يمثل النصف الثاني من القرن التاسع عشر أحد أكثر المنعطفات الفكرية والمنهجية حرجاً في تاريخ الفلسفة الغربية وتاريخ العلوم الإنسانية على حد سواء؛ إذ شهدت تلك الحقبة مخاض ولادة علم النفس كحقل معرفي مستقل يسعى للانسلاخ عن الميتافيزيقا التأملية وتأسيس مشروعيته المعرفية على أسس علمية رصينة. وفي خضم الصراع المحموم بين النزعة المادية الاختزالية التي سعت إلى ابتلاع الظاهرة الإنسانية وردّها إلى مجرد شحنات كهرومغناطيسية وتفاعلات فسيولوجية ميكانيكية، وبين النزعات الاستبطانية الذرية التي حاولت تفتيت الوعي إلى جزيئات حسية ساكنة، برز المشروع الفلسفي والنفسي التأسيسي الذي قاده الفيلسوف وعالم النفس الألماني النمساوي فرانز برينتانو (Franz Brentano، 1838–1917).
تجلّى هذا المشروع في صياغة ما بات يُعرف تاريخياً بـ «علم نفس الفعل» (Act Psychology / Aktpsychologie)، وهو النموذج الإبستمولوجي الذي أعاد توجيه بوصلة التحليل السيكولوجي من الانشغال بـ «المحتويات» الساكنة للتجربة الشعورية إلى فحص «الأفعال» الذهنية الديناميكية التي تُشكّل قوام الحياة الواعية. لم يكن طرح برينتانو مجرد اقتراح منهجي عابر في إطار علم النفس الفسيولوجي الناشئ، بل كان بمثابة ثورة أنطولوجية ومعرفية استعادت السؤال الجوهري حول طبيعة الوعي البشري وخصوصيته الفريدة، وأعادت إحياء وتطوير أحد أهم المفاهيم في فلسفة العقل عبر العصور: مفهوم «القصدية» (Intentionality / Intentionalität).
يقدم هذا المقال الموسوعي قراءة نقدية وتفكيكية معمقة لمشروع فرانز برينتانو في علم نفس الفعل؛ مستعرضاً سياقاته التاريخية، وأسسه الأنطولوجية، وتصنيفاته الدقيقة للظواهر النفسية، ومنهجيته التجريبية الوصفية، وصولاً إلى مقارنته بالنموذج البنيوي المنافس لفيلهلم فونت، وامتداداته الحاسمة التي أفضت إلى ولادة الفينومينولوجيا الهوسرلية ومدرسة الغشتالت وتيارات فلسفة العقل المعاصرة.
- 1. المدخل التاريخي والفكري لفرانز برينتانو
- 2. ماهية علم نفس الفعل وأسسه النظرية
- 3. مبدأ القصدية: الركيزة الكبرى في فلسفة برينتانو
- 4. تصنيف الظواهر النفسية عند برينتانو
- 5. المنهجية العلمية في علم نفس الفعل
- 6. المقارنة النقدية: علم نفس الفعل مقابل علم نفس المحتوى عند فونت
- 7. الأسس الإبستمولوجية وفلسفة العقل عند برينتانو
- 8. الجذور الفلسفية والتأثيرات الفكرية في أعمال برينتانو
- 9. تأثير برينتانو في ظهور وتطور الفينومينولوجيا
- 10. مدرسة برينتانو وتلاميذه البارزون في تاريخ الفكر
- 11. علم نفس الفعل في ضوء علم النفس المعرفي وفلسفة العقل المعاصرة
- 12. التقييم النقدي الشامل لعلم نفس الفعل والآفاق المستقبلية
- خاتمة
- المراجع
1. المدخل التاريخي والفكري لفرانز برينتانو
1.1 السيرة الفكرية لفرانز برينتانو ومسيرته الأكاديمية
ولد فرانز كليمنس برينتانو في 16 يناير 1838 في مدينة مابارين قرب بوبارد على نهر الراين في ألمانيا، وسط عائلة كاثوليكية عريقة ذات تقاليد فكرية وأدبية وثيقة الصلة بالرومانسية الألمانية. تلقى برينتانو تكويناً فلسفياً ولاهوتياً معمقاً في جامعات ميونخ وفورتسبورغ وبرلين ومونستر، حيث درس تحت إشراف نخبة من كبار الفلاسفة والمؤرخين، من أبرزهم أدولف تريندلينبورغ (Adolf Trendelenburg) الذي غرس فيه عشقاً متقداً للفلسفة الأرسطية والمدرسية الكلاسيكية. تُوّج مساره الأكاديمي المبكر بالحصول على درجة الدكتوراه من جامعة توبنغن عام 1862 بأطروحة تأسيسية رائدة حملت عنوان «حول المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو» (Von der mannigfachen Bedeutung des Seienden nach Aristoteles)، وهي الدراسة التي تركت أثراً بالغاً في الفلسفة المعاصرة، وكان لها دور محوري لاحقاً في توجيه فكر مارتن هايدغر نحو مسألة الوجود.
رُسّم برينتانو كاهناً كاثوليكياً عام 1864، وبدأ التدريس في جامعة فورتسبورغ بصفته أستاذاً للفلسفة. غير أن نزاهته العقلية وصرامته النقدية وضعتاه في صدام مباشر مع العقيدة الكنسية؛ إذ عارض بشدة إعلان المجمع الفاتيكاني الأول لعقيدة «عصمة البابا» عام 1870، مما دفعه بعد صراع فكري وأخلاقي مرير إلى التخلي النهائي عن الكهنوت عام 1873. انتقل برينتانو إثر ذلك إلى العاصمة النمساوية ليُعيّن أستاذاً للفلسفة في جامعة فيينا عام 1874، وهو العام المفصلي الذي شهد نشر رائعته الفلسفية الكبرى: «علم النفس من وجهة نظر تجريبية» (Psychologie vom empirischen Standpunkte).
في جامعة فيينا، تحول برينتانو إلى قطب فلسفي جاذب لألمع العقول الشابة في أوروبا الوسطى؛ حيث تميزت محاضراته بالحوار السقراطي الحي والوضوح المفاهيمي الفائق والصرامة المنطقية. وقد تتلمذ على يديه وتأثر بأفكاره جيل كامل من المفكرين الذين صاغوا ملامح الفلسفة وعلم النفس في القرن العشرين، ومن بينهم إدموند هوسرل، وأليكسيوس ماينونغ، وكريستيان فون إهرنفيلس، وكارل شتومبف، وأنطون مارتي، وحتى سيغموند فرويد الشاب الذي حضر ندواته الفلسفية وتأثر برؤيته لنشاط الوعي وطبيعته الديناميكية.
1.2 السياق الفلسفي والعلمي في القرن التاسع عشر
تزامن مشروع برينتانو مع ذروة صعود النزعة الوضعية (Positivism) والمادية العلمية في الفضاء الثقافي الأوروبي. كانت العلوم الطبيعية—لا سيما الفيزياء والميكانيكا والفسيولوجيا وعلم وظائف الأعضاء—تحقق انتصارات باهرة بفضل المنهج الاختزالي الرياضي. وقد فرض هذا النجاح الكاسح على سائر فروع المعرفة أن تعيد موضعة نفسها وفق المعايير التجريبية الوضعية. وفي هذا المناخ، كان علم النفس يكافح لفك ارتباطه باللاهوت والتأملات الميتافيزيقية المجرّدة التي اتسمت بها الفلسفة المثالية الألمانية لما بعد كانط، ولا سيما نسق هيغل الشمولي الذي بات يُنظر إليه بعين الريبة من قبل الأوساط العلمية.
هيمن على الأوساط الأكاديمية الألمانية في تلك الفترة نموذج «علم النفس الفسيولوجي الميكانيكي»، الذي مثلته أعمال هيرمان فون هلمهولتز وغوستاف فيخنر، والذي يسعى لربط الإحساسات البشرية بالمنبهات المادية من خلال صيغ رياضية وقياسات مخبرية صارمة. وكان السؤال الفلسفي والإبستمولوجي الملح في ذلك العصر هو: هل يمكن لعلم النفس أن ينال استقلاليته كعلم تجريبي صارم دون أن يتنازل عن طبيعة موضوعه المتمثلة في «الخبرة الذاتية المعاشة»؟ بعبارة أخرى، هل يقتضي تبني العلمية بالضرورة اختزال العقل في الدماغ والوعي في مجرد آليات فسيولوجية عصبية؟
أدرك برينتانو بحدة هذا المأزق الإبستمولوجي؛ ورأى أن الاندفاع الأعمى نحو استعارة مناهج الفيزياء والكيمياء وتطبيقها الحرفي على دراسة الروح البشرية يُهدد بإلغاء الظاهرة النفسية ذاتها وتجريدها من خصائصها الوجودية النوعية. ومن هنا، نشأت الحاجة الملحة إلى تأسيس علم نفس «تجريبي» بالمعنى الأصيل للتجربة—أي القائم على الفحص الدقيق والمنهجي للخبرة الواعية المباشرة كما تُعاش من الداخل، وليس بالمعنى الضيق الذي يقصر التجريبية على القياسات الفيزيائية والأدوات المعملية السطحية.
1.3 الدوافع المركزية لصياغة علم نفس الفعل
تحددت دوافع برينتانو في صياغة «علم نفس الفعل» عبر معركتين فكريتين متوازيتين؛ الأولى كانت ضد الاختزالية المادية (Materialistic Reductionism) التي تجرد الحياة الذهنية من غائيتها ومعناها، وتحصر الوعي الإنساني في كونه مجرد «ظاهرة ثانوية» (Epiphenomenon) لا حول لها ولا قوة، ترافق التفاعلات الكيميائية العصبية دون أن تمتلك فاعلية ذاتية أو بنية نوعية خاصة بها. رأى برينتانو أن الوعي ليس ناتجاً سلبياً عاجزاً، بل هو فاعلية منتجة ومركز النشاط الإنساني بأكمله.
