تاريخ علم النفسعلم النفس المعرفيعلم النفس النظري

نظرية النشاط – أليكسي ن. ليونتيف وسيرجي روبنشتاين

دليل أكاديمي شامل ومفصل يتناول نظرية النشاط في علم النفس السوفيتي، مع التركيز على إسهامات وأفكار أليكسي ليونتيف وسيرجي روبنشتاين وتطبيقاتها المعاصرة.

تاريخ النشر

تمثل نظرية النشاط (Activity Theory / Деятельностный подход) واحدة من أكثر المنظومات الفكرية والمنهجية رسوخاً وعمقاً في تاريخ العلوم الإنسانية وعلم النفس المعاصر. نشأت هذه النظرية في أعقاب التحولات الفلسفية والسياسية الكبرى التي شهدتها روسيا في بدايات القرن العشرين، وجاءت استجابة لأزمة إبستمولوجية حادة خيمت على علم النفس الكلاسيكي؛ تلك الأزمة التي تجسدت في الانشطار الحاد بين النزعة الاستبطانية الذاتية (Introspectionism) التي حصرت الظواهر النفسية في تأملات الوعي الداخلي المنعزل عن الواقع، وبين النزعة السلوكية الميكانيكية (Behaviorism) التي اختزلت الوجود الإنساني في مجرد استجابات فسيولوجية عمياء لمنبهات بيئية خارجية. وفي خضم هذا الاستقطاب الثنائي العقيم، برزت نظرية النشاط كمشروع ثوري يسعى إلى إعادة توطين الظاهرة النفسية داخل شروط الحياة المادية والممارسة الاجتماعية التاريخية.

تأسس هذا النموذج النظري الرائد على أيدي نخبة من أعظم علماء النفس السوفييت، وفي مقدمتهم أليكسي ليونتيف (Aleksei N. Leontiev) وسيرجي روبنشتاين (Sergei L. Rubinstein)، مستلهمين الإرث التأسيسي المبكر الذي وضعه ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky). ورغم انطلاق العالمين من قاعدة فلسفية واحدة ترتكز على المادية الجدلية ومفهوم الممارسة الإنسانية، إلا أن كلاً منهما شق مساراً نظرياً متميزاً في نمذجة النشاط وعلاقته بالوعي والشخصية؛ فبينما كرس ليونتيف جهوده لبناء نموذج هيكلي وظيفي ثلاثي المستويات يربط بين النشاط والدافع والفعل والعملية، ركز روبنشتاين على الصياغة الفلسفية الدقيقة لمبدأ “وحدة الوعي والنشاط” بوصفهما كينونة جدلية واحدة تتشكل وتتطور عبر التفاعل الحي مع العالم المادي والاجتماعي.

يقدم هذا البحث دراسة تفصيلية لنظرية النشاط، مستعرضاً أصولها الفلسفية ومسارات تطورها التاريخي، ومفككاً بنيتها المفاهيمية والهيكلية بدقة بالغة. كما يسلط الضوء على المناظرات المعرفية العميقة بين مدرستي ليونتيف وروبنشتاين، وصولاً إلى استكشاف التطبيقات المعاصرة للنظرية في مجالات التفاعل بين الإنسان والحاسوب (HCI)، ونظريات التعلم الحديثة، وعلم النفس التنظيمي، مما يبرهن على راهنية هذا الإرث الفكري وقدرته الفائقة على تفسير السلوك الإنساني في عالم معقد وسريع التحول.

1. المدخل التأسيسي لنظرية النشاط: النشأة والجذور الفلسفية

1.1 السياق الفلسفي والمادي الجدلي للنظرية

انبثقت نظرية النشاط من رحم الفلسفة الماركسية، وتحديداً من مفاهيم المادية الجدلية والمادية التاريخية التي أعادت تعريف الطبيعة البشرية انطلاقاً من مفهوم العمل الإنساني المنتج. لقد شكلت “أطروحات حول فيورباخ” لكارل ماركس الأساس الإبستمولوجي الذي استند إليه مؤسسو النظرية، لا سيما الأطروحة الأولى التي تنتقد المادية القديمة لأنها نظرت إلى الموضوع والواقع والحسية في شكل “موضوع للتأمل” فقط، وليس كنشاط حسي بشري، كممارسة (Praxis). إن الإنسان في هذا المنظور ليس كائناً منفعلاً تشكله البيئة السكونية، بل هو ذات فاعلة تعيد إنتاج ذاتها وتطور قدراتها النفسية من خلال تغييرها الثوري والعملي للعالم الموضوعي المحيط بها.

جاءت هذه الرؤية الفلسفية لتوجه نقداً جذرياً ومزدوجاً للمدارس النفسية السائدة في مطلع القرن العشرين. فمن ناحية، رفضت النظرية النزعة المثالية الديكارتية التي فصلت العقل عن الجسد، وعزلت الوعي الإنساني في فضاء داخلي صوفي لا يخضع لقوانين التطور التاريخي والمادي. ومن ناحية أخرى، قوضت النظرية السلوكية الاختزالية التي تصورت الكائن الحي كآلة بيولوجية تستجيب ميكانيكياً لثنائية (المثير – الاستجابة: S-R)، متجاهلة الطبيعة النوعية للنشاط الإنساني الغائي. ومن خلال تجاوز هذه الثنائية الديكارتية، أعادت نظرية النشاط بناء العلاقة بين الذات العارفة والموضوع الخارجي، مؤكدة أن النشاط العملي هو الجسر الجدلي الذي تتلاشى عبره الهوة المصطنعة بين العالم الداخلي للظواهر النفسية والعالم الخارجي للظواهر الفيزيائية والاجتماعية.

1.2 البيئة العلمية والسياسية في روسيا السوفيتية

عقب ثورة أكتوبر عام 1917، واجه المجتمع العلمي السوفيتي تحدياً تاريخياً غير مسبوق تمثل في ضرورة إعادة هيكلة منظومة العلوم برمتها لتتوافق مع المبادئ الفلسفية للماركسية اللينينية. ولم يكن علم النفس بمعزل عن هذه الرغبة الجذرية في التغيير؛ إذ سادت حالة من الاستياء العام تجاه النظريات السيكولوجية البرجوازية المستوردة من الغرب، والتي عُدّت عاجزة عن تفسير ولادة “الإنسان الجديد” المنخرط في بناء مجتمع اشتراكي. شهد معهد موسكو لعلم النفس مناظرات فكرية وصراعات حامية بين المدافعين عن علم النفس التجريبي الاستبطاني التقليدي بقيادة غيورغي تشيلبانوف، وبين التيارات الراديكالية الساعية إلى اختزال النفس في الأفعال المنعكسة والسلوكية المادية كتيار كونستانتين كورنيلوف (علم النفس التفاعلي/Reactology).

في خضم هذه التحديات الإيديولوجية والضغوط المؤسسية، برزت ضرورة صياغة إطار نظري منهجي يحافظ على خصوصية الظاهرة النفسية والوعي الإنساني دون الانزلاق إلى المثالية، ويفسر الطبيعة المادية للسلوك دون السقوط في الميكانيكية البيولوجية. كانت ولادة مدرسة خاركوف النفسية في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، بقيادة أليكسي ليونتيف ومعه ألكسندر لوريا وبيوتر غالبرين وفيليب زينتشينكو، نقطة تحول حاسمة؛ حيث انتقل ثقل البحث التجريبي والنظري إلى دراسة النشاط العملي العيني باعتباره المنطلق الفعلي لتشكل العمليات المعرفية، مما أسس لانفصال منهجي حاسم عن التوجهات السيكولوجية السطحية وتدشين عصر نظرية النشاط الكلاسيكية.

1.3 التعريف الأكاديمي للنشاط ومركزيته في علم النفس

يُعرَّف النشاط (Deyatel’nost / Activity) في الأدبيات السيكولوجية السوفيتية بوصفه وحدة التحليل الموليّة (Molar Unit) والأساسية للحياة النفسية، وليس مجرد إضافة تكميلية للوظائف المعرفية كالإدراك والتذكر والتفكير. إن النشاط ليس رد فعل بيولوجي فسيولوجي عارض، بل هو منظومة غير قابلة للاختزال من العمليات التي تحقق صلة حية وفعالة ومتبادلة بين كائن واعٍ وموضوعات العالم الخارجي؛ صلة يتوسطها هدف محدد ودافع حيوي أو اجتماعي. يكمن الفرق الجوهري بين النشاط الإنساني والسلوك الحيواني المجرد في أن الأخير يظل محكوماً بالتكيف الغريزي المباشر مع البيئة البيولوجية، بينما يتسم النشاط البشري بطابعه الغائي الواعي وتوجهه الصارم نحو إنتاج واستهلاك موضوعات محددة ثقافياً وتاريخياً.

تتسم الطبيعة الوسائطية للنشاط الإنساني بكونها لا تتعامل مع الطبيعة الخام بشكل عارٍ ومباشر، بل تتوسطها دائماً منظومات معقدة من الأدوات المادية (كالآلات والمعدات) والعلامات السيميائية الرمزية (كالرموز واللغات والأرقام). هذا التوسط الثقافي يعيد صياغة النشاط البشري ليصبح نشاطاً جماعياً بطبيعته حتى حين يمارسه الفرد بمفرده في عزلته الظاهرية؛ إذ يظل محكوماً بالخبرات التاريخية المترسبة في بنية الأدوات والمعاني الاجتماعية المشتركة. وبذلك، تحتل نظرية النشاط موقعاً متفرداً في المشهد السيكولوجي العالمي؛ فهي ليست مذهباً تجزيئياً يبحث في استجابات معزولة، بل هي نظرية نسقية شاملة تقدم نموذجاً متكاملاً لفهم كيف ينبثق العقل الإنساني من عمق الممارسة الاجتماعية التاريخية.

