يمثل التحليل الإحصائي حجر الزاوية في بناء المعرفة العلمية الرصينة وتفسير الظواهر الإنسانية والسلوكية بدقة وموضوعية. وفي إطار التصاميم التجريبية وشبه التجريبية التي تعتمد على القياسات المتكررة (Repeated Measures) أو دراسة العينات المزدوجة المترابطة (Paired Samples)، يواجه الباحثون الأكاديميون وعلماء النفس والاجتماع تحديات منهجية معقدة تتعلق بمدى استيفاء البيانات للبارامترات والافتراضات الكلاسيكية الصارمة؛ وعلى رأسها التوزيع الطبيعي الاعتدالي ومستوى القياس الفتري أو النسبي. وعندما تنتهك هذه الشروط بفعل التواء التوزيعات، أو صغر حجم العينات الإكلينيكية، أو طبيعة أدوات القياس الرتبية كالمقاييس النفسية ومقاييس ليكرت، تصبح الاختبارات المعلمية التقليدية مثل اختبار ت للعينات المترابطة غير ملائمة وقاصرة عن تقديم استدلالات دقيقة، مما يستدعي اللجوء إلى البدائل اللامعلمية المتينة.
يبرز اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة (Wilcoxon Signed Rank Test) بوصفه أحد أقوى وأشهر الأدوات الإحصائية اللامعلمية المصممة خصيصاً لمقارنة مجموعتين من القياسات المترابطة المأخوذة من العينة ذاتها في نقطتين زمنيتين مختلفتين (مثل القياس القبلي والقياس البعدي)، أو تحت شرطين تجريبيين مختلفين. لا يعتمد هذا الاختبار على المتوسطات الحسابية أو الانحرافات المعيارية التي تتأثر بشدة بالقيم المتطرفة والالتواء، بل يستند إلى فكرة عبقرية تتمثل في تحويل الفروق الفعلية بين الأزواج المرتبطة إلى رتب تصاعدية وإسناد إشارات جبرية موجبة وسالبة لتلك الرتب، مما يتيح اختبار الفروق الجوهرية في التوزيع والوسيط دون الحاجة إلى افتراض توزيع طبيعي لمجتمع الدراسة.
يقدم هذا الدليل المرجعي الشامل دليلاً خطوة بخطوة للباحثين وطلاب الدراسات العليا والمحللين الإحصائيين، لتفكيك الأسس النظرية والرياضية لاختبار ويلكوكسون، واستعراض دواعي تطبيقه، وشروطه، وكيفية إجرائه عملياً واحترافياً عبر واجهات برنامج IBM SPSS Statistics المختلفة (Legacy Dialogs والنماذج اللامعلمية الحديثة)، وصولاً إلى التفسير الدقيق للجداول الإحصائية، وحساب حجم الأثر بمعادلاته المعتمدة، وتوثيق النتائج وفق معايير جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition)، وتلافي الأخطاء المنهجية الشائعة.
- 1. مقدمة شاملة لاختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة وأسسه النظرية
- 2. دواعي استخدام اختبار ويلكوكسون مقارنة باختبار ت للعينات المزدوجة
- 3. الافتراضات والشروط الإحصائية لتطبيق الاختبار
- 4. إعداد وتجهيز مصفوفة البيانات في برنامج SPSS
- 5. التحقق العملي من التوزيع الطبيعي للفروق في SPSS
- 6. تنفيذ اختبار ويلكوكسون عبر الحوارات الكلاسيكية (Legacy Dialogs)
- 7. تنفيذ الاختبار عبر نافذة النماذج اللامعلمية الحديثة (Nonparametric Tests)
- 8. تحليل وتفسير جدول المراتب (Ranks Table) في مخرجات SPSS
- 9. تفسير إحصاء الاختبار ومستوى الدلالة الإحصائية (Test Statistics)
- 10. حساب حجم الأثر (Effect Size) لاختبار ويلكوكسون
- 11. توثيق وكتابة نتائج اختبار ويلكوكسون وفق دليل APA (الإصدار السابع)
- 12. الأخطاء الشائعة واستكشاف المشكلات وإصلاحها في SPSS
- خاتمة واستنتاجات منهجية
- References
1. مقدمة شاملة لاختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة وأسسه النظرية
1.1 التعريف بالاختبار ونشأته التاريخية في الإحصاء اللامعلمي
يعد اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة (Wilcoxon Signed-Rank Test) علامة فارقة في تاريخ الإحصاء الاستدلالي اللامعلمي (Nonparametric Statistics). طُوّر هذا الاختبار على يد عالم الكيمياء والإحصاء الأمريكي فرانك ويلكوكسون (Frank Wilcoxon) عام 1945 في ورقته البحثية التأسيسية التي نشرت في دورية Biometrics Bulletin بعنوان “Individual Comparisons by Ranking Methods”. جاء هذا التطوير استجابةً لحاجة ملحة في الأوساط العلمية لإيجاد أساليب استدلالية متينة لا تتأثر بانتهاك افتراضات التوزيع الطبيعي، وتتعامل بكفاءة مع العينات الصغيرة والبيانات التي يصعب إخضاعها للنماذج المعلمية الخطية.
يصنف الاختبار على أنه المعادل اللامعلمي المباشر لاختبار “ت” للعينات المترابطة (Paired Samples t-test). فبينما يختبر الأخير الفرضية الصفرية القائلة بأن متوسط الفروق بين مجتمعين مساوٍ للصفر بناءً على التوزيع الطبيعي لتلك الفروق، يعمل اختبار ويلكوكسون على اختبار ما إذا كان وسيط الفروق (Median of Differences) بين أزواج الملاحظات المترابطة مساوياً للصفر، أو ما إذا كان التوزيع الاحتمالي للفروق متماثلاً حول الصفر، وذلك عبر فحص مواقع الرتب النسبية دون الاعتماد على القيم المطلقة للمتغيرات الخام.
تنبع الأهمية الاستثنائية لهذا الاختبار في الممارسات البحثية المعاصرة من قدرته الفائقة على معالجة البيانات الناشئة عن تصاميم القياسات المتكررة (Repeated Measures Designs) التي تكون مقاسة إما على مستوى ترتيبي (Ordinal Scale)، أو على مستوى كمي (Interval/Ratio) لكنه يعاني من التواء شديد أو تفرطح شاذ أو يحتوي على قيم متطرفة شاذة (Outliers) تعيق استخدام الاختبارات المعلمية. وبالتالي، يوفر الاختبار إطاراً استدلالياً صلباً يضمن صحة القرارات الإحصائية المتعلقة برفض أو قبول الفرضيات الصفرية دون الوقوع في أخطاء التقدير الناجمة عن تشوه التوزيعات البارامترية.
1.2 المنطق الإحصائي وآلية عمل رتب الفروق الموقعة
يقوم المنطق الرياضي والإحصائي لاختبار ويلكوكسون على تفكيك العلاقة بين درجات كل حالة في القياسين (القبلي والبعدي أو الشرطين التجريبيين) عبر خطوات متتابعة ودقيقة. تبدأ الخوارزمية بحساب الفرق الرياضي المباشر ($D_i$) لكل زوج من الملاحظات المترابطة، وفق المعادلة:
$$D_i = X_{2i} – X_{1i}$$
حيث يمثل $X_{1i}$ قياس الحالة $i$ في النقطة الزمنية الأولى، ويمثل $X_{2i}$ قياس الحالة ذاتها في النقطة الزمنية الثانية. تعكس هذه الفروق مقدار التغير الفردي واتجاهه (سواء كان إيجابياً أو سلبياً).
في الخطوة التالية، يتعامل الاختبار مع الفروق ذات القيمة الصفرية ($D_i = 0$)، وهي الحالات التي لم يطرأ عليها أي تغيير بين القياسين القبلي والبعدي. في المعالجة الكلاسيكية لويلكوكسون، يتم استبعاد هذه الفروق الصفرية بالكامل من الحسابات، ويُخفض حجم العينة الفعلي ($N$) بمقدار عدد هذه الأزواج المتعادلة. بعد ذلك، يتم أخذ القيمة المطلقة للفروق المتبقية غير الصفرية ($|D_i|$) متجاهلين الإشارة الجبرية مؤقتاً، وتُرتب هذه القيم المطلقة تصاعدياً من الأصغر إلى الأكبر؛ بحيث تأخذ أصغر قيمة مطلقة الرتبة 1، وتأخذ القيمة التي تليها الرتبة 2، وهكذا دواليك. وفي حال وجود قيم مطلقة متطابقة (Tied Absolute Differences)، تُمنح كل قيمة منها متوسط الرتب التي كانت ستشغلها لو كانت مختلفة.
تتمثل المرحلة الجوهرية الأخيرة في إعادة إسناد الإشارات الجبرية الأصلية (+ أو -) إلى الرتب المخصصة لتلك الفروق، لتتحول إلى “رتب موقعة” (Signed Ranks). تُجمع بعد ذلك الرتب التي تحمل إشارة موجبة بشكل منفصل لتكوين المجموع $W^+$ (أو $T^+$)، وتُجمع الرتب ذات الإشارة السالبة لتكوين المجموع $W^-$ (أو $T^-$). يمثل الإحصاء الاختباري الأساسي ($W$) أصغر هذين المجموعين في العينات الصغيرة، أو يُستخدم كلا المجموعين لحساب الدرجة المعيارية التقريبية ($Z$) في العينات الكبيرة. إذا كانت فرضية العدم صحيحة (أي لا يوجد أثر للمعالجة والتغير عشوائي)، فإن مجموع الرتب الموجبة يجب أن يكون مساوياً تقريباً لمجموع الرتب السالبة، بينما يشير التباعد الكبير بين المجموعين إلى وجود أثر حقيقي للمعالجة التجريبية.
1.3 أهمية الاختبار في البحوث النفسية والعلوم السلوكية
تحتل البحوث النفسية والعلوم السلوكية والتربوية موقع الصدارة في استخدام اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة، نظراً للطبيعة المعقدة للظواهر الإنسانية وصعوبة إخضاعها للمقاييس الفيزيائية المعيارية. تُعنى هذه التخصصات في المقام الأول بتقييم فاعلية التدخلات العلاجية النفسية (Psychotherapeutic Interventions)، والبرامج الإرشادية، وبرامج تعديل السلوك، وتطوير المهارات المعرفية والانفعالية، حيث يُقاس الأفراد قبل إخضاعهم للبرنامج العلاجي ثم يُعاد قياسهم بعد انتهائه لتقييم حجم التغير الحاصل في شدة الأعراض أو المهارات المستهدفة.