أما المعركة الثانية، فكانت موجهة ضد النزعة البنيوية التفكيكية والذرية النفسية (Psychological Atomism) التي بلغت ذروتها مع النماذج الترابطية لعلماء النفس المعمليين؛ وهي النماذج التي تصورت الوعي كأنه مركب من جزيئات حسية خام ساكنة («محتويات» مثل بقعة لونية، أو درجة صوتية معزولة) تترابط ميكانيكياً وفق قوانين التداعي. أكد برينتانو أن هذه النظرة التفكيكية تُشوه جوهر الظاهرة النفسية؛ فالوعي في حقيقته لا يتألف من كتل مادية مستقرة أو أشياء معطاة سلفاً، بل هو عبارة عن أفعال ونشاطات وممارسات حية.
انطلق برينتانو من قناعة راسخة بأن مهمة علم النفس الأساسية ليست رصد المحتويات الخارجية المعزولة التي تملأ الذهن، بل الكشف عن «بنية الفعل» التي يقوم بها الذهن عندما يدرك، يتذكر، يحكم، يحب، أو يكره. إن هذا التحول من «المحتوى الساكن» إلى «الفعل الديناميكي النشط» هو حجر الزاوية الذي شيد عليه برينتانو صرح مذهبه السيكولوجي، موجهاً ضربة قاصمة لكلتا النزعتين: المادية السلوكية والذرية الترابطية.
2. ماهية علم نفس الفعل وأسسه النظرية
2.1 تعريف ‘الفعل النفسي’ مقابل ‘المحتوى النفسي’
يقوم علم نفس الفعل عند فرانز برينتانو على تمييز ابستمولوجي حاسم ودقيق بين قطبين متمايزين داخل كل خبرة شعورية: الفعل النفسي (Psychischer Akt) والمحتوى النفسي أو الفيزيائي (Inhalt / Physisches Phänomen). يمثل «الفعل» النشاط الذهني الإجرائي أو العملية الواعية الحية التي تمارسها الذات المفكرة، في حين يمثل «المحتوى» المادة أو الشيء أو المعطى الذي يتوجه إليه هذا الفعل ويقع تحت طائلته.
لتوضيح هذا التمايز الجوهري، يقدم برينتانو مثال عملية الرؤية الإدراكية: عندما ينظر المرء إلى شجرة مورقة أو لون أحمر متوهج، يجب التمييز بشكل قاطع بين ظاهرتين متزامنتين لكنهما مختلفتان نوعياً:
- فعل الرؤية (Act of Seeing): وهو العملية النفسية الديناميكية الخالصة، والنشاط الإدراكي الذاتي الذي يمارسه الوعي في اللحظة الراهنة. هذا الفعل هو الظاهرة النفسية الحقيقية التي ينبغي أن ينصب عليها اهتمام علم النفس.
- اللون المرئي أو الصورة البصرية (The Color Red / The Visual Content): وهو المحتوى الفيزيائي المعطى للفعل، أو الشيء الذي تتم رؤيته. هذا المحتوى بحد ذاته ليس فعلاً نفسياً، بل هو موضوع فيزيائي أو تمثلي يستند إليه الفعل.
يمتد هذا التمييز إلى سائر النشاطات العقلية؛ فـ «فعل السمع» ظاهرة نفسية تختلف عن «النغمة المسموعة»، و«فعل التذكر» يختلف عن «الحدث المتذكَّر»، و«فعل الرغبة» يختلف جذرياً عن «الشيء المرغوب فيه». ومن خلال هذا التفكيك، يؤكد برينتانو أن العقل البشري ليس مستودعاً سلبياً يتكدس بالمحتويات والصور كما تصورت النزعات التجريبية الساذجة، بل هو محرك فاعل وديناميكي لا يكف عن ممارسة الأفعال التوليدية تجاه معطيات الواقع.
2.2 السمات الجوهرية للأفعال النفسية
يحدد برينتانو مجموعة من الخصائص الوجودية والمعرفية التي تميز الأفعال النفسية تمييزاً مطلقاً عن سائر الظواهر الفيزيائية الطبيعية، وتتمثل أبرز هذه السمات فيما يلي:
أولاً، الوحدة والترابط المستمر (Unity and Continuity): لا توجد الأفعال النفسية في الذهن على هيئة شظايا مبعثرة أو ذرات متفرقة، بل تتدفق في مجرى شعوري واحد متصل ومتماسك. فحتى عندما يمارس الوعي أفعالاً متعددة في آن واحد—كالرؤية والسمع والتفكير في لحظة واحدة—فإن هذه الأفعال لا تتجاور كأجسام فيزيائية، بل تندمج في وحدة تركيبية عضوية تعود إلى الذات الواعية ذاتها.
ثانياً، اللامادية واللانفاذية المكانية (Immateriality and Non-Spatiality): في حين تتميز الظواهر الفيزيائية بالامتداد المكاني والقابلية للقياس الهندسي وشغل حيز من الفراغ، فإن الأفعال النفسية تفتقر تماماً إلى الامتداد المكاني؛ إذ لا يمكن تحديد «طول» فعل التفكير أو «موقع» فعل الحكم في الفضاء ثلاثي الأبعاد. إنها ظواهر زمنية بامتياز تحدث في مجرى الزمن وتتصف بالشفافية واللامادية الخالصة.
ثالثاً، المرجعية الذاتية والتوجه المستمر (Self-Referential Directedness): يتسم كل فعل نفسي بأنه ينطوي في صميمه على علاقة داخلية بالذات الواعية، مصحوباً بانفتاح وتوجه لا ينقطع نحو موضوع يتجاوزه، وهي السمة التي تُعرف بالقصدية. لا يمكن للفعل النفسي أن ينغلق على ذاته كجوهر أصم، بل إن ماهيته ذاتها متحققة في هذا التوجه الخارجي نحو ما ليس هو.
2.3 موقع الفعل النفسي في بنية المعرفة الإنسانية
يحتل الفعل النفسي في نظرية المعرفة البرينتانية مكانة الأساس الأنطولوجي والإبستمولوجي الذي يقوم عليه صرح الفكر البشري بأكمله. فكل ما يمتلكه الإنسان من تصورات مجردة، ومفاهيم فلسفية، وقوانين علمية، وأحكام قيمية، ليس سوى نتاج مباشر لسلسلة من الأفعال الذهنية النشطة التي قامت بموضعة الواقع وتأطيره في أشكال دلالية ذات معنى.
يؤكد برينتانو على استحالة وجود «محتوى ذهني» بمعزل عن فعل نفسي يحمله ويمنحه التحقق الوجودي في حقل الوعي. إن المفاهيم الرياضية المعقدة، مثل مفهوم اللانهاية أو الجذر التربيعي، أو التصورات الأخلاقية المجردة مثل العدالة والفضيلة، لا تسبح في فضاء أفلاطوني معزول داخل الوعي، بل تولد وتتجدد في كل مرة عبر «فعل تعقّل» أو «فعل تجريد» أو «فعل حكم» يقوم به العقل الإنساني.
وبذلك، فإن بنية المعرفة عند برينتانو ليست بنية استاتيكية من المعطيات الجاهزة، بل هي شبكة ديناميكية مستمرة من الفاعليات المعرفية؛ حيث يؤسس فعل التمثل للأحكام، وتبني الأحكام شبكة الاستدلالات، وتوجه الاستجابات الوجدانية من حب وكره مسارات الاهتمام والاختيار الإنساني. إن فهم المعرفة يقتضي بالضرورة تشريح وفهم طبيعة الأفعال التي أنتجتها.
3. مبدأ القصدية: الركيزة الكبرى في فلسفة برينتانو
3.1 المفهوم الفلسفي للقصدية والوجود الذهني التضايفي
يُعد مفهوم القصدية (Intentionality) الإسهام الفلسفي الخالد الذي خلد اسم فرانز برينتانو في سجلات الفكر الإنساني. لم يدّعِ برينتانو اختراع هذا المفهوم من العدم، بل أعاد استعارته ببراعة واقتدار من الفلسفة المدرسية والسكولاستية في العصور الوسطى—وتحديداً من كتابات القديس توما الأكويني وتفسيراته لأرسطو—والتي استخدمت مصطلح Intentio للإشارة إلى توجه العقل نحو الصور الذهنية.
قام برينتانو بتطوير هذا المفهوم القديم وصياغته بنيوياً ليتحول إلى معيار أنطولوجي صارم؛ حيث صاغ مفهومه الشهير: «الوجود الذهني التضايفي للموضوع» أو «الحلول القصدي للموضوع في الفعل» (Intentional Inexistence of an Object). ويعني هذا المصطلح أن كل ظاهرة نفسية تتضمن بطبيعتها وتكوينها الذاتي «موضوعاً» يقبع في داخلها؛ فالوعي ليس كياناً مفرغاً يقف بمفرده، بل هو دائماً وبالضرورة «وعيٌ بشيء ما».
يقول برينتانو في عبارته التاريخية التأسيسية في كتابه «علم النفس من وجهة نظر تجريبية» (1874):
«تتميز كل ظاهرة نفسية بما أطلق عليه فلاسفة العصور الوسطى الحلول القصدي (أو العقلي) للموضوع، وما يمكن أن نسميه نحن—وإن لم تكن التسميات خالية تماماً من اللبس—العلاقة بمحتوى ما، أو التوجه نحو موضوع (وهو ما لا ينبغي فهمه هنا على أنه واقعة عينية حقيقية)، أو الموضوعية الذاتية الداخلية. ففي التمثل ثمة شيء يُتمثّل، وفي الحكم ثمة شيء يُقبل أو يُرفض، وفي الحب ثمة شيء يُحب، وفي البغض ثمة شيء يُبغض، وفي الرغبة ثمة شيء يُرغب فيه…»
إن هذا الوجود التضايفي يعني أن الموضوع داخل الفعل النفسي ليس بالضرورة شيئاً مادياً مستقلاً في العالم الخارجي، بل هو قطب قصدي ينكشف ويتحقق داخل بنية الفعل الذهني ذاته.