2. إرث ليف فيغوتسكي: الجذور الثقافية التاريخية لنظرية النشاط

2.1 مفهوم الوساطة السيميائية والأدوات النفسية

شكلت أطروحات ليف سيميونوفيتش فيغوتسكي (Lev Vygotsky) الأرضية الخصبة التي نمت منها نظرية النشاط، حيث تمثل مساهمته الكبرى في اكتشاف الطابع المتواسط للعمليات النفسية العليا. رأى فيغوتسكي أن الإنسان لا يرتبط بالمثيرات البيئية برابطة منعكسة بسيطة ومباشرة على نسق (المثير S → الاستجابة R)، بل يدخل وسيطاً رمزياً أو أداة نفسية (X) تحول العلاقة المباشرة إلى فعل ثلاثي متواسط ثقافياً. هذا الوسيط قد يكون كلمة، إشارة، رسماً بيانياً، أو أي أداة سيميائية اخترعها التطور التاريخي للمجتمع لتمكين الإنسان من التحكم الواعي في سلوكه وذاكرته وانتباهه.

وكما أن الأدوات المادية التقنية التي ابتكرها الإنسان تمكنه من ممارسة التأثير التغييري في الطبيعة الخارجية والسيطرة عليها، فإن الأدوات النفسية والرموز اللغوية موجهة نحو الداخل للسيطرة على العمليات العقلية الذاتية وإعادة تنظيمها البنيوي. وقد صاغ فيغوتسكي في هذا السياق “القانون العام للتطور الثقافي للوظائف النفسية العليا”، والذي ينص على أن كل وظيفة نفسية تظهر في مسار التطور الإنساني مرتين وعلى مستويين: أولاً على المستوى الاجتماعي المشترك بين الناس كوظيفة تفاعلية بين-نفسية (Interpsychological)، ثم تالياً على المستوى الفردي الداخلي كوظيفة داخل-نفسية (Intrapsychological). وبذلك، فإن الوعي الإنساني والعمليات الذهنية ليست معطيات فطرية مسبقة، بل هي نتاج مباشر لاستبطان أشكال التواصل والتفاعل الاجتماعي المتواسطة ثقافياً.

2.2 الانتقال من المدرسة الثقافية التاريخية إلى نظرية النشاط

تجسد التعاون العلمي الوثيق بين فيغوتسكي وأليكسي ليونتيف وألكسندر لوريا، المعروفين في تاريخ العلم بـ “الترويكا السوفيتية” (The Troika)، في صياغة علم النفس الثقافي التاريخي. ومع ذلك، ومع مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، بدأت تبرز تباينات نظرية وملاحظات منهجية قادها ليونتيف وتلاميذه في جماعة خاركوف النفسية. كان جوهر الملاحظة يتمثل في أن تركيز فيغوتسكي المفرط على العلامات السيميائية واللغة والوساطة الرمزية قد يؤدي – دون قصد – إلى نوع من المثالية اللغوية أو الفكرية، حيث تصبح الكلمات هي الخالق المطلق للوعي، وتتراجع أهمية الممارسة المادية العينية والنشاط العملي الحسي للإنسان في العالم الواقعي.

دفع هذا المأزق النظري ليونتيف وزملاءه في مدرسة خاركوف إلى توسيع مفهوم الوساطة؛ فلم تعد الأداة النفسية محصورة في الكلمة أو الرمز الدلالي، بل أصبحت الأداة المادية والنشاط العملي الإنتاجي هما الأساس الأول والأشمل للوساطة. حدث هنا انتقال إبستمولوجي نوعي من “الوساطة السيميائية المجردة” إلى “الوساطة عبر النشاط الموضوعي والعملي”. هذا التطور لم يكن قطيعة تامة مع إرث فيغوتسكي، بل كان تعميقاً جدلياً واستكمالاً مادياً لمنطلقاته؛ حيث تم الحفاظ على فكرة الوساطة والتطور التاريخي، ولكن عبر إعادة تجذيرها في علاقات الإنتاج والممارسة الحسية الحية التي يمارسها البشر في تواصلهم الفعلي مع الطبيعة والمجتمع.

2.3 الأبعاد التطورية والتكوينية في فكر فيغوتسكي التمهيدي

أرسى فيغوتسكي دعائم المنهج التكويني الجيني (Genetic-Developmental Method) بوصفه المنهج الوحيد القادر على تقديم فهم علمي حقيقي للظواهر النفسية. ينص هذا المنهج على أن الوظيفة النفسية لا يمكن فهم طبيعتها الحقيقية من خلال فحصها في شكلها النهائي المتكلس والمستقر لدى البالغين، بل ينبغي تتبع تاريخ نشأتها، ولحظات تشكلها، ومسارات تحولها، ومراحل اضمحلالها؛ أي دراستها أثناء حركتها وصيرورتها الحية. وقد شكل هذا المنظور الديناميكي أساساً لا غنى عنه في بناء نظرية النشاط التي تنظر إلى السلوك كمنظومة دائمة التحول والتطور.

يرتبط بهذا المنهج التكويني مفهوم فيغوتسكي الشهير حول منطقة النمو الوشيك (Zone of Proximal Development – ZPD)، والذي يعبر عن المسافة الفاصلة بين مستوى التطور الفعلي للطفل كما يحدده حله المستقل للمشكلات، وبين مستوى التطور المحتمل كما يتحدد عبر الحل المشترك تحت توجيه الراشدين أو بالتعاون مع أقران أكثر تقدماً. إن هذا المفهوم يعكس بوضوح الطبيعة التعاونية التشاركية للنشاط البشري؛ فالتعلم لا يحدث داخل رأس الفرد المنعزل، بل يتشكل داخل “موقف اجتماعي للنمو” يتسم بالنشاط المشترك (Joint Activity). وقد قدمت هذه الفكرة لنظرية النشاط التنموية قاعدتها الذهبية في صياغة استراتيجيات التعلم التنموي وتصميم البيئات التربوية الفعالة.

3. سيرجي روبنشتاين: تأسيس مبدأ وحدة الوعي والنشاط

3.1 المسار الفكري والأكاديمي لسيرجي روبنشتاين

يعد سيرجي ليونيدوفيتش روبنشتاين (Sergei L. Rubinstein, 1889–1960) العقل الفلسفي الأكثر عمقاً ورصانة في علم النفس السوفيتي. تلقى روبنشتاين تعليماً فلسفياً نخبوياً مكثفاً في جامعة ماربورغ الألمانية على أيدي عمالقة الكانطية الجديدة مثل هيرمان كوهين وبول ناتورب، مما أكسبه دقة منهجية وتحليلاً منطقياً صارماً ميّز جميع كتاباته اللاحقة. في عام 1922، نشر روبنشتاين مقالاً تاريخياً تأسيسياً بعنوان “مبدأ النشاط الذاتي الإبداعي”، طرح فيه لأول مرة النواة الجنينية لرؤيته حول دور الفعل العملي في تشكيل الكينونة الإنسانية، معلناً أن الذات الإنسانية لا توجد أولاً ثم تفعل، بل تتخلق وتكتسب وجودها الواعي من خلال أفعالها الإبداعية في العالم.

توج روبنشتاين مسيرته العلمية بإصدار كتابه الموسوعي الخالد “أسس علم النفس العام” عام 1940، والذي نال عليه جائزة ستالين، واعتُبر المرجع الأكاديمي والمنهجي الشامل لعلم النفس السوفيتي لعقود طويلة. تولى روبنشتاين مناصب أكاديمية رفيعة؛ حيث أسس قسم علم النفس في جامعة موسكو الحكومية وترأس معهد علم النفس التابع لأكاديمية العلوم التربوية. ورغم مكانته العلمية الشاهقة، تعرض روبنشتاين لهجمات شرسة ومحاكمات أيديولوجية خلال الحملة المناهضة للنزعة العالمية (Cosmopolitanism campaign) في أواخر العهد الستاليني أواخر أربعينيات القرن العشرين، وعُزل من مناصبه القيادية، إلا أنه واصل في عزلته تطوير أطروحاته الفلسفية حول الوجود والوعي والإنسان حتى أعيدت له مكانته العلمية المستحقة لاحقاً.

3.2 مبدأ وحدة الوعي والنشاط (Principle of Unity of Consciousness and Activity)

يمثل مبدأ “وحدة الوعي والنشاط” حجر الزاوية في المنظومة الفكرية لسيرجي روبنشتاين، وهو الإسهام الإبستمولوجي الذي أعاد توجيه مسار البحث النفسي السوفيتي. يرفض روبنشتاين بشكل قاطع أطروحتين تقليديتين: الأطروحة المثالية التي تزعم أن الوعي كيان مستقل يسبق النشاط ويوجهه من الخارج، والأطروحة السلوكية التي تنكر الوعي وتكتفي بوصف النشاط كحركات فيزيائية عمياء. في المقابل، يقرر روبنشتاين أن الوعي والنشاط يشكلان وحدة عضوية لا تنفصم؛ فالوعي يتشكل في النشاط ويتجلى فيه ويتحول من خلاله في آن واحد.

