شهدت العلوم المعرفية في العقود الأخيرة من القرن العشرين تحولاً إبستمولوجياً جذرياً قوض الهيمنة الطويلة للنموذجين الحوسبي والتمثيلي اللذين نظرا إلى العقل البشري كمعالج مجرد للرموز، وكيان منفصل وظيفياً عن ركيزته البيولوجية وتجربته المعيشة. في قلب هذه الثورة المعرفية، انبثقت المقاربة التفعيلية (Enactive Approach) بوصفها إطاراً نظرياً وفلسفياً وتجريبياً متكاملاً يعيد تعريف طبيعة الإدراك والوعي والحياة، مستنداً إلى فكرة جوهرية مفادها أن العقل ليس جهازاً داخلياً يلتقط صوراً لواقع خارجي محدد سلفاً، بل هو فاعلية ديناميكية تنبثق من التفاعل الحركي-الحسي المستمر بين الكائن الحي المتجسد وبيئته الحيوية والثقافية.
تأسست هذه المقاربة على يد ثالوث فكري فريد ضم عالم بيولوجيا الأعصاب التشيلي فرانسيسكو فاريلا (Francisco Varela)، والفيلسوف الكندي إيفان طومسون (Evan Thompson)، وعالمة النفس المعرفي الأمريكية إليانور روش (Eleanor Rosch)، من خلال عملهم التأسيسي المشترك “العقل المتجسد: العلوم المعرفية والتجربة الإنسانية” الصادر عام 1991. لم يكن هذا العمل مجرد نقد للنزعة الاختزالية في الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي وعلم النفس العصبي، بل كان مشروعاً إبستمولوجياً طموحاً سعى إلى ردم الهوة السحيقة بين الصرامة العلمية التجريبية وعمق التجربة الظاهراتية (الفينومينولوجية) والتأملية الشرقية، مؤكداً أن المعرفة فعل ممارس وتواجد حيوي في العالم وليست استيعاباً سلبياً للمعلومات.
تستكشف هذه المقالة المعمقة الأسس الفلسفية، والمفاهيم البيولوجية، والأطر المنهجية، والتطبيقات التجريبية للمقاربة التفعيلية، مسلطة الضوء على إسهامات روادها الثلاثة وكيف أعادت هذه الرؤية تشكيل الفهم المعاصر لمفاهيم الذات، والوعي، وصنع المعنى، والذاتية البينية، والذكاء الاصطناعي، متتبعة مساراتها من بدايات نظرية التوليد الذاتي (Autopoiesis) وحتى تقاطعاتها المعاصرة مع المعالجة التنبؤية وعلم الروبوتات التطوري.
- 1. مدخل إلى المقاربة التفعيلية (Enactive Approach) في العلوم المعرفية
- 2. السياق التاريخي ونقد النماذج المعرفية التقليدية
- 3. كتاب ‘العقل المتجسد’ (The Embodied Mind): التأسيس والمنطلقات
- 4. إسهامات فرانسيسكو فاريلا: التوليد الذاتي والتجسيد الحيوي
- 5. إسهامات إيفان طومسون: الظاهراتية والوعي المتجسد
- 6. إسهامات إليانور روش: نظرية الأنماط الأولية والتجربة المعيشة
- 7. الركائز الفلسفية للمقاربة: الفينومينولوجيا وفلسفة الشرق
- 8. الإدراك كفعل مقترن (Enactment) والاقتران الهيكلي
- 9. التجسيد، الذاتية البينية، والامتداد المعرفي
- 10. التطبيقات المنهجية والتجريبية في علم النفس والأعصاب
- 11. الانتقادات والمناظرات العلمية حول المقاربة التفعيلية
- 12. مستقبل العلوم المعرفية التفعيلية والذكاء الاصطناعي والروبوتات
- خاتمة
- References
1. مدخل إلى المقاربة التفعيلية (Enactive Approach) في العلوم المعرفية
1.1 التعريف بالمقاربة التفعيلية ونشأتها الفكرية
تُعرّف المقاربة التفعيلية (Enactivism) الإدراك بأنه عملية نشطة يبرز العقل من خلالها عبر التفاعل الحركي-الحسي المتبادل والمستمر بين الكائن الحي وبيئته. إن مصطلح “التفعيل” (Enaction) يشير لغوياً وفلسفياً إلى فكرة “جلب الشيء إلى الوجود عبر الفعل” (Bringing forth through action)؛ فالمعرفة هنا ليست تمثيلاً داخلياً لعالم موضوعي خارجي معطى مسبقاً، ولا هي بناء ذاتي معزول عن الواقع، بل هي إنجاز حركي وتكيفي متواصل.
تعود الجذور التأسيسية للمقاربة إلى أواخر القرن العشرين، حيث تلاقت تيارات فكرية متعددة تضمنت بيولوجيا النظم، ونظرية التعقيد، والسبرانية من الدرجة الثانية، والفلسفة الظاهراتية الأوروبية، لا سيما أعمال موريس ميرلو بونتي ومارتن هايدغر. وقد شكلت هذه التيارات أرضية خصبة لنقد النموذج المعرفي الكلاسيكي الذي حصر العمليات العقلية في التلاعب بالرموز وفق قواعد صورية مجردة، مقصياً الجسد والبيئة الحية من معادلة التفكير.