3.2 القصدية كمعيار فاصل بين الظواهر النفسية والفيزيائية
استخدم برينتانو مبدأ القصدية كأداة فصل إبستمولوجية حاسمة لحل الإشكالية التي عجزت عنها الفلسفات السابقة: ما هو الحد الفاصل الذي لا يقبل الشك بين عالم الظواهر النفسية وعالم الظواهر الفيزيائية الطبيعية؟ وجاءت إجابة برينتانو القاطعة بأن القصدية هي السمة النوعية الحصرية والوحيدة التي تميز الظاهرة النفسية عن أي ظاهرة مادية أخرى.
لتوضيح هذا التمايز الجذري، أجرى برينتانو مقارنة بنيوية بين النمطين من الظواهر:
- الظواهر النفسية (Psychological Phenomena): تتسم دائماً بالانفتاح على موضوع خارج ذاتها أو متضمن فيها قصدياً. لا يمكن تخيل «خوف» دون أن يكون خوفاً من شيء (خطر داهم، حيوان مفترس، مستقبل مجهول)، ولا يمكن وجود «أمل» دون أن يكون أملاً في أمر ما، ولا «تفكير» دون موضوع يتم التفكير فيه. إن القصدية هنا شرط إمكاني بنيوي لا غنى عنه لقيام الظاهرة.
- الظواهر الفيزيائية (Physical Phenomena): تفتقر بنيوياً بصورة مطلقة إلى خاصية القصدية والتوجه. فقطعة الصخر، أو الموجة الكهرومغناطيسية، أو التفاعل الكيميائي داخل أنبوب اختبار، أو سقوط قطرة المطر، كلها ظواهر مادية مكتفية بذاتها مكانياً وسببياً، ولا «تشير» أو «تتوجه» إلى أي شيء وراء ذاتها. إن الصخرة لا تقصد شيئاً، والتفاعل الكيميائي لا يتضمن «موضوعاً داخلياً».
بهذا التحديد الدقيق، نجح برينتانو في تحصين علم النفس ضد محاولات الابتلاع الفيزيولوجي، مؤكداً أن لعلم النفس موضوعاً مستقلاً تماماً يمتلك خاصية أنطولوجية فريدة لا توجد في أي فرع آخر من فروع العلوم الطبيعية.
3.3 مستويات العلاقة القصدية بين الذات والموضوع
لم يقدم برينتانو القصدية كعلاقة أحادية البعد وساكنة، بل بين أنها تشتمل على مستويات وتدرجات متعددة من التعقيد في كيفية ربط الذات بموضوعاتها:
المستوى الأول هو المستوى الإدراكي الأولي المباشر (Direct Perceptual Level): وفيه يتوجه الفعل النفسي مباشرة نحو موضوع معطى في التجربة الحسية الآنية؛ مثل رؤية شروق الشمس أو سماع لحن موسيقي. هنا يرتبط الفعل بالموضوع كحضور حسي تجريبي مباشر.
المستوى الثاني هو المستوى التأملي والميتا-معرفي (Meta-Cognitive Reflexive Level): وفيه يمتلك العقل القدرة الفائقة على جعل «أفعاله القصدية ذاتها» موضوعاً لأفعال قصدية أخرى ثانوية. فالمرء لا يقتصر على تذكر حادثة ما، بل يستطيع في اللحظة ذاتها أن يفكر في «فعل تذكره» ويحلله ويقيمه نقدياً، مما يولد طبقات متراكبة من الوعي الذاتي.
المستوى الثالث هو القصدية التجريدية والخيالية (Abstract and Non-Existent Object Directedness): وتتجلى فيه المرونة المذهلة للذهن البشري في التوجه بقصدية تامة نحو موضوعات لا وجود لها في الواقع العيني المادي الخارجي إطلاقاً، أو كينونات مستحيلة منطقياً؛ كالتفكير في «الحصان المجنح (البيغاسوس)»، أو تخيل «جبل من ذهب»، أو حتى التفكير في مفاهيم رياضية مجردة مثل «الفضاء الإقليدي متعدد الأبعاد». تبرهن هذه الخاصية على أن القصدية علاقة نفسية محضة لا تتطلب الوجود الفيزيائي الواقعي للموضوع كي تتحقق وتكتمل دلالياً.
4. تصنيف الظواهر النفسية عند برينتانو
4.1 التمثلات والتصورات (Presentations / Vorstellungen)
يقدم برينتانو في كتابه «علم النفس من وجهة نظر تجريبية» تصنيفاً ثلاثياً ثلاثي الأبعاد للظواهر النفسية، معتبراً أن هذا التقسيم يستوعب كافة أشكال الخبرة الإنسانية الممكنة دون استثناء. ويضع على رأس هذا البناء التصنيفي فئة التمثلات أو التصورات (Vorstellungen) بصفتها الأساس الجذري والقاعدة التحتية التي تنبني عليها سائر العمليات العقلية اللاحقة.
يُعرّف برينتانو «التمثل» بأنه مجرد حضور الموضوع أو انبعاثه في حقل الوعي، دون أن يصاحب ذلك الحضور أي اتخاذ موقف إيجابي أو سلبي، ودون إصدار أي حكم بصدقه أو كذبه، ودون أي انفعال وجداني تجاهه. إنه التواجد الخام للموضوع أمام شاشة الذهن؛ كأن يتبادر إلى ذهني مجرد مفهوم «شجرة» أو صورة «لون أزرق» أو فكرة «المثلث». ويصيغ برينتانو قاعدته الإبستمولوجية الشهيرة: «لا يمكن لشيء أن يُحكم عليه، ولا يمكن لشيء أن يُرغب فيه أو يُكره، ما لم يكن متمثلاً ومحضوراً في الذهن أولاً».
تتنوع التمثلات بحسب طبيعة القنوات الإدراكية وطبيعة البناء الذهني؛ فمنها التمثلات الحسية المباشرة الناتجة عن المدركات البصرية والسمعية واللمسية، ومنها التمثلات الخيالية التي يعيد الذهن تركيبها من الذاكرة، ومنها التمثلات المفاهيمية المجردة التي يتعامل فيها العقل مع كليات ومعانٍ فكرية لا ترتبط بحس مباشر. ورغم هذا التنوع، تشترك جميعها في كونها أرضية الاستقبال الصامتة التي تُؤسس لما يليها من أفعال عقلية أكثر تركيباً.
4.2 الأحكام والتصديقات (Judgments / Urteile)
تمثل الفئة الثانية في تصنيف برينتانو فئة الأحكام أو التصديقات (Urteile)، وهي الأفعال النفسية المسؤولة عن الانتقال النوعي من مجرد «تمثل» الموضوع إلى اتخاذ موقف معرفي تصديقي حياله؛ وذلك إما بـ الإقرار والقبول (Acceptance / Anerkennung) بوجوده وصحته، أو بـ الرفض والنفي (Rejection / Verwerfung) والإنكار.
يُحدث برينتانو هنا ثورة جذرية في نظرية المنطق ونظرية المعرفة تتجاوز النموذج الأرسطي والكانطي التقليدي. ففي المنطق التقليدي، يُنظر إلى الحكم دائماً على أنه مركب تركيبي يُسند فيه محمول إلى موضوع عبر رابطة منطقية (مثل: «السقراط إنسان» أو «أ هي ب»). غير أن برينتانو يؤكد أن الجوهر الحقيقي لفعل الحكم ليس مجرد الربط التوليفي بين تصورين، بل هو الإقرار الوجودي بالشيء أو نفيه.
وفقاً للتحليل البرينتاني، فإن حكماً مثل «الله موجود» لا يعني إضافة صفة «الوجود» إلى ذات الإله، بل يعني «الإقرار والاعتراف بتمثل الله». وبالمثل، فإن حكماً سلبياً مثل «لا يوجد قنطور» لا يُسند العدم للقنطور، بل هو فعل «رفض وإنكار لصحة تمثل القنطور في الواقع». ويترتب على هذا أن الصدق والكذب ليسا صفتين تلحقان بالتمثلات المجردة في ذاتها، بل هما نتاج حصري لفعل الحكم؛ فالتمثل لا يصدق ولا يكذب، لكن الحكم عليه بالإثبات أو النفي هو وحده الذي يقع تحت مقولتي الصواب والخطأ.
4.3 ظواهر الحب والكره أو الانفعالات (Phenomena of Love and Hate)
تشمل الفئة الثالثة والأخيرة في تصنيف برينتانو كل ما يندرج تحت الظواهر الوجدانية، والانفعالات، والرغبات، وأفعال الإرادة (Gemütsbewegungen / Phänomene der Liebe und des Hasses). ورغم التنوع الهائل والظاهري بين مجرد ميل عاطفي عابر وبين قرار أخلاقي حاسم ينبع من الإرادة الحرة، إلا أن برينتانو يجمعها بجرأة في صنف بنيوي واحد استناداً إلى تماثل طبيعتها القصدية العميقة.