يعني هذا المبدأ أن دراسة النشاط الإنساني الخارجي والملموس هي الطريق العلمي الوحيد للكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة لتشكل الوعي وبنيته الداخلية، لأن النشاط ليس مجرد ترجمة أو إفراز ميكانيكي لعمليات نفسية جاهزة مسبقاً، بل هو الوسط التكويني الذي تتولد فيه تلك العمليات. وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال النشاط في حركاته الظاهرة دون فهم الوعي الذي ينظمه ويوجهه ويضفي عليه المعنى والهدف. إن الإنسان من خلال نشاطه العملي وتغييره لبيئته وموضوعات واقعه، يعيد بالضرورة تشكيل طبيعته النفسية الذاتية وقدراته العقلية وسماته الشخصية؛ فالذات تغير الواقع، ومن خلال تغييرها للواقع فإنها تغير نفسها بالضرورة.

3.3 المنهجية الفلسفية والنفسية عند روبنشتاين

تميزت المنهجية الروبنشتاينية بتطبيق دقيق لقوانين الديالكتيك المادي في بناء النظرية السيكولوجية. اتخذ روبنشتاين من مفهوم “الفعل” (Action/Deystvie) وحدة التحليل الأساسية في علم النفس؛ فالفعل في منظوره هو الخلية الحية التي تلتحم فيها الغائية الذاتية مع الشروط المادية الموضوعية. ولحل المعضلة المزمنة المتعلقة بتأثير البيئة الخارجية مقابل الاستعدادات الداخلية، صاغ روبنشتاين قانونه الشهير: “إن الأسباب الخارجية تعمل دائماً وتتحقق من خلال الشروط الداخلية” (External causes act through internal conditions).

يقطع هذا القانون الطريق أمام كل تأويل ميكانيكي حتمي يعتبر الإنسان مجرد لوح شمعي تنطبع عليه التأثيرات البيئية أو التربوية بشكل سلبي؛ إذ إن أي تأثير خارجي، سواء كان تدريباً تعليمياً، ظروفاً اجتماعية، أو منبهات فيزيقية، لا يُحدث أثره النفسي إلا بعد انكساره وإعادة معالجته عبر المنظومة الداخلية للشخصية، بما تشمله من خبرات سابقة، دوافع، ومنظومات قيمية واستعدادات عصبية ونفسية. انطلاقاً من ذلك، صاغ روبنشتاين نظرية متكاملة في “الشخصية”، معتبراً إياها بنية كلية ديناميكية لا تتحدد بصفات مجردة ثابتة، بل تتشكل وتتطور عبر المسار الحيوي الواقعي (Life Path) للفرد ونوعية الأنشطة الإبداعية والعملية التي ينخرط فيها على مدار حياته وتاريخه الشخصي.

4. أليكسي ليونتيف: البنية الهيكلية والوظيفية للنشاط

4.1 التطور المعرفي والبيوغرافيا العلمية لأليكسي ليونتيف

يعد أليكسي نيكولايفيتش ليونتيف (Aleksei N. Leontiev, 1903–1979) المهندس البنائي الأبرز لنظرية النشاط وقائدها المؤسسي لعقود طويلة. بدأت مسيرته العلمية كأقرب تلاميذ ومساعدي ليف فيغوتسكي في عشرينيات القرن العشرين، حيث قاد أبحاثاً تجريبية تاريخية حول التطور الثقافي للذاكرة المتواسطة وطبيعة الانتباه الإرادي، وابتكر منهجية “الوساطة الرمزية المزدوجة” المشهورة لدراسة آليات التذكر باستخدام الأدوات الخارجية المساعدة.

في مطلع الثلاثينيات، انتقل ليونتيف إلى أوكرانيا ليؤسس “مدرسة خاركوف السيكولوجية”، محاطاً بفريق استثنائي من الباحثين، حيث تحول تركيزه العلمي من العلامة إلى النشاط العملي المادي. بعد عودته إلى موسكو، قاد جهوداً بحثية وتطبيقية ضخمة خلال الحرب العالمية الثانية في مجال إعادة التأهيل الحركي والنفسي للمصابين وجرحى الحرب عبر استراتيجيات إعادة بناء النشاط الهادف. وفي عام 1966، حقق ليونتيف إنجازاً تاريخياً بتأسيسه كلية علم النفس المستقلة في جامعة موسكو الحكومية (MGU)، وظل عميداً لها حتى وفاته عام 1979. تُوجت إسهاماته الفكرية بإصدار كتابه النظري الأيقوني “النشاط، الوعي، والشخصية” (1975)، والذي صاغ فيه النموذج البنائي الهيكلي الشامل لنظرية النشاط كبيان ختامي لمشروعه العلمي الإبستمولوجي الرائد.

4.2 المفهوم الشامل للنشاط عند ليونتيف

ينطلق مفهوم النشاط عند ليونتيف من اعتباره منظومة كلية حيوية، ديناميكية وغير خطية، تتوسط العلاقة المعقدة بين الكائن الحي والواقع الموضوعي. يرفض ليونتيف التعامل مع النشاط كمجرد مجموع حسابي للأفعال الميكانيكية أو الاستجابات العضلية، بل يراه بنية ذات تنظيم حلقي (Circular/Systemic Regulation) تشتمل على استكشاف الواقع، فحص شروطه، مطابقة الفعل مع الموضوع، وتعديل المسار بناءً على التغذية الراجعة المستمرة من نتائج الممارسة العملية الحسية.

يؤكد ليونتيف على العلاقة التكوينية التكاملية بين النشاط الحسي-العملي الخارجي (External sensory-practical activity) والنشاط الذهني-المعرفي الداخلي (Internal mental activity)؛ فالأخير ليس سوى نتاج تاريخي وتطوري مشتق من الأول. في مسار التطور العرقي للأنواع (Phylogenesis)، نشأ النشاط الحركي أولاً كوسيلة للتكيف البيولوجي، ثم قفز مع ظهور الإنسان بفضل العمل الجماعي المنظم إلى مستوى النشاط الاجتماعي التاريخي الواعي. أما في مسار التطور الفردي (Ontogenesis)، فإن الطفل يبدأ حياته بأنشطة تلاعبية حسية ملموسة بالموضوعات المادية، ومن خلالها تنبثق البنى العقلية والتصورات الفكرية الداخلية المجردة. إن الميزة الجوهرية لأي نشاط إنساني لدى ليونتيف هي كونه نشاطاً موضوعياً (Object-mediated / Predmetnaya Deyatel’nost)؛ أي أنه نشاط يتحدد دائماً ويتوجه بصورة حتمية نحو “موضوع” خارجي يحمل خصائص مادية وثقافية محددة تشكل وتوجه مسار الفاعل.

4.3 النشاط كحلقة وصل بين المجتمع والفرد

يرى ليونتيف أن النشاط الإنساني ليس ظاهرة فردية أو بيولوجية معزولة بأي حال من الأحوال، بل هو عملية اجتماعية تاريخية في جوهرها وتركيبها. لا يواجه الإنسان الفرد عالماً من الأشياء الطبيعية المحايدة، بل يولد داخل عالم حضاري مليء بالمصنوعات الثقافية والأدوات التي خضعت لعمليات إنتاج تاريخية طويلة رسخت فيها المعايير الاجتماعية لكيفية استخدامها ووظائفها. ومن خلال الانخراط في النشاط، يستبطن الفرد تلك المعايير الاجتماعية ليصبح كائناً مجتمعياً واعياً.

أبرز ليونتيف دور “تقسيم العمل الاجتماعي” (Social Division of Labor) كعامل تطوري حاسم أحدث انقلاباً جذرياً في البنية السيكولوجية للسلوك الإنساني. ففي ظروف العمل الجماعي البدائي، تتجزأ الأنشطة العامة المعقدة إلى أفعال فردية جزئية قد لا تحقق إشباع الحاجة البيولوجية بصورة مباشرة، ولكنها تكتسب معناها ووظيفتها التكيفية فقط في ضوء النشاط الجماعي المشترك؛ ومثال ذلك فعل “المُفزِع” (Beater) في الصيد الجماعي البدائي، والذي يطرد الطريدة ويبعدها عن نفسه ليقودها نحو الصيادين الآخرين الكمناء. هذا الفعل الجزئي يبدو غير عقلاني وبيولوجياً متناقضاً على المستوى الفردي المباشر، لكنه على المستوى الاجتماعي نشاط بالغ الذكاء والعقلانية يكتسب معناه من خلال دافع الصيد الجماعي العام لتوفير الغذاء. هذا الانفصال التاريخي بين الفعل المباشر والدافع النهائي كان هو الشرط التاريخي لانبثاق الوعي الإنساني بالمعاني والأهداف.

5. التحليل الهيكلي ثلاثي المستويات عند ليونتيف

5.1 المستوى الكلي: النشاط والدافع (Activity and Motive)

يمثل “النشاط والدافع” (Activity and Motive / Deyatel’nost’ – Motiv) المستوى التحليلي الأعلى والأكثر شمولاً في البنية الهيكلية التي صاغها ليونتيف. يرتبط النشاط العام دائماً بحاجة حيوية أو اجتماعية ملحة لدى الكائن، إلا أن الحاجة في حد ذاتها حالة من التوتر الداخلي العائم التي تفتقر إلى التوجيه حتى تلتقي بموضوعها المشبع في العالم الخارجي؛ وتسمى هذه اللحظة بـ “تشيؤ الحاجة” (Objectification of Need). وبمجرد أن تلتقي الحاجة بموضوعها الموضوعي، يتحول هذا الموضوع إلى دافع (Motive / Predmet) حقيقي ومحرك للنشاط؛ ولهذا يقرر ليونتيف بصورة قاطعة: “لا يوجد نشاط بدون دافع؛ فالنشاط غير المدفوع هو نشاط فاقد لمعناه السيكولوجي، وما يبدو غير مدفوع يخفي دافعاً غير واعٍ موضوعياً”.