تمثل المقاربة التفعيلية ركيزة جوهرية ضمن حركة أوسع تُعرف في الفلسفة المعاصرة بـ العلوم المعرفية الرباعية (4E Cognition)، والتي ترى أن العقل:
- متجسد (Embodied): متجذر في البنية التشريحية والفسيولوجية للجسد الحي.
- مفعّل (Enacted): يتولد وينشأ عبر الممارسات الحركية والأنشطة الحسية.
- متموضع (Embedded): مغروس وظيفياً في بيئة مادية واجتماعية محددة.
- ممتد (Extended): يتجاوز الحدود البيولوجية للجمجمة والجلد ليشمل الأدوات والوسائط الخارجية.
وتتميز التفعيلية من بين هذه الأبعاد بتركيزها الصارم على الاستمرارية العميقة بين الحياة والوعي، معتبرة أن العمليات المعرفية هي امتداد مباشر لعمليات التنظيم الذاتي البيولوجي.
1.2 الأهداف المعرفية والفلسفية للمقاربة
تتمثل إحدى الغايات الكبرى للمقاربة التفعيلية في إعادة دمج التجربة الإنسانية المعيشة (Lived Experience) في صلب الأبحاث المعرفية التجريبية الصارمة. فعلى مدار عقود، استبعدت العلوم المعرفية التجربة الذاتية بوصفها “وهماً ثانوياً” أو مجرد مظهر جانبي للنشاط العصبي الحوسبي. تسعى التفعيلية إلى تجاوز هذا الإقصاء عبر بناء إبستمولوجيا غير اختزالية ترى أن دراسة الدماغ لا يمكن أن تكتمل دون فهم الكيفية التي يختبر بها الكائن الحي وجوده ووعيه من منظور الشخص الأول (First-person perspective).
من الناحية الفلسفية، تسعى المقاربة إلى تفكيك التناقض الثنائي التقليدي بين الواقعية الموضوعية (Objectivism) التي تفترض عالماً مستقلاً تماماً ينسخه العقل، وبين المثالية الذاتية (Idealism/Solipsism) التي تختزل الواقع في الإسقاطات الذهنية المغلقة. تطرح التفعيلية طريقاً ثالثاً يسمى “المسار الأوسط” (The Middle Way)، مستلهماً بعض مبادئ الفلسفة البوذية؛ حيث يتشارك الكائن والبيئة في صياغة وتحديد بعضهما البعض بشكل دائري ومتزامن، بحيث لا يمكن فصل المدرِك عن المدرَك.
يهدف هذا المشروع التكاملي إلى تأسيس لغة علمية جديدة تربط بين البيولوجيا العضوية، والديناميكا غير الخطية للأعصاب، والتحليل الفينومينولوجي لبنية الوعي، مما يسمح بفهم الظواهر المعرفية ليس كأحداث تقع داخل الدماغ، بل كعلاقات ديناميكية تربط الجسد، والدماغ، والعالم في نسيج موحد لا يقبل التجزئة.
1.3 الأهمية المعاصرة للمقاربة في دراسات العقل
أحدثت المقاربة التفعيلية تحولاً نوعياً في العديد من الحقول التطبيقية لعلم النفس المعرفي والعلوم العصبية؛ حيث أعادت صياغة دراسة الإدراك البصري والحسي، والانتباه، والانفعالات. فبدلاً من النظر إلى الانفعالات، على سبيل المثال، كاستجابات بيولوجية ميكانيكية أو تقييمات معرفية لاحقة، أصبحت تُفهم كحالات تكيفية متجسدة تعبر عن استعداد الجسد الكامل للفعل والتفاعل مع العالم وصنع المعنى من الموقف الحياتي.
في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات، قدمت التفعيلية بديلاً جذرياً للهندسة المعمارية الرمزية التقليدية. تجلى ذلك في “الروبوتات المتجسدة” (Embodied Robotics) والأنظمة المستقلة القائمة على التفاعل الحركي المباشر مع البيئة دون الحاجة إلى تمثيلات مسبقة أو نماذج رقمية داخلية معقدة، مما جعل هذه الروبوتات أكثر مرونة وقدرة على التكيف والتنقل في البيئات الطبيعية المتغيرة.
علاوة على ذلك، توفر المقاربة التفعيلية أطراً نظرية وعلاجية مبتكرة في الطب النفسي والعلاج السلوكي؛ إذ يتم تفسير الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب، والقلق، والفصام، ليس فقط كخلل في النواقل العصبية الكيميائية، بل كاضطراب بنيوي في “الاقتران التفعيلي” بين الجسد والعالم والآخرين، مما يفتح آفاقاً رحبة للعلاجات القائمة على استعادة التناغم الحركي، واليقظة الذهنية، والتفاعل الجسدي الواعي.
2. السياق التاريخي ونقد النماذج المعرفية التقليدية
2.1 أزمة النموذج الحوسبي (Computationalism)
هيمنت النزعة الحوسبية (Computationalism) على العلوم المعرفية الكلاسيكية منذ منتصف الخمسينيات، مدفوعة بظهور الحواسيب الرقمية وتطور نظرية المعلومات لدى كلود شانون وألان تورنغ. انطلق هذا النموذج من فرضية أن العقل هو “برمجية” (Software) تعمل على “عتاد” بيولوجي هو الدماغ (Hardware)، وأن التفكير ليس سوى معالجة رقمية لرموز مجردة وغير ذات معنى بذاتها (Syntactic Manipulation)، محكومة بقواعد خوارزمية صارمة تُماثل قواعد لغات البرمجة.
