القيادة والإدارةعلم النفس التنظيمينظريات التعلم

نموذج التعلم ثنائي الحلقة – كريس أرجيريس ودونالد شون

دليل أكاديمي شامل يستعرض نموذج التعلم ثنائي الحلقة لكريس أرجيريس ودونالد شون، مع تحليل النظريات السلوكية، الممارسة التأملية، وتطبيقاته في علم النفس التنظيمي.

تاريخ النشر

تُمثّل دراسة السلوك الإنساني داخل البيئات المؤسسية المعقدة أحد أكثر الحقول المعرفية خصوبةً وإلحاحاً في الفكر الإداري والنفسي المعاصر. في عالمٍ يتسم بالتقلب المستمر والغموض والتعقيد المتسارع، تواجه المنظمات والأفراد على حد سواء أزمة بنيوية تتعلق بقدرتهم على التكيف وإعادة اختراع ذواتهم. في قلب هذه الأزمة، تبرز إشكالية جوهرية: لماذا تفشل المؤسسات، وقادتها الأكثر ذكاءً وخبرة، في تصحيح مساراتهم رغم وضوح المؤشرات الدالة على الانهيار أو التراجع؟ ولماذا نميل غريزياً إلى إعادة إنتاج الاستراتيجيات ذاتها التي أنتجت الإخفاق، مراهنين على تحسين معدلات الكفاءة التشغيلية بدلاً من مساءلة الأسس المنطقية التي قامت عليها تلك القرارات من الأساس؟

للإجابة عن هذه المعضلات المستعصية، برزت في سبعينيات القرن العشرين إسهامات رائدة شكّلت منعطفاً إبستمولوجياً وسلوكياً فارقاً في نظريات التعلم التنظيمي والفعل الإنساني. قاد هذا التحول الراديكالي عالمان بارزان: كريس أرجيريس (Chris Argyris)، أستاذ التربية والسلوك التنظيمي بجامعة هارفارد ورائد البحث الإجرائي، ودونالد شون (Donald Schön)، فيلسوف التخطيط والممارسة الحضرية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وصاحب مفهوم “الممارس المتأمل”. تلاقت رؤى العالمين لتفرز إطاراً نظرياً وسلوكياً ثورياً عُرف باسم نموذج التعلم ثنائي الحلقة (Double-Loop Learning Model)، وهو النموذج الذي لم يكتفِ بتشخيص علل الفكر المؤسسي، بل قدم تشريحاً معرفياً دقيقاً للآليات النفسية والدفاعية التي تُعطل قدرة البشر على التعلم الحقيقي والتحول الاستراتيجي.

يهدف هذا المقال الأكاديمي الموسع إلى تقديم قراءة شاملة، نقدية، ومعمقة لنموذج التعلم ثنائي الحلقة، متتبعاً أصوله الفلسفية والمعرفية، ومفككاً ديناميكياته النفسية والسلوكية، ومستعرضاً أدواته المنهجية وتطبيقاته الميدانية في القيادة والتطوير المؤسسي. سنبحر عبر طبقات الوعي الفردي والجمعي، لنستكشف كيف تتشكل النماذج الذهنية المقيدة، وكيف تؤدي الروتينات الدفاعية إلى ترسيخ ما أسماه أرجيريس بـ “العجز الماهر”، وكيف تتيح الممارسة التأملية واستقصاء الفعل لدى شون بناء مساحات آمنة قادرة على مراجعة “المتغيرات الحاكمة” وتأسيس منظمات متعلمة تواكب تحديات القرن الحادي والعشرين والتحولات الجذرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

1. المقدمة والجذور الفلسفية والمعرفية لنظرية التعلم ثنائي الحلقة

1.1 النشأة التاريخية وتطور نظريات التعلم التنظيمي

شهد الفكر الإداري والتنظيمي في النصف الثاني من القرن العشرين تحولاً إبستمولوجياً عميقاً؛ إذ انتقل التركيز من النماذج السلوكية الكلاسيكية (Behavioral Models)—التي نظرت إلى السلوك التنظيمي بوصفه مجرد استجابات لمثيرات خارجية تحكمها قوى التعزيز المادي والعقوبات الإجرائية—إلى النماذج المعرفية المركبة (Cognitive Models). لقد كشفت الإخفاقات المتكررة للبيروقراطيات الصناعية في التكيف مع الاضطرابات الاقتصادية والتكنولوجية عن قصور المقاربات السلوكية في تفسير آليات بناء المعنى، وتفسير المعلومات، وصناعة القرارات في ظل الغموض واللايقين.

في سياق سبعينيات القرن العشرين، ومع بروز الأزمات النفطية والتحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، تصاعدت الحاجة إلى تفكيك آليات التغيير الجذري ومساءلة القرارات الاستراتيجية. لم تعد المنظمات قادرة على الاكتفاء بنماذج الكفاءة الخطية المستمدة من الإدارة العلمية لتايلور؛ بل غدا من الملح استيعاب البعد المعرفي النفسي الذي يحكم سلوك الممارسين. تلاقت في هذه المرحلة ثلاثة تيارات فكرية كبرى: علم النفس المعرفي الذي يدرس البنى الذهنية والتمثيلات العقلية، ونظرية النظم العامة (Systems Theory) التي تنظر إلى المنظمة ككل ديناميكي حيوي يتفاعل عبر حلقات التغذية الراجعة، ونظرية الفعل الإنساني (Action Theory) المستمدة من الفلسفة البراغماتية والتحليل الفينومينولوجي.

ضمن هذه الحاضنة الفكرية الخصبة، وتحديداً في أروقة جامعتي هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تبلورت ملامح حقل “التعلم التنظيمي”. انطلقت أبحاث كريس أرجيريس ودونالد شون من قناعة حاسمة بأن التعلم ليس مجرد اكتساب معلومات جديدة أو صقل مهارات فنية عابرة، بل هو عملية معرفية بنائية تتطلب إعادة هيكلة مستمرة للخرائط الإدراكية التي يوجه الأفراد والمؤسسات سلوكياتهم اليومية من خلالها.

1.2 المرتكزات الإبستمولوجية للنموذج

يستند نموذج التعلم ثنائي الحلقة إلى أسس إبستمولوجية تنتمي بوضوح إلى فلسفة البنائية الاجتماعية (Social Constructivism). بموجب هذا المنظور، لا يُنظر إلى الواقع التنظيمي كمعطى موضوعي مسبق الصنع ومستقل عن وعي الفاعلين فيه، بل هو واقع يُبنى ويُعاد إنتاجه يومياً من خلال التفاعل الاجتماعي والتأويل المستمر للتجارب الحياتية. الأفراد لا يستجيبون للعالم الخارجي كما هو بحيادية، بل يستجيبون للخرائط المعرفية والنماذج الذهنية التي شكلوها حول هذا العالم.

تتمثل النقلة المعرفية الحاسمة في هذا النموذج في الانتقال من معالجة الأعراض والظواهر السطحية للمشكلات إلى فحص ومساءلة المتغيرات الحاكمة (Governing Variables)؛ وهي المبادئ، والقيم، والافتراضات الضمنية غير المرئية التي توجه السلوك وتحدد أطر التفكير وحدود الممكن والمستحيل داخل المنظومة. يستبدل النموذج منطق السببية الخطية والميكانيكية (Linear Causality)—الذي يربط السبب بالنتيجة في اتجاه واحد—بمنطق السببية التفاعلية والدائرية (Circular Causality) والسيبرنتيقية من الدرجة الثانية (Second-Order Cybernetics)، حيث تؤثر أفعال النظام على مدخلاته عبر حلقات تغذية راجعة مستمرة تؤكد أو تدحض مسلماته الأصلية.

كما يعتمد النموذج اعتماداً جوهرياً على مفهوم التفكير المعرفي الفوقي (Metacognition)؛ أي “التفكير حول التفكير”. التعلم الحقيقي، وفقاً لأرجيريس وشون، يقتضي أن يقف الفرد خارج بنيته الإدراكية الحالية ليفحص أدواته العقلية ذاتها، متسائلاً عن صحة المسلمات التي بنى عليها استنتاجاته، وهو ما يمهد لحدوث قفزات نوعية في الوعي تسمح بتجاوز الانحباس الفكري والانفتاح على حلول جذرية غير مألوفة.

1.3 الأهمية المعاصرة لنموذج أرجيريس وشون في علم النفس التنظيمي

في المشهد المؤسسي المعاصر، تكتسب أطروحات أرجيريس وشون أهمية استثنائية بوصفها أداة تشخيصية وعلاجية لظواهر الجمود الفكري (Intellectual Rigidity) والمقاومة النفسية الشرسة لمشاريع التحول الرقمي والاستراتيجي. يوضح النموذج كيف تقع المؤسسات، رغم توفر أحدث النظم التكنولوجية، في فخ الانحيازات المعرفية والتبريرات المنطقية التراجعية التي تحمي بها افتراضاتها البائدة، وهو ما يفسر الانهيارات الدراماتيكية لشركات كانت تهيمن على الأسواق العالمية.

من زاوية علم النفس التنظيمي والصحة النفسية المهنية، يساهم تطبيق التعلم ثنائي الحلقة في تخفيض مستويات التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) والاغتراب الوظيفي. عندما يعيش الموظفون والمديرون حالة انقسام داخلي بين ما يصرحون به من قيم (كالشفافية والشجاعة) وما يمارسونه فعلياً تحت وطأة الخوف (كالتستر على الأخطاء وتجنب المواجهة)، يتولد لديهم قلق وجودي وإجهاد نفسي مزمن؛ ويوفر هذا النموذج مساراً علاجياً لردم هذه الفجوة واستعادة الاتساق الأخلاقي والإدراكي.

