخصائص المتقدمة للرسم.
في نافذة الخصائص، يجب تفعيل خيار Display error bars وضبطها لتمثيل Confidence intervals (95%) أو تمثيل الخطأ المعياري للمتوسط Standard Error (SE) مع مضاعف مقداره (Multiplier = 1). يضمن هذا التخصيص تزويد القارئ ببيانات بصرية دقيقة تعكس مقدار التشتت ودقة تقدير المتوسطات، مما يرفع من القيمة العلمية والمنهجية للتمثيل البياني المنشور.
11.3 تصدير الأشكال البيانية للنشر الأكاديمي
يتطلب إعداد الأشكال البيانية للنشر في مجلات APA تحويلها من مظهرها الافتراضي الملون إلى تنسيقات منضبطة وقابلة للطباعة الأكاديمية. للقيام بذلك، يقوم الباحث بالنقر المزدوج (Double-Click) على الشكل البياني داخل شاشة المخرجات في SPSS، مما يؤدي إلى فتح نافذة SPSS Chart Editor المخصصة للتعديل الجرافيكي التفصيلي.
داخل محرر المخططات، يقوم الباحث بالخطوات التحسينية التالية:
- إزالة الخلفية الرمادية وخطوط الشبكة: عبر تحديد الخلفية وتعيين لون التعبئة والحدود إلى “بلا لون” (Transparent/None) لتوفير خلفية بيضاء نقية تماماً.
- تعديل نظام الألوان: تحويل ألوان الأعمدة أو الخطوط إلى التدرج الرمادي (Grayscale) أو اللون الأسود الصريح مع استخدام أنماط خطوط مميزة (متقطعة، متصلة) لتمييز المسارات.
- تنسيق الخطوط والنصوص: تغيير خطوط تسمية المحاور ومفاتيح الرسم إلى خطوط قياسية معتمدة أكاديمياً (مثل Times New Roman أو Arial) بحجم يتراوح بين 10 إلى 12 نقطة.
- تعديل مقياس المحور الرأسي (Y-axis Scale): ضبط قيم البداية والنهاية للمحور لتجنب بتر البيانات، مع كتابة وحدات القياس بدقة، مثل: Reaction Time (ms).
بعد الانتهاء من التنسيق، يتم النقر بزر الفأرة الأيمن على الشكل واختيار Export… لتصديره بصيغة رسومية متجهة عالية الدقة مثل TIFF أو EPS أو PDF بدقة وضوح لا تقل عن 300 DPI (نقطة في البوصة)، وهي الدقة المعيارية المطلوبة عالمياً من دور النشر العلمي لضمان وضوح الشكل عند الطباعة الورقية والرقمية.
12. كتابة وتوثيق النتائج وفق دليل جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition)
12.1 الصياغة النصية القياسية لنتائج الاختبار الرئيسي
تضع جمعية علم النفس الأمريكية في دليلها السابع (APA 7th Manual) قواعد صارمة ومحددة لصياغة وتوثيق نتائج الاختبارات الإحصائية المعلمية في متن البحوث العلمية. تتطلب الصياغة القياسية ذكر اسم الاختبار، والهدف البحثي، وقيمة إحصائية F متبوعة بدرجات حرية البسط والمقام بين قوسين، والقيمة المحسوبة بدقة، ومستوى الدلالة الفعلي p-value، وحجم الأثر بمربع إيتا الجزئي.
نموذج الصياغة النصية عند تحقق افتراض الكروية (Sphericity Assumed):
“أُجري تحليل التباين للقياسات المتكررة أحادي العامل (One-Way Repeated Measures ANOVA) لفحص تأثير نوع العقار على سرعة زمن الاستجابة الإدراكية بالمللي ثانية عبر أربعة شروط تجريبية (العقار 1، العقار 2، العقار 3، الدواء الوهمي). أظهرت النتائج استيفاء افتراض الكروية وفق اختبار موشلي، W = 0.421, χ²(5) = 2.45, p = .785. وأسفر التحليل عن وجود تأثير رئيسي دال إحصائياً وفائق القوة لنوع العقار على زمن الاستجابة، F(3, 12) = 45.82, p < .001, η²p = .920.”