واجه هذا النموذج مأزقاً فلسفياً وتجريبياً عميقاً تمثل في عجزه عن تفسير الدلالة الحقيقية أو “القصدية” (Intentionality). وقد تجسد هذا النقد بقوة في حجة غرفة سيرل الصينية (Searle’s Chinese Room) التي طرحها الفيلسوف جون سيرل، مبرهناً على أن معالجة الرموز الصورية وفق القواعد النحوية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُنتج فهماً دلالياً حقيقياً (Semantics). إن الحاسوب ينفذ تعليمات دون أن يدري ماذا تعني تلك الرموز أو ماذا يمثل العالم بالنسبة له.
أدى الفصل الحوسبي الصارم بين البرمجيات والعتاد إلى تهميش دور البيولوجيا والجسد الحي في تشكيل العقل. رأت المقاربة التفعيلية في هذا التجريد خطأ فادحاً؛ فالعمليات العقلية ليست تدفقات بيانات غير مجسدة، بل هي وظائف متجذرة في التاريخ التطوري العضوي، والتنظيم الاستقلابي للكائن الحي، والتفاعلات الكهروكيميائية التي لا يمكن عزلها عن البنية اللحمية للجسد.
2.2 تفنيد النموذج التمثيلي والواقعية الساذجة (Representationalism)
توازت النزعة الحوسبية مع ما يُعرف بـ النموذج التمثيلي (Representationalism)، الذي يفترض أن الوظيفة الأساسية للجهاز الإدراكي هي التقاط معلومات العالم الخارجي الخام، وترجمتها إلى “تمثيلات ذهنية” أو خرائط داخلية تعكس بدقة واقعاً موضوعياً ومفصولاً عن الذات المدركة. هذا الطرح يرسخ ما يمكن تسميته بـ “الواقعية الساذجة” التي ترى العالم كمجموعة من الخصائص المحددة مسبقاً (Pre-given world) الجاهزة للاكتشاف والتسجيل الداخلي.
انتقد رواد التفعيلية هذا الافتراض استناداً إلى استحالة تبرير آلية “التطابق” المزعومة؛ فإذا كان الدماغ معزولاً داخل الجمجمة ولا يستقبل سوى إشارات كهربية حسية، فكيف له أن يقارن تمثيلاته الداخلية بالعالم الخارجي “الحقيقي” ليتأكد من صحتها ومطابقتها؟ إن هذا النموذج يسقط في فخ مفارقة إبستمولوجية تفترض وجود “شاهد داخلي” يراقب التمثيلات ويطابقها بالواقع.
في مقابل هذا النموذج السلبي، صاغ فاريلا وزملاؤه أطروحتهم المركزية: الإدراك ليس استرجاعاً لمخططات أو استنساخاً للعالم، بل هو جلب لعالم من المعنى والفاعلية (Bringing forth a world). فالبيئة المدركة لا تُمنح مسبقاً للكائن الحي، بل تتشكل وتكتسب دلالاتها الوجودية والعملية من خلال البنية الحركية والقدرات الحسية للكائن أثناء تفاعله الحيوي مع محيطه.
2.3 التحول الباراديمي نحو علوم الإدراك المتجسد
شهدت العلوم المعرفية أواخر القرن العشرين إزاحة بارادايمية عميقة قادت إلى نشوء حركة الإدراك المتجسد (Embodied Cognition). لم يعد العقل يُنظر إليه كغرفة تحكم مركزية تصدر الأوامر، بل كشبكة علائقية لا متمركزة تنشأ من تضافر الدماغ، والجسد الفسيولوجي، والبيئة المحيطة. بدأت هذه الحركة بإعادة تقييم شاملة لكيفية ترابط الحواس والحركة، مؤكدة أن الإدراك موجه أساساً نحو الفعل التكيفي (Action-oriented).
لعبت الأبحاث البيولوجية التأسيسية التي قادها هومبرتو ماتورانا وفرانسيسكو فاريلا في جامعة تشيلي دور المحرك الرئيسي لهذا التحول؛ حيث بيّنا من خلال دراسات الإدراك البصري لدى الكائنات الحية أن نشاط الجهاز العصبي ليس محكوماً بنقل المعلومات الخارجية، بل هو نشاط ينظمه الدماغ ذاتياً استجابةً للاضطرابات البيئية بهدف الحفاظ على توازنه واستقراره البنيوي الداخلي.
فتح هذا التحول الباب واسعاً أمام تقريب علم الأعصاب من الفلسفة القارية (Continental Philosophy)، وتحديداً فينومينولوجيا الجسد. فبدلاً من الاكتفاء بالتحليل المنطقي والرياضي الذي وسم الفلسفة التحليلية والذكاء الاصطناعي القديم، استعادت العلوم المعرفية مفاهيم التجربة الذاتية، والمعايشة الجسدية، والقصدية الحركية، مما أسس لأفق علمي وفلسفي جديد يدمج الصرامة المخبرية بالعمق الوجودي.
3. كتاب ‘العقل المتجسد’ (The Embodied Mind): التأسيس والمنطلقات
3.1 سياق تأليف الكتاب (1991) والمشروع المشترك
صدر كتاب The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience عام 1991 عن دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press)، ليمثل علامة فارقة في تاريخ دراسات الوعي. جاء الكتاب ثمرة تعاون فكري فريد وتلاقٍ نادر بين ثلاثة تخصصات مختلفة: فرانسيسكو فاريلا كعالم بيولوجيا أعصاب رائد ذي نزعة تجريبية ونظرية عميقة، وإيفان طومسون كفيلسوف متخصص في الفلسفة القارية وتاريخ الأفكار، وإليانور روش كعالمة نفس تجريبي مشهورة بأبحاثها حول تكوين المفاهيم والفئات الإدراكية.