تتأسس هذه الفئة على وجود استجابة تقييمية وانجذاب وجداني نحو الموضوع المتمثَّل؛ فإذا كان العقل في فئة الأحكام يقبل الموضوع بوصفه «صادقاً» أو ينفيه بوصفه «كاذباً»، فإن الوجدان في فئة المشاعر والإرادة يستجيب للموضوع إما بـ الحب والميل والطلب بوصفه «خيراً وقيمة مرغوبة»، أو بـ البغض والنفور والرفض بوصفه «شراً ورذيلة مستهجنة».
انطلاقاً من هذا التحليل النفسي الرصين، يضع برينتانو الأساس لمذهبه في الأخلاق المعيارية وفلسفة القيم؛ حيث يرى أن مفاهيم «الخير» و«الشر» و«القيمة الأخلاقية» ليست كيانات ميتافيزيقية غامضة ومفارقة، بل تنبع من تجارب الحب والبغض الأصيلة التي تصدر عن وعي سليم وبديهي. فالخير هو ما يستحق أن يُحب على نحو صائب ومبرر، والشر هو ما يستحق أن يُبغض وينفر منه، مما يربط الأخلاق بصميم علم النفس الوصفي للأفعال الوجدانية.
5. المنهجية العلمية في علم نفس الفعل
5.1 مفهوم ‘التجريبية’ من منظور برينتانو
حمل الكتاب الأساسي لبرينتانو عنواناً دالاً ومنهجياً بامتياز: «علم النفس من وجهة نظر تجريبية». غير أن مفهوم «التجريبية» (Empiricism) عند برينتانو يختلف اختلافاً جذرياً عن التجريبية الوضعية السطحية أو التجريبية المعملية ذات الطابع الآلي الميكانيكي التي هيمنت على النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي اختزلت التجربة في المختبرات والأسلاك والأجهزة الفسيولوجية.
التجريبية عند برينتانو تعني الانطلاق الحصري والأصيل من الخبرة والتجربة المعاشة المباشرة (Erfahrung)؛ أي من معطيات الوعي والظواهر النفسية كما تتبدى للذات المدركة في سياق تدفقها الطبيعي والتلقائي. يرفض برينتانو بحزم أي بناء نظري ميتافيزيقي قبلي مسبق لا يستند إلى الملاحظة الدقيقة للوقائع الشعورية، لكنه في الوقت ذاته يرفض المعاملة القسرية للظواهر النفسية التي تُخضعها لأدوات القياس الفيزيائي الكمي، مؤكداً أن لعالم النفس أفقاً اختبارياً نوعياً أوسع وأعمق من أفق القياس الرياضي الخارجي.
تقتضي هذه التجريبية الموسعة تبني موقف الرصد المتأمل والمنهجي للبنى الكلية للوعي، والإنصات العميق لكيفية تشكل المعاني والأحكام داخل الخبرة الذاتية، معتبراً أن الملاحظة الداخلية المنهجية هي المنطلق الأوحد والأساسي لتأسيس علم نفس يقيني وجدير بصفة العلمية.
5.2 الإدراك الداخلي مقابل الاستبطان التقليدي
في سبيل تأصيل مشروعه المنهجي وحمايته من مزالق الشك السيكولوجي، صاغ برينتانو تمييزاً إبستمولوجياً بارعاً يُعد من أدق إسهاماته المنهجية، وهو التمييز بين «الإدراك الداخلي» (Innere Wahrnehmung) و«الملاحظة الداخلية أو الاستبطان» (Innere Beobachtung).
تاريخياً، وجه الفيلسوف الوضعي أوغست كونت ومعه العديد من العلماء نقداً لاذعاً لمنهج الاستبطان التقليدي (الملاحظة الداخلية)، مشيرين إلى استحالته المنطقية؛ إذ كيف يمكن للذات أن تنقسم إلى قطبين متزامنين: ذات تُلاحظ وموضوع يُلاحَظ في اللحظة ذاتها؟ فعندما يغضب الإنسان بشدة ويحاول في الوقت نفسه أن «يلاحظ» غضبه بموضوعية معملية، فإن مجرد توجيه الانتباه نحو الغضب يؤدي حتماً إلى تبريده وتلاشيه وتشويه الظاهرة النفسية الأصلية.
أقر برينتانو بصحة هذا الاعتراض على «الملاحظة الداخلية» المباشرة، معتبراً إياها مستحيلة أثناء سريان الفعل، لكنه ميزها تماماً عن «الإدراك الداخلي»؛ وأوضح الفروق الجوهرية بينهما كما في الجدول التوضيحي التالي:
| المعيار | الملاحظة الداخلية (Innere Beobachtung) | الإدراك الداخلي (Innere Wahrnehmung) |
|---|---|---|
| طبيعة النشاط | انتباه مقصود ومباشر يسعى لتثبيت الفعل وتفحصه ككائن خارجي. | وعي مصاحب وضمني يترافق حتماً وتلقائياً مع كل فعل نفسي أثناء حدوثه. |
| التأثير على الفعل | يُفسد الفعل النفسي الأصلي ويؤدي إلى تشويهه أو تلاشيه (كالغضب). | لا يؤثر على الفعل إطلاقاً، بل يشكل الوجه الملازم للخبرة الشعورية. |
| القيمة الإبستمولوجية | عرضة للخطأ والتحريف والتأويل الذاتي المضلل. | يتمتع باليقين المعرفي المطلق والبداهة المعصومة من الشك (Infallible). |
فبينما لا أستطيع أن «ألاحظ» غضبي ملاحظة خارجية دون إفساده، فإنني أثناء غضبي «أدرك داخلياً» وبشكل بديهي لا يقبل الشك أنني غاضب. إن هذا الإدراك الداخلي المصاحب هو المنبع الذي يستقي منه علم النفس مادته الخام اليقينية.
5.3 علم النفس الوصفي مقابل علم النفس التفسيري الجيني
قسّم برينتانو علم النفس إلى مسارين علميين متكاملين لكنهما متمايزان من حيث الرتبة المنهجية والغايات المعرفية: علم النفس الوصفي الفينومينولوجي (Deskriptive Psychologie / Psychognosie) وعلم النفس التفسيري أو الجيني (Genetische Psychologie).
يختص علم النفس الوصفي بمهمة تشريح وتوصيف وحصر البنى الصورية والنوعية الثابتة لعناصر الوعي البشري وروابطها الضرورية. إنه علم قبلي من حيث طبيعة استبصاره للماهيات؛ حيث يصف بدقة بالغة ما هو الفعل النفسي، وما هي أنماطه (تمثل، حكم، وجدان)، وكيف تتشابك تلك الأنماط في بنية الشعور، وذلك دون أدنى التفات إلى كيفية حدوث هذه الظواهر فسيولوجياً في الدماغ، أو ما هي الظروف المادية المسببة لها في المحيط البيئي.
في المقابل، يأتي علم النفس التفسيري/الجيني ليهتم بالبحث في القوانين السببية، والروابط العصبية، والظروف الفسيولوجية والتجريبية التي تؤدي إلى نشوء أو اضمحلال ظاهرة نفسية معينة (مثل دراسة كيفية تأثير تلف منطقة عصبية معينة على فقدان القدرة على تذكر الكلمات). وشدد برينتانو بحزم على الأسبقية الإبستمولوجية المطلقة لعلم النفس الوصفي على علم النفس التفسيري؛ إذ يستحيل تفسير سبب نشوء أي ظاهرة فسيولوجياً ما لم نكن قد قمنا أولاً بتوصيف ماهيتها وطبيعتها وبنيتها الشعورية على نحو وصفي فائق الدقة.
6. المقارنة النقدية: علم نفس الفعل مقابل علم نفس المحتوى عند فونت
6.1 المواجهة الإبستمولوجية بين برينتانو وفيلهلم فونت
يُسجل تاريخ علم النفس عام 1874 بوصفه العام الأعظم في تأسيس هذا العلم الحديث؛ ففيه نشر فرانز برينتانو كتابه «علم النفس من وجهة نظر تجريبية» في فيينا، وفيه نشر فيلهلم فونت (Wilhelm Wundt) كتابه المرجعي الضخم «مبادئ علم النفس الفسيولوجي» (Grundzüge der physiologischen Psychologie) في لايبزيغ. وقد دشن هذان المصنفان قطبين إبستمولوجيين متنافسين خاضا مواجهة فكرية شرسة صاغت مسارات السيكولوجيا لعقود متتالية.
تجسدت هذه المواجهة في ثنائية: نموذج فيينا الفلسفي الوصفي بزعامة برينتانو في مواجهة نموذج لايبزيغ المعملي التجريبي بزعامة فونت. انطلق فونت من ضرورة تبني نموذج العلوم الطبيعية الصارم عبر تأسيس أول مختبر رسمي لعلم النفس عام 1879، معتمداً على القياسات الزمنية لزمن الرجع والأجهزة الفسيولوجية لدراسة محتويات الوعي. أما برينتانو، فقد رأى أن استعارة أدوات الفيزياء والمختبر دون فهم فلسفي لبنية الفعل النفسي وقصديته ليست سوى ممارسة سطحية تعجز عن النفاذ إلى جوهر الوعي الإنساني وتختزل الفكر في أرقام كمية جوفاء.
6.2 الفعل الديناميكي مقابل العناصر الذرية الساكنة
تمحور الخلاف الجوهري بين علم نفس الفعل (برينتانو) وعلم نفس المحتوى أو البنيوية (فونت وتلميذه إدوارد تيتشنر) حول وحدة التحليل الأساسية في دراسة الحياة العقلية. أسس فونت مشروعه على مبدأ «الذرية النفسية» (Psychological Atomism)؛ حيث افترض أن الوعي يشبه مركباً كيميائياً معقداً يمكن تفكيكه معملياً إلى عناصره الأولية البسيطة: الإحساسات الخام (Sensations) والمشاعر البسيطة (Feelings)، والتي تترابط عبر قوانين الامتزاج والتداعي لتشكل محتوى الخبرة الشعورية.