يتميز هذا المستوى الكلي بقدرته على استيعاب التحولات النوعية في حياة الإنسان؛ فقد يتحول هدف مرحلي ثانوي عبر مسار النشاط إلى دافع قائم بذاته، وهي الظاهرة السيكولوجية البالغة الأهمية التي أسماها ليونتيف “انزياح أو تحول الدافع إلى الهدف” (Shift of Motive to Goal / Sdvig motiva na tsel’)، والتي تفسر ولادة أنشطة جديدة وتطور الاهتمامات الإنسانية المعقدة (كما حين يبدأ تلميذ قراءة كتاب بهدف اجتياز امتحان فقط، ثم يندمج في محتواه ليصبح شغف المعرفة نفسه هو الدافع الأساسي للنشاط). وتتسم البنية النفسية العامة للإنسان بوجود تسلسل هرمي متشابك وتنافسي من الدوافع المتعددة التي تتقاطع وتتصارع، وتشكل معاً الموجه الاستراتيجي لمسار الحياة الفردية وتماسك الشخصية الأخلاقية والاجتماعية.

5.2 المستوى الوسيط: الفعل والهدف (Action and Goal)

يمثل “الفعل والهدف” (Action and Goal / Deystvie – Tsel’) المستوى الوسيط والمكون التكويني المباشر للنشاط. يُعرَّف الفعل بأنه عملية واعية وإرادية موجهة نحو تحقيق هدف مرحلي محدد ومحسوب (Conscious Goal)؛ وهو تمثيل ذهني مسبق للنتيجة المرجوة التي يسعى الفاعل لإنجازها. يتميز الفعل بكونه نتاجاً لتقسيم العمل الاجتماعي؛ حيث لا يؤدي الفعل الفردي بحد ذاته إلى إشباع الدافع الكلي للنشاط بصورة مباشرة، بل يسهم خطوة بخطوة في تحقيق شروط إشباعه النهائية بالتعاون مع منظومة أفعال أخرى.

يتطلب إنجاز الفعل مستوى عالياً من التخطيط الإرادي والتركيز الواعي والتمثيل المعرفي للغايات؛ إذ يقوم الفاعل بمطابقة مستمرة بين المخطط الذهني للهدف والنتائج المرحلية المتحققة على أرض الواقع وتصحيح مسار الحركة وفقاً لذلك. ولا يمكن لأي نشاط عام معقد أن يتحقق في الواقع الإمبريقي ككتلة واحدة مسمطة، بل يتجزأ بالضرورة إلى سلسلة متتابعة ومتشابكة من الأفعال الواعية؛ فعلى سبيل المثال، يتطلب نشاط كلي مثل “تأليف كتاب أكاديمي” (المدفوع بدافع الإسهام العلمي أو الترقية المهنية) مئات الأفعال المستقلة الموجهة بأهداف جزئية؛ مثل جمع المراجع، قراءة فصل محدد، كتابة مسودة فقرة، ومراجعة النصوص لغوياً.

5.3 المستوى الجزئي: العملية والشروط (Operation and Conditions)

يمثل “العملية والشروط” (Operation and Conditions / Operatsiya – Usloviya) المستوى الهيكلي الأدنى والتقني الخالص في نموذج ليونتيف. تُعرَّف العملية بأنها الطريقة الإجرائية والتقنية والآلية التي يتم بها تنفيذ الفعل في ظل الشروط الفيزيقية والتكنولوجية الموضوعية القائمة (Objective Conditions) في بيئة التنفيذ المباشرة. إذا كان الفعل يتحدد بهدفه الواعي (ماذا نريد أن نحقق؟)، فإن العملية تتحدد تماماً بالوسائل والمحددات المادية المتاحة (كيف وبأي وسيلة تقنية ننجز ذلك؟).

تنشأ العمليات السيكولوجية عبر مسارين رئيسيين: الأول هو المحاكاة المباشرة للأنماط الإجرائية الآلية، والثاني – وهو الأهم – يتمثل في “أتمتة الأفعال الواعية” (Automation of Conscious Actions)؛ حيث يبدأ السلوك في مراحله الأولى كفعل واعٍ يتطلب تركيزاً معرفياً مكثفاً ومراقبة دقيقة لكل خطوة، ومع التكرار والمران وتطوير المهارة، ينزاح التركيز الواعي عن التفاصيل الحركية لتتحول تلك الخطوات إلى عمليات أوتوماتيكية لاواعية وموجهة بسلاسة بواسطة شروط الموقف المادي. ومع ذلك، تتميز هذه العمليات بالمرونة الشديدة وقابلية الانعكاس؛ فبمجرد حدوث خلل مفاجئ أو تغير جذري في الشروط البيئية (مثل عطل في الآلة أو تغير في المقاومة المادية للأدوات)، تفقد العملية طابعها الآلي وتصعد فوراً إلى بؤرة الانتباه لتتحول مجدداً إلى فعل واعٍ يتطلب معالجة عقلية مقصودة.

5.4 الديناميكية والسيولة بين المستويات الثلاثة

لا يقدم ليونتيف هذه المستويات الثلاثة (النشاط، الفعل، العملية) كقوالب تصنيفية جامدة أو حواجز ثابتة معزولة عن بعضها، بل بوصفها منظومة ديناميكية سائلة تتسم بالحركة الصاعدة والهابطة المستمرة وفقاً للتغيرات في بنية الموقف وسياق الممارسة. فالوحدة السلوكية الواحدة يمكن أن تغير موقعها الوظيفي في هذا الهيكل الهرمي صعوداً أو هبوطاً تبعاً لتحول الدوافع والأهداف والشروط المادية المحيطة بالفاعل.

يوضح الجدول التالي التناظر الهيكلي ثلاثي المستويات في نظرية أليكسي ليونتيف، مبيناً الوحدة الهيكلية وما يقابلها من محددات نفسية ومستويات تنظيم الوعي:

المستوى الهيكلي للنشاط المحدد السيكولوجي المقابل مستوى التوجيه والوعي أمثلة تطبيقية (سياق قيادة السيارة)
النشاط (Activity) الدافع (Motive / Predmet) التوجيه الكلي العام (المعنى الإنساني والقيمي) السفر لزيارة صديق مريض في مدينة أخرى لإغاثته.
الفعل (Action) الهدف (Conscious Goal) التخطيط الواعي والإرادي الموجه بالنتائج المسبقة تجاوز شاحنة بطيئة في مسار محدد وبسرعة محسوبة.
العملية (Operation) الشروط المادية (Conditions) التنفيذ التلقائي الآلي المنضبط بالبيئة والأدوات الضغط بقدم السائق على دواسة القابض ونقل الحركة بيده.

تتجلى هذه الديناميكية بوضوح في مثال تعلم مهارة مثل “قيادة السيارة”؛ حيث تبدأ خطوات القيادة (كالضغط على القابض وتغيير ناقل السرعة ومراقبة المرآة) في شكل “أفعال” واعية ومنفصلة تتطلب جهداً ذهنياً مستنزفاً ومراقبة ذاتية صارمة لكل هدف جزئي. ومع التمرين واكتساب الكفاءة والخبرة، تنحدر هذه الأفعال لتستقر في مستوى “العمليات” الآلية التي تنفذ بسلاسة ودون وعي مباشر بها، مفسحة المجال للانتباه الواعي للتركيز على مسار الطريق وأفعال التوجيه الأوسع. ولكن، في حال انزلقت عجلات السيارة فجأة فوق طبقة من الجليد (تغير الشروط الفيزيقية المفاجئ)، فإن عملية التوجيه الآلية تنفصل عن نمطها الروتيني وتتحول في أجزاء من الثانية إلى “فعل” إرادي حرج وموجه بالوعي الكامل للسيطرة على توازن المركبة وتجنب الاصطدام.

6. الميكانيزم النفسي الموجه: الدافع، الهدف، والمعنى الشخصي

6.1 سيكولوجية الحاجات والدوافع في نظرية النشاط

تقدم نظرية النشاط مفهوماً متميزاً للدوافع يختلف جذرياً عن النظريات الحيوية (Biological Drives) والتحليلية؛ فالحاجة الإنسانية ليست مجرد دفقات هرمونية أو طاقات غريزية مغلقة على نفسها، بل هي قوة بحثية ذات طبيعة استكشافية لا تتعين ولا تصبح محركاً سيكولوجياً حقيقياً إلا من خلال “تشيؤها” واقترانها بموضوعات العالم الثقافي. إن عملية التشيؤ تحول الحاجة من دافع فسيولوجي غائم إلى دافع سيكولوجي موجه يحمل خصائص نوعية تتحدد بطبيعة الموضوع نفسه وقيمته في الفضاء الاجتماعي.

يميز ليونتيف بين الدوافع الواعية الظاهرة، والدوافع العميقة الكامنة التي قد لا يعيها الفرد بصورة مباشرة ولكنها توجه مسارات أفعاله من وراء حجاب. تتنظم هذه الدوافع داخل الشخصية في منظومة هرمية متراكبة (Hierarchy of Motives) تعكس نضج الفرد واستقلاليته الأخلاقية. وتلعب “المشاعر والانفعالات” (Emotions) دوراً حيوياً في هذه المنظومة بوصفها بوصلة تقييمية وإشارات توجيهية داخلية؛ فالانفعال ليس عائقاً أمام التفكير العقلاني، بل هو صدى نفسي وانعكاس ديناميكي لمدى نجاح الأفعال الجارية أو إخفاقها في تلبية متطلبات الدافع المحرك للنشاط الكلي، مما يوفر للفاعل تغذية راجعة سريعة لإعادة تنظيم طاقته وسلوكه.