كان الهدف الجوهري الذي جمع المؤلفين هو التصدي لحالة الاغتراب والفصام المعرفي القائم بين “العلوم المعرفية الموضوعية” التي تدرس الآليات العصبية والحوسبية، وبين “التجربة الإنسانية المباشرة” بكل ما تحمله من مشاعر ومعانٍ ووعي ذاتي. لقد رأى المؤلفون أن العلم الذي يتجاهل التجربة الحية يفقد صلته بالإنسان، وأن الفلسفة التي تتجاهل الاكتشافات البيولوجية تبقى حبيسة التجريد العقيم.
أحدث نشر الكتاب صدمة في الأوساط الأكاديمية؛ إذ لم يكتفِ بنقد النماذج السائدة، بل قدم رؤية شجاعة جمعت بين الفينومينولوجيا الغربية (ميرلو بونتي وهوسرل) والتقاليد الفلسفية والتأملية الشرقية، وتحديداً فلسفة البوذية من منظور مدرسة “المادهياماكا” (Madhyamaka). وقد فتح هذا العمل الباب أمام جيل كامل من الباحثين لإعادة التفكير في العلاقة بين العقل والطبيعة.
3.2 الموضوعات الجوهرية للكتاب
أرسى الكتاب مجموعة من المفاهيم التأسيسية التي أصبحت أعمدة الفكر التفعيلي، وفي مقدمتها الفعل الدائري المتبادل (Circular Sensorimotor Coupling)؛ حيث لا يمكن الفصل بين الإحساس والحركة؛ فالإحساس يوجه الحركة، والحركة بدورها تعدل وتحدد ما يمكن إدراكه حسياً. ومن ثم، فإن الإدراك ليس حدثاً يسبق الفعل، بل هو الفعل ذاته ممارساً في البيئة.
ناقش الكتاب باستفاضة مفهوم الانبثاق (Emergence) المستمد من نظريات التعقيد والنظم الديناميكية، مبيناً كيف تتولد الظواهر المعرفية والوعي الذاتي من تفاعلات شبكية محلية معقدة بين الملايين من الخلايا العصبية والأنظمة الجسدية دون الحاجة إلى وجود “معالج مركزي” أو “أنا عليا” تدير هذه العمليات، فالنظام المعرفي يوجه نفسه ذاتياً من أسفل إلى أعلى (Bottom-up).
عالج الكتاب أيضاً إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل: مسألة عدم وجود “أنا” أو ذات جوهرية مركزية ثابتة (Selflessness). انطلاقاً من التقاطع بين التحليل العصبي الحديث الذي لا يجد مركزاً موحداً للذات في الدماغ، وبين التحليل التأملي البوذي الذي يرى الذات كتدفق مستمر وتجميع للظواهر العابرة (Skandhas)، بيّن الكتاب أن الذات ليست جوهراً يمتلك الخبرات، بل هي نمط منظم ومتحرك من العمليات المعرفية المتجسدة التي لا تستقر على أساس ثابت.
3.3 الإصدار المنقح (2016) والتطورات اللاحقة
في عام 2016، وبعد مرور ربع قرن على الصدور الأول للكتاب ووفاة فاريلا المبكرة في 2001، أصدرت دار نشر MIT طبعة منقحة جديدة تضمنت مقدمات تحليلية مطولة ومحدثة بقلم إيفان طومسون وإليانور روش، تقيم المسار التاريخي وتوضح كيف تحولت الأطروحات التفعيلية من “أفكار راديكالية هامشية” إلى تيار رئيسي يقود دفة الحوار المعرفي العالمي.
تناولت التحديثات موقع التفعيلية في ضوء الثورات الحديثة في علم الأعصاب الإدراكي، لا سيما تطور دراسات الديناميكا العصبية، ونظريات التصوير الدماغي الوظيفي، وظهور بارادايم المعالجة التنبؤية (Predictive Processing) والاستدلال النشط. وقد برهن طومسون وروش على أن الأفكار التأسيسية لكتاب 1991 قد سبقت عصرها وتنبأت بالعديد من التحولات المعاصرة في دراسة الدماغ والوعي.
أكدت الطبعة المنقحة المكانة الكلاسيكية للكتاب كمرجع لا غنى عنه لكل باحث في فلسفة العقل، واللسانيات المعرفية، والذكاء الاصطناعي الحيوي، حيث أظهرت استمرارية قدرته على توليد أسئلة بحثية خصبة تتحدى النزعات الفيزيائية الاختزالية وتفتح مسارات جديدة لفهم الطبيعة البشرية والتفاعل الاجتماعي.
4. إسهامات فرانسيسكو فاريلا: التوليد الذاتي والتجسيد الحيوي
4.1 نظرية التوليد الذاتي (Autopoiesis) وأصل المعنى
تُعد نظرية التوليد الذاتي (Autopoiesis)، التي صاغها فرانسيسكو فاريلا بالاشتراك مع أستاذه هومبرتو ماتورانا في السبعينيات، الركيزة البيولوجية الأولى للمقاربة التفعيلية. يُعرّف النظام الأوتوبويتيكي (المولّد لذاته) بأنه شبكة من العمليات الإنتاجية للجزيئات والمكونات التي تُعيد إنتاج وتجديد البنية والحدود التي تُشكل تلك الشبكة ذاتها، تماماً كما تفعل الخلية الحية البسيطة التي تنتج غشاءها الخارجي الذي بدوره يحمي العمليات الكيميائية المنتجة له.