شن برينتانو نقداً راديكالياً لهذا المنظور الذري، مؤكداً أن الخبرة الإنسانية لا تُعاش قط ككتل من الإحساسات المعزولة، بل تُعاش دائماً كـ كلية ديناميكية من الأفعال الحية. لا يوجد في الذهن «إحساس خام مجرد» باللون الأحمر يسبح بمفرده، بل يوجد «فعل رؤية» متكامل وموجه نحو هذا المحتوى. وبناءً عليه، فإن فونت كان يدرس النواتج والمخلفات الساكنة للعمليات العقلية (المحتويات)، في حين أن الواجب يقتضي دراسة العمليات المنشئة ذاتها (الأفعال). إن الوعي عند برينتانو ليس فسيفساء من العناصر الحسية، بل هو سيل متدفق من الفاعليات القصدية المنظمة.
6.3 أوجه القصور والمزايا في كلا النموذجين
تميز نموذج فيلهلم فونت بميزة براغماتية وعلمية بالغة الأهمية؛ حيث نجح في منح علم النفس اعترافاً مؤسسياً وأكاديمياً واسعاً بفضل الدقة المنهجية، والقدرة على إعادة تكرار التجارب المعملية وضبط المتغيرات التجريبية بدقة في بيئة المختبر. غير أن قصوره الفادح تجلى في جموده المنهجي، واختزاله المشوه للظواهر الإنسانية المركبة (كالأخلاق، والفن، والتفكير الفلسفي المجرد، والإرادة الحرة) في مجرد أزمنة استجابة عصبية ونبضات فيزيولوجية تفتقر للمعنى.
في المقابل، تميز نموذج برينتانو بعمقه الفلسفي الاستثنائي، وقدرته الفريدة على استيعاب تعقيدات الوعي الإنساني، وانفتاحه الواسع على قضايا المنطق، ونظرية المعرفة، والجماليات، والقيم الأخلاقية، مفسحاً المجال لفهم الظاهرة الإنسانية في كليتها المعاشة. ومع ذلك، واجه علم نفس الفعل مأخوذاً نقدياً تمثل في صعوبة تحويل مقولاته الوصفية التأملية إلى بروتوكولات تجريبية معملية كمية، وهو ما جعله في نظر بعض التجريبيين المتشددين أقرب إلى «فلسفة العقل» منه إلى علم النفس التطبيقي الكلاسيكي.
7. الأسس الإبستمولوجية وفلسفة العقل عند برينتانو
7.1 طبيعة الوعي ومسألة الوعي الذاتي
يقدم برينتانو في فلسفة العقل أطروحة فريدة ورصينة تُعرف بنظرية «الوعي المزدوج أو المتزامن» (The Theory of Secondary Consciousness). يسعى برينتانو من خلال هذه النظرية للإجابة عن المعضلة الكبرى: كيف نعي ذواتنا وأفعالنا في خضم توجهنا نحو موضوعات العالم الخارجي دون أن نقع في هاوية التراجع اللانهائي للأفعال (Infinite Regress)؟
يرى برينتانو أن كل فعل نفسي ينطوي في صميمه وفي اللحظة ذاتها على نمطين من الموضوعات المندرجة قصدياً في نسيجه:
- الموضوع الأولي (Primary Object): وهو الشيء أو الظاهرة الخارجية التي يتوجه إليها الفعل صراحة (مثل: النغمة الموسيقية التي تُسمع).
- الموضوع الثانوي (Secondary Object): وهو «فعل السمع ذاته»، والذي يحضر في الوعي حضوراً ضمنياً وبديهياً ومباشراً دون الحاجة إلى فعل ثانٍ منفصل لمراقبته.
إن فعل سماع النغمة هو في الوقت عينه وبنفس الحركة الشعورية «وعيٌ بسماع النغمة». وبناءً على هذه الرؤية المتماسكة، يرفض برينتانو رفضاً قاطعاً فرضية وجود «أفعال نفسية لاواعية» في بنية العقل البشري؛ فاللاوعي بالمعنى النفسي يمثل في نظره تناقضاً منطقياً داخلياً، إذ يستحيل وجود فعل نفسي يتصف بالقصدية والتضايف دون أن يكون مضيئاً وشفافاً ومعلوماً لذاته بالبداهة والإدراك الداخلي المصاحب.
7.2 نظرية الصدق وبداهة الإدراك
ترتبط نظرية الصدق عند برينتانو ارتباطاً وثيقاً بمفهومه عن «البداهة المعرفية» (Evidenz). يرفض برينتانو النظريات التطابقية الساذجة التي تزعم أن الصدق هو مجرد تطابق ميكانيكي خارجي بين فكرة في الرأس وشيء مادي في العالم، كما يرفض النظريات الذاتوية التلفيقية التي تجعل الصدق مسألة شعور نسبي غامض.
الصدق عند برينتانو هو خاصية جوهرية تتجلى في «الحكم البديهي» الصادر عن وعي استبصاري نقي. فعندما أحكم بأن «الكل أكبر من جزئه»، أو عندما أقر داخلياً وبإدراك يقيني بأنني «أشعر بالألم الآن»، فإن هذا الحكم لا يحتاج إلى برهان خارجي أو سند فسيولوجي لتوكيد صدقه؛ إذ يتسم بالبداهة الذاتية المعصومة من الخطأ (Infallibility).
يحتل الإدراك الداخلي للأفعال النفسية الآنية مكانة المصدر الأسمى والأوحد لليقين الإبستمولوجي المطلق في نظرية برينتانو؛ فنحن قد نشك في وجود الأشياء الفيزيائية الخارجية التي تنقلها لنا الحواس المادية المعرضة للوهم والسراب، لكننا يستحيل منطقياً ونفسياً أن نشك في حقيقة حدوث الفعل النفسي الداخلي (فعل الشك أو الرؤية أو الشعور) أثناء تجربتنا الحية له.
7.3 الموقف من الميتافيزيقا وثنائية الجسد والروح
رغم التزامه الصارم بالمنهج التجريبي الوصفي، لم يكن برينتانو معادياً للميتافيزيقا في ذاتها كما كان حال الوضعيين المناطقة، بل كان يؤمن بأن الميتافيزيقا الحقيقية والرشيدة لا يمكن بناؤها إلا على أرضية صلبة مستمدة من علم النفس الوصفي الدقيق. وقد صاغ شعاره الشهير في أطروحة التأهيل الأكاديمي: «إن المنهج الحقيقي للفلسفة ليس سوى منهج العلوم الطبيعية ذاته»، قاصداً بذلك التمسك بالملاحظة الصارمة والتحليل المنطقي الدقيق للمعطيات الواقعية.
أما بخصوص المسألة الكلاسيكية لثنائية الجسد والروح (Mind-Body Problem)، فقد اتخذ برينتانو موقفاً متميزاً يرفض النزعة المادية الأحادية التي تختزل الروح في الجسد، ويرفض بالمثل الثنائية الديكارتية الجامدة التي تفصل بين جوهرين منعزلين لا رابط بينهما. رأى برينتانو أن الوعي يمثل نمطاً وجودياً قائماً بذاته لا يقبل الرد الفيزيائي المباشر، غير أنه يتفاعل عضوياً وسببياً مع الشروط البيولوجية عبر قوانين علم النفس الجيني التفسيري، مما يجعل علم النفس هو المدخل الملكي والوحيد لإصلاح الفلسفة العامة وإعادة صياغة مباحث الوجود والمعرفة.
8. الجذور الفلسفية والتأثيرات الفكرية في أعمال برينتانو
8.1 الأثر الأرسطي والمدرسي في صياغة المفاهيم
تشكل الفلسفة الإغريقية الكلاسيكية—وتحديداً النسق الأرسطي—إلى جانب الفكر السكولاستي المدرسي في العصور الوسطى، الرافد الأنطولوجي الأعمق الذي تشربت منه عبقرية فرانز برينتانو. وقد انعكس تكوينه المبكر على أطروحة المعاني المتعددة للوجود لأرسطو في كل سطر خطه قلمه؛ حيث أعاد توظيف مفاهيم «القوة والفعل» (Act and Potency) وتطبيقها بصورة مبتكرة لتفسير ديناميكية الأفعال النفسية وحركتها التوليدية في مقابل سكونية المحتويات.
كما استثمر برينتانو بدقة فائقة كتابات القديس توما الأكويني وفلاسفة المدرسة المدرسية المتأخرين (مثل سيكستوس إمبيريكوس ودونس سكوتوس)، لا سيما في اقتباس وتطوير مفهوم «الحلول القصدي للموضوع» وتطويع المصطلحات اللاتينية الصارمة لتتحول إلى أدوات تحليلية نفسية حديثة. وقد منحه هذا التراث الكلاسيكي عمقاً مفاهيمياً واقتداراً منطقياً مكّنه من الصمود والتعالي فوق النزعات الوضعية المبتذلة التي سادت بيئته الثقافية، صانعاً توليفة عبقرية بين دقة التحليل السكولاستي ومتطلبات التجريبية الحديثة.
8.2 التفاعل مع التجريبية البريطانية والنزعة الوضعية
لم ينغلق برينتانو داخل القوقعة الأرسطية المدرسية، بل دخل في حوار نقدي ومعرفي عميق ومثمر مع أعلام المدرسة التجريبية البريطانية الكبرى، وفي مقدمتهم جون لوك، وديفيد هيوم، وجون ستيوارت مل. تبنى برينتانو من لوك وهيوم مركزية «التجربة والملاحظة الحسية» كمنطلق وحيد لرفض المبادئ الفطرية التأملية والميتافيزيقا القبلية الفارغة من المضمون الواقعي.