6.2 العلاقة بين المعنى الموضوعي والمعنى الشخصي (Meaning vs. Sense)

قدم أليكسي ليونتيف واحداً من أعمق التحليلات النفسية الفلسفية لطبيعة الوعي البشري من خلال التمييز الإبستمولوجي الدقيق بين مفهومين مركزيين: المعنى الاجتماعي الموضوعي (Znachenie / Meaning) والمعنى الشخصي الذاتي (Smysl / Personal Sense). يمثل المعنى الموضوعي نتاج الخبرة التاريخية والاجتماعية المشتركة للبشرية جمعاء؛ فهو المفهوم المعرفي المتبلور في قواميس اللغة والمفاهيم العلمية والمعايير الأخلاقية والأدوات الثقافية المتفق عليها في مجتمع ما، وهو متاح للإدراك والتداول العقلاني بصورة موضوعية من قبل الجميع.

أما “المعنى الشخصي” (Personal Sense) فهو الدلالة النفسية الذاتية الفريدة والعميقة، المصبوغة بالانفعال والوجدان، والتي يكتسبها موضوع أو فعل معين في حياة فرد محدد، وذلك انطلاقاً من طبيعة العلاقة الجدلية التي تربط بين “الهدف الواعي للفعل” و”الدافع الكلي للنشاط”. يوضح ليونتيف أن الخلل الخطير في الوجود الإنساني يحدث حينما تنفصم العرى بين المعنى الاجتماعي والمعنى الشخصي؛ وهي الحالة التي حللها ماركس تحت مفهوم “الاغتراب” (Alienation)، وتتجلى في سيكولوجيا الإنسان المعاصر حين يضطر الفرد للقيام بأفعال ذات معانٍ اجتماعية نبيلة ولكنها مجردة تماماً من أي معنى أو إشباع شخصي داخلي بالنسبة له (كالعمل الروتيني المفروض الذي يقوم به العامل فقط من أجل البقاء البيولوجي)، مما يولد الاغتراب النفسي والتفكك الداخلي والشعور بالعبث.

6.3 الوعي بالذات وتكوين الشخصية

تؤكد نظرية النشاط أن الشخصية (Personality / Lichnost’) ليست بنية بيولوجية يولد الإنسان مزوداً بها، وليست مجرد نتاج حتمي لمجموعة من الغرائز أو الخصائص المزاجية الوراثية، بل هي بناء نفسي واجتماعي معقد ومتأخر يولد في خضم النشاط الاجتماعي التاريخي. وقد صاغ ليونتيف عبارته الشهيرة: “إن الشخصية تولد مرتين”؛ الولادة الأولى تحدث في الطفولة المبكرة حين تتشكل الروابط الهرمية الأولى بين الدوافع ويبدأ الطفل في إخضاع رغباته الفورية لقواعد النشاط المشترك مع الكبار، بينما تحدث الولادة الثانية في مرحلة المراهقة والشباب حين ينبثق الوعي الذاتي النقدي المنعكس، وتظهر القدرة على الموازنة الواعية بين الدوافع المتصارعة وتقرير المصير الشخصي والأخلاقي باستقلالية ومسؤولية تامة.

يرتبط مسار تطور الشخصية بمفهوم “النشاط الرائد” (Leading Activity / Vedushchaya Deyatel’nost’)، وهو النشاط الذي يحدد في كل مرحلة عمرية ونمائية طبيعة التغيرات السيكولوجية والنوعية الكبرى في العمليات المعرفية للطفل، وإعادة تشكيل علاقته بالعالم وبالآخرين؛ كنشاط “اللعب الإيهامي المشترك” في مرحلة الطفولة المبكرة، ونشاط “التعلم المدرسي” في الطفولة المتوسطة، ونشاط “التواصل الحميمي-الشخصي مع الأقران” في مرحلة المراهقة. ومن خلال تطور وتتابع هذه الأنشطة الرائدة، يكتسب الوعي استقلالية ذاتية وتماسكاً بنيوياً يمكنه من تنظيم الأنشطة المستقبلية وتوجيه مسار الحياة ككل.

7. المناظرة المعرفية والمنهجية: روبنشتاين في مواجهة ليونتيف

7.1 نقاط التوافق الجوهري بين العالمين

رغم المناظرات النظرية العميقة التي دارت بين مدرستي سيرجي روبنشتاين وأليكسي ليونتيف، إلا أن كلي الطرفين وقفا على أرضية فكرية وإبستمولوجية مشتركة ومتماسكة تستند إلى المادية الجدلية وتراث الفلسفة الماركسية. اتفق العالمان على الرفض القاطع للمثالية الاستبطانية التي تحبس الوعي داخل الذات الفردية، والسلوكية الآلية التي تسلب الإنسان فاعليته وتختزله إلى آلة للاستجابات البيولوجية، مؤكدين أن الطبيعة البشرية لا يمكن تفسيرها إلا من خلال الممارسة التاريخية والاجتماعية المتواصلة.

كما اشترك ليونتيف وروبنشتاين في الإصرار على الطابع التاريخي والاجتماعي الحتمي لجميع الوظائف النفسية العليا، مشددين على أن الوعي البشري ليس كياناً بيولوجياً سكونياً بل صيرورة ديناميكية متغيرة باستمرار. والتزم كلاهما بربط البحث العلمي السيكولوجي بالتطبيقات العملية والتنموية في مجالات التعليم والتربية وإعادة التأهيل وتطوير ظروف العمل والإنتاج؛ إيماناً منهما بأن الغاية الأساسية لعلم النفس ليست مجرد تفسير العالم النفسي للإنسان، بل الإسهام الفعال في تحرير طاقاته الإبداعية وتطوير شروط حياته الواقعية.

7.2 محاور الخلاف النظري والإبستمولوجي

تمحور الخلاف الجوهري بين القامتين حول صياغة العلاقة بين النشاط والوعي، وموقع كل منهما في البناء النظري لعلم النفس. رأى سيرجي روبنشتاين أن ليونتيف وقع في نزعة وظيفية اختزالية عبر تماهيه المطلق بين النشاط الخارجي والوعي النفسي الداخلي، متهماً إياه بـ “تفريغ النفسي من محتواه” واختزاله في بنية النشاط العملي الموضوعي وأدواته، مما يحول علم النفس – بحسب نقد روبنشتاين – إلى دراسة لبنية النشاط وسيرورته بدلاً من دراسة النشاط النفسي للذات الفاعلة والشخصية ذاتها.

من جانبه، أصر ليونتيف على أن النشاط العملي الخارجي الموجه بالموضوع ليس مجرد مظهر أو أداة يتجلى عبرها الوعي الداخلي القائم مسبقاً (كما كان يميل روبنشتاين في بعض كتاباته)، بل هو “الرحم التوليدي والمنشأ الحقيقي” الذي ينبثق منه الوعي الداخلي عبر آليات الاستبطان والتحول الهيكلي. وفيما ركز روبنشتاين على جدلية “الأسباب الخارجية تعمل عبر الشروط الداخلية” لمنح الاستعدادات النفسية الفردية دوراً تفسيرياً فاعلاً في صياغة النشاط، رأى ليونتيف أن هذه الشروط الداخلية ذاتها ليست سوى نتاج مترسب ومتبلور لعمليات نشاط اجتماعي سابق جرى استبطانها تاريخياً ونمائياً عبر الاحتكاك العملي بالموضوعات.

7.3 التداعيات المؤسسية والأكاديمية للمناظرة في الاتحاد السوفيتي

أدت هذه التباينات النظرية العميقة إلى تشكل استقطاب مؤسسي وأكاديمي بارز داخل المشهد السيكولوجي السوفيتي استمر لعقود؛ حيث تبلورت “مدرسة موسكو” حول أليكسي ليونتيف وكلية علم النفس بجامعة موسكو الحكومية، متبنية النموذج البنائي الوظيفي للنشاط وموجهة أبحاثها نحو علم النفس التنموي، علم النفس التربوي التطبيقي، والتنظيم الميكروجيني للأفعال والعمليات. وفي المقابل، تبلورت مدرسة معهد الفلسفة ومعهد علم النفس التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية حول سيرجي روبنشتاين ومساعديه وتلاميذه اللاحقين (مثل كسينيا أبوالخانوفا-سلافسكايا وأندريه بروشلينسكي)، مركزة على القضايا المنهجية الفلسفية الكبرى، وسيكولوجيا التفكير الإبداعي والفاعل الإنساني ومسار الحياة وتكوين الشخصية.

وقد انعكس هذا التنافس المؤسسي والنظري إيجابياً على إثراء البحث العلمي وتعميقه في العديد من الفروع التطبيقية؛ مثل علم النفس الهندسي (Engineering Psychology)، وبيئة العمل (Ergonomics)، ونظريات التعلم وحل المشكلات. وفي العقود الأخيرة، سعى العديد من المنظرين المعاصرين إلى إعادة قراءة هذا التباين بوصفه تكاملاً معرفياً وليس تناقضاً إقصائياً؛ حيث يوفر نموذج ليونتيف أدوات هيكلية وإجرائية بالغة الدقة لتشريح أفعال الإنسان وسلوكياته في سياقات العمل والتعلم، بينما يوفر منظور روبنشتاين الإطار الفلسفي الأنطولوجي الشامل الذي يحمي النظرية من الانزلاق إلى الآلية، ويضمن فهم الإنسان كفاعل تاريخي حر ومبدع لحياته وعالمه.