قاد هذا التعريف البيولوجي فاريلا إلى إرساء أطروحة ثورية تربط بين الحياة والإدراك: “العيش هو الإدراك” (Living is Cognition). فالكائن الحي ليس مجرد آلة تستجيب للمثيرات الفيزيائية والكيميائية العشوائية، بل هو نظام ينتج هويته الذاتية باستمرار ويسعى للمحافظة عليها في مواجهة الانحلال والإنتروبيا. ومن ثم، فإن الإدراك ليس ميزة مقتصرة على الكائنات ذات الأدمغة المعقدة، بل هو خاصية جوهرية ملازمة لكل نظام حي قادر على التوليد الذاتي.
يؤسس التوليد الذاتي لظهور “المنظور الغائي الداخلي” (Intrinsic Teleology)؛ فالبيئة الفيزيائية المحيطة بالكائن لا تملك بحد ذاتها قيمة أو معنى موضوعي، ولكن بمجرد أن يوجد نظام حي يملك دافع البقاء، تنقسم البيئة تلقائياً إلى ما هو مفيد وما هو ضار؛ فالسكر يصبح “غذاءً” والحرارة المفرطة تصبح “خطراً”. وهكذا يولد المعنى والقيمة في العالم كنتيجة مباشرة للتنظيم الأوتوبويتيكي للجسد الحي.
4.2 صنع المعنى التكيفي (Sense-Making)
طور فاريلا انطلاقاً من التوليد الذاتي مفهوم صنع المعنى التكيفي (Sense-Making)، وهو العملية التي يحول بها الكائن الحي بيئته الفيزيائية الخام والباردة (Physicochemical milieu) إلى بيئة ذات دلالة وقيمة بيولوجية (Significance) مرتبطة ببقائه وازدهاره. إن صنع المعنى ليس عملية ذهنية واعية أو حسابية، بل هو نشاط مادي حركي مستمر ينبع من هشاشة الكائن الحي وحاجته الدائمة للتفاعل مع محيطه لتعويض الطاقة المفقودة.
يرفض هذا المفهوم بشكل قاطع النموذج الكلاسيكي للسلوكية والفيزيولوجيا التقليدية القائم على ثنائية (المثير – الاستجابة). فالكائن الحي التفعيلي ليس متلقياً سلبياً لـ “مثيرات” خارجية تملي عليه أفعاله، بل هو ذات فاعلة (Agent) تختار وتنظم ما تستجيب له وفقاً لبنيتها الداخلية واحتياجاتها الحيوية؛ إنه يحدد بنفسه ما يُعد “مثيراً” وما يُهمل بوصفه مجرد ضجيج خلفي.
يرتبط صنع المعنى التكيفي ارتباطاً وثيقاً بـ التوازن الحيوي المتغير (Allostasis & Homeostasis). فعندما يواجه الكائن اضطراباً في استقراره الداخلي (كالجوع أو التهديد)، ينخرط الجسد بأكمله في حركة استكشافية أو تجنبية تعيد تأكيد اتصاله بالعالم؛ مما يعني أن كل إدراك هو في جوهره تقييم تكيفي للعالم من منظور المحافظة على الهوية البيولوجية للجسد.
4.3 الفينومينولوجيا العصبية (Neurophenomenology)
في تسعينيات القرن الماضي، أطلق فاريلا مشروعه المنهجي الرائد المعروف بـ الفينومينولوجيا العصبية (Neurophenomenology)، والذي صُمم خصيصاً كحل عملي وتجريبي لما أطلق عليه الفيلسوف ديفيد تشالمرز “المعضلة الصعبة للوعي” (The Hard Problem of Consciousness) — أي كيفية تفسير نشوء التجربة الذاتية الكيفية (Qualia) من نشاط فيزيائي عصبي موضوعي.
تقوم منهجية الفينومينولوجيا العصبية على مبدأ “التقييد المتبادل” (Mutual Constraints)؛ حيث لا يُلغى أي من طرفي المعادلة لصالح الآخر. يتم تدريب الأفراد الخاضعين للتجارب على آليات فحص وتدقيق وتوصيف تجاربهم الواعية ولحظات انتباههم بدقة متناهية (بيانات منظور الشخص الأول – First-person data)، وتُستخدم هذه الأوصاف الدقيقة لتوجيه وتحليل تسجيلات النشاط الكهربائي والمغناطيسي للدماغ (بيانات منظور الشخص الثالث – Third-person data)، والعكس صحيح.
وظف فاريلا أدوات الديناميكا غير الخطية (Non-linear Dynamics) ودرس ظاهرة التزامن الطوري (Phase Synchrony) وتذبذبات موجات غاما الدماغية، مبيناً أن الوعي لا يرتبط بمنطقة تشريحية محددة في الدماغ، بل بنشوء شبكات عصبية متزامنة وظيفياً ومؤقتة تترابط عبر مسافات بعيدة لتشكل “لحظات إدراكية موحدة”، تتطابق زمنياً وبنيوياً مع تقارير التجربة الواعية للشخص.