علاوة على ذلك، يُعد النموذج رافداً حيوياً لتطوير القيادات التنفيذية في بيئات عمل تتسم بما يُعرف بعالم VUCA (التقلب، اللايقين، التعقيد، والغموض). فالمرونة الإدراكية والتواضع الفكري الناتجين عن ممارسة التعلم ثنائي الحلقة يمنحان القيادات القدرة على تفكيك نرجسيتهم المعرفية، وبناء ثقافات تقييم ذاتي نقدي تشجع على المساءلة الفكرية البناءة وتتقبل الخطأ بوصفه فرصة استكشافية حاسمة لتوليد الابتكارات التدميرية والاستدامة المؤسسية.

2. كريس أرجيريس ودونالد شون: السيرة الفكرية والتعاون الأكاديمي

2.1 إسهامات كريس أرجيريس في السلوك التنظيمي والبحث الإجرائي

يُعد كريس أرجيريس (1923–2013) أحد الآباء المؤسسين لحقل السلوك التنظيمي الحديث. ركز مشروعه الفكري والبحثي على دراسة التوتر المتأصل بين متطلبات تحقيق الذات والنمو النفسي للفرد، والمتطلبات البيروقراطية الصارمة للمنظمات الرسمية، وهو ما فصّله في عمله الكلاسيكي المبكر Personality and Organization (1957). رأى أرجيريس أن البنى المؤسسية الهرمية تصنع بيئات تكرس عدم النضج وتفرض على الراشدين سلوكيات اتكالية، مما يؤدي إلى ردود فعل دفاعية تُهدر الطاقات البشرية.

تميز أرجيريس بتطويره لمنهجية البحث الإجرائي (Action Research) والعلوم الإجرائية (Action Science) بوصفها مقاربة رائدة تتجاوز البحث الأكاديمي الوصفي البحت؛ حيث لا يكتفي الباحث بملاحظة الظواهر الاجتماعية بل يتدخل بالتعاون مع الممارسين لإحداث تغيير نفسي-اجتماعي واختبار الفرضيات في مواقف العمل الحية. انصب اهتمامه الإكلينيكي على تفكيك الدفاعات المؤسسية وأوهام الكفاءة لدى النخب الإدارية، مبيناً في أعماله اللاحقة مثل Increasing Leadership Effectiveness (1974) وOvercoming Organizational Defenses (1990) كيف يطور القادة والخبراء “عجزاً متعلماً ومهارات دفاعية بارعة” تُحصنهم ضد اكتشاف أخطائهم المعرفية.

2.2 إسهامات دونالد شون في الممارسة التأملية والتعلم القائم على الاستقصاء

على الجانب الآخر، جلب دونالد شون (1930–1997) عمقاً فلسفياً نادراً مستمداً من دراسته للفلسفة والبراغماتية تحت تأثير الفيلسوف جون ديوي (John Dewey). صاغ شون في عمله المؤسس The Reflective Practitioner (1983) نظرية متكاملة حول المعرفة المهنية، موجهاً نقداً لاذعاً للنموذج الوضعي السائد المتمثل في “العقلانية التقنية” (Technical Rationality)، التي تفترض أن المشكلات المهنية هي مسائل تقنية يمكن حلها بتطبيق القواعد والنظريات العلمية الجاهزة.

أكد شون أن المهنيين في الواقع يواجهون “أراضي منخفضة مستنقعية” (Swampy Lowlands) تتسم بالفوضى، وتضارب القيم، والغموض الذي يتعذر حله بالقوالب المسبقة. وابتكر شون تمييزه الشهير بين نمطين من التأمل: التأمل أثناء الفعل (Reflection-in-action)؛ وهو التفكير الارتجالي الحواري الذي يعيد صياغة الموقف وتعديل الأداء أثناء حدوثه، والتأمل بعد الفعل (Reflection-on-action)؛ وهو التحليل الاسترجاعي المنظم للدروس والافتراضات بعد انقضاء التجربة. وقد مهدت أطروحاته السابقة في كتاب Beyond the Stable State (1971) لفهم المنظمات بوصفها أنظمة تعلم ديناميكية يجب أن تتعايش مع غياب الاستقرار الدائم وتتجاوز وهم الثبات التام.

2.3 الشراكة الفكرية والأعمال المشتركة الكبرى

شكّل التعاون بين أرجيريس وشون في سبعينيات وتسعينيات القرن العشرين إحدى أخصب الشراكات الأكاديمية في تاريخ العلوم الإنسانية والتنظيمية. أنتج هذا التحالف الفكري الثلاثية التأسيسية التي رسخت مفهوم التعلم التنظيمي في العالم الحديث. بدأ هذا التعاون بكتابهما الاستثنائي Theory in Practice: Increasing Professional Effectiveness (1974)، حيث وضعا فيه اللبنات الأولى للتمييز الدقيق بين “النظريات المتبناة” (Espoused Theories) و”النظريات قيد الاستخدام” (Theories-in-Use)، محددين خصائص النموذج الأول والنموذج الثاني في السلوك الإنساني.

تلا ذلك صدور عملهما المرجعي البارز Organizational Learning: A Theory of Action Perspective (1978)، الذي قدّم الصياغة المنهجية الكاملة للتعلم أحادي الحلقة وثنائي الحلقة، وطبّق المفاهيم المعرفية الفردية على مستوى الأنظمة الجمعية والمؤسسية. واختتما مسيرتهما المشتركة بكتابهما المحدث Organizational Learning II: Theory, Method, and Practice (1996)، الذي طور المفاهيم الأصلية وربطها بالتحديات التقنية والتنافسية المعاصرة للمؤسسات في نهاية القرن العشرين. نتج عن هذا التمازج تكامل مذهل بين النزعة النفسية-السلوكية والتحليل الإكلينيكي الصارم لأرجيريس، والعمق الفلسفي المعرفي والتحليل البنائي الاستقصائي لشون.

3. الثالوث النظري: التعلم أحادي الحلقة، ثنائي الحلقة، وثلاثي الحلقة

3.1 التعلم أحادي الحلقة (Single-Loop Learning): آلياته وحدوده

يُمثّل التعلم أحادي الحلقة (Single-Loop Learning) النمط الأكثر شيوعاً وبديهية في السلوك البشري والمؤسسي. يُعرّف هذا النمط بأنه عملية رصد وتصحيح للأخطاء والانحرافات التشغيلية من خلال تعديل الاستراتيجيات السلوكية أو الإجراءات التنفيذية، ولكن دون المساس بالقيم، والأهداف، والمعايير، أو المتغيرات الحاكمة التي أفرزت تلك الاستراتيجيات في المقام الأول.

استخدم أرجيريس وشون استعارة منظم الحرارة (Thermostat) لتوضيح هذه الآلية: يستشعر منظم الحرارة درجة حرارة الغرفة (البيانات والنتائج)، فإذا انخفضت عن الدرجة المحددة مسبقاً (الهدف/المعيار)، فإنه يصدر أمراً بتشغيل نظام التدفئة (الفعل/الاستراتيجية) ليعيد الحرارة إلى المستوى المطلوب. إن الثرموستات يقوم بالتعلم وتصحيح الخطأ بنجاح، لكنه لا يتساءل أبداً: “هل الدرجة المبرمج عليها ملائمة حقاً لصحة المتواجدين؟” أو “هل التدفئة هي الوسيلة الأمثل الآن؟”.

يتميز التعلم أحادي الحلقة بفاعلية قصوى وكفاءة لا غنى عنها في الحالات الروتينية والمستقرة؛ فهو يضمن استقرار العمليات، ومراقبة الجودة، والتحسين المستمر وفق مؤشرات الأداء الحالية (KPIs). غير أن خطورته التراكمية تكمن في توليده لحالة من الانحباس الإدراكي (Cognitive Lock-in)؛ فعندما تتغير البيئة المحيطة جذرياً، يصبح الاستمرار في تحسين الإجراءات الخاطئة نوعاً من الفشل الإداري المميت، كمن يتقن تجديف القارب بأقصى سرعة ممكنة ولكن في الاتجاه المعاكس تماماً للوجهة المطلوبة.

3.2 التعلم ثنائي الحلقة (Double-Loop Learning): المفهوم والتحول الهيكلي

على النقيض الجذري من ذلك، يحدث التعلم ثنائي الحلقة (Double-Loop Learning) عندما يتم رصد خطأ أو إخفاق في تحقيق النتائج، وتكون الاستجابة ليست بتعديل الأساليب فحسب، بل بالرجوع خطوة إلى الخلف لإعادة فحص ونقد المتغيرات الحاكمة (Governing Variables)، والافتراضات التأسيسية، والبارادايغمات التي توجه المنظومة برمتها. إنه يمثل انتقالاً فكرياً حاسماً من التساؤل التكتيكي: “كيف نقوم بما نفعله بكفاءة أكبر وبطريقة أسرع؟” إلى التساؤل الاستراتيجي الوجودي: “لماذا نقوم بهذا الفعل أصلاً؟ وهل الأهداف والمعايير التي ننطلق منها لا تزال صالحة ومشروعة؟”.

يتطلب هذا التحول إعادة هيكلة عميقة للخرائط الذهنية وتعديلاً شاملاً للمسارات السلوكية بناءً على القيم والمعتقدات المعاد صياغتها. إذا لاحظت مؤسسة تراجعاً في مبيعات منتج معين، فإن التعلم أحادي الحلقة يدفعها لتكثيف الحملات الترويجية وخفض الأسعار، بينما يدفعها التعلم ثنائي الحلقة إلى التساؤل حول ما إذا كانت احتياجات العملاء وسياقات السوق قد تغيرت كلياً بحيث بات هذا المنتج عديم الجدوى ويستوجب الخروج من السوق وابتكار نموذج عمل مغاير.