تعتمد معظم المقاييس النفسية والاستبيانات السلوكية على مصفوفات متدرجة مثل مقياس ليكرت الخماسي أو السباعي (Likert Scales)، والتي تولد بيانات تصنف إحصائياً بأنها بيانات رتبية (Ordinal Data) وليست فترية حقيقية، حيث لا يمكن ضمان تساوي المسافات السيكومترية بين الاستجابات (مثل المسافة بين “أوافق بشدة” و”أوافق” مقارنة بالمسافة بين “محايد” و”أعارض”). فضلاً عن ذلك، تتسم درجات المقاييس النفسية كالقلق والاكتئاب والاحتراق النفسي بدرجات عالية من الالتواء الإيجابي أو السلبي في المجتمعات الإكلينيكية، مما يجعل افتراض التوزيع الطبيعي غير متحقق جوهرياً، ويفرض استخدام اختبار الرتب الموقعة كخيار منهجي إجباري لضمان دقة الاستنتاج.
تتميز الدراسات الإكلينيكية والنفسية أيضاً بصغر حجم العينات المتاحة للدراسة (غالباً ما تتراوح بين 8 إلى 20 مريضاً أو مشاركاً) بسبب صعوبات الاستقطاب، وارتفاع كلفة التدخلات العلاجية الفردية، ومعدلات التسرب (Attrition Rates). في هذه السياقات الحرجة، تفقد الاختبارات المعلمية كفاءتها وقوتها الإحصائية وتصبح عرضة للوقوع في خطأ النوع الثاني (عدم اكتشاف الفروق الحقيقية)، بينما يظهر اختبار ويلكوكسون حساسية عالية وقدرة فائقة على التقاط التغيرات البنيوية في الرتب، مما يوفر للأطباء النفسيين والباحثين سنداً إحصائياً موثوقاً للحكم على جدوى البرامج العلاجية.

2. دواعي استخدام اختبار ويلكوكسون مقارنة باختبار ت للعينات المزدوجة
2.1 انتهاك فرضية التوزيع الطبيعي للفروق
تشترط النماذج الإحصائية المعلمية، وعلى رأسها اختبار “ت” للعينات المترابطة، أن تكون درجات الفروق بين القياسين مسحوبة من مجتمع يتبع التوزيع الطبيعي الاعتدالي بدقة. ومع ذلك، تؤدي الطبيعة الديناميكية للبيانات الميدانية في العديد من التخصصات إلى انتهاك هذا الافتراض بشكل صارخ؛ حيث تتسم الفروق المحسوبة بظواهر مثل الالتواء الشديد (Skewness) سواء كان موجباً أو سالباً، أو التفرطح الحاد (Kurtosis) سواء كان مدبباً (Leptokurtic) أو مسطحاً (Platykurtic). إن وجود هذا الخلل يزعزع الأساس النظري لاختبار “ت”، حيث يؤدي تضخم الخطأ المعياري إلى تشويه قيمة $t$ المحسوبة وتوليد قيم احتمالية ($p$-values) مضللة قد تقود الباحث إما لرفض فرضية عدم صحيحة أو قبول فرضية عدم خاطئة.
تتفاقم خطورة هذا الانتهاك عند التعامل مع العينات الصغيرة، وهي السمة الغالبة في الأبحاث الطبية التجريبية والدراسات النفسية العصبية ودراسات الحالة الواحدة المتعددة. فبينما يمكن لنظرية النهاية المركزية (Central Limit Theorem) أن توفر حماية جزئية وتسمح بالتقريب الطبيعي عندما تتجاوز أحجام العينات 30 أو 50 حالة، فإن العينات التي تتراوح بين 6 و 25 حالة تظل عاجزة تماماً عن استدعاء هذه النظرية، مما يجعل اختبار “ت” غير متين وهشاً للغاية أمام أي انحراف عن التوزيع الطبيعي.
في المقابل، يتألق اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة كبديل فائق المتانة (Robust Alternative) لا يشترط نهائياً أن تتبع درجات الفروق التوزيع الطبيعي. ومن خلال تحويل التركيز من الفروق الخام ذات التوزيعات المشوهة إلى منظومة المراتب والرتب الموقعة، يستطيع الاختبار تقييم الفروق الإحصائية بموثوقية رياضية تامة، متجاوزاً قيود الشكل التوزيعي دون التضحية بالمصداقية العلمية للاستدلال الإحصائي.
2.2 طبيعة مستويات القياس: الرتبي مقابل الفتري والنسبي
تعد مستويات القياس (Levels of Measurement) التي صاغها عالم النفس ستيفنز (Stevens) معياراً حاسماً في اختيار نوع الاختبار الإحصائي. تتطلب الاختبارات البارامترية بيانات مقاسة على مقياس فتري (Interval) أو نسبي (Ratio)، حيث تكون المسافات بين الوحدات متساوية رقمياً ومفهومياً، وتكون العمليات الحسابية من جمع وطرح وحساب متوسطات ذات معنى رياضي حقيقي. لكن في الواقع الميداني للعلوم التربوية والإدارية والنفسية، تُستمد البيانات غالباً من استبانات مبنية على مقاييس رتبية (Ordinal Scales) ترتب استجابات الأفراد تصاعدياً أو تنازلياً دون ضمان التساوي الرياضي الدقيق بين المسافات الفاصلة بين خيارات الإجابة المتتالية.
عندما تُعامل البيانات الترتيبية خطأً كبيانات فترية ويُحسب لها المتوسط الحسابي والانحراف المعياري، فإن النتائج غالباً ما تعطي انطباعاً خادعاً بدقة غير موجودة أصلاً في أداة القياس. فالقيم المتوسطة الحسابية في البيانات الرتبية قد تنتج أرقاماً كسرية لا وجود لها في طبيعة الرتب ذاتها، كما أنها تتأثر بشدة بالاستجابات المتطرفة التي قد تعكس سلوكاً غير نمطي من بعض أفراد العينة، مما يجر المتوسط باتجاهها بعيداً عن المركز الحقيقي لتجمع البيانات.
يوفر اختبار ويلكوكسون حلاً جذرياً لهذه المعضلة؛ إذ إنه صُمم أصلاً للتعامل المباشر مع البيانات التي تقع على المقياس الرتبي وما فوقه. وبدلاً من الاعتماد على المتوسط الحسابي المعرض للتشويه، يعتمد الاختبار على مفهوم وسيط الفروق (Median of Differences) ورتبها الموقعة. يُعبر الوسيط بصدق وأمانة عن نقطة المركز الحقيقية للبيانات الرتبية والملتوية، مما يمنح الباحثين أداة تحليلية تتناغم فلسفتها الرياضية تماماً مع البنية السيكومترية لأدوات قياسهم.
2.3 مقارنة القوة الإحصائية (Statistical Power) بين الاختبارين
تاريخياً، ساد اعتقاد خاطئ بين بعض الممارسين للبحث العلمي بأن الاختبارات اللامعلمية تعد أضعف إحصائياً وأقل قدرة على اكتشاف الفروق الحقيقية مقارنة بنظيراتها المعلمية. إلا أن نظرية الإحصاء الحديثة أثبتت عدم صحة هذا التعميم عبر دراسة “الكفاءة النسبية المقاربة” (Asymptotic Relative Efficiency – ARE). يُقصد بهذا المفهوم النسبة بين حجم العينة المطلوب لاختبار معين وحجم العينة المطلوب لاختبار آخر لتحقيق نفس مستوى القوة الإحصائية ($1 – beta$) عند مستوى دلالة محدد ($alpha$) ومقدار أثر معين.
تثبت التحليلات الرياضية الصارمة، مثل أبحاث هودجز وليمان (Hodges & Lehmann)، أن الكفاءة النسبية المقاربة لاختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة مقارنة باختبار “ت” للعينات المترابطة تبلغ حوالي 0.955 (أي 95.5%) عندما تكون البيانات مستوفية لافتراض التوزيع الطبيعي بدقة متناهية. يعني هذا أن فقدان القوة الإحصائية عند استخدام ويلكوكسون بدلاً من اختبار “ت” في ظل الظروف المثالية الطبيعية لا يتجاوز 4.5% فقط، وهو فقدان طفيف لا يكاد يُذكر في التطبيقات العملية.
في المقابل، عندما تنتهك البيانات فرضية التوزيع الطبيعي، لا سيما في وجود توزيعات ثقيلة الذيول (Heavy-tailed Distributions) مثل توزيع كوشي أو لابلاس أو التوزيعات الملوثة بقيم متطرفة (Contaminated Distributions)، تنقلب المعادلة تماماً لصالح اختبار ويلكوكسون. تتجاوز الكفاءة النسبية المقاربة لاختبار ويلكوكسون حينها حاجز 1.0 بكثير، وقد تصل إلى أكثر من 1.5، بل وربما إلى ما لا نهاية في بعض التوزيعات الشاذة. هذا يعني أن اختبار ويلكوكسون يصبح أكثر قوة وحساسية بمراحل من اختبار “ت” في اكتشاف الفروق الحقيقية عند التعامل مع بيانات واقعية غير اعتدالية، مما يجعله الخيار المنهجي الأكثر أماناً وموثوقية في غالبية تصاميم البحوث التجريبية والإكلينيكية.
3. الافتراضات والشروط الإحصائية لتطبيق الاختبار
3.1 الاستقلالية والارتباط الزوجي للملاحظات
على الرغم من تصنيف اختبار ويلكوكسون كاختبار لا معلمي لا يشترط توزيعاً بارامترياً محدداً للمجتمع الأصلي، إلا أنه يستند إلى مجموعة من الشروط الهيكلية والمنهجية الصارمة التي لا يمكن التهاون في استيفائها لضمان صحة الاستدلال الإحصائي. الشرط الأساسي الأول هو وجود “ارتباط زوجي” (Paired Dependence) بين الملاحظات المقاسة؛ حيث يتطلب الاختبار أن تكون البيانات مصفوفة في أزواج متناظرة، تمثل كل وحدة تجريبية فيها (مشارك، مريض، طالب، أو حتى عينة نسيجية) قياسين مرتبطين، مثل درجات الاختبار القبلي والبعدي، أو القياس تحت ظروف تجريبية مختلفة (المعالجة مقابل المراقبة الذاتية)، أو عبر مطابقة الحالات بدقة (Matched Pairs) بناءً على متغيرات ديموغرافية حاسمة كالعمر والجنس ومستوى الذكاء.