5. إسهامات إيفان طومسون: الظاهراتية والوعي المتجسد
5.1 أطروحة ‘العقل في الحياة’ (Mind in Life)
عمق إيفان طومسون المشروع التفعيلي في كتابه الموسوعي الصادر عام 2007 بعنوان Mind in Life: Biology, Phenomenology, and the Sciences of Mind، حيث صاغ أطروحته الفلسفية الكبرى المعروفة بـ “استمرارية العقل والحياة” (The Deep Continuity of Life and Mind). تنص هذه الأطروحة على أن المبادئ التنظيمية التي تجعل الكائن حياً هي ذاتها المبادئ التي تجعل الكائن واعياً وعارفاً؛ فالعمليات المعرفية ليست طبقة إضافية فوق الحياة، بل هي استمرار لتنظيمها الذاتي.
استند طومسون إلى نظريات التنظيم الذاتي (Self-Organization) والديناميات التوليدية، مقدماً براهين فلسفية وبيولوجية تثبت أن الحياة والعقل يتشاركان نفس الخصائص الجوهرية:
- الاستقلالية التوليدية والهوية الذاتية المنبثقة.
- صنع المعنى التكيفي والانفتاح الديناميكي على البيئة.
- الغائية البنيوية الموجهة نحو استمرار البقاء والنمو.
أكد طومسون من خلال هذا العمل أن العقل ليس محصوراً داخل عظام الجمجمة؛ فالدماغ هو عضو عضوي مغروس داخل جسد فسيولوجي يتنفس ويتحرك، وهذا الجسد بدوره مغروس في بيئة فيزيائية وبيولوجية واجتماعية. وبالتالي، فإن موقع العقل الحقيقي هو النظام الكلي المترابط: (الدماغ – الجسد – البيئة)، وأي محاولة لعزل الدماغ لدراسة العقل تؤدي إلى تشويه الظاهرة المعرفية برمتها.
5.2 الفينومينولوجيا الظاهراتية والجسد المعيش
استثمر طومسون التراث الفلسفي الفينومينولوجي، وتحديداً أعمال إدموند هوسرل وموريس ميرلو بونتي، موظفاً التمييز اللغوي والفلسفي الدقيق في الألمانية بين مفهومين للجسد:
- Körper: الجسد الفيزيائي الموضوعي المادي، كما يراه الطبيب أو تدرسه كتب التشريح كجسم بين الأجسام.
- Leib: الجسد الحيوي المعيش من الداخل، وهو الجسد الذاتي الذي نختبر من خلاله العالم، ونتألم به، ونتحرك عبره في فضاء الوجود.
ركز طومسون على مفهوم الحركية الذاتية (Kinesthesis)؛ مبيناً أن إدراكنا المكاني للأشياء الموضوعية (كإدراك عمق الطاولة أو صلابة الجدار) ليس معالجة بصرية مجردة، بل هو متجذر في وعينا بحركات أعيننا، ورؤوسنا، وأطرافنا وتغير أوضاع أجسادنا. إن الموضوعية الإدراكية تنشأ أصلاً من الإمكانات الحركية للجسد المعيش.
امتد هذا التحليل ليشمل الذاتية البينية (Intersubjectivity) والتفاعل مع الآخرين؛ حيث بيّن طومسون أن فهمنا للآخر لا يبدأ كاستنتاج عقلي أو نظرية منطقية عن دوافعه (نقد نظرية العقل الكلاسيكية)، بل ينطلق من “الاقتران الحسي الحركي والتجسيدي المتبادل”، حيث يقرأ جسدنا المعيش حركات الجسد الآخر، وتعابير وجهه، وإيماءاته بصورة عاطفية وحركية مباشرة وتلقائية.
5.3 دراسات الوعي المتقدمة: الأحلام واليقظة والموت
وسع طومسون نطاق البحث الفينومينولوجي العصبي في كتابه البارز الصادر عام 2015 بعنوان Waking, Dreaming, Being: Self and Consciousness in Neuroscience, Meditation, and Philosophy، حيث استكشف حالات الوعي المتغيرة والمعقدة التي عادة ما تتجاهلها العلوم المعرفية الكلاسيكية، مثل النوم العميق، والحلم، والأحلام الصافية (Lucid Dreaming)، وحالات التأمل المتقدمة، وتجربة الاحتضار.
قدم طومسون تحليلاً دقيقاً يبين كيف أن النوم ليس انقطاعاً تاماً للوعي، بل هو تحول في نمط “التجسيد” وصنع المعنى؛ ففي حالة الحلم، ينشئ الجهاز العصبي المتجسد عالماً إدراكياً كاملاً بدون مدخلات حسية خارجية فورية، معتمداً على الآثار الحركية والذاكرة التجسيدية المخزونة. وفي الأحلام الصافية، يستعيد العارف فاعليته الواعية داخل العالم التخيلي.
أفضت هذه الدراسات إلى نتيجة معرفية مركزية تعيد تعريف الذات: الذات ليست شيئاً ثابتاً أو كياناً جوهرياً يسكن الجسد، بل هي عملية متصلة وسيلان دائم من التفعيل الإدراكي (Selfing process). تتغير بنية هذه العملية وتتقلب مع تقلب حالات اليقظة والنوم والتأمل، مما يؤكد أن الهوية الشخصية هي إنجاز ديناميكي متغير يُنسج باستمرار عبر التفاعل الحيوي.