يحمل التعلم ثنائي الحلقة أثراً نفسياً وانفعالياً بالغ التعقيد على الممارسين؛ فهو يجبرهم على مغادرة مناطق الراحة الذهنية، والتخلي عن اليقينيات الزائفة، والاعتراف الصريح بالقابلية للخطأ والجهل الإجرائي. هذا الاعتراف بالهشاشة النفسية لا يمثل ضعفاً، بل هو المدخل الحقيقي الوحيد للنماء والتحول الإدراكي القادر على مواكبة التعقيد وإحداث قفزات تطويرية بنيوية ومستدامة.

3.3 التعلم ثلاثي الحلقة (Triple-Loop Learning): البعد الوجودي والتعلم الفوقي

مع تطور أدبيات التعلم التنظيمي واستلهاماً من أطروحات غريغوري بيتسون (Gregory Bateson) حول مستويات التعلم ومفهوم تعلم كيف تتعلم (Deutero-learning)، وسّع الباحثون الثنائي النظري لأرجيريس وشون ليشمل مستوى أكثر عمقاً يُعرف بـ التعلم ثلاثي الحلقة (Triple-Loop Learning). ينقل هذا المستوى التركيز من مساءلة “الافتراضات والأهداف” إلى مساءلة “الهوية، والمقاصد الكبرى، والبنية الأخلاقية والوجودية” التي يرتكز عليها الكيان الفردي أو المؤسسي.

يتساءل الفرد أو التنظيم في التعلم ثلاثي الحلقة: “من نحن حقاً؟ وما هو المبدأ التوجيهي الأسمى لوجودنا؟ وكيف نتعلم كيف نتعلم؟”. إنه فحص نقدي عميق للسياقات الثقافية الأوسع ولأنماط الوعي الفوقية، حيث يتم تحويل المنظومة إلى بيئة تدرك وتراجع مبادئها المعرفية وطرق تفكيرها واستراتيجيات تعلمها ذاتها بشكل ذاتي ومستمر.

يمكن تلخيص هذا الثالوث النظري في مقارنة منهجية واضحة:

  • التعلم أحادي الحلقة: يركز على الأفعال والنتائج (هل نفعل الأشياء بالطريقة الصحيحة؟) – المستوى: تكتيكي/تشغيلي – التحول: تعديل في الإجراءات والسلوكيات الظاهرة.
  • التعلم ثنائي الحلقة: يركز على المتغيرات الحاكمة والافتراضات (هل نفعل الشيء الصحيح المناسب؟) – المستوى: استراتيجي/معرفي – التحول: إعادة تشكيل النماذج الذهنية ومنظومة القيم.
  • التعلم ثلاثي الحلقة: يركز على الهوية، الغاية، وفوقية التعلم (كيف نقرر ما هو صحيح؟ وما هو المعنى الكامن وراء وجودنا وطرق إدراكنا؟) – المستوى: وجودي/فلسفي – التحول: تحول جذري في الوعي والهوية الذاتية.

إن النضج الذاتي والتميز المؤسسي لا يعنيان استبدال الحلقات ببعضها، بل يتطلبان تكاملاً ديناميكياً يتيح للمنظومة استخدام التعلم أحادي الحلقة للضبط التشغيلي اليومي، وتفعيل التعلم ثنائي الحلقة للتكيف الاستراتيجي وإعادة الابتكار، واستدعاء التعلم ثلاثي الحلقة للحفاظ على البوصلة الوجودية والتجدد الثقافي الشامل.

4. الآليات النفسية: النظرية المتبناة مقابل النظرية قيد الاستخدام

4.1 النظرية المتبناة (Espoused Theory): الخطاب الواعي والمعايير المعلنة

يُعد التمييز بين “النظرية المتبناة” و”النظرية قيد الاستخدام” أحد أعمق الكشوفات السيكولوجية في نموذج أرجيريس وشون. تُعرّف النظرية المتبناة (Espoused Theory) بأنها منظومة المبادئ، والافتراضات، والقيم التي يدّعي الأفراد أو المؤسسات الإيمان بها ويلتزمون بها علناً أمام الآخرين عند سؤالهم عن دوافع سلوكياتهم وأفعالهم.

تؤدي النظرية المتبناة وظيفة اجتماعية ونفسية حيوية؛ فهي تمثل الواجهة الأخلاقية والمهنية الواعية التي يسعى الفرد من خلالها لتقديم صورة ذاتية إيجابية، وتحقيق القبول الاجتماعي، وتبرير شرعيته ومكانته داخل الجماعة. على المستوى المؤسسي، تتجسد النظرية المتبناة بوضوح في وثائق الرؤية والرسالة، ومدونات السلوك الأخلاقي، والبيانات الصحفية، والخطابات الحماسية للقيادات التي تتغنى بالعمل الجماعي، والانفتاح على النقد، وتمكين العاملين، والشفافية الراديكالية.

تتشكل هذه النظرية عبر آليات معرفية واعية ترتبط بالمنطق اللغوي الرسمي والتعاليم الأكاديمية والمهنية النظرية. يرى الممارسون بصدق أنهم ينفذون هذه المبادئ، متناسين أن الفكر الواعي لا يمثل سوى قمة جبل الجليد في توجيه السلوك الإنساني الحقيقي المعقد.

4.2 النظرية قيد الاستخدام (Theory-in-Use): الدوافع الخفية والخرائط السلوكية

في المقابل، تمثل النظرية قيد الاستخدام (Theory-in-Use) البنية المعرفية الحقيقية العميقة، والبرامج الإدراكية الخفية التي توجه السلوك الفعلي للأفراد في الواقع، بصرف النظر عما يصرحون به أو يظنون أنهم يمارسونه. إنها الخريطة الذهنية الضمنية التي يتم تفعيلها تلقائياً وبلا وعي في لحظات الضغط، واتخاذ القرارات المصيرية، والمواقف المشحونة بالعواطف والتهديدات.

تتميز النظرية قيد الاستخدام بكونها محجوبة في الغالب عن الإدراك الواعي للممارس ذاته؛ فلا يمكن استخلاصها أو التحقق منها بمجرد سؤال الشخص عما يفعل، لأن إجابته ستكون مستمدة حتماً من نظريته المتبناة. السبيل الوحيد لكشف واستنباط النظرية قيد الاستخدام هو الملاحظة الإكلينيكية المباشرة والدقيقة للسلوك الفعلي، ودراسة ردود الأفعال الواقعية، وتحليل أنماط التفاعل اللفظي والجسدي أثناء المواقف الخلافية والأزمات.

تتشكل هذه النظريات وتترسخ عبر سنوات طويلة من التنشئة الاجتماعية، والتجارب الصادمة، والبرمجة النفسية التي تمليها الرغبة الغريزية في الحفاظ على السيطرة، وتجنب الضعف، والحماية من الإحراج أو الشعور بالعجز. إنها تمثل برمجيات النجاة النفسية التي تحرك الفرد آلياً حتى لو قادته إلى نتائج تتناقض تماماً مع مصالحه المعلنة بعيدة المدى.

4.3 الفجوة السلوكية-المعرفية والتنافر النفسي

تنشأ المأساة المؤسسية والسلوكية من الفجوة القائمة بين النظرية المتبناة والنظرية قيد الاستخدام (The Gap between Espoused Theory and Theory-in-Use). قد يدعو قائد تنفيذي في خطابه المتبنى إلى “المصارحة، وكسر حواجز الخوف، والترحيب بالآراء المعارضة”، ولكن عندما يقدم له أحد الموظفين نقداً لخطته في اجتماع فعلي، تتحرك نظريته قيد الاستخدام فوراً ليقوم بمقاطعة الموظف، وتهميش رأيه، أو معاقبته ضمنياً لحماية سلطته وصورته أمام الحاضرين.

عندما تتم مواجهة الأفراد بهذه الفجوة الصارخة بين أقوالهم وأفعالهم، ينشأ لديهم مستوى حاد من التنافر المعرفي والقلق النفسي والوجودي؛ فالاعتراف بوجود الفجوة يهدد احترامهم لذواتهم ويفكك صورتهم كأفراد نزيهين ومنطقيين. لمواجهة هذا القلق، يلجأ العقل البشري تلقائياً إلى ترسانة من آليات الدفاع النفسي كالتبرير المنطقي (Rationalization)، والإنكار (Denial)، والإسقاط (Projection) على الظروف الخارجية أو سلوكيات الموظفين.

لكن نموذج أرجيريس وشون يرى في هذه الفجوة فرصة فريدة بدلاً من اعتبارها نقيصة مجردة؛ فإبراز التناقض بين ما نعلنه وما نفعله وتفكيكه بوعي ومحبة داخل بيئة آمنة هو المحرك والشرط التشخيصي الأساسي لتفعيل التعلم ثنائي الحلقة؛ إذ يجبر الممارس على فحص ومساءلة نظريته قيد الاستخدام وإعادة مواءمتها مع قيمه الإنسانية والمهنية الحقيقية.

5. النموذج الأول مقابل النموذج الثاني: العوالم السلوكية والديناميكيات النفسية

5.1 النموذج الأول (Model I): عقلية التحكم والدفاعية

من خلال دراسات إكلينيكية وميدانية استمرت لعقود شملت آلاف القادة والممارسين عبر ثقافات متعددة، توصل كريس أرجيريس إلى استنتاج لافت: تتبع الغالبية الساحقة من البشر النظرية قيد الاستخدام ذاتها تقريباً عند مواجهة التهديد أو التحدي، وهي المنظومة التي أطلق عليها اسم النموذج الأول (Model I). يتمحور هذا النموذج حول عقلية التحكم الانفرادي والدفاعية الصلبة.