الوجه الآخر لهذا الافتراض هو “استقلالية الأزواج” (Independence of Pairs). يجب أن تكون أزواج الملاحظات مستقلة تماماً عن بعضها البعض بين الأفراد المختلفين في العينة. بمعنى أن استجابة أو درجة المشارك رقم (1) في القياسين القبلي والبعدي يجب ألا تمارس أي تأثير إحصائي أو تفاعلي على استجابة أو درجة المشارك رقم (2) أو أي مشارك آخر داخل مصفوفة البيانات. يُنتهك هذا الشرط الجوهري إذا أجريت الاختبارات في بيئات تفاعلية جماعية تؤثر فيها آراء الأفراد على بعضهم، أو في حالات جمع البيانات من مجموعات أسرية مشتركة دون ضبط التعشيش الإحصائي، مما يؤدي إلى تضخم الخطأ من النوع الأول وظهور دلالات إحصائية زائفة.
لذا، يتعين على الباحثين في العلوم النفسية والسلوكية التأكد من صرامة بروتوكولات جمع البيانات، وعزل البيئات التجريبية بما يضمن عدم حدوث “تلوث متقاطع” (Cross-contamination) بين المفحوصين، لضمان أن التغير الملاحظ في الرتب يعود حصراً إلى المتغير المستقل وليس إلى تفاعلات التابعين غير المنضبطة.
3.2 مستوى قياس المتغير التابع وتماثل توزيع الفروق
يتناول الشرط الثاني طبيعة المتغير التابع (Dependent Variable) ومستوى قياسه. يتطلب اختبار ويلكوكسون أن يكون المتغير التابع مقاساً على الأقل على مستوى رتبي (Ordinal Scale) مستمر يسمح بالمقارنة الكمية للرتب بين الحالات، أو على مستوى فتري (Interval) أو نسبي (Ratio). لا يمكن تطبيق هذا الاختبار على متغيرات اسمية بحتة (Nominal Data) مثل التصنيفات الفئوية غير القابلة للترتيب الرياضي (مثل تصنيف الجنس، أو التخصص الدراسي، أو أنماط الشخصية المستقلة)، حيث توجد اختبارات أخرى مخصصة لتلك المتغيرات مثل اختبار ماكنيمار (McNemar’s Test).
أما الشرط الأكثر حساسية وتفصيلاً في الأدبيات الإحصائية المتقدمة، فهو فرضية “تماثل توزيع درجات الفروق حول الوسيط” (Symmetry of Difference Scores). يُعد هذا الشرط ضرورياً إذا كان الباحث يهدف إلى استخدام اختبار ويلكوكسون لإصدار حكم قاطع بشأن “وسيط الفروق” (Median of Differences) بين القياسين، وليس مجرد المقارنة العامة لمواقع التوزيعات. ينص هذا الافتراض على أن شكل المنحنى التكراري لدرجات الفروق ($D_i$) يجب أن يكون متماثلاً تقريباً حول محوره المركزي، بحيث تتطابق الذيول التوزيعية لدرجات التغير الإيجابي والسلبي في شكلها الهندسي العام، حتى وإن لم يكن التوزيع طبيعياً.
في الحالات التي ينتهك فيها شرط التماثل، ويكون توزيع درجات الفروق ملتوياً بشكل غير متناظر بين الجانبين، فإن اختبار ويلكوكسون يظل صالحاً وقوياً، ولكن تفسيره الإحصائي يتحول بدقة من كونه اختباراً لفروق الوسيط إلى كونه اختباراً لمواقع التوزيعات وتفاضل الرتب الموقعة (Stochastic Dominance)؛ أي تحديد ما إذا كان التوزيع الاحتمالي للقياس البعدي ينزع منهجياً إلى توليد قيم أعلى أو أدنى من القياس القبلي.
3.3 التعامل مع الفروق الصفرية (Ties) والقيم المتطرفة
يواجه الباحثون عند تطبيق اختبار ويلكوكسون نوعين من التعادلات الإحصائية (Ties): التعادلات الصفرية الناتجة عن تطابق درجتي القياسين لنفس المشارك ($X_{2i} = X_{1i}$ وبالتالي $D_i = 0$)، والتعادلات غير الصفرية الناتجة عن تشارك عدة مشاركين في نفس القيمة المطلقة للفرق ($|D_i| = |D_j|$). يمتلك هذان النوعان تأثيراً مباشراً على حسابات الاختبار، ويجب فهم الكيفية التي يعالجهما بها البرنامج الإحصائي.
في المنهجية الكلاسيكية المعتمدة في الإجراءات الافتراضية لأغلب البرمجيات (Standard Wilcoxon Procedure)، يتم حذف الحالات التي تسجل فروقاً صفرية تماماً من التحليل. يؤدي هذا الاستبعاد إلى تقليص حجم العينة الفعلي ($N$) المحسوب، وهو ما قد يقلل من القوة الإحصائية للاختبار إذا كانت نسبة التعادلات الصفرية كبيرة. وعلى النقيض، تقترح منهجية بديلة طوّرها الإحصائي برات (Pratt, 1959) الاحتفاظ بالفروق الصفرية ومنحها أدنى الرتب، ثم حذف رتبها فقط عند حساب مجموع الرتب، وهو ما يوفر حماية في بعض التطبيقات ذات التعادلات الكثيفة. ومع ذلك، يظل الإجراء القياسي هو الأكثر شيوعاً وقبولاً في المجلات الأكاديمية المحكمة.
فيما يتعلق بالقيم المتطرفة (Outliers)، يتفوق اختبار ويلكوكسون بمناعته الذاتية الاستثنائية ضد التأثيرات المشوهة لتلك القيم. فبينما تتسبب درجة متطرفة شاذة واحدة في إزاحة المتوسط الحسابي وزيادة الانحراف المعياري بشكل كبير في اختبار “ت”، مما يقود إلى نتائج باطلة، فإن اختبار ويلكوكسون يستبدل القيم المطلقة بالفروق الرتبية المتسلسلة ($1, 2, 3, dots$). وبالتالي، فإن أكبر فرق مطلق في العينة، سواء كان مقداره 15 أو 1500، سيحصل دائماً على الرتبة القصوى ذاتها ($N$)، مما يمنع القيمة المتطرفة من ممارسة تأثير غير متناسب على مخرجات التحليل والقرار النهائي.
4. إعداد وتجهيز مصفوفة البيانات في برنامج SPSS
4.1 هيكلة البيانات في واجهة عرض المتغيرات (Variable View)
يتطلب التحضير الناجح لتنفيذ اختبار ويلكوكسون في برنامج SPSS صياغة دقيقة لخصائص المتغيرات في شاشة “عرض المتغيرات” (Variable View). يجب على الباحث أن ينشئ متغيرين منفصلين يمثلان عمودي البيانات للقياسين المترابطين؛ على سبيل المثال: متغير القياس القبلي ويسمى Pre_Test أو Anxiety_Pre، ومتغير القياس البعدي ويسمى Post_Test أو Anxiety_Post. يُنصح دائماً بتجنب استخدام المسافات أو الرموز الخاصة في حقل الاسم (Name) والاعتماد على تسميات واضحة وموجزة.
تعد خطوة ضبط مستوى القياس في عمود “المقياس” (Measure) خطوة بالغة الأهمية؛ حيث يجب تعيين نوع المتغير كـ Scale إذا كانت البيانات كمية (فترية أو نسبية)، أو تعيينها كـ Ordinal إذا كانت درجات مشتقة مباشرة من مقاييس رتبية أو درجات مجمعة لفقرات ليكرت دون تحويل قياسي. يساعد هذا الضبط الدقيق معالجات SPSS الحديثة على التعرف الصحيح على الخصائص البنيوية للمتغيرات أثناء استدعاء القوائم اللامعلمية.
فضلاً عن ذلك، يجب ملء حقل التسمية التوضيحية (Label) بدقة لتوفير وصف متكامل للمتغير يظهر في المخرجات النهائية (مثل: “مستوى القلق قبل تطبيق البرنامج العلاجي” و”مستوى القلق بعد تطبيق البرنامج العلاجي”). كما ينبغي تحديد القيم المفقودة (Missing Values) بدقة عبر عمود Missing، والتأكد من تحديد نوع البيانات كـ Numeric في عمود Type، مع ضبط عدد الخانات العشرية (Decimals) بما يتناسب مع دقة أدوات الجمع المستخدمة.
4.2 إدخال وتنظيم القيم في واجهة عرض البيانات (Data View)
يعتمد برنامج SPSS في تحليل القياسات المترابطة على التنسيق العريض للبيانات (Wide Data Format)، وهو التنسيق الذي يخصص صفاً أفقياً واحداً مستقلاً لكل مشارك في الدراسة (Case/Subject). في واجهة “عرض البيانات” (Data View)، يجب إدخال درجات المشارك نفسه في القياسين القبلي والبعدي على نفس الصف، بحيث تُسجل درجته في الاختبار الأول في عمود Pre_Test وتُسجل درجته في الاختبار الثاني في عمود Post_Test المقابل له تماماً.
إن الخطأ الشائع الذي يقع فيه بعض المبتدئين هو تنظيم البيانات بالتنسيق الطولي (Long Data Format) الذي يوضع فيه كل قياس في صف مستقل مع استخدام عمود ثالث لتحديد المجموعة أو التوقيت؛ فهذا التنسيق الأخير مخصص لتحليلات أخرى مثل النماذج الخطية المختلطة (Mixed Models) وليس لتحليل العينات المزدوجة اللامعلمية الكلاسيكية في SPSS. يجب التحقق المزدوج من عدم حدوث أي إزاحة رأسية (Vertical Misalignment) أثناء إدخال البيانات، لأن أي خطأ في محاذاة أزواج القياسات سيفسد بنية الارتباط الزوجي تماماً ويعطي نتائج لا معنى لها.