وقد خاض برينتانو نقاشاً موسعاً ومعقداً مع طروحات الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت مل، وتأثر بكتاباته في المنطق والعلوم الاستقرائية، وإن كان قد خالفه بشدة في نزعته الترابطية الذرية التي حاولت رد العمليات العقلية إلى تداعيات ميكانيكية آلية. كما تفاعل برينتانو بذكاء مع الوضعية الفرنسية لأوغست كونت؛ حيث وافق كونت على ضرورة تخلي العلم عن البحث في «العلل الغيبية الأولى والماهيات المطلقة»، لكنه فند أطروحة كونت القائلة باستحالة قيام علم نفس علمي، مبرهناً عبر نظريته في «الإدراك الداخلي» على مشروعية واستقلال علم النفس كعلم وضعي وتجريبي وصارم.
8.3 التمايز الجوهري عن الفلسفة المثالية الألمانية
اتسم الموقف الفلسفي لفرانز برينتانو بالعداء الصريح والرفض الراديكالي للتيار السائد في الفلسفة المثالية الألمانية لما بعد إيمانويل كانط، ولا سيما المنظومات الفلسفية التأملية لإيمانويل كانط، ويوهان فيخته، وفريدريش شيلينغ، وجورج هيغل. اعتبر برينتانو أن هذه الفلسفات قادت الفكر البشري إلى طريق مسدود من الغموض اللغوي، والتحليق الميتافيزيقي غير المنضبط، والابتعاد عن الواقع والخبرة الإنسانية المباشرة.
عارض برينتانو بشدة مفهوم كانط عن «الشيء في ذاته» (Das Ding an sich) الذي اعتبره كينونة ممتنعة عن المعرفة، كما رفض النزعات الصورية القبلية التي لا تستند إلى التجربة. وأسس بدلاً من ذلك ما يشبه حركة فلسفية مضادة في الأوساط النمساوية والألمانية عُرفت بـ «الواقعية المعرفية والتجريبية الصارمة»، والتي رفعت شعار العودة الحية إلى الظواهر كما تُعاش، والالتزام المطلق بالوضوح الدلالي والتفكير التحليلي المنطقي، وهو التوجه الذي شكّل النواة التأسيسية التي مهدت لاحقاً لظهور حركة الفلسفة التحليلية والفينومينولوجيا على السواء.
9. تأثير برينتانو في ظهور وتطور الفينومينولوجيا
9.1 إدموند هوسرل وتحويل القصدية إلى منهج فينومينولوجي
يُمثل الفيلسوف الرياضي إدموند هوسرل (Edmund Husserl) التلميذ الأكثر نبوغاً وتأثيراً بين تلامذة برينتانو؛ حيث حضر محاضراته التاريخية في جامعة فيينا بين عامي 1884 و1886. وكان لهذه المحاضرات وقع الصاعقة الفكرية في مسار هوسرل، إذ أقنعته بترك دراساته في الرياضيات المادية والتفرغ التام للبحث الفلسفي النفسي تحت إشراف أستاذه برينتانو.
تلقف هوسرل مفهوم برينتانو عن «القصدية» وعن «علم النفس الوصفي»، وقام بعملية تحويل ونقلة إبستمولوجية كبرى لهذا المفهوم في كتابه التأسيسي «أبحاث منطقية» (Logische Untersuchungen، 1900–1901)؛ حيث حرر القصدية من طابعها السيكولوجي التجريبي الصرف، ونقلها لتصبح المنهج والأساس الأوحد لحركة الفينومينولوجيا (الظاهراتية). لقد تحولت القصدية عند هوسرل من مجرد خاصية فاصلة للأفعال النفسية في الذهن إلى بنية انطولوجية ومعرفية شاملة تحكم انبثاق المعنى وتكوين العالم برمته داخل الوعي الخالص.
اعترف هوسرل طوال حياته بفضله المطلق لأستاذه برينتانو، مؤكداً أنه لولا كشف برينتانو لمبدأ القصدية وتحليله للأفعال الذهنية لما كان للفينومينولوجيا أن ترى النور كواحد من أعظم التيارات الفلسفية في القرن العشرين.
9.2 نقاط الافتراق والتمايز بين برينتانو وهوسرل
على الرغم من التلمذة والاعتراف بالفضل، سرعان ما وقع افتراق وانشقاق فلسفي ومنهجي عميق بين برينتانو وتلميذه هوسرل؛ حيث اتخذ كل منهما مساراً فكرياً متمايزاً أدى إلى جدل سجالي واسع بين المدرستين:
أولاً، رفض الرد الفينومينولوجي والتعليق الإيبوخي (The Epoché): طور هوسرل منهجه الشهير المتمثل في «وضع العالم بين قوسين» (التعليق الحكمي / Epoché) وتجاوز الواقع العيني للنفاذ إلى الماهيات الترنسندنتالية في الوعي الخالص. رفض برينتانو هذا التحول بشدة، واعتبر «الفينومينولوجيا الترنسندنتالية» ردة ونكوصاً مؤسفاً نحو المثالية الكانطية والتأملات الذاتية المغلقة التي ناضل طويلاً لدحضها، متمسكاً بـ «الواقعية التجريبية» الصارمة.
ثانياً، طبيعة الموضوع القصدي ومسألة الوجود العيني: تمسك برينتانو بأن الموضوع القصدي هو دائماً علاقة ترتبط بفعل واقعي داخل الذهن البشري الحقيقي، في حين بلور هوسرل نظرية معقدة تفصل بين «الفعل القصدي» (Noesis) و«المعنى أو الموضوع المثالي الموضوعي» (Noema)، مانحاً الموضوعات المثالية (كالماهيات الهندسية والحقائق المنطقية) استقلالاً أنطولوجياً متعالياً عن مجرد النشاط السيكولوجي البشري الفردي.
9.3 امتدادات القصدية لدى هايدغر وميرلو بونتي وسارتر
تجاوز إشعاع مفهوم القصدية الذي بعثه برينتانو حدود الفينومينولوجيا الهوسرلية المبكرة، ليتغلغل عميقاً في الفلسفة الوجودية والفينومينولوجيا المعاصرة عبر أجيال متتالية من الفلاسفة الكبار:
قام مارتن هايدغر (Martin Heidegger) في تحفته الفلسفية «الوجود والزمان» (1927) بنقل القصدية من مستواها المعرفي الذهني المجرد إلى مستوى الوجود العياني اليومي؛ محولاً إياها إلى مفهوم «الوجود في العالم» (Dasein / In-der-Welt-sein)، حيث لا يقف الإنسان كذات تفكر وتنظر إلى موضوعات معزولة، بل ينغمس في العالم عبر أفعال الاهتمام والممارسة والاستخدام العملي للأدوات.
أما الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي (Maurice Merleau-Ponty)، فقد قام بـ «تجسيد القصدية» (Corporeal / Bodily Intentionality)؛ مبرهناً في كتابه «فينومينولوجيا الإدراك» على أن أفعال الوعي ليست نشاطات عقلية شفافة ومعلقة في الفراغ، بل هي أفعال متجذرة في الجسد الحي، فالجسد هو قطب التوجه القصدي الأول نحو العالم.
في حين وظف جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) في «الوجود والعدم» مبدأ القصدية البرينتاني-الهوسرلي لإعلان الطبيعة الديناميكية والمفرغة للوعي؛ فالوعي عنده «لا شيء» في ذاته، بل هو حركة توجه دائمة وتجاوز مستمر نحو العالم، وهي الأطروحة التي أسس عليها مفهومه الثوري عن «الحرية الإنسانية المطلقة» والمسؤولية الوجودية.
10. مدرسة برينتانو وتلاميذه البارزون في تاريخ الفكر
10.1 أليكسيوس ماينونغ ونظرية الموضوعات
يُمثل الفيلسوف النمساوي أليكسيوس ماينونغ (Alexius Meinong، 1853–1920) أحد أجرأ وأبرز تلاميذ برينتانو الذين دفعوا بمبدأ القصدية إلى أقصى حدوده المنطقية والأنطولوجية الممكنة، مؤسساً ما عُرف تاريخياً بـ «نظرية الموضوعات» (Gegenstandstheorie).
انطلق ماينونغ من أطروحة أستاذه بأن كل فعل نفسي يتضمن موضوعاً، لكنه طرح تساؤلاً راديكالياً: ما هي الطبيعة الأنطولوجية لموضوعات الأفعال التي لا تمتلك وجوداً واقعياً في العالم الخارجي؛ مثل «الحصان المجنح»، أو «المربع الدائري»، أو «العدد 4»؟ قرر ماينونغ توسيع فضاء الوجود ليتجاوز الوجود العيني المحسوس، وقسّم الموضوعات إلى مستويات وجودية:
- الوجود العيني الحقيقي (Existenz): للأشياء المادية الواقعية في الزمان والمكان (كالطاولات والكواكب).
- الوجود الثبوتي المعنوي (Bestand): للمفاهيم الرياضية والحقائق المنطقية المجردة.
- اللا-وجود أو الوجود المستحيل (Aussersein): للكينونات المتناقضة ذاتياً كـ «المربع الدائري» أو «الذهب الخشبي».
أدى هذا التوسع الأنطولوجي الهائل والمفرط من قبل ماينونغ إلى نشوب خلاف حاد وقطيعة فلسفية كاملة بينه وبين أستاذه برينتانو، الذي رفض هذا التضخم في الكينونات اللاموجودة؛ متجهاً في مرحلته المتأخرة نحو نزعة اسمية واقعية متشددة عُرفت بالنزعة الشيئية، كما أثار ماينونغ لاحقاً السجال الفلسفي التحليلي الشهير مع برتراند راسل حول نظرية الأوصاف المنطقية.