ترتكز البنية المعرفية للنموذج الأول على أربعة متغيرات حاكمة أساسية توجه سلوك الفرد تلقائياً:

  • تحقيق الهدف المحدد بشكل انفرادي ودون مشاركة حقيقية في صياغته.
  • تعظيم المكسب الشخصي وتقليل الخسارة إلى أقصى حد ممكن (عقلية المعادلة الصفرية: الفوز مقابل الهزيمة).
  • قمع المشاعر السلبية وتجنب توليدها لدى الذات أو الآخرين لحماية التوازن الظاهري.
  • الظهور بمظهر العقلاني الرصين وتجنب أي مؤشر يوحي بالعجز، أو الجهل، أو فقدان الكفاءة.

لتحقيق هذه المتغيرات الحاكمة، يلجأ الأفراد إلى استراتيجيات سلوكية تتمثل في: المناورة الأحادية، وحجب المعلومات الحساسة، وإطلاق أحكام وافتراضات عن الآخرين دون اختبار صحتها علناً، وتصميم البيئة لحماية الذات والسيطرة التامة على الموقف. يقود هذا العالم السلوكي بالضرورة إلى انعدام الثقة، وتصاعد الشكوك المتبادلة، وتثبيط قنوات الحوار المفتوح. والنتيجة الحتمية هي تشكل حلقات منغلقة ذاتياً ومحكمة الإغلاق (Self-sealing loops)، تعيد إنتاج بيئات العمل السامة وتمنع حدوث أي تعلم يتجاوز حدود الحلقة الواحدة الروتينية.

5.2 النموذج الثاني (Model II): عقلية الاستقصاء المشترك والانفتاح

لمواجهة القيود المدمرة للنموذج الأول، صمم أرجيريس وشون بديلاً معرفياً وسلوكياً ارتقائياً أطلقا عليه النموذج الثاني (Model II). لا يمثل النموذج الثاني نقيضاً ساذجاً أو عاطفياً للنموذج الأول؛ فهو لا يعني التخلي عن القيادة أو التساهل غير المبرر، بل يمثل عقلية قائمة على الاستقصاء المشترك، والمساءلة الموضوعية، والشفافية الفكرية الصارمة.

تتمثل المتغيرات الحاكمة للنموذج الثاني في الآتي:

  • الاعتماد على المعلومات الصالحة والقابلة للاختبار علناً (Valid information)؛ عبر طرح المعطيات والأدلة الموضوعية والتخلي عن رمي الأحكام المسبقة غير المفحوصة.
  • حرية الاختيار الواعي والمستنير (Free and informed choice)؛ بإشراك كافة الأطراف المعنية في فهم البدائل المتاحة وتبعاتها بكل شفافية.
  • الالتزام الداخلي الصادق بالخيار المتخذ (Internal commitment)؛ وتحمل المسؤولية المشتركة لتنفيذه ورصد نتائجه بدقة وتعديل المسار عند اللزوم.

تتجسد الاستراتيجيات السلوكية للنموذج الثاني في: تقاسم القيادة والتحكم، والموازنة الخلابة بين الدفاع الحازم عن الرأي وتفسيره (Advocacy) والاستقصاء المنفتح والعميق لآراء الآخرين وتحدياتهم (Inquiry)، والدعوة الصريحة لاختبار الفرضيات ودحضها علناً. يُفرز هذا النموذج مناخاً نفسياً يتسم بالأمان العالي، وخفض الدفاعية، وتوليد طاقات إبداعية خلاقة تمكّن المؤسسات من تصحيح المسارات المعرفية وممارسة التعلم ثنائي الحلقة بصورة منهجية ومستدامة.

5.3 الانتقال من النموذج الأول إلى النموذج الثاني: العقبات وشروط التحول

إن الانتقال من النموذج الأول إلى النموذج الثاني ليس مجرد قرار إداري أو مهارة سلوكية يمكن اكتسابها في ورشة عمل سريعة؛ بل هو تحول بنيوي ونفسي عميق بالغ الصعوبة. تكمن الصعوبة في أن البرمجة المعرفية لمعظم الأفراد والمجتمعات قد تأسست ونضجت وفق قواعد النموذج الأول منذ الطفولة الباكرة وعبر الأنظمة التعليمية التلقينية وثقافات الشركات التقليدية.

يتطلب هذا التحول شروطاً ومراحل تدخل نفسي وتنظيمي صارمة تشمل:

  • الوعي بالنموذج الذهني الحالي: كشف وتعرية الخرائط الإدراكية ونظريات الاستخدام الحالية للأفراد من خلال تحليل تسجيلات وسيناريوهات تفاعلاتهم الواقعية ومواجهتهم بالتناقض بين ما يعلنونه وما يمارسونه.
  • تفكيك أوهام السيطرة: مساعدة القادة على إدراك أن محاولات التحكم الانفرادي وقمع الآراء الأخرى هي السبب المباشر وراء فقدانهم للسيطرة الحقيقية وتوليدهم لأخطاء كارثية غير مرئية لهم.
  • إعادة بناء الذخيرة السلوكية: التدريب المكثف على مهارات النموذج الثاني، مثل تصميم الحوارات الاستقصائية، والاعتراف بعدم معرفة الإجابات، والترحيب بالافتراضات المخالفة وتفحصها بشكل هادئ وممنهج.
  • القياس والدمج اليومي: متابعة قياس مدى رسوخ سلوكيات النموذج الثاني في المواقف الضاغطة والحرجة؛ إذ تميل النفس البشرية للانتكاس والارتداد السريع نحو دفاعات النموذج الأول كلما تصاعدت وتيرة التهديد والمخاطر.

6. الدفاعات المعرفية، الروتينات الدفاعية، وظاهرة “العجز الماهر”

6.1 الروتينات الدفاعية التنظيمية (Organizational Defensive Routines)

تتجاوز الدفاعات النفسية حدود الأفراد لتتبلور داخل المنظمات في صيغة سياسات، وممارسات، وأعراف غير مكتوبة أطلق عليها أرجيريس اسم الروتينات الدفاعية التنظيمية (Organizational Defensive Routines). تُعرّف هذه الروتينات بأنها أي فعل، أو إجراء، أو نمط سلوكي جمعي يهدف إلى تجنيب أعضاء المنظمة أو قياداتها تجربة التهديد، أو الحرج، أو مواجهة التقصير الإداري والمعرفي، مع منع المنظمة في الوقت ذاته من كشف وتحديد أسباب هذا التهديد أو إزالته.

تكمن المفارقة المأساوية للروتينات الدفاعية في أنها تحقق “حماية نفسية وتسكينية مؤقتة” للأفراد على المدى القصير، لكنها تدفع المنظمة نحو الشلل التراكمي وتجريدها من القدرة على التعلم والتكيف الحقيقي. تنشأ داخل هذه البيئات منظومة من التابوهات والمحرمات المؤسسية، وتترسخ القاعدة الذهنية الضمنية المدمرة: “هناك قضايا ومشكلات جوهرية لا يجوز مناقشتها مطلقاً (Undiscussables)، وقاعدة أخرى مكملة لها تنص على أن عدم إمكانية مناقشتها هو بحد ذاته أمر غير قابل للنقاش (The undiscussability of the undiscussables)!”.

تتحول هذه الروتينات تدريجياً إلى بنيات هيكلية ومؤسسية صلبة؛ حيث يتم تزييف تقارير الأداء، وصياغة استراتيجيات ضبابية تحتمل شتى التأويلات للتهرب من المساءلة، وتدوير المسؤوليات لتضييع الفاعل الحقيقي عند الفشل، مما يخلق بيئات مريضة تطرد الكفاءات الواعية وتخنق جذور الإبداع والابتكار.

6.2 ظاهرة “العجز الماهر” (Skilled Incompetence)

في إحدى أكثر مقالاته إثارة للجدل، Teaching Smart People How to Learn (Harvard Business Review, 1991)، طرح أرجيريس مفهوماً تشخيصياً عميقاً أسماه العجز الماهر (Skilled Incompetence). يفسر هذا المفهوم كيف يستخدم المهنيون، والخبراء، والأذكياء من ذوي الدرجات العلمية الرفيعة والأداء المتميز مهاراتهم الفكرية والبلاغية الفائقة لحماية أنفسهم من التعلم بدلاً من تسخيرها لخدمته!

يمتلك هؤلاء الأفراد براعة فائقة وبلاغة لغوية وقدرة مذهلة على المناورة المنطقية وبناء الحجج التبريرية المعقدة لإثبات أن الأخطاء والإخفاقات تعود دوماً إلى أسباب خارجة عن إرادتهم—كالعملاء غير الناضجين، أو تغيرات السوق المفاجئة، أو سوء فهم الإدارة العليا—دون أن تطرف لهم عين أو يشكوا للحظة في صحة استنتاجاتهم. إنهم “ماهرون جداً” في إنتاج “العجز المؤسسي والتعامي الإدراكي”.

يرتبط هذا السلوك بجذور نفسية غائرة قوامها الخوف المرضي من الفشل. ونظراً لأن مسيرة هؤلاء الأذكياء كانت مكللة بالنجاح والتفوق شبه المستمر، فإنهم لم يطوروا مناعة نفسية للتعامل مع الإخفاق والشعور بالهشاشة؛ وبالتالي، فعندما تواجههم مواقف تبرز عجز خططهم أو خطأ نماذجهم، يستشعرون تهديداً وجودياً مدوياً لهويتهم الذاتية، فيستنفرون طاقتهم الذكائية لنسج شبكات دفاعية تحجب عنهم وعن مؤسساتهم فرص التقييم الموضوعي والتعلم الحقيقي.