يجب فحص اكتمال البيانات والتعامل مع القيم المفقودة بمنهجية إحصائية واضحة؛ فالبرنامج سيقوم تلقائياً بالحذف الإجمالي (Listwise Deletion) لأي حالة تفتقر إلى إحدى الدرجتين (القبلية أو البعدية)، مما يعني استبعاد المشارك بالكامل من تحليل ويلكوكسون إذا فُقدت إحدى قياساته، وهو ما يفرض مراجعة البيانات قبل التحليل لضمان دقة حجم العينة النهائي.
4.3 فحص البيانات الاستكشافي والتأكد من ملاءمتها
قبل الشروع في النقر على أوامر اختبار ويلكوكسون، يفرض المنهج العلمي إجراء فحص استكشافي شامل للبيانات (Exploratory Data Analysis – EDA). تهدف هذه الخطوة إلى استيعاب ملامح التوزيع واستخراج المؤشرات الإحصائية الوصفية اللامعلمية المناسبة؛ حيث يجب حساب الوسيط (Median) والمدى الربيعي (Interquartile Range – IQR) لكل من القياسين القبلي والبعدي، إذ يمثل هذان المقياسان أفضل تمثيل للنزعة المركزية والتشتت في البيانات اللامعلمية مقارنة بالمتوسط الحسابي والانحراف المعياري.
يمكن إجراء هذا الاستكشاف بكفاءة عبر الذهاب إلى القائمة: Analyze > Descriptive Statistics > Explore، ثم نقل المتغيرين إلى مربع المتغيرات التابعة (Dependent List)، واختيار الإحصاءات الوصفية ومخططات الصندوق (Boxplots). تُظهر هذه المخططات البيانية بوضوح النطاق التوزيعي لكل قياس، وموضع الوسيط، والربيعيات (الأول Q1 والثالث Q3)، فضلاً عن الكشف البصري الفوري عن أي قيم متطرفة أو شاذة (مشار إليها بدوائر أو نجوم تحمل أرقام الصفوف).
يتيح هذا الفحص الاستكشافي الأولي للباحث تكوين رؤية حدسية حول مسار التغير المتوقع؛ فإذا أظهر مخطط الصندوق للقياس البعدي انخفاضاً عاماً في مستوى الوسيط والربيعيات مقارنة بالقياس القبلي، فإن ذلك يعطي مؤشراً أولياً على اتجاه أثر المعالجة، مما يسهل لاحقاً الربط والتفسير عند استعراض مخرجات الرتب الموقعة لاختبار ويلكوكسون.
5. التحقق العملي من التوزيع الطبيعي للفروق في SPSS
5.1 إنشاء متغير الفروق بين القياسين القبلي والبعدي
تتمثل الخطوة المنهجية الحاسمة قبل اتخاذ القرار النهائي بتطبيق اختبار ويلكوكسون في التحقق الفعلي من انتهاك فرضية التوزيع الطبيعي. ولأن الفرضية تنص على اعتدالية “توزيع الفروق” وليس اعتدالية توزيع كل قياس على حدة، يجب أولاً توليد متغير جديد داخل SPSS يمثل الفارق الرياضي المباشر بين القياسين لكل مشارك في العينة.
للقيام بذلك إجرائياً، يتوجه الباحث إلى القائمة الرئيسية ويختار: Transform > Compute Variable. في النافذة المنبثقة، يُكتب اسم المتغير الجديد في حقل Target Variable وليكن مثلاً Diff_Score. بعد ذلك، في حقل التعبير الرياضي Numeric Expression، تتم صياغة معادلة الطرح بطرح القياس القبلي من البعدي أو العكس؛ على سبيل المثال: Post_Test - Pre_Test. يفضل اتباع صيغة (البعدي – القبلي) لأنها تجعل الفروق الموجبة تشير مباشرة إلى التحسن أو الزيادة، بينما تشير الفروق السالبة إلى الانخفاض والتراجع.
بالنقر على OK، يقوم برنامج SPSS بإنشاء عمود جديد في شاشة عرض البيانات يحتوي على قيم الفروق المحسوبة بدقة لكل صف. يعد هذا المتغير الجديد الأساس الحسابي الذي ستُجرى عليه اختبارات التوزيع الطبيعي والمخططات التوزيعية لتقييم مدى الحاجة إلى استخدام اختبار ويلكوكسون كبديل لاختبار “ت”.
5.2 تطبيق اختباري شابيرو-ويلك وكولموجوروف-سميرنوف
بعد إنشاء متغير الفروق، يتم إخضاعه للاختبارات الإحصائية الصارمة المخصصة للكشف عن التوزيع الطبيعي. يُنفذ ذلك عبر المسار التالي في البرنامج: Analyze > Descriptive Statistics > Explore. في هذه النافذة، يُنقل متغير الفروق الذي تم إنشاؤه حديثاً (Diff_Score) إلى قائمة المتغيرات التابعة (Dependent List).
يتم بعد ذلك النقر على زر Plots في الجانب الأيمن من النافذة، ومن ثم تفعيل خيار Normality plots with tests، مع التأكد من تفعيل خيار Factor levels together ضمن المخططات الصندوقية، ثم الضغط على Continue ثم OK لتشغيل الإجراء وتوليد النتائج الإحصائية في شاشة المخرجات.
يحتوي جدول المخرجات الرئيسي على اختبارين أساسيين: اختبار كولموجوروف-سميرنوف (Kolmogorov-Smirnov Test) مع تصحيح ليلفورس (Lilliefors correction)، واختبار شابيرو-ويلك (Shapiro-Wilk Test). يعد اختبار شابيرو-ويلك هو الأكثر دقة وحساسية وقوة إحصائية، لا سيما في العينات الصغيرة والمتوسطة ($N < 50$). تنص الفرضية الصفرية لهذه الاختبارات على أن البيانات تتبع التوزيع الطبيعي؛ وبالتالي، إذا كانت القيمة الاحتمالية الدلالية المحسوبة أصغر من مستوى الدلالة المعتمد ($p < 0.05$)، فإننا نرفض فرضية التوزيع الطبيعي ونستنتج رسمياً أن الفروق غير اعتدالية، مما يستلزم منهجياً الاستغناء عن اختبار “ت” وتطبيق اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة.
5.3 التقييم البصري للاعتدالية والتماثل عبر المخططات
لا ينبغي الاكتفاء بالقيم الرقمية لاختبارات الدلالة وحدها للحكم على التوزيع، بل يجب تعزيز ذلك بالتقييم البصري للمخططات البيانية التي ولدها أمر Explore. يوفر البرنامج مخططين أساسيين لتقييم الاعتدالية: المدرج التكراري (Histogram) المزود بمنحنى التوزيع الطبيعي، ومخطط الاحتمال الطبيعي (Normal Q-Q Plot).
في المدرج التكراري، يفحص الباحث شكل توزيع درجات الفروق؛ فإذا كان المنحنى يظهر التواءً واضحاً إلى اليمين أو اليسار، أو يمتلك قمتين (Bimodal)، أو ذيولاً ممتدة بشكل شاذ، فإن ذلك يبرهن بصرياً على ابتعاد البيانات عن الشكل الجرسي المعتدل. أما في مخطط الاحتمال الطبيعي (Q-Q Plot)، تُرسم القيم الملاحظة مقابل القيم المتوقعة نظرياً في ظل التوزيع الطبيعي؛ فإذا كانت البيانات تتبع التوزيع الطبيعي، ستتطابق النقاط وتصطف بدقة على طول الخط المستقيم القطري. أما إذا انحرفت النقاط عن الخط وشكلت منحنيات على شكل حرف “S” أو تقوسات واضحة، فإن ذلك يعكس خروجاً صريحاً عن الاعتدالية.
بالإضافة إلى تقييم الاعتدالية، يساعد المدرج التكراري ومخطط الصندوق على فحص افتراض “التماثل” (Symmetry) اللازم لاختبار وسيط الفروق في ويلكوكسون. إذا كان شكل تشتت الفروق الإيجابية حول خط الصفر يناظر تقريباً شكل تشتت الفروق السلبية، فإن شرط التماثل يعتبر مستوفى تماماً، مما يمنح الباحث ثقة مطلقة في تطبيق اختبار ويلكوكسون وتفسير نتائجه من منظور الفروق في الوسيط بدقة إحصائية متناهية.
6. تنفيذ اختبار ويلكوكسون عبر الحوارات الكلاسيكية (Legacy Dialogs)
6.1 المسار الإجرائي خطوة بخطوة داخل القوائم
يوفر برنامج SPSS طريقتين رئيستين لتنفيذ اختبار ويلكوكسون: الطريقة الكلاسيكية عبر الحوارات التقليدية الموثوقة (Legacy Dialogs)، وطريقة النماذج التفاعلية الحديثة. تُفضل الحوارات الكلاسيكية لدى قطاع عريض من الباحثين لبساطتها وسرعتها وإنتاجها المباشر للجداول الإحصائية التقليدية المألوفة في التوثيق الأكاديمي.
للوصول إلى هذه الواجهة الكلاسيكية، يتبع الباحث المسار الموضح في القوائم الرئيسية كما يلي: Analyze > Nonparametric Tests > Legacy Dialogs > 2 Related Samples.... بمجرد النقر على هذا الخيار، تفتح نافذة الحوار المخصصة لاختبار عينتين مترابطتين، وتظهر في الجانب الأيسر منها قائمة بكافة المتغيرات المعرفة في ملف البيانات، بينما يظهر في الجانب الأيمن جدول مخصص لإدراج الأزواج المراد مقارنتها إحصائياً.

6.2 تحديد أزواج المتغيرات وضبط خيارات الاختبار
داخل نافذة “Two-Related-Samples Tests”، يقوم الباحث بتحديد زوج المتغيرات المستهدف. يتم النقر أولاً على متغير القياس القبلي (مثلاً Pre_Test) ليظهر تلقائياً في حقل Variable 1 تحت عمود Current Variable، ثم يتم النقر على متغير القياس البعدي (مثلاً Post_Test) لينتقل تلقائياً إلى حقل Variable 2. بعد تحديد المتغيرين معاً، يُضغط على السهم الأوسط لنقلهما كوحدة واحدة إلى المربع الرئيسي المسمى Test Pairs؛ ليظهر الزوج بتنسيق Pre_Test - Post_Test.