نموذج الصياغة النصية عند انتهاك افتراض الكروية وتطبيق تصحيح جرينهاوس-جايسر:
“كشف اختبار موشلي عن انتهاك دال إحصائياً لافتراض الكروية، W = 0.082, χ²(5) = 15.68, p = .008؛ وبناءً على ذلك، تم تعديل درجات الحرية وتصحيحها باستخدام تقدير جرينهاوس-جايسر (ε = 0.584). أظهرت النتائج المصححة وجود تأثير رئيسي دال إحصائياً لنوع العقار على زمن الاستجابة، F(1.75, 7.01) = 45.82, p < .001, η²p = .920.”
12.2 توثيق المقارنات البعدية وجداول الملخص
يجب أن تتبع الصياغة النصية للاختبار الرئيسي صياغة تفصيلية وموثقة للمقارنات البعدية الزوجية، مع ذكر المتوسطات والانحرافات المعيارية لكل مستوى بصورة صريحة، وتحديد اتجاه الفروق بدقة، والإشارة الواضحة إلى نوع التعديل الإحصائي المستخدم لحماية معدل الخطأ العائلي.
نموذج صياغة المقارنات البعدية:
“أظهرت المقارنات البعدية الزوجية المعدلة باستخدام تصحيح بونفيروني (Bonferroni) أن متوسط زمن الاستجابة تحت تأثير العقار الأول (M = 250.00, SD = 15.81) كان أسرع بدلالة إحصائية مقارنة بالعقار الثاني (M = 265.00, SD = 19.04, p = .012)، والعقار الثالث (M = 280.00, SD = 22.36, p = .003)، وحالة الدواء الوهمي (M = 308.00, SD = 22.80, p < .001). كما تفوق العقار الثاني على الدواء الوهمي بدلالة إحصائية (p = .001)، وكذلك العقار الثالث مقارنة بالدواء الوهمي (p = .008).”
يُستحسن تلخيص النتائج في جدول إحصائي متوافق بالكامل مع قواعد APA (الإصدار السابع)، والذي يتميز منهجياً بالغياب التام للخطوط الرأسية العمودية والاعتماد فقط على ثلاثة خطوط أفقية رئيسية، مع استخدام الحروف المرجعية المرتفعة (Superscript Letters) لتمييز المتوسطات التي تختلف عن بعضها بدلالة إحصائية، كما يوضح النموذج التالي:
| الشرط التجريبي (العقار) | M | SD | 95% CI | F (3, 12) | p | η²p |
|---|---|---|---|---|---|---|
| العقار 1 (Drug 1) | 250.00a | 15.81 | [230.37, 269.63] | 45.82 | < .001 | .920 |
| العقار 2 (Drug 2) | 265.00b | 19.04 | [241.36, 288.64] | |||
| العقار 3 (Drug 3) | 280.00c | 22.36 | [252.24, 307.76] | |||
| الدواء الوهمي (Placebo) | 308.00d | 22.80 | [279.69, 336.31] |
ملاحظة: N = 5. المتوسطات التي تحمل أحرفاً مرتفعة مختلفة تختلف عن بعضها البعض بدلالة إحصائية عند مستوى p < .05 بعد تطبيق تصحيح بونفيروني. CI = فترة الثقة للمتوسط.
12.3 الأخطاء الشائعة في التوثيق وتفسير النتائج السلوكية
يقع العديد من الباحثين وطلاب الدراسات العليا في مجموعة من الأخطاء التوثيقية والمنهجية الشائعة عند كتابة تقارير تحليل القياسات المتكررة؛ ويأتي في مقدمة هذه الأخطاء كتابة القيمة الاحتمالية بصيغة الصفر المطلق كما يظهر في مخرجات SPSS (مثل: p = .000). وفقاً لقواعد دليل APA، لا يمكن للقيمة الاحتمالية رياضياً أن تصل إلى الصفر المطلق، ويجب كتابتها دائماً بصيغة: p < .001 مع حذف الصفر الواقع على يسار الفاصلة العشرية لجميع القيم الإحصائية التي لا يمكن أن تتجاوز الرقم واحد صحيح (مثل قيم p، و η²p، ومعاملات الارتباط r).