6.3 تفكيك الحلقات المنغلقة ذاتياً (Self-Sealing Loops)

تتغذى الروتينات الدفاعية وظاهرة العجز الماهر على ما يُسمى الحلقات المنغلقة ذاتياً (Self-Sealing Loops)؛ وهي دوائر تفكير تجعل الافتراضات والتفسيرات محصنة تماماً ضد الدحض أو الاختبار. في هذه الحلقات، يؤدي الافتراض المسبق إلى تبني سلوكيات حذرة تؤكد بطبيعتها صحة الافتراض الأصلي في ما يشبه النبوءة ذاتية التحقق (Self-fulfilling Prophecy).

على سبيل المثال: إذا افترض مدير أن موظفيه غير مبادرين ويتجنبون المسؤولية (افتراض غير مختبر)، فإنه سيمارس رقابة ميكروية لصيقة ويحرمهم من اتخاذ أي قرار مستقل (سلوك ناتج). سيشعر الموظفون بالإحباط والتهميش فيتوقفون تماماً عن المبادرة ويصبحون اتكاليين (استجابة الموظفين). يرى المدير هذا المشهد فيقول منتشياً: “ألم أقل لكم منذ البداية إنهم عاجزون عن المبادرة بدون رقابتي المباشرة؟!”، مغلقاً الدائرة الفكرية على نفسه دون أن يدرك أنه هو الصانع الحقيقي لهذه النتيجة.

يتطلب تفكيك هذه الحلقات المنغلقة استراتيجيات مواجهة علنية هادئة وقائمة على الأدلة الصريحة. تبرز هنا الحاجة في كثير من الأحيان إلى تدخل ميسر أو مستشار نفسي-تنظيمي خارجي مؤهل وفق معايير النموذج الثاني، يمتلك الحيدة والمهارة الإكلينيكية لإضاءة النقاط العمياء (Blind Spots)، وعكس السلوكيات الدفاعية للقيادات كمرآة صافية، وتوفير “حاوية أمان نفسي” تشجع الفرق على كسر الصمت والحديث الصادق في المسكوت عنه وتحويل الحلقات المنغلقة إلى مسارات تعلم مفتوحة وصحية.

7. الممارسة التأملية واستقصاء الفعل في إطار نموذج دونالد شون

7.1 المعرفة الضمنية والمعرفة أثناء الفعل (Knowing-in-Action)

ينقلنا فكر دونالد شون إلى تفكيك طبيعة المعرفة المهنية وكيفية تشكلها وتطبيقها في الميدان. بالاستناد إلى مفهوم المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge) الذي طوره الفيلسوف مايكل بولاني (Michael Polanyi)—والذي يلخصه المبدأ الشهير: “إننا نعرف أكثر مما نستطيع أن نقوله”—صاغ شون مفهوم المعرفة أثناء الفعل (Knowing-in-Action).

تتمثل هذه المعرفة في تلك المهارات، والأحكام، والحدوس العميقة التي يمارسها المهني المحترف (كالجراح الماهر، أو المعماري الفذ، أو القائد المحنك) بتلقائية وسلاسة ودون حاجة لصياغتها في جمل لغوية أو استدعاء قواعد نظرية مكتوبة مسبقاً. إنها معرفة مدمجة ومجسدة في الأداء العضلي والحركي والعصبي للممارس، تظهر في طريقة إمساكه بالأدوات وقراءته اللحظية للمواقف وتفاعله السريع مع المتغيرات.

تُعد هذه المعرفة التلقائية سر كفاءة وخبرة الممارس وتميزه في المواقف المعتادة. ولكن تكمن خطورتها في أنها قد تتحول إلى قيد معرفي وأعمى عندما تتغير البيئة وتتعرض لقوى جديدة لم يعهدها الممارس؛ إذ يصبح الاعتماد على الحدس القديم والحلول التلقائية غير المفحوصة سبباً في الفشل الذريع أمام المعضلات المستحدثة ذات الطبيعة النوعية.

7.2 التأمل أثناء الفعل (Reflection-in-Action) مقابل التأمل بعد الفعل (Reflection-on-Action)

لمواجهة قصور المعرفة الإجرائية التلقائية أمام التعقيد، ميز دونالد شون بين مستويين متكاملين من الممارسة التأملية:

  • التأمل أثناء الفعل (Reflection-in-Action): ويصفه شون بأنه “إجراء تجربة استقصائية حية في اللحظة الراهنة”. عندما يصادف الممارس مفاجأة، أو نتيجة غير متوقعة، أو لغزاً لا يستجيب للقواعد المألوفة أثناء تأدية العمل، فإنه لا يتوقف بالضرورة، بل يدخل في حالة من “الحوار الارتجالي مع الموقف” (Conversation with the situation)؛ حيث يعيد صياغة المشكلة ذهfullياً، ويطرح فرضيات فورية، ويعدل أسلوب تدخله ويفحص أثر التعديل في التو واللحظة دون قطع تدفق الفعل.
  • التأمل بعد الفعل (Reflection-on-Action): وهو الاستقصاء التحليلي المنظم الذي يقوم به الممارس أو الفريق بعد انتهاء الموقف أو الحدث؛ حيث يتم تفكيك ما جرى، وفحص المشاعر والافتراضات، وتتبع نقاط التحول، واستخلاص الدروس المعرفية المستفادة لتعديل النظريات الذهنية المستقبلية.

إن الجمع الواعي والديناميكي بين هذين النمطين يُمكّن الممارس من تجاوز العقلانية التقنية الجافة وبناء “دوائر تعلم مستمرة” تربط بين مرونة الارتجال الميداني الصارم وعمق التقييم الاسترجاعي البنائي، وهو جوهر الممارسة التأملية للتعلم ثنائي الحلقة.

7.3 إعادة صياغة المشكلات (Problem Framing and Reframing)

يؤكد شون أن العالم الواقعي لا يقدم لنا مشكلات محددة المعالم وجاهزة للحل، بل يقدم لنا مواقف فوضوية، ومضطربة، ومشحونة بالتوتر. انطلاقاً من هذا، يُميّز شون تمييزاً قاطعاً بين حل المشكلات (Problem Solving) وتأطير المشكلات (Problem Framing).

حل المشكلات هو عملية تقنية ترويضية تفترض أن المشكلة واضحة ومتفق عليها، وينصب الجهد فقط على اختيار الوسائل الأكفأ للوصول إلى النتيجة المرغوبة (وهو جوهر التعلم أحادي الحلقة). أما تأطير المشكلات فهو عملية بنائية وتأويلية يتم من خلالها تسمية العناصر التي سننتبه إليها وتحديد الحدود والمعاني التي سنقارب بها الموقف. يحدد الإطار المعتمد زاوية الرؤية، ويبرز بعض الحقائق ويطمس حقائق أخرى، ويحدد سلفاً نطاق الحلول الممكنة.

عندما تتعثر الحلول وتستعصي المشكلات على العلاج، يكون السبيل الوحيد هو ممارسة إعادة التأطير (Reframing)؛ أي التراجع عن الإطار الذهني القديم وبناء إطار مفاهيمي جديد يلقي الضوء على زوايا كانت مهملة ويفتح مسارات استثنائية للفهم والتصرف. تحظى هذه التقنية بتطبيقات واسعة في مجالات الإرشاد النفسي، والتوجيه التنفيذي (Executive Coaching)، والاستشارات الاستراتيجية لحل النزاعات المؤسسية المستعصية.

8. الأبعاد النفسية والانفعالية للتعلم ثنائي الحلقة

8.1 الأمان النفسي (Psychological Safety) كشرط مسبق للتعلم

لا يمكن تفعيل التعلم ثنائي الحلقة بمعزل عن البيئة النفسية والمناخ العاطفي الحاضن للمؤسسة. في هذا السياق، تتقاطع أطروحات أرجيريس وشون مباشرة وبشكل عضوي مع الأبحاث الرائدة التي قادتها إيمي إدموندسون (Amy Edmondson)، أستاذة الإدارة بهارفارد، حول مفهوم الأمان النفسي (Psychological Safety).

يُعرّف الأمان النفسي بأنه الاعتقاد المشترك بين أعضاء الفريق بأن بيئة العمل آمنة للمخاطرة الشخصية والفكرية، دون خوف من التعرض للعقاب، أو التوبيخ، أو السخرية، أو التهميش عند الاعتراف بالأخطاء، أو طرح التساؤلات الحرجة، أو الاعتراف بعدم معرفة الإجابة، أو اقتراح أفكار غير مألوفة. يوضح نموذج أرجيريس أن فتح “المتغيرات الحاكمة” ومساءلتها ينطوي بطبيعته على تهديد نفسي وإحراج عاطفي محتمل.

إذا لم تنجح القيادة في ترسيخ مناخ متين من الأمان النفسي عبر تبني سلوكيات النموذج الثاني وإظهار التواضع والاعتراف الصريح بحدود معرفتها، فإن الأفراد سينكفئون حتماً على دفاعاتهم الذاتية، ويلوذون بالصمت التنظيمي، ويتجنبون التعلم ثنائي الحلقة حمايةً لذواتهم، مما يثبت وجود علاقة طردية حاسمة: كلما ارتفع الأمان النفسي في منظومة ما، تضاعفت قدرتها على ممارسة التعلم ثنائي الحلقة وتحقيق التكيف والابتكار المستدام.

8.2 المناعة ضد التغيير والتعامل مع الخوف والهشاشة النفسية

في تفسير أسباب استعصاء المعتقدات والنماذج الذهنية على التغيير رغم الرغبة الصادقة في التحول، يقدم النموذج المشترك لعالمي النفس في جامعة هارفارد، روبرت كيجان وليزا لاهي (Robert Kegan & Lisa Lahey)، حول “المناعة النفسية ضد التغيير” (Immunity to Change)، امتداداً عميقاً لمفاهيم أرجيريس للمتغيرات الحاكمة والنظريات قيد الاستخدام.