تحت مربع الأزواج، يوجد قسم مخصص لأنواع الاختبارات (Test Type). يتضمن هذا القسم عدة خيارات: Wilcoxon، Sign، McNemar، وMarginal Homogeneity. يجب التأكد التام من وضع علامة الاختيار ($checkmark$) في المربع المقابل لخيار Wilcoxon حصراً، وإلغاء تفعيل باقي الاختبارات لضمان عدم تشويش المخرجات بتحليلات غير مستهدفة.
إذا كان لدى الباحث أبعاد فرعية متعددة (مثل أبعاد مقياس جودة الحياة أو محاور اختبار نفسي مركب)، يمكنه تحديد ونقل عدة أزواج في نفس الخطوة إلى مربع Test Pairs؛ حيث سيقوم برنامج SPSS بإجراء اختبار ويلكوكسون لكل زوج فرعي بشكل منفصل وتوليد جداول مرتبة لكل بعد على حدة، مما يوفر الوقت والجهد في الدراسات متعددة المتغيرات.
6.3 ضبط الخيارات الإحصائية الإضافية (Options & Exact)
لتعزيز عمق النتائج والتحقق من المؤشرات الاستدلالية الدقيقة، يحتوي الجانب الأيمن من نافذة الاختبار على زرين مهمين: زر Options وزر Exact.
عند النقر على زر Options، يُفتح مربع حوار فرعي يتيح للباحث طلب مؤشرات وصفية تكميلية. يُنصح بتفعيل خيار Descriptive لاستخراج المتوسطات والانحرافات المعيارية والحدين الأدنى والأعلى، وتفعيل خيار Quartiles وهو الأهم في التحليلات اللامعلمية، حيث يستخرج الربيعيات الثلاثة (الربيع الأول 25%، الوسيط 50%، والربيع الثالث 75%) التي لا غنى عنها في التوثيق الأكاديمي الشامل. بعد تفعيل الخيارات المطلوبة، يُضغط على Continue.
أما زر Exact، فيعد ميزة إحصائية فائقة الأهمية مدمجة في حزم SPSS المتقدمة (SPSS Exact Tests). في الأحجام الصغيرة جداً من العينات ($N le 20$)، قد لا تكون الدلالة التقاربية المعتمدة على التوزيع الطبيعي المعياري ($Z$) دقيقة بنسبة 100%. يوفر النقر على زر Exact واختيار خيار Exact (أو خيار Monte Carlo في العينات المعقدة) إمكانية حساب القيمة الاحتمالية التوزيعية الدقيقة بالكامل بناءً على التباديل والتوافيق الشاملة لبيانات العينة الفعلية دون افتراضات تقريبية، مما يضمن أقصى درجات الصرامة الرياضية في الأبحاث الطبية والإكلينيكية الدقيقة. بعد إنهاء الضبط، يُضغط على Continue ثم على OK لتشغيل التحليل وظهور المخرجات.
7. تنفيذ الاختبار عبر نافذة النماذج اللامعلمية الحديثة (Nonparametric Tests)
7.1 الوصول لنافذة النماذج اللامعلمية ذات العينات المترابطة
ابتداءً من الإصدارات الحديثة لبرنامج IBM SPSS Statistics، قدمت الشركة واجهة تفاعلية متطورة وموحدة لإجراء الاختبارات اللامعلمية، تعتمد على مفهوم النمذجة الإحصائية الديناميكية واستعراض المخرجات عبر عارض النماذج (Model Viewer). تمتاز هذه الواجهة بقدرتها على تقديم رسوم بيانية تفاعلية متقدمة ومساعدات آلية لاتخاذ القرارات الإحصائية.
للوصول إلى هذه النافذة الحديثة، يسلك الباحث المسار التالي: Analyze > Nonparametric Tests > Related Samples.... عند فتح النافذة، يلاحظ الباحث وجود ثلاثة تبويبات رئيسية في الأعلى توجه عملية التحليل بنظام تدفق العمل المنطقي، وهي: Objective (الهدف)، Fields (الحقول والمتغيرات)، وSettings (الإعدادات المتقدمة).
في تبويب Objective، يوفر البرنامج خياراً افتراضياً بعنوان Automatically compare observed data to hypothesized data؛ حيث يقوم المعالج الذكي للبرنامج بفحص البيانات وتحديد الاختبار اللامعلمي الأنسب تلقائياً. ومع ذلك، يُفضل إحصائياً للباحثين المتمرسين الانتقال مباشرة لاختيار الأسلوب المخصص لضمان التحكم الكامل في نوع المعالجة المطلوبة.

7.2 تخصيص الحقول والإعدادات المتقدمة للاختبار
في التبويب الثاني Fields، يقوم الباحث بنقل المتغيرين المرتبطين (مثلاً Pre_Test و Post_Test) من قائمة الحقول المتاحة في اليسار إلى المربع المخصص في اليمين المسمى Test Fields. يجب التأكد من إدراج القياسين معاً داخل هذا المربع لكي يتعامل معهما النظام كزوج مرتبط للتحليل.
بعد ذلك، ينتقل الباحث إلى التبويب الثالث Settings، ويقوم بتحديد الخيار الدائري المسمى Customize tests. يتيح هذا الخيار فتح قائمة بكافة الاختبارات المتاحة للعينات المترابطة، ويقوم الباحث هنا بتفعيل خيار Wilcoxon matched-pair signed-rank (2 samples). يضمن هذا الإجراء إجبار البرنامج على تطبيق خوارزمية اختبار ويلكوكسون المحددة دون غيرها.
يتيح تبويب Settings أيضاً تخصيص إعدادات إضافية تحت قائمة Test Options؛ مثل ضبط مستوى الدلالة الفا (Significance Level $\alpha$) الذي يكون افتراضياً 0.05، واختيار مستوى فترات الثقة (Confidence Intervals) كـ 95%، وتحديد خيارات معالجة القيم المفقودة إما بحذف الحالات غير المكتملة كلياً (Exclude cases listwise) أو لكل اختبار على حدة (Exclude cases test by test). بعد إتمام الضبط، يُضغط على زر Run لتنفيذ المعالجة الإحصائية المتقدمة.
7.3 مزايا المخرجات التفاعلية (Model Viewer) الحديثة
تختلف طريقة عرض المخرجات في النظام الحديث عن الحوارات الكلاسيكية؛ إذ يُولد البرنامج أولاً جدولاً أنيقاً وموجزاً بعنوان Hypothesis Test Summary (ملخص اختبار الفرضية). يحتوي هذا الجدول على صياغة نصية واضحة لفرضية العدم، واسم الاختبار المستخدم بدقة، والقيمة الاحتمالية المحسوبة ($p$-value)، وعمود نهائي يتضمن القرار الإحصائي الموصى به برمجياً بصيغة قطعية: إما “Reject the null hypothesis” (رفض فرضية العدم) أو “Retain the null hypothesis” (قبول/الاحتفاظ بفرضية العدم).
تتجلى القوة الكبرى لهذا النظام عند قيام الباحث بالنقر المزدوج (Double Click) على جدول الملخص؛ حيث يفتح SPSS نافذة مستقلة وتفاعلية بالكامل تسمى Model Viewer (عارض النماذج). تنقسم هذه الشاشة التفاعلية إلى لوحات تفصيلية تعرض في جانبها الأيمن رسماً بيانياً جذاباً لمدرج التكرارات للفروق الموقعة (Signed Rank Differences Histogram)، ومقارنة مرئية واضحة بين توزيع الرتب الموجبة والسالبة.
توفر هذه المخرجات التفاعلية فهماً عميقاً وشاملاً لسلوك البيانات يجمع بين الدقة الاستدلالية والوضوح البصري المريح، وهو ما يساعد الباحث في قراءة البنية الداخلية للفروق واستخدام هذه المخططات في العروض التقديمية والمناقشات العلمية لنتائج أطروحته أو بحثه الأكاديمي.
8. تحليل وتفسير جدول المراتب (Ranks Table) في مخرجات SPSS
8.1 تفكيك مكونات الرتب السالبة والموجبة وحالات التعادل
يعد جدول المراتب (Ranks Table) الناتج عن الإجراء الكلاسيكي لاختبار ويلكوكسون في SPSS النافذة الأساسية لفهم التغيرات الاتجاهية في العينة؛ حيث يفكك التباينات بين القياسين القبلي والبعدي إلى ثلاثة مكونات توزيعية رئيسية محددة في الأسطر الثلاثة الأولى من الجدول.
يمثل السطر الأول Negative Ranks (الرتب السالبة) ويوضح البرنامج معادلته في الهامش السفلي للجدول بالصيغة: Post_Test < Pre_Test. يشير هذا السطر إلى عدد الحالات أو المشاركين الذين انخفضت درجاتهم في القياس البعدي مقارنة بالقياس القبلي. إذا كان المتغير المدروس يقيس ظاهرة سلبية يراد خفضها (مثل أعراض الاكتئاب، أو مستوى التوتر، أو عدد الأخطاء اللغوية)، فإن ارتفاع عدد الرتب السالبة يعكس نتيجة إيجابية مرغوبة تدل على نجاح البرنامج العلاجي أو التعليمي في خفض تلك الأعراض لدى هذه الفئة من المشاركين.
يمثل السطر الثاني Positive Ranks (الرتب الموجبة) ويُعرف في البرنامج بالصيغة: Post_Test > Pre_Test. يعبر هذا السطر عن عدد الحالات التي ارتفعت درجاتهم في القياس البعدي عن القياس القبلي. إذا كان المتغير يقيس سمة إيجابية مستهدفة بالتعزيز (مثل مستوى تقدير الذات، أو التحصيل الدراسي، أو مهارات القيادة)، فإن تزايد الرتب الموجبة يعد مؤشراً مباشراً على فاعلية التدخل في تنمية وتطوير تلك السمة.
أما السطر الثالث Ties (حالات التعادل)، فيعكس عدد الحالات التي تطابقت فيها درجات القياسين تماماً (Post_Test = Pre_Test) وسجلت فارقاً مساوياً للصفر. يوضح السطر الأخير Total إجمالي عدد الحالات المدخلة في التحليل ($N$)، والذي يساوي مجموع الرتب السالبة والموجبة والتعادلات.