6. إسهامات إليانور روش: نظرية الأنماط الأولية والتجربة المعيشة
6.1 ثورة تصنيف المفاهيم ونظرية النمط الأولي (Prototype Theory)
قبل انضمامها لمشروع “العقل المتجسد”، كانت إليانور روش قد أحدثت زلزالاً معرفياً في علم النفس المعرفي واللسانيات في السبعينيات عبر تطويرها لـ نظرية النمط الأولي (Prototype Theory) في تصنيف المفاهيم، متحدثة عن كيفية تنظيم العقل البشري للأشياء في فئات معرفية.
قوضت روش النموذج الأرسطي الكلاسيكي الذي ساد لقرون، والذي افترض أن المفاهيم تُعرّف عبر “شروط ضرورية وكافية” ذات حدود قاطعة وصارمة (مثل: كل شكل مغلق له ثلاثة أضلاع هو مثلث). أثبتت أبحاث روش التجريبية أن الفئات الطبيعية في العقل البشري (مثل: “طائر”، “أثاث”، “مركبة”) لا تمتلك حدوداً حادة، بل تُنظم حول نماذج أولية (Prototypes) تمثل الأعضاء الأكثر نموذجية؛ فالعصفور يُعد طائراً أكثر نموذجية من البطريق، والكرسي أكثر نموذجية من المصباح في فئة الأثاث.
أبرزت روش الدور الحاسم للجسد في عملية التصنيف عبر اكتشافها لما أسمته المستويات الأساسية للمفاهيم (Basic-Level Categories) (مثل: “كلب” في مقابل المستوى الأعلى “حيوان” والمستوى الأدنى “كلب رعي ألماني”). أظهرت التجارب أن المستوى الأساسي هو المستوى الأكثر فاعلية وحضوراً في الذاكرة لأنه يتطابق مباشرة مع:
- البرامج الحركية المتشابهة التي يستخدمها الجسد للتفاعل مع الشيء (طريقة التعامل مع كرسي مقابل طريقة التعامل مع أثاث عام).
- الإدراك البصري للشكل الكلي الموحد (Gestalt).
- سرعة التعرف والتسمية اللغوية التلقائية.
وهذا ما برهن على أن المفاهيم الفكرية التجريدية ليست نتاجات صورية مستقلة، بل هي متجذرة في التفاعل الحركي-الحسي للجسد مع البيئة.
6.2 الربط بين علم النفس المعرفي والفلسفة الشرقية
قدمت إليانور روش إسهاماً غير مسبوق في إعادة توجيه العلوم المعرفية نحو استكشاف التقاليد التأملية الآسيوية، لا سيما البوذية التبتية وممارسات “اليقظة الذهنية” (Mindfulness/Vipassana)، بوصفها مناهج استقصائية دقيقة ومنضبطة للوعي تتكامل مع التجريب السيكولوجي الغربي.
ركزت روش على اختبار مفهوم “اللا-ذات” (Non-self / Anatta)، مستكشفة آثاره المعرفية والنفسية. ووضحت أن التمسك بالاعتقاد بوجود ذات صلبة ومستقلة ومنفصلة عن العالم هو مصدر رئيسي للتشوهات الإدراكية والمعاناة النفسية؛ في حين أن تدريب العقل على مراقبة تدفق الأفكار والمشاعر دون التماهي معها يعزز المرونة المعرفية ويقلل من الاستجابات الآلية الدفاعية، مما يقود إلى توازن نفسي عميق.
طورت روش منهجيات للملاحظة الذاتية الواعية والمنضبطة كأداة بحثية في المختبر النفسي لفحص اللحظات المجهرية للعمليات العقلية العفوية؛ حيث يستطيع المتأمل المدرب رصد كيف تنشأ الأفكار التلقائية، وكيف تلتصق بها المشاعر، وكيف تتفكك في الوعي، وهو ما وفر بيانات تجريبية بالغة الحساسية لا يمكن لأجهزة الرنين المغناطيسي وحدها رصد تفاصيلها النوعية.
6.3 تطور فكر روش نحو الإدراك غير التمثيلي
في المراحل المتقدمة من مسيرتها الأكاديمية وبعد صدور “العقل المتجسد”، راجعت روش أعمالها السابقة حول “الأنماط الأولية”، محذرة من الوقوع في فخ إعادة تأطير هذه الأنماط كـ “تمثيلات ذهنية ثابتة مخزونة في الرأس”، وهو ما فعله العديد من الباحثين الحوسبيين بعد نشر أبحاثها الأولى.
أكدت روش في كتاباتها اللاحقة أن الفئات الإدراكية والمفاهيم لا توجد كـ “قوالب مخزنة في الدماغ”، بل هي إمكانات تكيفية تبرز وتتولد آنياً أثناء الفعل الحركي والتواصل الحيوي في البيئة. فالنمط الأولي ليس صورة رقمية مسترجعة، بل هو حالة من التناغم والانسجام الحركي-الإدراكي التي يستحضرها الكائن عندما يتفاعل مع سياق بيئي معين.
ترك هذا النضج الفكري تأثيراً مستداماً وعميقاً في مجالات متعددة، من أبرزها اللسانيات المعرفية (Cognitive Linguistics) لدى جورج لايكوف ومارك جونسون (لا سيما في نظرية الاستعارة المتجسدة)، والأنثروبولوجيا المعرفية، حيث تحول التركيز من دراسة “الهياكل اللغوية المجردة” إلى دراسة “الممارسات التجسيدية والثقافية المعيشة” التي تبني المعنى الإنساني المشترك.