يوضح كيجان ولاهي أن الأفراد يمتلكون “التزامات خفية ومنافسة” (Hidden Competing Commitments) تهدف إلى حمايتهم من مشاعر الهشاشة، وفقدان السيطرة، والقلق الوجودي المرتبط بتغيير الهوية المهنية. على سبيل المثال، قد يكون الالتزام المعلن للقائد هو “تفويض السلطات وتطوير مرؤوسيه”، ولكن التزامه الخفي غير الواعي (نظريته قيد الاستخدام) هو “ألا يفقد السيطرة التامة حتى لا يشعر بأنه غير ذي جدوى أو تافه”. هذا الالتزام الخفي يولد سلوكيات تعطل التفويض، مؤسساً مناعة نفسية تحبط أي جهد تطويري.

يتطلب كسر هذه المناعة إدارة ذكية وواعية للقلق الوجودي والصدمات الإدراكية المصاحبة لتفكيك النماذج الذهنية القديمة. يبرز هنا دور الذكاء الانفعالي (Emotional Intelligence) لدى الممارسين والموجهين لاحتواء مشاعر الخوف والإنكار وتوفير مساحات انتقال آمنة تتيح للفرد اختبار افتراضاته الكبرى دون أن يشعر بانهيار هويته أو قيمته الإنسانية.

8.3 المرونة المعرفية والانفتاح العقلي (Cognitive Flexibility & Open-Mindedness)

تُمثّل المرونة المعرفية (Cognitive Flexibility) السمة النفسية والمعرفية الحاسمة التي تميز ممارسي النموذج الثاني والتعلم ثنائي الحلقة. تُعرّف هذه المرونة بأنها القدرة العقلية الفائقة على التبديل السلس بين الأطر الفكرية والنماذج التحليلية المتعددة، وإعادة تصنيف المعطيات وتكييف السلوكيات استجابة للتغيرات المفاجئة في البيئة الخارجية.

تتقاطع هذه السمة تقاطعاً مباشراً مع نظرية عقلية النمو (Growth Mindset) التي طورتها عالمة النفس كارول دويك (Carol Dweck). فأصحاب عقلية النمو ينظرون إلى القدرات والذكاء كنواتج للتطور والتعلم المستمر؛ ومن ثمّ، فإنهم يعتبرون الأخطاء والتحديات وسائط جوهرية للنمو المعرفي وليست تهديدات لكفاءتهم، وهو ما يحررهم من فخ الدفاعية ويجعلهم أكثر قدرة على تبني مبادئ النموذج الثاني.

يرتبط بهذا التطور النفسي تنمية التسامح مع الغموض والتناقضات (Tolerance of Ambiguity)؛ أي القدرة على التعايش مع تعقد المواقف وغياب الإجابات الفورية واليقينية دون الاندفاع التوتري نحو حلول تبسيطية زائفة. تساعد التدريبات المعرفية والوجدانية والتأملية المنتظمة القادة على توسيع نطاق مرونتهم العقلية، وتأسيس ثقافة مؤسسية تتخذ من الانفتاح الفكري والمراجعة النقدية بوصلة دائمة لإدارة التغيير.

9. المنهجيات والأدوات العملية لتفعيل التعلم ثنائي الحلقة

9.1 سلم الاستدلال (Ladder of Inference): تتبع القفزات المعرفية

يُعد سلم الاستدلال (Ladder of Inference)، الذي صاغه كريس أرجيريس وطوره لاحقاً بيتر سينجي (Peter Senge)، إحدى أقوى الأدوات المنهجية لتشخيص المسارات العقلية السريعة التي يقفز من خلالها الفكر الإنساني من ملاحظة الواقع المباشر إلى اتخاذ قرارات متطرفة غير مفحوصة. يوضح السلم كيف نبني قناعاتنا عبر الدرجات التالية:

  1. البيانات الملاحظة الخام: الواقع كما تلتقطه الكاميرا بلا تأويل (الدرجة السفلية).
  2. اختيار البيانات: قيام العقل باقتطاع عينة صغيرة من البيانات بناءً على خلفياته واهتماماته وإهمال الباقي.
  3. إضافة المعاني والتفسيرات: إلباس البيانات المختارة معاني ثقافية وشخصية محددة.
  4. بناء الافتراضات: صياغة افتراضات سريعة بناءً على المعاني المفسرة.
  5. استخلاص النتائج: الوصول إلى استنتاجات قاطعة حول الموقف أو نوايا الآخرين.
  6. تبني المعتقدات: ترسيخ هذه الاستنتاجات كمعتقدات ومسلمات حاكمة عن العالم.
  7. اتخاذ الإجراءات: التصرف والسلوك بناءً على تلك المعتقدات الراسخة (قمة السلم).

تكمن المعضلة في ظاهرة “القفز الاستدلالي اللاواعي”؛ حيث يقفز الممارس في أجزاء من الثانية من الخطوة الأولى إلى السابعة دون إدراك لافتراضاته، وتغذيه في ذلك التحيزات التأكيدية (Confirmation Bias). تكمن القيمة العملية للسلم في تدريب الأفراد على “النزول التدريجي على درجات السلم” عبر إبطاء التفكير، ومشاركة البيانات الخام مع الفرق، وإيضاح التفسيرات، واختبار الافتراضات علناً، مما يمنع النزاعات التدميرية الناتجة عن سوء الفهم ويفتح الباب واسعاً لممارسة التعلم ثنائي الحلقة.

9.2 تمرين العمودين (The Two-Column Case Method / Left-Hand Column)

ابتكر أرجيريس وشون أداة تدريبية وتشخيصية بارعة تُعرف باسم تمرين العمودين أو حالة العمود الأيسر (The Left-Hand Column Method)، بهدف مساعدة الأفراد على كشف نظرياتهم قيد الاستخدام وفحص الفجوات بين أفكارهم الباطنة وأقوالهم الظاهرة. يتم تطبيق التمرين عبر الخطوات الإجرائية التالية:

  • يقوم الممارس باختيار موقف عملي واقعي ومحبط أو حوار خلافي دار بينه وبين طرف آخر لم يحقق النتائج المرجوة.
  • يقسم الممارس الصفحة إلى عمودين متوازيين:
    • العمود الأيمن: يكتب فيه نص الحوار الفعلي الذي دار بينهما بالكلمات المنطوقة كما حدثت في الواقع قدر الإمكان.
    • العمود الأيسر: يدون فيه بأمانة تامة كافة الأفكار، والمشاعر، والمخاوف، والأحكام التي كانت تدور في عقله الباطن أثناء ذلك الحوار ولم يجرؤ على البوح بها للطرف الآخر.
  • تحليل محتويات العمود الأيسر تحت إشراف ميسر: تفكيك كيف مارس الشخص آليات التحكم والمناورة من النموذج الأول، وكيف افترض سوء نية الآخر وتستر على مخاوفه الخاصة ظناً منه أنه يحمي نفسه والموقف.
  • إعادة كتابة وتصميم الحوار وفق معايير النموذج الثاني؛ عبر تحويل الهواجس المحجوبة في العمود الأيسر إلى تساؤلات استقصائية صريحة ومعلومات قابلة للاختبار المشترك، مما يحول المأزق الصدامي إلى فرصة للتعلم والتفاهم العميق.

9.3 منهجية البحث الإجرائي الإكلينيكي وحوارات الاستقصاء (Action Inquiry)

تتكامل الأدوات السابقة ضمن منهجية شاملة هي البحث الإجرائي الإكلينيكي واستقصاء الفعل (Action Inquiry). تهدف هذه المنهجية إلى تحويل المنظمات إلى مختبرات حية للتجريب والتعلم الذاتي المستمر، من خلال تصميم تجارب واقعية تختبر صحة النظريات قيد الاستخدام وملاءمة المتغيرات الحاكمة في الممارسة الفعلية.

تعتمد هذه المنهجية على تطبيق بروتوكولات صارمة لـ حوارات الموازنة بين الدفاع والاستقصاء (Balancing Advocacy and Inquiry). بدلاً من الحوارات التنافسية المألوفة—التي يكتفي فيها كل طرف بإلقاء حججه ومحاولة دحض رأي الآخر—يتم تدريب القيادات على التعبير الواضح عن آرائهم والأساس المنطقي والمعطيات التي استندوا إليها (Advocacy)، مقرونة بدعوة صريحة ومخلصة للمشاركين لفحص هذا المنطق والبحث عن الثغرات فيه وتقديم تأويلات بديلة (Inquiry).

كما تتضمن المنهجية تسجيل الحوارات الإدارية وجلسات صنع القرار صوتياً وتفريغها كتابياً لتحليل الأنماط التفاعلية واستخراج مؤشرات سلوكيات النموذج الأول ودفاعاته، وتتبع وتيرة التحول نحو النموذج الثاني عبر الزمن. يُسهم هذا النهج في بناء مجتمعات ممارسة (Communities of Practice) راسخة ترتكز على مبادئ المساءلة المعرفية المتبادلة والاستقصاء التشاركي الشجاع.

10. التطبيقات الميدانية: القيادة، التطوير المؤسسي، والمرونة الاستراتيجية

10.1 القيادة التحويلية وتطوير القادة بالتعلم ثنائي الحلقة

يفرض تبني نموذج أرجيريس وشون إعادة صياغة جذرية لمفاهيم القيادة وبرامج التطوير التنفيذي. القيادة الفعالة لم تعد ترتبط بالكاريزما الفردية أو القدرة على فرض الطاعة وتوزيع الأوامر، بل أصبحت تتحدد بقدرة القائد على تجسيد التواضع الفكري (Intellectual Humility) والشجاعة الإدراكية اللازمة لتفكيك النزعات الاستبدادية والتحكمية المتأصلة في النموذج الأول.