8.2 قراءة وتفسير متوسط الرتب ومجموع الرتب (Mean & Sum of Ranks)
يتضمن جدول المراتب عمودين إحصائيين بالغي الأهمية في البناء الرياضي للاختبار: عمود متوسط الرتب (Mean Rank) وعمود مجموع الرتب (Sum of Ranks).
يعبر عمود Mean Rank عن متوسط الرتب التي حصلت عليها كل فئة (السالبة والموجبة). يُحسب هذا المتوسط بقسمة مجموع رتب الفئة على عدد الحالات المنتمية إليها. تتيح المقارنة بين متوسط الرتب السالبة ومتوسط الرتب الموجبة معرفة ليس فقط أي الاتجاهين كان أكثر تكراراً في العينة، بل وأيضاً أي الاتجاهين كان أفراده يمتلكون فروقاً مطلقة ذات أوزان وحجوم أكبر؛ فإذا كان متوسط رتب الزيادة أعلى بكثير من متوسط رتب النقصان، دل ذلك على أن الذين تحسنوا كان مقدار تحسنهم الفردي جسيماً وليس مجرد تحسن طفيف في الدرجات.
أما عمود Sum of Ranks، فيمثل حاصل الجمع التراكمي للرتب في كل فئة، ويشكل الركيزة الحسابية المباشرة التي يُستمد منها الإحصاء الاختباري لويلكوكسون ($W$). في خوارزمية ويلكوكسون الأصلية، يُحدد إحصاء الاختبار بالقيمة الأصغر بين مجموع الرتب الموجبة ومجموع الرتب السالبة في الفرضيات ثنائية الذيل:
$$W = \min(W^+, W^-)$$
كلما زاد التفاوت والتباعد بين مجموع الرتب الموجبة ومجموع الرتب السالبة، كلما أدى ذلك إلى صغر قيمة الإحصاء الاختباري المحسوب مقارنة بالقيمة الحرجة، وتعاظم الدلالة الإحصائية للرفض النهائي لفرضية العدم.
8.3 الربط الإكلينيكي والنفسي لاتجاه الرتب
إن التحليل الإحصائي الرصين لا يقف عند مجرد قراءة الأرقام المجردة، بل يمتد إلى ترجمة هذه المؤشرات إلى دلالات ومعانٍ إكلينيكية ونفسية وسلوكية ترتبط بالواقع الميداني للدراسة. يتيح جدول الرتب للباحث الإجابة الدقيقة عن السؤال التطبيقي: “كم فرداً من أفراد العينة استفاد فعلياً من البرنامج العلاجي أو التدريبي؟ وما هي نسبة الذين لم يستجيبوا أو تراجعت حالتهم؟”
على سبيل المثال، في دراسة تقيم فاعلية برنامج إرشادي لخفض الضغوط المهنية لدى 20 معلماً، إذا أظهر جدول الرتب أن هناك 17 رتبة سالبة (أي 17 معلماً انخفضت لديهم درجات الضغوط)، ورتبة واحدة موجبة (معلم واحد زادت ضغوطه)، وحالتي تعادل (معلمان لم تتغير حالتهما)، فإن هذا التوزيع يقدم دليلاً إكلينيكياً ساطعاً على الفاعلية العريضة للبرنامج الإرشادي على 85% من أفراد العينة، مع كشف الفروق الفردية النادرة التي قد تتطلب دراسة حالة تتبعية لفهم أسباب عدم الاستجابة.
يمكّن هذا الربط السيكومتري الباحثين من تجاوز عمومية النتائج الإحصائية، وتقديم توصيات تطبيقية دقيقة للممارسين الإكلينيكيين وصناع القرار التربوي تستند إلى نمط توزيع الرتب واستجابات الأفراد عبر مصفوفة القياس المتكرر.
9. تفسير إحصاء الاختبار ومستوى الدلالة الإحصائية (Test Statistics)
9.1 فهم قيمة الدرجة المعيارية المحسوبة (Z-Score)
يحتوي جدول الإحصاءات الاختبارية (Test Statistics Table) في مخرجات SPSS على المعايير الإحصائية الحاسمة لاتخاذ القرار. يبرز في مقدمة هذا الجدول قيمة الدرجة المعيارية المحسوبة المرموز لها بالحرف Z. تلجأ خوارزميات SPSS إلى تحويل إحصاء ويلكوكسون ($W$) إلى قيمة الدرجة المعيارية التقريبية$Z$ بالاعتماد على نظرية التقريب للتوزيع الطبيعي المعياري للعينة الكبيرة ($N ge 10$)، وفق الصيغة الرياضية التالية:
$$Z = \frac{W – \mu_W}{\sigma_W} = \frac{W – \frac{N(N+1)}{4}}{\sqrt{\frac{N(N+1)(2N+1)}{24} – \sum \frac{t_k^3 – t_k}{48}}}$$
حيث يمثل $\mu_W$ المتوسط النظري المتوقع لمجموع الرتب في ظل صحة فرضية العدم، ويمثل $\sigma_W$ الانحراف المعياري لرتب ويلكوكسون بعد إدخال حد التصحيح الصارم الخاص بالرتب المتعادلة غير الصفرية ($\sum \frac{t_k^3 – t_k}{48}$ حيث $t_k$ هو عدد الحالات المشتركة في الرتبة المتعادلة $k$). فضلاً عن ذلك، يطبق البرنامج تلقائياً تصحيح الاستمرارية (Continuity Correction) عبر تعديل بسط المعادلة بمقدار 0.5 لتعويض الانتقال من التوزيع المتقطع للرتب إلى التوزيع الطبيعي المستمر.
غالباً ما تظهر قيمة $Z$ في مخرجات SPSS مسبوقة بإشارة سالبة (مثلاً: $Z = -3.421$). يوضح الهامش التفسيري التابع للجدول أسفل المخرجات سبب هذه الإشارة عبر عبارة مثل: “Based on positive ranks” أو “Based on negative ranks”؛ حيث يختار البرنامج مجموع الرتب الأقل تلقائياً كقاعدة لحساب $Z$. لا تشير الإشارة السالبة هنا إلى خلل إحصائي، بل هي مجرد دلالة على اتجاه انحراف الرتب المحسوبة عن متوسطها المتوقع في التوزيع الطبيعي القياسي.
9.2 التمييز بين الدلالة التقاربية (Asymptotic) والدلالة الدقيقة (Exact)
يعرض جدول إحصاءات الاختبار صفاً بعنوان Asymp. Sig. (2-tailed)، وهي القيمة الاحتمالية الدلالية التقاربية ثنائية الذيل المحسوبة بناءً على توزيع $Z$ الطبيعي المعياري. إذا كانت هذه القيمة أصغر من مستوى الدلالة المحدد مسبقاً (عادة $\alpha = 0.05$ أو $\alpha = 0.01$)، فإن النتيجة تعتبر دالة إحصائياً (Statistically Significant)، مما يقود إلى رفض فرضية العدم والتأكيد على وجود فرق جوهري حقيقي بين القياسين.
ومع ذلك، في الدراسات التي تعتمد على عينات صغيرة ($N < 20$ أو في وجود تعادلات مكثفة)، قد تفقد الدلالة التقاربية دقتها الصارمة، نظراً لأن تقريب التوزيع الطبيعي قد يقلل أو يضخم من مستوى الخطأ الاحتمالي الفعلي. في مثل هذه السيناريوهات، وإذا كان الباحث قد قام بتفعيل خيار Exact أثناء ضبط الإجراء، سيظهر في الجدول صف إضافي بعنوان Exact Sig. (2-tailed) أو Exact Sig. (1-tailed).
تستند الدلالة الدقيقة (Exact $p$-value) إلى حساب كامل فضاء العينات للتباديل الممكنة لتوزيع الرتب، وهي توفر القيمة الاحتمالية المطلقة غير المتحيزة رياضياً. يجب على الباحث في العينات الصغيرة الاعتماد دائماً على قيمة Exact Sig. وتوثيقها في تقريره العلمي، لتلافي الوقوع في خطأ النوع الأول والحفاظ على أقصى درجات الرصانة الأكاديمية.
9.3 صياغة القرار الإحصائي وتفسير الفرضيات النفسية
تتمثل المرحلة الختامية لتحليل الدلالة في اتخاذ القرار الإحصائي المنهجي وصياغة الاستنتاج العلمي. تتبع عملية اتخاذ القرار القاعدة الإحصائية القياسية الصارمة:
- إذا كانت قيمة الدلالة المحسوبة ($p$-value سواء التقاربية أو الدقيقة)$le 0.05$: نرفض الفرضية الصفرية ($H_0$) ونقبل الفرضية البديلة ($H_1$)، مما يعني وجود فروق دالة إحصائياً بين رتب القياسين القبلي والبعدي، وأن التدخل التجريبي قد أحدث أثراً جوهرياً غير ناتج عن المصادفة العشوائية.
- إذا كانت قيمة الدلالة المحسوبة $p > 0.05$: نفشل في رفض الفرضية الصفرية (نقبل $H_0$)، مما يعني عدم وجود أدلة إحصائية كافية تثبت وجود أثر للتدخل، وأن الفروق الطفيفة الملاحظة في الرتب تعود للتباين العشوائي وأخطاء المعاينة.
من الضروري هنا أن يتجنب الباحث الخلط المنهجي الشائع بين “الدلالة الإحصائية” (Statistical Significance) و”الأهمية الإكلينيكية أو العملية” (Clinical/Practical Significance). فالحصول على قيمة $p < 0.001$ يؤكد فقط أن التغير الملاحظ ليس عشوائياً، ولكنه لا يخبرنا بمقدار وحجم هذا التغير في الواقع الميداني؛ وهو ما يفرض إكمال التحليل بحساب مؤشرات “حجم الأثر” (Effect Size) وربطها بالوسيط الربيعي لتقديم رؤية علمية متكاملة تزن القيمة العملية للتدخل.