8. الاستبطان والتجسيد الخارجي: الجدلية النمائية للنفس الإنسانية

8.1 مفهوم الاستبطان (Internalization / Interiorization)

يمثل مفهوم “الاستبطان” (Interiorization / Internalization) الآلية الديناميكية الكبرى التي تفسر كيف تنشأ العمليات النفسية الذهنية الداخلية من قلب الأنشطة المادية العملية الخارجية. لا يعني الاستبطان في نظرية النشاط مجرد “نقل أو نسخ فوتوغرافي” للنشاط الخارجي إلى فضاء داخلي موجود سلفاً، بل هو عملية تحول بنائي وهيكلي جذري (Structural Transformation) يُخلق من خلالها الفضاء النفسي الداخلي ذاته، وتتشكل عبرها مستويات الوعي العقلي المجرد.

يعد نموذج بيوتر غالبرين (Pyotr Galperin) حول “التشكيل المرحلي للأفعال الذهنية” (Stage-by-Stage Formation of Mental Actions) التطبيق التجريبي والمنهجي الأكثر اكتمالاً لنظرية الاستبطان؛ حيث أثبت غالبرين أن أي فعل عقلي معقد (كالحساب الذهني أو التحليل المنطقي) يمر حتماً بست مراحل متتابعة تبدأ من تكوين الأساس الموجه للفعل (Orienting Basis of Action)، ثم ممارسة الفعل المادي الحسي الملموس بالأشياء، يليه التعبير عنه بالكلام المسموع بصوت عالٍ، ثم نقله إلى مستوى الكلام الخارجي الهامس، وصولاً إلى استبطانه التام كفعل ذهني خالص ومختزل يجري بسرعة فائقة في بنية الفكر الداخلي دون أي مظهر حركي خارجي.

8.2 مفهوم التجسيد الخارجي (Externalization / Exteriorization)

في مقابل الاستبطان، يبرز مفهوم “التجسيد الخارجي” (Exteriorization / Externalization) كعملية متممة ومعاكسة في المسار الديالكتيكي لحركة النشاط البشري. يعبر التجسيد الخارجي عن تحويل وتجسير المخططات الذهنية والتصورات العقلية والمعاني والقيم الذاتية إلى منتجات موضوعية، مصنوعات ثقافية، نصوص لغوية، أدوات تقنية، وأنظمة مؤسسية واقعية وملموسة في العالم الخارجي؛ أي إعادة “تشيؤ” العمليات النفسية الداخلية في الواقع المادي.

يمثل الإبداع الإنساني والإنتاج الحضاري بكافة أشكاله التعبير الأسمى عن التجسيد الخارجي؛ فالمهندس المعماري يستبطن أولاً المعارف الهندسية وقوانين الفيزياء من خلال التعلم والنشاط، ليطور تصميماً ذهنياً فريداً في عقله، ثم يقوم عبر النشاط التجسيدي الخارجي ببناء صرح معماري يجسد أفكاره وقيمه في الواقع المادي. وتتحول هذه المنتجات الموضوعية المتجسدة بدورها إلى موضوعات وأدوات جديدة يستبطنها الجيل اللاحق، مما يخلق دورة تكرارية وتطورية لا نهائية (Iterative Cycle of Internalization-Externalization) تدفع مسيرة التطور الثقافي والتاريخي للحضارة الإنسانية إلى الأمام بشكل مستمر.

8.3 تطور الوظائف المعرفية العليا عبر الديالكتيك الداخلي-الخارجي

تفسر جدلية الاستبطان والتجسيد الخارجي كيف تتشكل وتتطور الوظائف المعرفية العليا من مستوياتها البيولوجية الأولية إلى مستوياتها الثقافية الواعية. فالذاكرة المتواسطة، على سبيل المثال، تبدأ بالاعتماد على أدوات ووسائط تذكير خارجية مادية (كالعقد، أو تدوين الملاحظات، أو تنظيم البطاقات)، ومع الاستبطان والتدريب، تتحول استراتيجيات التذكر إلى منظومة من الروابط الذهنية والمفاهيمية الداخلية التي تتيح للإنسان استدعاء وتنظيم كميات هائلة من المعلومات المعقدة بإرادة واعية وسيطرة ذاتية تامة.

وكذلك الحال في تطور التفكير؛ إذ ينمو التفكير البشري من “التفكير الإجرائي البصري-الحركي” المباشر لدى الطفل الصغير الذي يفكر فقط من خلال تلاعبه بالأشياء المادية، إلى “التفكير الصوري-الخيالي”، وصولاً إلى “التفكير المفاهيمي المنطقي المجرد” القادر على حل المسائل المعقدة عبر عمليات عقلية باطنية متقدمة. يمنح هذا الديالكتيك المستمر الفرد قدرة فائقة على التحكم الذاتي في سلوكه وانتباهه، حيث يتحول الإنسان من كائن خاضع لمشتتات البيئة الخارجية المباشرة إلى ذات واعية قادرة على توجيه انتباهها وصياغة استراتيجياتها المعرفية وتعديل مسار نشاطها بمرونة فائقة واستقلالية مطلقة.

9. مفهوم الموضوع (Predmet) وطبيعته في نظرية النشاط

9.1 الطبيعة المزدوجة للموضوع في النظرية

يحتل مفهوم “الموضوع” (Predmet / Object) مكانة أنطولوجية وإبستمولوجية بالغة الخصوصية في نظرية النشاط؛ إذ يميز الفكر السيكولوجي الروسي تمييزاً فلسفياً ولغوياً دقيقاً بين كلمتين: الشيء الفيزيائي المجرد (Veshch / Thing)، والموضوع الموجه بالنشاط (Predmet / Object). فالشيء (Veshch) هو مجرد كيان مادي خام يوجد في الطبيعة بخصائصه الكيميائية والفيزيائية بمعزل عن الإنسان ونشاطه (مثل صخرة صماء في الصحراء)، بينما لا يتحول هذا الشيء إلى “موضوع” (Predmet) إلا حينما يدخل في مدار النشاط البشري، ويصبح مرتبطاً بحاجة إنسانية وموجهاً لدافع ومحدداً لمسار الممارسة العملية.

يحمل “الموضوع” (Predmet) بطبيعته صفة مزدوجة فريدة: فهو من جهة كيان مادي واقعي مستقل يفرض مقاومته وقوانينه الفيزيائية على الفاعل، ومن جهة أخرى كيان مشبع بالمعاني والوظائف الاجتماعية والثقافية التي حددها التاريخ البشري لاستخدامه. إن الذات العارفة والإنسانية لا تتشكل وتكتشف إمكاناتها وقدراتها العقلية إلا عبر هذا الاحتكاك العملي المستمر مع الموضوع ومقاومته؛ فالفاعل لا يتعرف على حدوده وقدراته في الفراغ، بل من خلال صراعه الإبداعي وتفاعله المنتج مع الموضوعات الخارجية التي يسعى لتغييرها وتطويعها.

9.2 الموضوعية الاجتماعية واستبطان المعايير الثقافية

تؤكد نظرية النشاط أن الموضوعات المصنوعة والأدوات التقنية والثقافية المحيطة بنا ليست مجرد أشكال مادية خاوية، بل هي “حوامل تاريخية ومستودعات مجسدة” للخبرات والمهارات وأنماط التفكير التي طورتها الأجيال السابقة عبر آلاف السنين. فالملعقة، المطرقة، الحاسوب، أو القلم، يحمل كل منها في بنيته الهندسية والوظيفية “المنطق الثقافي لكيفية استخدامه الصحيح”؛ أي المعايير والطرائق الاجتماعية التي تحدد أسلوب النشاط البشري به.

حين يتعلم الطفل الصغير، عبر نشاطه المشترك مع الراشدين، كيفية استخدام أداة كالملعقة لتناول الطعام، فإنه لا يمارس مجرد حركة بيولوجية عشوائية، بل يطوع حركاته اليدوية الغريزية لتتوافق بدقة مع “المنطق الموضوعي للأداة” ومع المعايير الثقافية التي يفرضها المجتمع. هذا الاستخدام الوظيفي للأدوات، في مقابل الاستخدام العشوائي غير المقيد، هو الآلية الأساسية التي يتم من خلالها ترويض السلوك البيولوجي واستبطان المعايير والقوانين الاجتماعية داخل الجهاز النفسي للفرد، مما يعيد تشكيل مسارات تفكيره العصبي والمعرفي بصورة جذرية.

9.3 علاقة الذات-الموضوع (Subject-Object Relationship)

تتجاوز نظرية النشاط الرؤية الميكانيكية الأحادية الاتجاه التي تصور الذات كمستقبل سلبي لمنبهات الموضوعات الخارجية، أو الرؤية المثالية التي تصور الذات كخالق ومشرع مطلق للعالم من خياله الذاتي. تقدم النظرية بدلاً من ذلك نموذجاً حيوياً للعلاقة الجدلية الدائرية بين الذات والموضوع (Subject-Object Dynamic Interaction)، حيث يتحدد كل طرف بالآخر ويعيد تشكيله عبر صيرورة النشاط المستمرة.

في هذا النموذج، تتجلى “الفاعلية الإنسانية” (Human Agency) في أبهى صورها؛ فالإنسان ليس سجيناً للمحددات البيئية الحتمية، بل هو ذات فاعلة قادرة على تجاوز المعطى القائم، ونقد الموقف، وتخيل بدائل مستقبلية جديدة، وإعادة صياغة شروط بيئته وموضوعاتها عبر الممارسة الهادفة. ومع ذلك، فإن هذه الفاعلية الإنسانية الحرة ليست فوضوية أو مطلقة الانفلات، بل هي فاعلية متحققة بالضرورة من خلال الوعي بقوانين الواقع والمحددات الموضوعية للموقف واستيعاب منطق الأدوات واستخدامها الواعي لتجاوز الواقع القائم نحو آفاق التطور المنشود.