ومن الأخطاء الجوهرية الأخرى الخلط المفاهيمي الحاد بين الدلالة الإحصائية (Statistical Significance) والأهمية العملية أو السريرية (Clinical Significance). إن الحصول على قيمة p دالة إحصائياً يعني فقط أن الفروق الملاحظة غير ناتجة عن الصدفة العشوائية، لكنه لا يعكس بالضرورة ضخامة الفارق أو قيمته العلاجية الميدانية. يجب على الباحث دائماً دمج تفسير قيمة p بحجم الأثر (η²p) وفترات الثقة، ومناقشة ما إذا كان مقدار التحسن (مثلاً اختصار 15 مللي ثانية في زمن الاستجابة) يمثل تغييراً وظيفياً وسلوكياً ذا مغزى حقيقي في الأداء اليومي للفرد.
أخيراً، يتجاهل بعض الباحثين التحقق من افتراض الكروية، أو يكتفون بذكر نتائج اختبار F الافتراضي دون الإشارة إلى اختبار موشلي أو مبررات استخدام البدائل المصححة (Greenhouse-Geisser أو Huynh-Feldt). إن الإغفال المنهجي لتوثيق فحص الكروية ومعاملات الإبسيلون يضعف الثقة في الصدق الداخلي للدراسة، ويجعل البحث عرضة للملاحظات النقدية الصارمة من قِبل المحكمين في المجلات العلمية المصنفة دولياً.
خاتمة وخلاصة منهجية شاملة
يمثل تحليل التباين للقياسات المتكررة (Repeated Measures ANOVA) أحد أقوى النماذج الإحصائية المعلمية وأكثرها كفاءة في استكشاف الفروق بين المتوسطات الحسابية عبر الزمن أو تحت الشروط التجريبية المتعددة؛ وتتجلى قوته المنهجية في قدرته الفريدة على عزل تباين الفروق الفردية البين-شخصية واستبعادها من تباين الخطأ التجريبي، مما يرفع القوة الاستدلالية للدراسات ويخفض من تكاليف وأحجام العينات المطلوبة في البحوث السلوكية والطبية المعقدة.
يتطلب التطبيق العلمي الناجح لهذا النموذج فهماً متكاملاً للبنية الرياضية للنموذج الخطي العام، والالتزام الصارم بفحص الافتراضات التأسيسية للاختبار، وتحديداً افتراض التوزيع الطبيعي وغياب القيم الشاذة، وفحص افتراض الكروية (Sphericity) عبر اختبار موشلي. وعند ثبوت انتهاك الكروية، يجب التحلي بالدراية المنهجية اللازمة لاختيار التصحيح الانكماشي الملائم—سواء عبر تصحيح Greenhouse-Geisser المتحفظ أو Huynh-Feldt المعتدل—أو اللجوء للتحليل متعدد المتغيرات (MANOVA) في العينات الكبيرة.
ختاماً، فإن إتقان الباحث للخطوات الإجرائية والتطبيقية عبر واجهة برنامج IBM SPSS Statistics—بدءاً من هيكلة البيانات بالتنسيق العريض، وتوصيف العوامل، وضبط المقارنات البعدية وتعديلات بونفيروني، وبناء الأشكال البيانية التوضيحية، وصولاً إلى التوثيق الأكاديمي الدقيق والشامل وفق معايير دليل جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition)—يضمن تقديم دراسات علمية رصينة تتسم بأعلى درجات الصدق والموثوقية والقابلية للتكرار في الأوساط الأكاديمية الدولية.
References
- American Psychological Association. (2020). Publication manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/0000165-000
- Cohen, J. (1988). Statistical power analysis for the behavioral sciences (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
- Field, A. (2018). Discovering statistics using IBM SPSS statistics (5th ed.). SAGE Publications.
- Greenhouse, S. W., & Geisser, S. (1959). On methods in the analysis of profile data. Psychometrika, 24(2), 95–112. https://doi.org/10.1007/BF02289823
- Huynh, H., & Feldt, L. S. (1976). Estimation of the box correction for degrees of freedom from sample data in randomized block and split-plot designs. Journal of Educational Statistics, 1(1), 69–82. https://doi.org/10.2307/1164736
- IBM Corporation. (2021). IBM SPSS Statistics for Windows, Version 28.0. IBM Corp. https://www.ibm.com/products/spss-statistics
- Mauchly, J. W. (1940). Significance test for sphericity of a normal n-variate distribution. The Annals of Mathematical Statistics, 11(2), 204–209. https://doi.org/10.1214/aoms/1177731909
- Tabachnick, B. G., & Fidell, L. S. (2019). Using multivariate statistics (7th ed.). Pearson.