10. حساب حجم الأثر (Effect Size) لاختبار ويلكوكسون
10.1 معادلة حجم الأثر (r) القائمة على الدرجة المعيارية Z
أصبح توثيق حجم الأثر (Effect Size) متطلباً إلزامياً لا غنى عنه للنشر في المجلات العلمية المحكمة وتوصيات جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، حيث يحرر حجم الأثر الاستدلال العلمي من الاعتماد الحصري على حجم العينة، موضحاً القوة الفعلية للظاهرة المدروسة. في اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة، يُحسب معامل حجم الأثر القياسي المعروف بـ $r$ للارتباط ثنائي المجموعات (Rosenthal, 1991) باستخدام الدرجة المعيارية $Z$ عبر المعادلة الشهيرة:
$$r = \frac{|Z|}{\sqrt{N}}$$
يثور في الأدبيات الإحصائية نقاش منهجي مهم حول تعريف المدخل ($N$) في مقام المعادلة في تصاميم القياسات المتكررة. هناك اتجاهان رئيسيان:
- الاتجاه الأول (الأكثر شيوعاً في المدارس النفسية): اعتبار $N$ ممثلة لـ إجمالي عدد الملاحظات الفردية الكلية (أي عدد المشاركين مضروباً في 2، نظراً لأن كل مشارك خضع لقياسين: $N_{observations} = n \times 2$). هذا هو الخيار المقترح في مراجع عديدة ككتاب آندي فيلد الشهير (Andy Field, Discovering Statistics Using SPSS).
- الاتجاه الثاني: اعتبار $N$ ممثلة لـ عدد الأزواج المترابطة (أي عدد المشاركين الفعلي $n$ الخاضعين للتحليل بعد استبعاد التعادلات الصفرية).
أياً كان الاتجاه المتبع، يجب على الباحث توضيح التعريف المعتمد لـ $N$ في نص تقريره العلمي لضمان الشفافية وقابلية المقارنة المنهجية. وبما أن قيمة الدرجة المعيارية $Z$ تكون مسبوقة بإشارة سالبة في مخرجات SPSS، تؤخذ القيمة المطلقة $|Z|$ دائماً ليكون معامل حجم الأثر $r$ رقماً موجباً يتراوح مداه النظري بين 0.00 و 1.00.
10.2 معايير كوهين (Cohen’s Criteria) لتفسير شدة الأثر
لتفسير القيمة الرقمية المحسوبة لمعامل حجم الأثر $r$ وتحويلها إلى وصف كيفي ذي معنى أكاديمي وسلوكي، يستند الباحثون إلى المعايير المرجعية الاسترشادية التي وضعها العالم الإحصائي جاكوب كوهين (Jacob Cohen, 1988) في كتابه التأسيسي حول القوة الإحصائية:
- أثر صغير (Small Effect): عندما تتراوح قيمة $r$ من 0.10 إلى أقل من 0.30. يعكس هذا المستوى تغيراً محدوداً في السلوك أو المتغير التابع، قد يمتلك أهمية نظرية أولية ولكنه ضعيف البروز في الممارسة الميدانية اليومية.
- أثر متوسط (Medium Effect): عندما تتراوح قيمة $r$ من 0.30 إلى أقل من 0.50. يمثل هذا المستوى تغيراً ملموساً وواضحاً في المتغير التابع، ويُعد مؤشراً قياسياً على الفاعلية الناجحة للبرامج التدريبية والنفسية في العلوم السلوكية.
- أثر كبير (Large Effect): عندما تبلغ قيمة $r$ 0.50 فما فوق. يدل هذا المستوى على أن التدخل التجريبي قد أحدث تحولاً جذرياً وفارقاً بنيوياً هائلاً في استجابات العينة، وهو المعيار الذهبي لنجاح العلاجات الإكلينيكية والتدخلات النفسية المصممة بعناية.
تكتسب هذه المعايير أهمية بالغة عند إجراء دراسات التحليل البعدي (Meta-Analysis)؛ حيث يُستخدم معامل $r$ المحسوب من اختبار ويلكوكسون كمعيار موحد للدمج الرياضي للنتائج المستخلصة من عشرات الدراسات المستقلة لتقدير الحجم التراكمي لفاعلية علاج نفسي معين عبر المجتمعات البحثية المختلفة.
10.3 مؤشرات بديلة لحجم الأثر: معامل الارتباط الثنائي للمراتب (Rank-Biserial Correlation)
بالإضافة إلى معامل $r$ المستند إلى الدرجة المعيارية $Z$، توصي الأدبيات اللامعلمية الحديثة (مثل Kerby, 2014) باستخدام مؤشر بديل مباشر وأنيق رياضياً يُعرف باسم معامل الارتباط الثنائي للرتب الموقعة (Matched-Pairs Rank-Biserial Correlation – $r_{rb}$). يرتكز هذا المؤشر على مبدأ الفرق البسيط بين نسبتي الرتب، ويُحسب مباشرة من جدول مخرجات الرتب دون الحاجة إلى التقريب لـ $Z$، وفق المعادلة التالية:
$$r_{rb} = \frac{W^+ – W^-}{W^+ + W^-} = \frac{W^+ – W^-}{S}$$
حيث يمثل $W^+$ مجموع الرتب الموجبة، ويمثل $W^-$ مجموع الرتب السالبة، ويمثل $S$ المجموع الكلي للرتب غير الصفرية. تتراوح قيمة $r_{rb}$ بدقة بين $-1.00$ و $+1.00$.
تكمن الميزة التفسيرية الفريدة لمعامل الارتباط الثنائي للرتب في كونه يوضح النسبة الصافية لتفوق أحد الاتجاهين على الآخر؛ فعلى سبيل المثال، إذا كانت قيمة $r_{rb} = 0.75$، فهذا يعني حرفياً أن نسبة الرتب الإيجابية تتفوق على نسبة الرتب السلبية بفارق صافٍ مقداره 75% من إجمالي الرتب المتاحة في العينة. يوفر هذا المقياس بديلاً مباشراً وفائق الدقة لا سيما في العينات شديدة الصغر التي قد تعاني فيها معادلة روزنتال المستندة إلى $Z$ من بعض التشوه الحسابي، مما يثري التحليل الإحصائي ويزيده عمقاً ومصداقية.
11. توثيق وكتابة نتائج اختبار ويلكوكسون وفق دليل APA (الإصدار السابع)
11.1 العناصر الأساسية الواجب تضمينها في تقرير النتائج
يفرض دليل جمعية علم النفس الأمريكية في نسخته السابعة (APA 7th Edition) بروتوكولاً توثيقياً دقيقاً وموحداً لتقرير نتائج الاختبارات اللامعلمية في المتون الأكاديمية ورسائل الماجستير والدكتوراه. يجب أن يتضمن التقرير العلمي المتكامل العناصر المنهجية الخمسة التالية دون إغفال أي منها:
- الإحصاءات الوصفية اللامعلمية: ذكر قيم الوسيط (Median – Mdn) والمدى الربيعي (Interquartile Range – IQR) للقياسين القبلي والبعدي بشكل منفصل، لتزويد القارئ بتصور واضح عن التغير في النزعة المركزية والتشتت.
- اتجاه الرتب وتوزيع الحالات: بيان عدد الرتب الموجبة والسالبة والمتعادلة، ومقارنة متوسطات الرتب ومجاميعها لتوضيح المسار السائد للتغير.
- قيمة إحصاء الاختبار والدرجة المعيارية: توثيق قيمة الدرجة المعيارية المحسوبة $Z$ بدقة (عادة إلى خانتين عشريتين مع وضع الرمز $Z$ بخط مائل italic).
- مستوى الدلالة الإحصائية الدقيق: كتابة قيمة $p$ الدقيقة (Exact or Asymptotic $p$-value) حتى ثلاث خانات عشرية (مثل: p = .003) دون استخدام الصيغ الغامضة القديمة مثل (p < .05)، باستثناء الحالات التي تكون فيها القيمة أصغر من .001 حيث تُكتب (p < .001).
- حجم الأثر ومعياره: توثيق معامل حجم الأثر المحسوب (r أو $r_{rb}$) مرفقاً بتفسيره الكيفي المعتمد (صغير، متوسط، كبير).
11.2 نماذج وقوالب جاهزة لصياغة النتائج باللغتين العربية والإنجليزية
لتسهيل مهمة الباحثين في صياغة تقاريرهم الأكاديمية باحترافية وتوافق تام مع المعايير الدولية، نقدم فيما يلي قوالب نصية قياسية جاهزة يمكن تكييفها حسب بيانات الدراسة:
النموذج التطبيقي باللغة العربية:
“أُجري اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة لتقييم فاعلية البرنامج التدريبي في خفض مستوى القلق لدى عينة من المشاركين ($N = 15$). أظهرت النتائج وجود فرق دال إحصائياً بين القياسين القبلي والبعدي ($Z = -3.18$, $p = .001$). وقد انخفض وسيط درجات القلق انخفاضاً جوهرياً من القياس القبلي ($Mdn = 42.00$, $IQR = 8.00$) إلى القياس البعدي ($Mdn = 28.00$, $IQR = 6.00$). وقد أظهرت مصفوفة الرتب أن 13 مشاركاً قد انخفضت درجات قلقهم (متوسط الرتب = 7.62، مجموع الرتب = 99.00)، بينما سجل مشارك واحد زيادة في القلق (الرتبة = 6.00)، وظل مشارك واحد دون تغيير (حالة تعادل). وبلغ معامل حجم الأثر المحسوب $r = 0.58$، وهو ما يشير وفق معايير كوهين إلى أثر كبير جداً للبرنامج التدريبي في تقليص حدة القلق.”
النموذج القياسي المعتمد باللغة الإنجليزية (APA 7th Format):
“A Wilcoxon signed-rank test was conducted to determine the effect of the cognitive intervention on participants’ depression scores ($N = 15$). The results indicated a statistically significant decrease in depression levels following the intervention, $Z = -3.24$, $p = .001$, with a large effect size, $r = .59$. The median depression score decreased from pre-intervention ($Mdn = 38.00$, $IQR = 7.00$) to post-intervention ($Mdn = 22.00$, $IQR = 5.00$). Out of 15 participants, 14 exhibited lower scores post-intervention (mean rank = 8.00, sum of ranks = 112.00), while one participant showed no change.”
11.3 تصميم الجداول والرسوم البيانية التوضيحية وفق شروط APA
تشترط معايير APA تنسيقاً خاصاً ودقيقاً للجداول والرسوم البيانية التوضيحية لتجنب التعقيد البصري والتركيز على نقاء البيانات الإحصائية المعروضة. فيما يتعلق بالجداول:
- يجب بناء الجدول الإحصائي دون أي خطوط رأسية مطلقاً (No Vertical Lines).