10. المنهجيات ونماذج البحث التجريبي في نظرية النشاط

10.1 المنهج التكويني السببي (Causal-Genetic Method)

انطلاقاً من المبادئ الإبستمولوجية لنظرية النشاط، طور علماؤها منهجاً بحثياً متفرداً عُرف بـ “المنهج التكويني السببي” (Causal-Genetic / Experimental-Developmental Method). يوجه هذا المنهج نقداً لاذعاً للاختبارات السيكومترية السكونية التقليدية (كاختبارات الذكاء IQ والسمات الثابتة)؛ لأنها تكتفي برصد ووصف النواتج النهائية المتكلسة للسلوك الإنساني وتصنيفها رقمياً في ظروف مخبرية مصطنعة دون أن تكشف عن الآليات والمسارات الديناميكية التي ولدت تلك النواتج أو أدت إلى تشكلها.

يقوم المنهج التكويني على التدخل التجريبي الإيجابي المنظم من قبل الباحث؛ حيث يقوم الباحث بتصميم موقف نشاط تنموي محدد وإعادة بناء الشروط التكوينية لتشكل الوظيفة النفسية أثناء لحظة ولادتها وصيرورتها الحية (In statu nascendi). من خلال تقديم أدوات ووسائط رمزية ومادية جديدة ومراقبة كيفية توظيف المفحوص لها تدريجياً للتغلب على التحديات المعرفية، يستطيع الباحث تتبع “القفزات النوعية والتحولات الهيكلية” التي تطرأ على بنية العمليات العقلية؛ وبذلك يتحول الموقف التجريبي من مجرد أداة قياس باردة وسكونية إلى بيئة تعلم وبناء نفسي تكشف عن أقصى إمكانات النمو الكامنة لدى المفحوص.

10.2 التحليل الميكروجيني والبحث في العمليات الآنية

يعد “التحليل الميكروجيني” (Microgenetic Analysis) أحد أدق النماذج المنهجية التطبيقية المنبثقة عن نظرية النشاط، ويختص بدراسة وتتبع التحولات البنائية الدقيقة في بنية الأفعال والعمليات خلال فترات زمنية قصيرة ولحظية مكثفة (أثناء جلسة تجريبية واحدة أو عدة ساعات من حل المشكلات المعقدة). يهدف هذا التحليل إلى رصد الكيفية التي يعيد بها العقل البشري تنظيم منظوماته الإجرائية عند مواجهة عقبات وتناقضات غير متوقعة في بنية الموقف.

يعتمد البحث الميكروجيني على أدوات تقنية دقيقة؛ مثل تسجيل حركة العين (Eye-tracking)، تحليل استجابات الحركة الفسيولوجية، وتوثيق “بروتوكولات التفكير بصوت عالٍ” (Think-aloud protocols) أثناء انهماك الفرد في النشاط. يتيح هذا الرصد المجهري للباحثين تفكيك اللحظات الحرجة التي تفقد فيها العمليات طابعها الآلي لتتحول إلى أفعال واعية، وتتبع آليات تصحيح الأخطاء، وكيفية ولادة الفرضيات الإبداعية الجديدة وقفزات الاستبصار (Insight)، مما يقدم فهماً عميقاً لسيكولوجيا التفكير الإبداعي والابتكار التقني أثناء الممارسة الفعلية.

10.3 معايير الصدق الإيكولوجي والميداني

تميزت التقاليد البحثية لنظرية النشاط بحرصها الصارم على تحقيق “الصدق الإيكولوجي” (Ecological Validity)؛ حيث رفض رواد النظرية عزل المتغيرات النفسية وتجريدها داخل مختبرات معقمة ومفصولة تماماً عن سياق الحياة الاجتماعية والمهنية الحقيقية. بالنسبة لمنظري النشاط، فإن أي تجربة تفصل الإنسان عن موضوعات نشاطه الواقعي وأدواته ودوافعه الطبيعية هي تجربة تفقد صدقها السيكولوجي وتشوه الظاهرة المدروسة من الأساس.

لذلك، انطلقت البحوث التجريبية لنظرية النشاط داخل البيئات والمؤسسات الحقيقية للحياة اليومية؛ في الفصول الدراسية الحية، في المصانع وورش العمل وخطوط الإنتاج، في المستشفيات ومراكز إعادة التأهيل، وفي بيئات التدريب العسكري والفضائي. اعتمد الباحثون على المزاوجة الخصبة بين القياسات الكمية الدقيقة للبارامترات السلوكية والزمنية، وبين التحليلات النوعية البنائية الشاملة لديناميات الموقف وسياق التفاعل الجماعي المشترك، مما منح نتائج أبحاثهم قدرة استثنائية على تقديم حلول واقعية ومستدامة للتحديات السيكولوجية والتربوية والتنظيمية في المجتمع.

11. الأجيال اللاحقة والتطبيقات المعاصرة لنظرية النشاط

11.1 نظرية النشاط الثقافية التاريخية (CHAT) ونموذج إنجستروم (Engeström)

شهدت نظرية النشاط انطلاقة عالمية كبرى عبر ما يعرف اليوم بـ “نظرية النشاط الثقافية التاريخية” (Cultural-Historical Activity Theory – CHAT)، والتي قاد تطورها التأسيسي عالم التربية والاجتماع الفنلندي يوريو إنجستروم (Yrjö Engeström). ميز إنجستروم بين ثلاثة أجيال تاريخية للنظرية: الجيل الأول المتمثل في نموذج فيغوتسكي التأسيسي المرتكز على الفرد والوساطة الرمزية (الذات – الوسيط – الموضوع)، والجيل الثاني المتمثل في نموذج أليكسي ليونتيف الذي وسع النظرية عبر التحليل الهيكلي ثلاثي المستويات والتركيز على النشاط والدافع وتقسيم العمل، والجيل الثالث المعاصر الذي صاغه إنجستروم للتعامل مع شبكات النشاط المعقدة والمتعددة والمتفاعلة في عالم اليوم.

قدم إنجستروم نموذجه الشهير “مثلث منظومة النشاط” (Activity System Triangle)، موسعاً التحليل الفردي ليشمل البنية الاجتماعية والمؤسسية الجماعية الشاملة عبر إضافة ثلاثة مكونات بنيوية في قاعدة المثلث: القواعد والمعايير (Rules) التي تحكم السلوك، المجتمع (Community) من الأفراد والمجموعات المعنية بالنشاط، وتقسيم العمل (Division of Labor) المهام وتوزيع السلطة والمسؤوليات. كما وضع إنجستروم مفهوم “التناقضات البنائية الداخلية” (Internal Contradictions) بوصفها القوة المحركة والدافع الأساسي للتغيير والتطور والابتكار داخل المنظومات المؤسسية، وطور على أساسها نظرية “التعلم التوسعي” (Expansive Learning) ومختبرات التغيير التنموي (Change Laboratories) التي تعيد هيكلة وتطوير ممارسات العمل في المستشفيات، المدارس، والشركات العالمية الكبرى.

11.2 التفاعل بين الإنسان والحاسوب (HCI) وتصميم النظم الرقمية

شهدت تسعينيات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين انتقالاً نوعياً لنظرية النشاط إلى صلب علوم الحاسوب وهندسة البرمجيات، وتحديداً في حقل التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Human-Computer Interaction – HCI) وتصميم تجربة المستخدم (UX)، وذلك بفضل أبحاث رواد معاصرين مثل سوزان بودنكر (Susanne Bødker)، وبوني ناردي (Bonnie Nardi)، وفيكتور كابتيلينين (Victor Kaptelinin). جاءت نظرية النشاط كبديل ثوري لنماذج علم النفس المعرفي الكلاسيكية التي تعاملت مع المستخدم البشري كمعالج معلومات خطي ومعزول يشبه الحاسوب في نمط معالجة البيانات مدخلات ومخرجات.

انطلاقاً من المنظور الهيكلي لليونتيف، أتاح إطار النشاط لمصممي النظم التمييز الدقيق بين:

  • مستوى النشاط الكلي للمستخدم والدافع المحرك له: (مثل إنجاز مشروع بحثي أو الحفاظ على التواصل الاجتماعي).
  • مستوى الأفعال الواعية الموجهة بالأهداف: (مثل كتابة فقرة، أو تحرير جدول، أو إجراء مكالمة مرئية).
  • مستوى العمليات الإجرائية والشروط التقنية المتاحة: (مثل الضغط على أزرار لوحة المفاتيح، التمرير بالفأرة، أو استجابة شاشات اللمس).

هذا التمييز البنائي ساعد في تطوير بيئات رقمية تضمن “شفافية الأداة البرمجية” (Tool Transparency)؛ بحيث تتحول التفاعلات التقنية المادية إلى عمليات روتينية سلسة لا تعيق انتباه المستخدم عن أهدافه الحقيقية ودوافعه الكبرى. كما أحدثت النظرية ثورة في فهم العمل التعاوني المدعوم بالحاسوب (Computer-Supported Cooperative Work – CSCW) من خلال تحليل كيفية استخدام النظم الرقمية كوسائط وسيميائيات تدعم تقسيم العمل والنشاط المشترك للفرق الموزعة جغرافياً عبر الشبكات السحابية.

11.3 التربية والتعليم وعلم النفس التنظيمي

في الحقل التربوي المعاصر، شكلت نظرية النشاط المنطلق الأساسي لتطوير “التعليم التنموي” (Developmental Instruction)، لا سيما في النماذج الرائدة التي صاغها فاسيلي دافيدوف (Vasily Davydov) ودانييل إلكونين (Daniil Elkonin). يقوم هذا النموذج على تحويل الفصل الدراسي التقليدي القائم على التلقين السلبي إلى “ورشة نشاط معرفي استكشافي جماعي”، حيث يُوجه الطلاب نحو حل مشكلات حقيقية واكتشاف المفاهيم العلمية والمبادئ الجوهرية للمادة بأنفسهم من خلال نشاط النمذجة واستخدام الأدوات الوسيطة، مما ينقل الطالب من مستوى التفكير الوصفي السطحي إلى مستوى التفكير النظري والمفاهيمي التحليلي الرصين.