10.2 كارل شتومبف وعلم نفس الصوت ونشأة الغشتالت
يُعتبر كارل شتومبف (Carl Stumpf، 1848–1936) التلميذ المباشر الأقرب لبرينتانو في مرحلة فورتسبورغ الأولى، والذي كرس حياته لتطبيق مبادئ علم نفس الفعل في دراسة الإدراك الحسي الصوتي والتجربة الجمالية والنغمية، متوجاً أبحاثه بكتابه المرجعي الرائد «علم نفس النغمات» (Tonpsychologie، 1883).
أثبت شتومبف عبر الملاحظة الوصفية الدقيقة أن إدراك النغمات والأنماط الموسيقية لا يمكن اختزاله في تجميع الترددات الصوتية المعزولة؛ إذ يدرك الذهن البشري النغمة والتآلف الموسيقي (Harmony) كفعل إدراكي تركيبي متكامل. شغل شتومبف كرسي الفلسفة وعلم النفس في جامعة برلين، وأسس مختبر برلين الشهير الذي تخرج منه الآباء المؤسسون لمدرسة علم نفس الغشتالت (Gestalt Psychology): ماكس فرتهايمر، وفولفغانغ كوهلر، وكورت كوفكا. ومن خلال إشرافه وتوجيهه الفكري، شكل شتومبف القنطرة الحية التي عبرت فوقها أفكار برينتانو لتستقر في قلب النظريات الجشطالتية حول كليات الإدراك.
10.3 سيغموند فرويد وتأثير برينتانو في التحليل النفسي
من الحقائق التاريخية المثيرة في تاريخ الفكر أن مؤسس التحليل النفسي، سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، درس الفلسفة مباشرة تحت إشراف فرانز برينتانو في جامعة فيينا بين عامي 1874 و1876، وكانت تلك المقررات الفلسفية والندوات الحوارية هي المساقات غير الطبية الوحيدة التي حرص فرويد على حضورها والتفاعل معها بحماس شديد، حتى إنه قام بتكليف من برينتانو بترجمة أحد مجلدات الأعمال الكاملة لجون ستيوارت مل إلى اللغة الألمانية.
تسلل التأثير البرينتاني إلى البنية النظرية العميقة للتحليل النفسي الفرويدي عبر عدة مستويات حاسمة:
- المفهوم الديناميكي النشط للعقل: استعار فرويد من برينتانو رؤيته للوعي بوصفه فاعلية ونشاطاً وصراعاً للقوى الدافعة، وليس مجرد مركب من الإحساسات الساكنة.
- القصدية والدوافع الغائية: تجلت القصدية عند فرويد في مفهوم «النزوع والرغبة وتوجه الطاقة النفسية (الليبييدو) نحو موضوعات بعينها (Cathexis / Objektbesetzung)».
وتكمن المفارقة الفكرية المذهلة والتاريخية في أن برينتانو الذي رفض طوال حياته مفهوم «العمليات اللاشعورية» كان هو المعلم المباشر الذي ألهم تلميذه فرويد المفاتيح المفاهيمية والديناميكية التي شيد بها الأخير أعظم نسق سيكولوجي لدراسة اللاشعور في العصر الحديث.
10.4 كريستيان فون إهرنفيلس ومفهوم ‘صفات الغشتالت’
قدم الفيلسوف النمساوي كريستيان فون إهرنفيلس (Christian von Ehrenfels، 1859–1932)—وهو تلميذ بارز آخر لبرينتانو—إسهاماً مفصلياً غير وجه علم النفس الإدراكي في ورقته البحثية الثورية المنشورة عام 1890 بعنوان «حول صفات الغشتالت» (Über Gestaltqualitäten).
انطلق إهرنفيلس مباشرة من التمييز البرينتاني بين الفعل والمحتوى، وطرح مسألته الشهيرة: عندما نستمع إلى لحن موسيقي معين مكون من تسلسل نغمات محددة، ثم نعيد عزف نفس اللحن بنقلة طبقية كاملة (Transposition) باستخدام نغمات وترددات فيزيائية مختلفة تماماً عن الأولى، فإننا ندرك على الفور وبشكل قاطع أن «اللحن هو ذاته لم يتغير». كيف يحدث هذا إذا كان الإدراك مجرد تجميع للإحساسات الفيزيائية الخام كما يدعي فونت؟
برهن إهرنفيلس على أن اللحن يتمتع بـ «صفة شكلية / صفة غشتالتية» (Gestaltqualität) جديدة كلياً لا توجد في النغمات الفردية المعزولة، بل تنبثق عبر «فعل نفسي تركيبي» يمارسه الوعي على تلك المعطيات. وقد صاغ إهرنفيلس المبدأ الخالد: «الكل أكبر من مجرد مجموع أجزائه»، ممهداً الطريق المباشر والنهائي للثورة الجشطالتية التي قلبت نظريات الإدراك البصري والسمعي في القرن العشرين رأساً على عقب.
11. علم نفس الفعل في ضوء علم النفس المعرفي وفلسفة العقل المعاصرة
11.1 إحياء مفهوم القصدية في فلسفة العقل الحديثة
شهد النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين عودة كبرى ومظفرة لمفهوم القصدية البرينتاني في قلب النقاشات المعاصرة لـ فلسفة العقل (Philosophy of Mind) والفلسفة التحليلية؛ حيث تبنى فلاسفة بارزون المفهوم وأعادوا صياغته لمعالجة قضايا الإدراك واللغة والذكاء الاصطناعي.
وقد انقسم الفلاسفة المعاصرون في تعاطيهم مع إرث برينتانو إلى اتجاهات متعددة:
- دانيال دينيت (Daniel Dennett): طور نظرية «الموقف القصدي» (The Intentional Stance) كأداة براغماتية لتفسير وتوقع سلوك الأنظمة المعقدة (سواء كانت بشراً أو حيوانات أو برمجيات حاسوبية).
- جون سيرل (John Searle): تمسك بالأصل البيولوجي والداخلي للقصدية، مدافعاً عن فرادتها كخاصية سببية ونوعية للوعي البشري الحي لا يمكن للآلات محاكاتها.
- جيري فودور (Jerry Fodor): حاول صياغة نظرية فيزيائية للمحتوى الذهني عبر ما يُعرف بـ «طبعنة القصدية» (Naturalizing Intentionality)؛ أي محاولة تفسير كيف يمكن لعالم مادي فيزيائي بحت أن يحتوي على حالات وأفعال ذهنية تمتلك خاصية التوجه القصدي نحو العالم الخارجي دون اللجوء للميتافيزيقا.
كما شكلت أطروحات برينتانو الإلهام الأول لما يُعرف اليوم بـ «مشكلة الوعي الصعبة» (The Hard Problem of Consciousness) التي صاغها ديفيد تشالمرز؛ والمتعلقة بكيفية انبثاق الخبرة الذاتية النوعية (Qualia) من الأنسجة العصبية الفيزيائية للدماغ.
11.2 علم نفس الفعل والنموذج المعرفي الحسابي
مع ظهور الثورة المعرفية ونموذج «المعالجة الحاسوبية للمعلومات» (Computational-Representational Theory of Mind) في علم النفس المعرفي، بدت أفكار برينتانو وكأنها تكتسب راهنية استباقية مذهلة. فالتمييز البرينتاني بين «الفعل» و«المحتوى» يتقاطع بنيوياً مع التمييز المعرفي الحديث بين «برامج المعالجة الإجرائية» (Processing Operations) و«بنى البيانات والرموز» (Data Structures).
غير أن علم نفس الفعل يوجه في الوقت نفسه نقداً استباقياً راديكالياً لنماذج الذكاء الاصطناعي الرمزي الكلاسيكي. ويتطابق هذا النقد حرفياً مع حجة «الغرفة الصينية» (Chinese Room Argument) الشهيرة التي صاغها الفيلسوف جون سيرل؛ ومفادها أن الحواسيب والبرمجيات قادرة فقط على معالجة الرموز الصورية وفق قواعد تركيبية (Syntax) دون أن تمتلك أدنى «قصدية حقيقية» أو «وعي دلالي أصيل» (Semantics) بالموضوعات التي تعالجها. إن الآلة تُحاكي نواتج الأفعال، لكنها تفتقر تماماً للحلول القصدي للفعل النفسي الذي وصفه برينتانو.
11.3 علم الأعصاب الإدراكي وقصدية الفعل
في العقود الأخيرة، قدمت أبحاث علم الأعصاب الإدراكي (Cognitive Neuroscience) وتكنولوجيا التصوير الدماغي الوظيفي (fMRI) سنداً وتأصيلاً بيولوجياً غير مسبوق للعديد من حدوسات برينتانو حول طبيعة الأفعال النفسية:
أولاً، الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons): كشفت أبحاث جياكومو ريزولاتي وفريقه في جامعة بارما عن وجود شبكات عصبية متخصصة في القشرة المخية لا تنشط فقط عند قيام الكائن بفعل حركي مقصود، بل تنشط أيضاً عند مجرد «ملاحظة فعل هادف يقوم به كائن آخر». يبرهن هذا الاكتشاف على أن الدماغ البشري مصمم بيولوجياً لترميز «الأفعال القصدية الغائية» وفهمها كأفعال وليس كمجرد حركات فيزيائية ميكانيكية مجردة.
ثانياً، الارتباطات العصبية للوعي الذاتي: أظهرت دراسات شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (Default Mode Network – DMN) كيف أن النشاط العصبي ينطوي دائماً على حالة مستمرة من المرجعية الذاتية المصاحبة لشتى الأنشطة الإدراكية، مما يمنح تأييداً تجريبياً عصبياً لنظرية برينتانو حول «الوعي الثانوي المزدوج»؛ حيث تظل فاعلية الذات يقظة وملازمة لجميع مسارات التوجه نحو العالم الخارجي.