- يقتصر استخدام الخطوط الأفقية على ثلاثة خطوط رئيسية عريضة فقط: خط أعلى ترويسة الجدول، وخط أسفل ترويسة أسماء الأعمدة، وخط ختامي أسفل نهاية صفوف البيانات.
- يجب أن يتضمن الجدول أعمدة واضحة لـ: المتغير، وعدد الحالات لكل فئة رتبية (Negative, Positive, Ties)، ومتوسط الرتب، ومجموع الرتب، وقيمة $Z$، والدلالة$p$، وقيم الوسيط والمدى الربيعي للقياسين، وحجم الأثر$r$.
- توضع ملاحظة تفسيرية توضيحية أسفل الجدول تبدأ بكلمة Note. بخط مائل لتعريف الرموز وتوضيح اتجاه الرتب.
أما بالنسبة للتمثيل البياني، يُفضل دليل APA استخدام مخططات الصندوق المتجاورة (Side-by-Side Boxplots) بدلاً من الأعمدة البيانية البسيطة؛ حيث يتيح مخطط الصندوق للقارئ رؤية المقارنة المرئية المباشرة لوسيط القياسين، وحدود المدى الربيعي، والالتواء، والقيم الشاذة في رسم واحد متكامل، مما يعكس بصدق الخصائص اللامعلمية العميقة للبيانات المدروسة.
12. الأخطاء الشائعة واستكشاف المشكلات وإصلاحها في SPSS
12.1 الخلط بين اختبار ويلكوكسون واختبار مان-ويتني (Mann-Whitney U)
يعد الخلط المنهجي بين اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة (Wilcoxon Signed-Rank Test) واختبار مان-ويتني (Mann-Whitney U Test) أحد أكثر الأخطاء شيوعاً بين الباحثين المبتدئين في التحليلات اللامعلمية. يعود جذر هذا الخلط إلى تشابه أسلوب التحليل الرتبي والأسماء التاريخية المشتركة، لكنهما يختلفان جذرياً في بنية التصميم التجريبي ونوع العينات:
- اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة: مخصص حصراً لتصاميم العينات المترابطة أو القياسات المتكررة (Related/Paired Samples)، حيث تُجمع البيانات من العينة ذاتها مرتين (قبل وبعد المعالجة)، وتكون درجات كل حالة مرتبطة سيكومترياً بذاتها.
- اختبار مان-ويتني: مخصص حصراً لمقارنة مجموعتين مستقلتين تماماً من المشاركين (Independent Samples)، مثل مقارنة درجات الذكور بالإناث، أو مقارنة المجموعة التجريبية بالمجموعة الضابطة، حيث ينتمي كل مشارك إلى مجموعة واحدة فقط دون أي تكرار أو ارتباط.
إن تطبيق اختبار مان-ويتني على عينات مترابطة، أو العكس، يقود إلى إهدار بنية التباين المشترك للبيانات وتوليد نتائج استدلالية باطلة منهجياً. يجب على الباحث فحص تصميم دراسته بدقة قبل اختيار قائمة التحليل في SPSS والتأكد من ملاءمة الأداة للبنية التجريبية المعتمدة.
12.2 التعامل الخاطئ مع الفروق الصفرية وتأثيرها على قوة الاختبار
كما فُصّل سابقاً، يعتمد برنامج SPSS تلقائياً الإجراء القياسي بحذف الحالات التي تسجل فروقاً صفرية ($D_i = 0$) بين القياسين القبلي والبعدي، ويقوم بإنقاص حجم العينة الفعال بالقدر المقابل لتلك الحالات. يتسبب هذا الإجراء التلقائي في مخاطر منهجية جسيمة إذا كانت طبيعة أداة القياس تولد نسبة تعادلات مرتفعة (مثلاً، إذا كان 40% من المشاركين لم يطرأ عليهم أي تغير وظلت درجاتهم متطابقة تماماً).
في هذه الحالات، يؤدي الحذف التلقائي لعشرات الحالات المتعادلة إلى انكماش كارثي في حجم العينة الفعلي ($N$) المدخل في معادلة$Z$، مما يضعف القوة الإحصائية للاختبار ويزيد من احتمالية الفشل في اكتشاف الأثر الحقيقي للمعالجة (خطأ النوع الثاني). وإذا واجه الباحث هذه المعضلة في بياناته السلوكية، يتعين عليه دراسة استخدام بدائل منهجية أكثر حساسية؛ مثل استخدام اختبار الإشارة (Sign Test) في حال رغبته في تقييم نسب التغير فقط، أو اللجوء إلى حزم إحصائية تدعم منهجية “برات” (Pratt’s Method) التي تحتفظ بالتعادلات داخل مصفوفة الرتب لتفادي فقدان القوة الاستدلالية.
12.3 أخطاء تفسير إشارة الدرجة المعيارية Z ومستويات الدلالة
يقع العديد من الباحثين في فخ الارتباك عند قراءة الإشارة الجبرية للدرجة المعيارية Z في جداول مخرجات SPSS. ينشأ هذا الارتباك لأن إشارة $Z$ تتحدد تلقائياً بناءً على “ترتيب إدخال المتغيرات” في نافذة الاختبار؛ فإذا أدخل الباحث المتغير القبلي أولاً ثم البعدي (Pre - Post)، فقد تظهر إشارة $Z$ موجبة، بينما إذا أدخل البعدي أولاً ثم القبلي (Post - Pre)، فستظهر إشارة $Z$ سالبة، على الرغم من أن البيانات والقيمة الاحتمالية $p$ متطابقة تماماً في الحالتين.
لذا، يجب على الباحث ألا يستنتج اتجاه الأثر بناءً على إشارة $Z$ المجردة بمعزل عن جدول المراتب (Ranks Table). يجب دائماً قراءة $Z$ بالتوازي التام مع عمود Mean Rank وعدد الرتب الموجبة والسالبة لمعرفة الاتجاه الفعلي للتغير؛ فالرتب هي الحاكم النهائي لمعنى التحسن أو التراجع.
فضلاً عن ذلك، يجب الحذر من الوقوع في خطأ الاعتماد على الدلالة التقاربية (Asymp. Sig) في العينات الصغيرة وتجاهل الدلالة الدقيقة (Exact Sig)، أو الخلط بين مستويات الدلالة أحادية الذيل وثنائية الذيل (One-tailed vs. Two-tailed). يولد SPSS افتراضياً الدلالة ثنائية الذيل؛ فإذا كان لدى الباحث فرضية موجهة مسبقاً (Directional Hypothesis) مدعومة بإطار نظري صارم، يمكنه قسمة الدلالة الدقيقة ثنائية الذيل على 2 للحصول على الدلالة أحادية الذيل، شريطة أن يكون اتجاه الرتب الملاحظ متطابقاً تماماً مع الاتجاه المتوقع في الفرضية النظرية.
خاتمة واستنتاجات منهجية
يقف اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة كأحد أعظم الابتكارات في تاريخ القياس والإحصاء الاستدلالي، مقدماً حلاً رياضياً عبقرياً يزاوج بين متانة الاستدلال ومرونة التعامل مع تعقيدات البيانات الواقعية. ومن خلال استبدال الفروق الخام المشوهة بمنظومة الرتب الموقعة الذكية، يمنح الاختبار الباحثين في العلوم الإنسانية والنفسية والطبية شبكة أمان منهجية تمكنهم من اختبار الفرضيات السببية في تصاميم القياسات المتكررة بثقة وموضوعية مطلقة، دون القلق من تشوهات التوزيع الاعتدالي أو التواء المقاييس الرتبية ومقاييس ليكرت.
إن إتقان إجراء هذا الاختبار عبر برنامج IBM SPSS Statistics، بمختلف واجهاته الكلاسيكية والحديثة، يمثل مهارة جوهرية لكل باحث يسعى للرصانة والتميز الأكاديمي. ومع ذلك، تظل القيمة الحقيقية للتحليل الإحصائي مرهونة بقدرة الباحث على الجمع الخلاق بين الدقة الإجرائية للبرمجيات والعمق التحليلي لتفسير النتائج؛ من خلال فحص الافتراضات التوزيعية، وتفكيك بنية جدول الرتب، وحساب أحجام الأثر القياسية بمعادلاتها الدقيقة، وتوثيق النتائج وفق أحدث معايير التوثيق العالمية (APA 7th Edition). إن تبني هذه الممارسات الإحصائية الرصينة هو الضمان الحقيقي لتحويل البيانات الرقمية الصامتة إلى حقائق علمية موثوقة تسهم في ترقية المعرفة الإنسانية وتطوير الممارسات الإكلينيكية والسلوكية التطبيقية.
References
- Cohen, J. (1988). Statistical power analysis for the behavioral sciences (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
- Conover, W. J. (1999). Practical nonparametric statistics (3rd ed.). John Wiley & Sons.
- Field, A. (2018). Discovering statistics using IBM SPSS statistics (5th ed.). SAGE Publications.
- Hodges, J. L., & Lehmann, E. L. (1963). Estimates of location based on rank tests. The Annals of Mathematical Statistics, 34(2), 598–611. https://doi.org/10.1214/aoms/1177704172
- IBM Corporation. (2021). IBM SPSS Statistics 28 Core System User’s Guide. IBM Corp. https://www.ibm.com/docs/en/spss-statistics
- Kerby, D. S. (2014). The simple difference formula: An approach to teaching nonparametric correlation. Comprehensive Psychology, 3, Article 1. https://doi.org/10.2466/11.IT.3.1
- Pratt, J. W. (1959). Remarks on zeros and ties in the Wilcoxon signed rank procedures. Journal of the American Statistical Association, 54(287), 655–667. https://doi.org/10.1080/01621459.1959.10501526
- Rosenthal, R. (1991). Meta-analytic procedures for social research (Rev. ed.). SAGE Publications. https://doi.org/10.4135/9781412984997
- Siegel, S., & Castellan, N. J. (1988). Nonparametric statistics for the behavioral sciences (2nd ed.). McGraw-Hill.
- Wilcoxon, F. (1945). Individual comparisons by ranking methods. Biometrics Bulletin, 1(6), 80–83. https://doi.org/10.2307/3001968