وفي مجال علم النفس التنظيمي والإداري، توفر نظرية النشاط أداة تشخيصية وتحليلية بالغة القوة لتحليل الثقافة المهنية وأسباب الفشل أو النجاح في بيئات الأعمال المعقدة. بدلاً من إلقاء اللوم على الأخطاء الفردية للعاملين والموظفين، تتجه أبحاث النشاط نحو فحص التناقضات البنائية الكامنة بين مكونات منظومة النشاط ككل؛ مثل التناقض بين القواعد البيروقراطية الصارمة للمؤسسة وبين متطلبات الإبداع التكنولوجي الحديث، أو التناقض بين أساليب تقسيم العمل وأهداف الإنتاجية المشتركة. يتيح هذا الفهم المنهجي لقادة المؤسسات إعادة تصميم بيئات العمل وبناء فرق قادرة على التعلم المستمر وحل الأزمات التنظيمية بمرونة وفاعلية استثنائية.

12. التقييم النقدي، الإرث العلمي، والآفاق المستقبلية

12.1 الانتقادات الموجهة لنظرية النشاط

رغم الثراء الإبستمولوجي والمنهجي الفائق لنظرية النشاط، إلا أنها واجهت عبر مسيرتها التاريخية حزمة من الانتقادات العلمية والنظرية من قبل باحثين غربيين وروس على حد سواء. تمثل أحد أبرز هذه الانتقادات في الصعوبة البالغة التي تكتنف “الأجرأة والقياس الكمي الصارم” لبعض مفاهيمها المركزية في البحوث التجريبية الدقيقة؛ إذ إن مفاهيم مثل “المعنى الشخصي”، و”التشيؤ”، و”الدافع العام” تظل في كثير من الأحيان مفاهيم فلسفية ونوعية معقدة يصعب قياسها بالمعايير الإحصائية الوضعية الصارمة مقارنة بالنظريات السلوكية والمعرفية الكلاسيكية.

كما وجه بعض علماء النفس التطوري والبيولوجي نقداً للنظرية لمبالغتها أحياناً في تهميش وتخفيض شأن العوامل البيولوجية الفطرية والمحددات الجينية والفسيولوجية في صياغة السلوك؛ وذلك نتيجة الالتزام الأيديولوجي الصارم في العهد السوفيتي بإبراز الهيمنة المطلقة للتاريخ والمجتمع على حساب الطبيعة الحيوية. إضافة إلى ذلك، انتقد باحثون لاحقون بعض مظاهر الغموض والميوعة المفاهيمية في كتابات ليونتيف المتأخرة، لا سيما صعوبة رسم حدود قاطعة ودقيقة أحياناً بين الأفعال والعمليات في السياقات الحياتية السريعة والبالغة التعقيد، مما ترك مساحة لتأويلات نظرية متعددة ومتنافسة بين أتباع المدرسة.

12.2 مقارنة مع النظريات المعاصرة (النظرية المعرفية والموقفية)

تحتفظ نظرية النشاط بموقع فريد يتقاطع ويتمايز بوضوح عن التيارات المعرفية والفلسفية المعاصرة التي ظهرت في العقود الأخيرة، كما يتضح في المقارنة النقدية مع أبرز هذه التوجهات الحديثة:

  • الإدراك الموزع والإدراك المتجسد (Distributed and Embodied Cognition): تلتقي نظرية النشاط مع نظريات الإدراك المتجسد (Varela, Clark) والإدراك الموزع (Hutchins) في رفض الرؤية الديكارتية التي تحصر العقل في الجمجمة، وتؤكد على أن التفكير يتوزع عبر الجسد والأدوات والبيئة المحيطة. غير أن نظرية النشاط تتفوق على هذه النماذج بتركيزها الصارم على “البعد التاريخي والتطوري والدافعي”، فالأدوات والبيئات عند ليونتيف وروبنشتاين ليست مجرد وسائط فيزيائية محايدة، بل هي حوامل لخبرات اجتماعية وصراعات قيمية ودوافع تاريخية مشبعة بالمعنى البشري.
  • نظرية الفاعل-الشبكة (Actor-Network Theory – ANT): تتقاطع نظرية النشاط مع أطروحات برونو لاتور (Bruno Latour) في منح الأدوات والمصنوعات المادية دوراً حاسماً في شبكة الممارسة. ومع ذلك، ترفض نظرية النشاط بحزم “التناظر الأنطولوجي المطلق” الذي تسويه الـ ANT بين البشر وغير البشر (Actants)؛ إذ تصر نظرية النشاط على المركزية الأخلاقية والوجودية لـ “الفاعلية الإنسانية الواعية” (Human Agency) ومرجعية الحاجات والدوافع الإنسانية بوصفها المحرك الفريد للنشاط التاريخي.
  • الذكاء الاصطناعي التفاعلي والبيئات الافتراضية: تقدم نظرية النشاط اليوم إطاراً إبستمولوجياً متقدماً لتوجيه أبحاث الذكاء الاصطناعي (AI) والنظم التوليدية والواقع الافتراضي (VR)؛ فبدلاً من السعي لبناء روبوتات تفكر كمعالجات حسابية مغلقة، تركز أبحاث النشاط على تصميم “وكلاء أذكياء” (Intelligent Agents) يفهمون سياق النشاط المشترك، ويتفاعلون مع البشر من خلال استيعاب الأهداف والدوافع والمحددات المؤسسية للممارسة الاجتماعية.

12.3 الخلاصة والآفاق المستقبلية للبحث

يثبت الإرث الفكري الخالد لكل من أليكسي ليونتيف وسيرجي روبنشتاين، بعد عقود طويلة من رحيلهما، أنه ليس مجرد وثيقة تاريخية تعبر عن حقبة سياسية مضت، بل هو منظومة معرفية حية ومتجددة قادرة على مواكبة أعقد تحولات القرن الحادي والعشرين. إن الحاجة إلى نظرية النشاط تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى في عصر الفضاء السيبراني، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الجذرية في طبيعة العمل البشري والاغتراب الرقمي المعاصر؛ حيث يعيد هذا النموذج تذكيرنا بأن التكنولوجيا في جوهرها ليست غاية بذاتها، بل هي وسيط وأداة تكتسب قيمتها الحقيقية فقط بمقدار ما تخدم الدوافع التحررية والنمو الشامل للإنسان في مجتمعه.

تقف نظرية النشاط كجسر إبستمولوجي وتكاملي فريد وشامخ يربط بين الفلسفة الجدلية الرصينة، وعلم الاجتماع التاريخي، والبحث السيكولوجي الإمبريقي العميق. إن مسارات البحث المستقبلي تفتح آفاقاً رحبة لإعادة استكشاف مفاهيم “المعنى الشخصي” و”الأفعال الواعية” و”التناقضات المؤسسية” في ضوء العالم الرقمي الجديد، مما يرسخ موقع هذه النظرية كواحدة من أعظم الإنجازات الفكرية في تاريخ العلوم الإنسانية؛ نظرية تعيد للإنسان فاعليته، وللوعي تاريخيته، وللحياة النفسية معناها العميق المتجذر في قلب الممارسة الإنسانية المبدعة والخلاقة.

References

  • Engeström, Y. (1987). Learning by expanding: An activity-theoretical approach to developmental research. Orienta-Konsultit. https://www.mv.helsinki.fi/home/ye/Learning%20by%20Expanding.pdf
  • Engeström, Y., Miettinen, R., & Punamäki, R. L. (Eds.). (1999). Perspectives on activity theory. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511812774
  • Galperin, P. Y. (1969). Stages in the development of mental acts. In M. Cole & I. Maltzman (Eds.), A handbook of contemporary Soviet psychology (pp. 249–273). Basic Books.
  • Kaptelinin, V., & Nardi, B. A. (2006). Acting with technology: Activity theory and interaction design. MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/1083.001.0001
  • Leontiev, A. N. (1978). Activity, consciousness, and personality. Prentice-Hall. https://www.marxists.org/archive/leontev/works/1978/index.htm
  • Leontiev, A. N. (1981). Problems of the development of the mind. Progress Publishers.
  • Rubinstein, S. L. (1940). Основы общей психологии [Foundations of general psychology]. Uchpedgiz.
  • Rubinstein, S. L. (1957). Бытие и сознание [Being and consciousness]. USSR Academy of Sciences.
  • Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes (M. Cole, V. John-Steiner, S. Scribner, & E. Souberman, Eds.). Harvard University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctvjf9vz4
  • Wertsch, J. V. (1981). The concept of activity in Soviet psychology. M. E. Sharpe.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 26). نظرية النشاط – أليكسي ن. ليونتيف وسيرجي روبنشتاين. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/theories/activity-theory-leontiev-rubinstein/
looti, Mohammed. “نظرية النشاط – أليكسي ن. ليونتيف وسيرجي روبنشتاين.” عرب سايكلوجي, 26 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/theories/activity-theory-leontiev-rubinstein/.
looti, Mohammed. “نظرية النشاط – أليكسي ن. ليونتيف وسيرجي روبنشتاين.” عرب سايكلوجي. أغسطس 26, 2026. https://arabpsychology.com/theories/activity-theory-leontiev-rubinstein/.