في إطار جلسات التوجيه التنفيذي (Executive Coaching) القائمة على التعلم ثنائي الحلقة، لا يتم التركيز فقط على تحسين مهارات التفاوض أو الخطابة، بل يتم الغوص عميقاً لإعادة تقييم المتغيرات الحاكمة التي تصنع ردود أفعال القائد تحت الضغط. يتم تدريب القادة على استقبال النقد المباشر والعلني دون اتخاذ مواقف دفاعية تبريرية، ونمذجة هذه السلوكيات الاستقصائية أمام فرقهم، مما يمنح الموظفين إذناً ضمنياً بتبني السلوكيات ذاتها.

تنعكس هذه القيادة الواعية بالنموذج الثاني بصورة مباشرة على الأداء المؤسسي؛ حيث تؤدي إلى تحرير الطاقات الابتكارية المكتومة، وتعميق ولاء الكفاءات والمواهب، وبناء مرونة تنظيمية هائلة تجعل القيادة قادرة على قيادة التحولات الاستراتيجية الصادمة دون الوقوع في فخ التستر والإنكار الذي دمر العديد من المؤسسات البيروقراطية الصلبة.

10.2 بناء المنظمات المتعلمة (Learning Organizations)

شكلت أفكار أرجيريس وشون حجر الزاوية الذي بنى عليه بيتر سينجي كتابه المرجعي ذائع الصيت The Fifth Discipline: The Art & Practice of The Learning Organization (1990). فالمنظمة المتعلمة—تلك التي توسع باستمرار قدرتها على تشكيل مستقبلها—لا يمكن أن توجد على أرض الواقع دون مأسسة آليات التعلم ثنائي الحلقة في بنيتها وثقافتها اليومية.

لتحويل التعلم الفردي إلى قدرة مؤسسية جمعية ومستدامة، يتطلب الأمر إعادة هندسة شاملة للأنظمة التنظيمية؛ ولا سيما نظم تقييم الأداء والمكافآت. يجب أن تكف هذه النظم عن معاقبة الأخطاء الاستكشافية الناتجة عن التجريب والابتكار، وأن تتوقف عن مكافأة سلوكيات التستر وتجميل التقارير التي تفرضها ثقافة النموذج الأول. يتم بناء طقوس وممارسات تأملية دورية—مثل مراجعات ما بعد العمل (After-Action Reviews) المؤسسة على استقصاء الافتراضات—لضمان تفكيك المشكلات في مهدها.

تثبت دراسات الحالة المتخصصة في الشركات العالمية (مثل ميكروسوفت في تحولها الثقافي الحديث تحت قيادة ساتيا ناديلا نحو “ثقافة التعلم المستمر والشغف المعرفي”، وتحولات بعض المؤسسات الطبية العالمية في كشف الأخطاء الجراحية) أن المؤسسات التي نجحت في عبور أزماتها الوجودية وتجديد دورة حياتها هي تلك التي نجحت في مأسسة التعلم ثنائي الحلقة كعنصر تكويني في هويتها وحوكمتها الجمعية.

10.3 إدارة التغيير الاستراتيجي والابتكار التدميري

في سياق إدارة التغيير وتحديات الابتكار، يقدم التعلم ثنائي الحلقة التفسير الأعمق لكيفية وقوع الشركات الكبرى فيما أسماه كلايتون كريستنسن (Clayton Christensen) بـ معضلة المبتكر (The Innovator’s Dilemma). تقع هذه المنظمات الضحية لأنها تمارس التعلم أحادي الحلقة بكفاءة مفرطة؛ فتحسن منتجاتها الحالية لعملائها التقليديين، بينما تعجز عن مراجعة “المتغير الحاكم” المتعلق بالتحولات التكنولوجية الجذرية للوافدين الجدد إلى السوق.

يتيح تفعيل التعلم ثنائي الحلقة للقيادات الاستراتيجية ممارسة المراجعة المستمرة لافتراضاتها الجوهرية حول احتياجات العملاء، وطبيعة المنافسة، ونماذج تحقيق الأرباح. يُعد هذا النموذج مكملاً مثالياً لمنهجيات العمل المرنة المعاصرة (Agile Frameworks)، وفلسفات التفكير التصميمي (Design Thinking)؛ إذ يوفر الأساس المعرفي للتراجع السريع، وإعادة توجيه المسار (Pivoting)، وتجريب النماذج الأولية دون ارتباط عاطفي أو دفاعي بالاستراتيجيات السابقة.

كما يساهم النموذج في إدارة المقاومة المؤسسية لإعادة ابتكار الهوية الاستراتيجية العليا؛ فعبر تسليط الضوء على المخاوف الكامنة والافتراضات المهددة وتفكيك الروتينات الدفاعية لكبار المديرين، يصبح من الممكن توجيه طاقات المنظمة نحو الفرص الجديدة والتكيف الشجاع مع متطلبات الاقتصاد الرقمي والمعرفي المتسارع.

11. التحديات الإبستمولوجية والنقد الأكاديمي لنموذج أرجيريس وشون

11.1 الانتقادات الموجهة للمثالية السلوكية وصعوبة التطبيق

على الرغم من المكانة الرفيعة التي يحظى بها نموذج أرجيريس وشون، إلا أنه واجه عدداً من الانتقادات الأكاديمية والميدانية الحادة. يتركز النقد الأول حول المثالية المفرطة للنموذج الثاني وصعوبة تحقيقه واستدامته في الواقع العملي المشحون بصراعات القوة، والسياسات المؤسسية، وتضارب المصالح المادية.

يرى نقاد من المدرسة الواقعية السياسية في التنظيم أن افتراض إمكانية استبدال عقلية التحكم والتنافس (النموذج الأول) بعقلية الانفتاح والاستقصاء المشترك (النموذج الثاني) يتجاهل الطبيعة السياسية المتأصلة في المنظمات الإنسانية والنزوع الفطري نحو حماية النفوذ والمصالح الشخصية. كما أن الكلفة الزمنية والمعرفية والنفسية العالية جداً لممارسة التأمل والاستقصاء المستمر تجعل تطبيق النموذج ترفاً يتعذر الالتزام به في البيئات التنافسية والأسواق شديدة السرعة التي تتطلب قرارات لحظية وحاسمة.

علاوة على ذلك، أثار الباحثون في الأنثروبولوجيا الإدارية مسألة النسبية الثقافية للمفهوم؛ فالنموذج الثاني يعكس قيماً متجذرة في الثقافة الفردية الغربية التي تتقبل المواجهة المباشرة وتحدي السلطة. أما في المجتمعات ذات مسافة القوة العالية (High Power Distance) والثقافات الجمعية التي تضع تجنب الإحراج وحفظ ماء الوجه والامتثال للهرمية كقيم عليا، فإن تطبيق مبادئ أرجيريس وشون يواجه عقبات ثقافية ونفسية هائلة تتطلب تكييفاً معقداً للمنهجية لتناسب السياقات المحلية دون إحداث تصدعات اجتماعية مدمرة.

11.2 إشكاليات القياس الموضوعي والتحقق التجريبي

من الناحية المنهجية والإبستمولوجية، واجه النموذج انتقادات تتعلق بصعوبة القياس الموضوعي الدقيق لمتغيراته ومفاهيمه في إطار البحوث الكمية المعيارية. فالمفاهيم المحورية—مثل “النظرية قيد الاستخدام”، و”المتغيرات الحاكمة”، و”الروتينات الدفاعية”—هي كينونات ضمنية وغير مرئية تتطلب جهوداً تأويلية مكثفة لاستنباطها، مما يفتح الباب واسعاً أمام التحيز الذاتي للباحث والملاحظ الإكلينيكي.

يجد الباحثون في العلوم الإدارية صعوبة بالغة في عزل أثر تطبيق التعلم ثنائي الحلقة وتأسيس علاقة سببية إحصائية مباشرة وحاسمة بينه وبين المؤشرات المالية والربحية الرقمية للمنظمات، نظراً لتداخل عدد لا حصر له من المتغيرات الاقتصادية والسوقية المعقدة في نجاح الشركات أو فشلها. وقد أدى ذلك إلى تردد بعض الأوساط الأكاديمية الوضعية في الاعتراف بالنموذج كـ “نظرية علمية قابلة للاختبار والدحض وفق المعايير البوبرية الصارمة”، واعتباره أقرب إلى “إطار تفسيري وفلسفي إرشادي للممارسة المهنية”.

ورغم ذلك، حاول العديد من الباحثين المعاصرين تطوير أدوات ومقاييس كمية وسيكومترية لقياس “الدفاعية التنظيمية”، ومستويات الأمان النفسي، والقدرات التأملية، مما ساهم في تجسير الفجوة جزئياً بين الملاحظة الإكلينيكية الكيفية ومتطلبات القياس الإحصائي الرصين.