12. التقييم النقدي الشامل لعلم نفس الفعل والآفاق المستقبلية
12.1 الانتقادات والاعتراضات الموجهة لعلم نفس الفعل
على الرغم من المكانة التأسيسية الرفيعة التي يحتلها مشروع فرانز برينتانو في تاريخ الفكر، إلا أنه واجه عبر مسيرته التاريخية جملة من المآخذ والاعتراضات الإبستمولوجية والمنهجية التي أثارها خصومه وتلاميذه على حد سواء:
أولاً، صعوبة التقنين المخبري: ظل علم نفس الفعل حبيس الوصف الفلسفي والتأمل المنطقي الصارم، وعجز عن تقديم بروتوكولات قياس كمية أو أدوات معملية واضحة يمكن للباحثين استخدامها لإجراء تجارب سيكومترية معيارية، مما أفسح المجال لمدارس علم النفس السلوكي والتجريبي لتهميشه لعقود طويلة بدعوى افتقاره للأدوات القياسية الموضوعية.
ثانياً، التعقيد والغموض في تطور مفهوم الحلول القصدي: واجه مفهوم «الوجود الذهني التضايفي» غموضاً أنطولوجياً كبيراً؛ فهل الموضوع القصدي كينونة حقيقية داخل الرأس أم مجرد علاقة دلالية؟ وقد اضطر برينتانو في مرحلته الفكرية المتأخرة إلى تعديل نظريته وتطوير ما أسماه «النزعة الشيئية» (Reism)؛ مؤكداً بحزم متطرف أنه لا يوجد في الواقع سوى «الأشياء العينية المفردة» (Things / Res)، محاولاً التخلص من الكينونات المثالية والمجردة التي فتحت قصدية مرحلته الأولى الباب أمامها.
ثالثاً، الرفض القاطع للاشعور: شكل إصرار برينتانو المطلق على حصر الظواهر النفسية في دائرة الوعي الشفاف والشعور المضاء لذاته نقطة ضعف منهجية كبرى تجاوزها علم النفس الحديث كلياً؛ حيث أثبتت آلاف الدراسات الإكلينيكية والعصبية المعاصرة وجود مسارات هائلة ومعقدة من المعالجة المعرفية والدوافع النفسية اللاشعورية (Implicit Processing) التي تدير سلوك الإنسان دون علمه الواعي المباشر.
12.2 القيمة التاريخية والمنهجية لأعمال برينتانو
تكمن العبقرية التاريخية والمنهجية لأعمال فرانز برينتانو في كونه الحصن الفكري المنيع الذي أنقذ علم النفس في مهد ولادته من الوقوع الكامل في مستنقع «المادية الميكانيكية الساذجة» والنزعات السلوكية الاختزالية التي سعت لتجريد الإنسان من روحه ومعناه وتحويله إلى مجرد ردود أفعال منعكسة وآلة بيولوجية صماء.
لقد زود برينتانو الفلسفة وعلم النفس بجهاز مفاهيمي صارم، عالي النقاء اللغوي والدلالي، أرسى من خلاله الجسر الإبستمولوجي الأكثر متانة وتأثيراً بين التراث الفلسفي الكلاسيكي وبين التجربة النفسية الواقعية. ويكفيه فخراً أنه كان النبع الفكري الخصب الذي انبثقت منه كبرى المدارس الفلسفية والسيكولوجية في القرن العشرين؛ فمن عباءته خرجت الفينومينولوجيا الهوسرلية، ومدرسة الغشتالت، ونظرية الموضوعات لماينونغ، وروافد التحليل النفسي الفرويدي، وبذور فلسفة العقل المعاصرة.
12.3 آفاق استلهام علم نفس الفعل في البحوث السيكولوجية المعاصرة
في عصرنا الراهن، يشهد علم نفس الفعل آفاقاً واعدة ومتجددة للاستلهام والتطبيق في طليعة البحوث الإنسانية والسلوكية:
أولاً، تطوير مناهج البحث النوعي الفينومينولوجي (Qualitative Phenomenological Research): تشهد ميادين علم النفس الإكلينيكي والإرشادي والطب النفسي المعاصر عودة كبرى للمناهج الوصفية المستندة لأصول برينتانو؛ حيث يتم التركيز على استكشاف «الخبرة المعاشة» للمريض (Lived Experience) وكيفية بنائه لمعنى معاناته من الداخل، بدلاً من الاقتصار على التشخيص الإحصائي السلوكي الخارجي.
ثانياً، دراسات الوعي والذكاء الاصطناعي التوليدي: مع التطور الهائل في نماذج الذكاء الاصطناعي وشبكات التعلم العميق، يعود مبدأ القصدية البرينتاني ليشكل المحك الفلسفي والأخلاقي الأسمى لتقييم هل تمتلك هذه الأنظمة وعياً ذاتياً أصيلاً أم مجرد محاكاة حاسوبية فارغة من الحلول القصدي والمعنى الباطني.
ثالثاً، علم النفس الأخلاقي وفلسفة العواطف: يمثل تصنيف برينتانو لظواهر الحب والبغض كأفعال وجدانية موجهة لقيم أصيلة مصدراً ثرياً لأبحاث علم النفس الأخلاقي المعاصر؛ حيث يُعاد الاعتبار للعواطف الإنسانية بوصفها أشكالاً راقية من «الإدراك القيمي العقلاني» والبوصلة التوجيهية للقرارات الأخلاقية والوجودية، مما يؤكد أن مشروع فرانز برينتانو ليس مجرد صفحة مشرقة في تاريخ الفلسفة الغابرة، بل هو شريان فكري نابض بالحياة يواصل إضاءة أسرار الوعي البشري في مسيرته المعرفية المعاصرة.
خاتمة
في الختام، يتبدى مشروع فرانز برينتانو في «علم نفس الفعل» بوصفه أحد أعظم الإنجازات المعمارية في تاريخ الإبستمولوجيا وفلسفة العقل. لقد نجح برينتانو في تحقيق معادلة فكرية بالغة الصعوبة؛ إذ أسس لعلم نفس تجريبي صارم ينبذ الميتافيزيقا التأملية الساذجة دون أن يسقط في فخ المادية الاختزالية التي تُفرغ الإنسان من جوهره الذاتي.
عبر إعادة اكتشاف وتطوير مبدأ القصدية كخاصية نوعية حصرية للظواهر النفسية، وعبر تمييزه الخالد بين فاعلية الفعل وديناميكيته وبين سكونية المحتوى المعطى، وضع برينتانو الأسس المتينة التي انطلقت منها أعظم التيارات الفكرية في القرن العشرين، من الفينومينولوجيا إلى الجشتالت والتحليل النفسي وفلسفة العقل المعاصرة. إن العودة إلى قراءة برينتانو اليوم ليست ترفاً أكاديمياً أو استعادة تاريخية متحفية، بل هي ضرورة إبستمولوجية ملحة لكل باحث يسعى لفهم طبيعة الوعي، وسر الذاتية الإنسانية، وحدود الذكاء الآلي في عالم تزداد فيه الحاجة إلى استعادة المعنى الإنساني الأصيل.
المراجع
- Brentano, F. (1874). Psychologie vom empirischen Standpunkte. Duncker & Humblot. [English Translation: Psychology from an Empirical Standpoint, trans. by A. C. Rancurello, D. B. Terrell, & L. L. McAlister, Routledge, 1973/1995]. https://archive.org/details/psychologypromem0000bren
- Brentano, F. (1862). Von der mannigfachen Bedeutung des Seienden nach Aristoteles. Herder. [English Translation: On the Several Senses of Being in Aristotle, trans. by Rolf George, University of California Press, 1975].
- Brentano, F. (1889). Vom Ursprung sittlicher Erkenntnis. Duncker & Humblot. [English Translation: The Origin of Our Knowledge of Right and Wrong, trans. by Roderick Chisholm, Routledge & Kegan Paul, 1969].
- Dennett, D. C. (1987). The Intentional Stance. MIT Press.
- Fisette, D., & Fréchette, G. (Eds.). (2013). Themes from Brentano. Rodopi.
- Heidegger, M. (1927). Sein und Zeit. Max Niemeyer Verlag. [English Translation: Being and Time, trans. by J. Macquarrie & E. Robinson, Harper & Row, 1962].
- Husserl, E. (1900–1901). Logische Untersuchungen (2 vols.). Max Niemeyer. [English Translation: Logical Investigations, trans. by J. N. Findlay, Routledge, 1970].
- Jacquette, D. (Ed.). (2004). The Cambridge Companion to Brentano. Cambridge University Press.
- Kriegel, U. (2018). Brentano’s Philosophical System: Mind, Being, Value. Oxford University Press.
- Merleau-Ponty, M. (1945). Phénoménologie de la perception. Gallimard. [English Translation: Phenomenology of Perception, trans. by D. A. Landes, Routledge, 2012].
- Rollinger, R. D. (1999). Husserl’s Position in the School of Brentano. Springer Science+Business Media.
- Sartre, J.-P. (1943). L’Être et le néant: Essai d’ontologie phénoménologique. Gallimard. [English Translation: Being and Nothingness, trans. by Hazel Barnes, Philosophical Library, 1956].
- Searle, J. R. (1983). Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind. Cambridge University Press.
- Smith, B. (1994). Austrian Philosophy: The Legacy of Franz Brentano. Open Court Publishing.
- Stumpf, C. (1883). Tonpsychologie (Vol. 1). S. Hirzel.
- von Ehrenfels, C. (1890). Über «Gestaltqualitäten». Vierteljahrsschrift für wissenschaftliche Philosophie, 14, 249–292.
- Wundt, W. (1874). Grundzüge der physiologischen Psychologie. Engelmann.