11.3 مقارنة النموذج مع المقاربات المعاصرة في علم النفس الإداري

تتجلى قوة النموذج المعرفية عند وضعه في حوار مقارن مع المقاربات الحديثة في علم النفس التنظيمي ونظريات الإدارة المعاصرة:

  • نظرية النظم التكيفية المعقدة (Complex Adaptive Systems): في حين يركز أرجيريس وشون على البنية المعرفية والسلوكية للفاعلين (Agency)، تركز نظرية التعقيد على الخصائص الانبثاقية والتشابكات غير الخطية للشبكات التنظيمية؛ ويكتمل النموذجان بإدراك أن التعلم ثنائي الحلقة هو الآلية السلوكية التي تمكّن الفواعل من التأقلم مع الشواش والتعقيد الانبثاقي للنظام.
  • التفكير التصميمي والمنطق الاستقرائي (Design Thinking): يركز التفكير التصميمي على إعادة تأطير المشكلات من منظور المستخدم الخارجي وتكرار النماذج الأولية؛ وهو ما يمثل تطبيقاً ميدانياً مباشراً لفلسفة شون في التأمل أثناء الفعل وتأطير المشكلات دون الغوص في التحليل الإكلينيكي العميق للدفاعات النفسية كما يفعل أرجيريس.
  • علم النفس الإيجابي والمؤسسات القائمة على القوة (Strengths-Based Approach): يوجه علم النفس الإيجابي نقداً ضمنياً لتركيز أرجيريس على تشخيص وتعرية الأمراض والدفاعات والعجز الماهر، مفضلاً التركيز على مواطن القوة والإمكانات الملهمة؛ إلا أن الممارسين يدركون أن تجاهل الدفاعات المعرفية والروتينات المريضة يجعل المقاربات الإيجابية مجرد تفاؤل سطحي هش لا يصمد أمام الأزمات العميقة.
  • العدالة التنظيمية وثقافة الثقة: يتكامل نموذج النموذج الثاني تكاملاً تاماً مع أبعاد العدالة الإجرائية والتعاملية؛ فالاعتماد على المعلومات الصالحة وحرية الاختيار الواعي يمثل التطبيق العملي لبناء الثقة والعدالة في البيئات المؤسسية.

12. الآفاق المستقبلية: التعلم ثنائي الحلقة في عصر الذكاء الاصطناعي والتعقيد

12.1 الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم الخوارزمي ثنائي الحلقة

مع الصعود الانفجاري لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم الآلي (Machine Learning)، يكتسب نموذج أرجيريس وشون راهنية غير مسبوقة في النقاش الفلسفي والتطبيقي حول مستقبل المعرفة الإنسانية وصناعة القرار. يُطرح هنا تساؤل إبستمولوجي جوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي ممارسة التعلم ثنائي الحلقة، أم أنه محكوم تاريخياً بالبقاء في أسر التعلم أحادي الحلقة فائق التطور؟.

تعمل معظم خوارزميات التعلم العميق الحالية وفق مبدأ التعلم أحادي الحلقة الموسع؛ فهي تضبط الأوزان والمعلمات التشغيلية لتقليل نسبة الخطأ والاقتراب من دالة الهدف المحددة سلفاً من قبل المبرمج البشري، لكنها تعجز بمفردها عن التساؤل النقدي حول أخلاقية أو منطق “دالة الهدف” ذاتها. وتزداد هذه المشكلة خطورة عند بروز الانحياز الخوارزمي (Algorithmic Bias)؛ حيث تقوم النظم البرمجية بنسخ وتضخيم النظريات قيد الاستخدام والروتينات الدفاعية المشوهة المتضمنة في البيانات التاريخية للبشر دون وعي نقدي.

في المقابل، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي كـ “مرآة معرفية عاكسة ومحايدة” للبشر؛ حيث يمكن للأنظمة الذكية تحليل نصوص الحوارات الإدارية والمراسلات الرسمية وكشف الأنماط الخفية للانحياز، وتعرية القفزات الاستدلالية غير المنطقية، ورصد التناقضات بين النظرية المتبناة والسلوك الفعلي، مما يفتح آفاقاً ثورية لإعادة تعريف “الممارس المتأمل” في سياق الفرق الهجينة المشتركة بين الإنسان والآلة (Human-AI Teaming).

12.2 الاستدامة والمسؤولية البيئية والاجتماعية كمتغيرات حاكمة جديدة

في ظل أزمة المناخ العالمية، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتفاقم اللامساواة، تواجه الرأسمالية العالمية والمنظمات المعاصرة تحدياً وجودياً لا يمكن تفكيكه إلا من خلال التعلم ثنائي وثلاثي الحلقة. لم يعد ممكناً حل الأزمات البيئية بالتعلم أحادي الحلقة المتمثل في “تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المصانع” أو “شراء شهادات تعويض الكربون” مع استمرار العمل بنفس المنظومة الفكرية.

يتطلب التحول الحقيقي نحو الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) والاستدامة الجذرية مساءلة وتفكيك المتغير الحاكم التأسيسي للاقتصاد الكلاسيكي القائم على “فرضية النمو اللانهائي وتعظيم قيمة المساهمين المادية قصيرة الأجل بأي ثمن”. يقتضي هذا التعلم إعادة بناء النظريات قيد الاستخدام لدى مجالس الإدارات والقيادات للتحول نحو “نموذج أصحاب المصلحة الشامل” (Stakeholder Capitalism) الذي يوازن بين العدالة الاجتماعية، والحدود البيئية للكوكب، والجدوى الاقتصادية.

إن إدخال الاستدامة كمتغير حاكم في البنية الإدراكية للمؤسسات يمثل المساءلة الأخلاقية والوجودية الأهم لنموذج أرجيريس وشون في القرن الحادي والعشرين؛ فهو ينقل التعلم من أداة لتحسين الإنتاجية والتنافسية المؤسسية إلى رافعة حاسمة لحماية مستقبل الحضارة الإنسانية ورفاه الكوكب بأسره.

12.3 خارطة طريق لتوطين ثقافة التعلم ثنائي الحلقة مدى الحياة

لتجاوز قيود النموذج الأول وبناء أفراد ومؤسسات قادرة على ممارسة التعلم ثنائي وثلاثي الحلقة بصورة مستمرة ومستدامة، يمكن رسم خارطة طريق استراتيجية وتطبيقية ترتكز على المحاور الأربعة التالية:

  • إصلاح المنظومات التعليمية والجامعية: إعادة صياغة المناهج الأكاديمية في كليات الإدارة والعلوم الإنسانية لتركز على تنمية التفكير النقدي المعرفي الفوقي، والممارسة التأملية، ومهارات الحوار الاستقصائي للنموذج الثاني، بدلاً من الاقتصار على التلقين وحل المشكلات التقنية المصمتة.
  • تصميم البنى التحتية والمساحات الحاضنة: تصميم بيئات العمل الفيزيائية والمنصات الرقمية لتكون مساحات مرنة وآمنة نفسياً، تدعم الشفافية، وتكسر التراتبيات الهرمية الخانقة، وتشجع على الاحتكاك الفكري والاستكشاف الحر.
  • تأسيس العادات والممارسات اليومية الميكروية: تبني الممارسين لطقوس يومية فردية وجماعية تشمل: كتابة يوميات التأمل المهني (Reflective Journaling)، واستخدام تمرين العمودين عند احتدام الخلافات، والنزول الواعي على سلم الاستدلال في الاجتماعات قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
  • الالتزام الأخلاقي بالمساءلة والمراجعة الدائمة: أن يدرك القادة والممارسون أن النضج الإدراكي ليس محطة نهائية نصل إليها، بل هو مسار كفاح أخلاقي ومعرفي متواصل مدى الحياة يتطلب التواضع أمام التعقيد، والشجاعة في مواجهة الذات، والالتزام الراسخ بالاستقصاء والحقيقة في كل آن ومكان.

خاتمة

يقف نموذج التعلم ثنائي الحلقة لكريس أرجيريس ودونالد شون كأحد أعظم المعالم الفكرية والإكلينيكية في تاريخ العلوم الإنسانية والتنظيمية. لقد استطاع هذا النموذج، ببراعة استثنائية وبصيرة نافذة، أن يربط بين الفلسفة الإبستمولوجية الأكثر عمقاً، والتشريح السيكولوجي الدقيق للدفاعات النفسية، والمنهجيات التطبيقية الصارمة للممارسة المهنية اليومية داخل المنظمات.

لقد كشف لنا أرجيريس وشون أن العدو الحقيقي للتطور والتجدد ليس الجهل المادي أو نقص الموارد والمعلومات، بل هو أوهام المعرفة واليقينيات الزائفة التي نحصن بها ذواتنا ونماذجنا الذهنية المتآكلة. إن جوهر رسالتهما الخالدة يكمن في أن التحول الحقيقي يبدأ بالجرأة على مساءلة ما نعتبره بديهياً، والتصالح مع هشاشتنا وقابليتنا للخطأ، والتحلي بالشجاعة لمواءمة أفعالنا مع أعمق قيمنا الإنسانية المتبناة.

في عالم اليوم المليء بالتحولات التقنية المتسارعة، والذكاء الاصطناعي، والتعقيدات البيئية والجيوسياسية المركبة، تظل حكمة التعلم ثنائي الحلقة المنارة الهادية التي ترشد القادة والممارسين والمفكرين لبناء منظمات ومجتمعات مرنة، منفتحة، ومتعلمة؛ مجتمعات لا تكتفي بردود الأفعال التكتيكية السطحية، بل تنفذ إلى جوهر المعنى لتصنع مستقبلاً أكثر وعياً، وعدالة، وإنسانية.

المراجع (References)

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 27). نموذج التعلم ثنائي الحلقة – كريس أرجيريس ودونالد شون. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/theories/double-loop-learning-model-chris-argyris-donald-schon/
looti, Mohammed. “نموذج التعلم ثنائي الحلقة – كريس أرجيريس ودونالد شون.” عرب سايكلوجي, 27 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/theories/double-loop-learning-model-chris-argyris-donald-schon/.
looti, Mohammed. “نموذج التعلم ثنائي الحلقة – كريس أرجيريس ودونالد شون.” عرب سايكلوجي. أغسطس 27, 2026. https://arabpsychology.com/theories/double-loop-learning-model-chris-argyris-donald-schon/.