7. الركائز الفلسفية للمقاربة: الفينومينولوجيا وفلسفة الشرق
7.1 فينومينولوجيا موريس ميرلو بونتي
تُعد فينومينولوجيا الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي (Maurice Merleau-Ponty)، وتحديداً في كتابه التأسيسي “فينومينولوجيا الإدراك” (Phenomenology of Perception, 1945) ومخطوطته المتأخرة “المرئي واللامرئي” (The Visible and the Invisible)، المنبع الفلسفي الغربي الأهم للمقاربة التفعيلية.
أرسى ميرلو بونتي مفهوم “التشابك” (Chiasm) أو “لحم العالم” (The Flesh of the World)، الذي يوضح التلاحم الوجودي الذي لا ينفصم بين الجسد الرائي والجسد المرئي، والذات اللامسة والشيء الملموس. فالجسد ليس مراقباً خارجياً يطل على الطبيعة من برج عاجي، بل هو منغمس في نسيج المادة والعالم؛ إنه يدرك العالم لأنه جزء منه ومصنوع من نفس خامته العضوية والحركية.
قدم ميرلو بونتي مفهوم “القوس المقصدي” (Intentional Arc)، وهو الرابط الحيوي الذي يشد حاضرنا إلى ماضينا ومستقبلنا، وسياقنا المكاني والجسدي، ويضمن أننا لسنا في حاجة إلى حسابات عقلية مسبقة لنتحرك في غرفة مألوفة أو نمسك بكوب من الماء؛ فالإدراك لديه يمتلك أسبقية حركية وتجسيدية مطلقة على التفكير المنطقي التجريدي. وهذا المفهوم هو الأساس الفلسفي المباشر لنظرية التفعيل الحركي-الحسي.
7.2 الفلسفة البوذية (المادهياماكا) وتفكيك الذاتية
يمثل الاستناد إلى الفلسفة البوذية، ولا سيما تقاليد المادهياماكا (Madhyamaka) التي أسسها الفيلسوف الهندي ناغارجونا (Nagarjuna) في القرن الثاني الميلادي، العلامة الفارقة والأكثر أصالة في المشروع التفعيلي لـ فاريلا وطومسون وروش.
استعارت التفعيلية المفهوم البوذي المحوري “النشوء المشروط بالاعتماد المتبادل” (Pratītyasamutpāda / Dependent Co-arising)، واستخدمته كأساس إبستمولوجي لتفسير العلاقة بين الذات والعالم. ينص هذا المبدأ على أن الأشياء والظواهر لا تمتلك وجوداً مستقلاً أو جوهراً ذاتياً قائماً بذاته، بل تنشأ وتستمر وتزول فقط بالاعتماد المتبادل على شروط وعلاقات لا حصر لها مع بيئتها وظروفها.
يرتبط بهذا المفهوم فكرة “الخواء” (Śūnyatā / Emptiness)، والتي أكد رواد التفعيلية على ضرورة فهمها بشكل صحيح؛ فالخواء في فلسفة المادهياماكا ليس عدماً أو نفياً للواقع (Nihilism)، بل هو “خلو الأشياء والذوات من جوهر مطلق ودائم ومستقل” (Intrinsic nature / Svabhāva). ومن منظور العلوم المعرفية، يعني هذا أنه لا وجود لعالم موضوعي معطى سلفاً وبشكل مستقل عن المدرِك، كما لا وجود لعقل أو “أنا” داخلية مستقلة عن البيئة والجسد؛ بل إن العالم والعقل يتشاركان في البروز والنشوء المشترك عبر الفعل الحركي.
وظف مؤلفو “العقل المتجسد” تقنيات اليقظة الذهنية (Mindfulness) كأداة إبستمولوجية تمكن الباحث والإنسان العادي من معايشة هذا “النشوء المشروط” تجريبياً ومباشرة، مما يحرر الفكر الإنساني من التشبث بالثنائيات الصلبة (أنا / آخر، داخل / خارج) ويوفر مدخلاً عملياً لدراسة العقل من الداخل والخارج بتناغم تام.
7.3 تجاوز المأزق الديكارتي (Cartesian Dualism)
قاد هذا التحالف بين الفينومينولوجيا وبوذية المادهياماكا إلى تفكيك جذري وشامل لـ الثنائية الديكارتية (Cartesian Dualism) التي قسمت الوجود الإنساني لعدة قرون إلى جوهرين منفصلين تماماً:
- الجوهر المفكر (Res Cogitans): العقل غير المادي، غير الممتد في المكان، والمنغلق على أفكاره وتمثيلاته.
- الجوهر الممتد (Res Extensa): الجسد المادي والمادة الصماء التي تعمل وفق قوانين ميكانيكية بحتة.
قضت التفعيلية على أسطورة “الشبح داخل الآلة” (Ghost in the Machine)؛ فالعقل ليس شبحاً يسكن داخل آلة فيزيائية، بل هو “الطريقة التي تحيا وتتصرف بها تلك الآلة البيولوجية الحية في عالمها”. لقد حلت المقاربة التفعيلية هذا الانفصال المصطنع باعتبار العقل نشاطاً ديناميكياً مستمراً للجسد الحي بأكمله، ملغية الحاجة إلى وسطاء تمثيليين يربطون بين الداخل والخارج.
أفضى هذا التجاوز إلى بناء نظرية معرفية تتسم بـ “اللا-تأسيسية” (Groundlessness)؛ وهي الفكرة التي تؤكد أن المعرفة الإنسانية ليست بحاجة إلى “أساس صلب ومطلق” (سواء كان هذا الأساس هو المادة الموضوعية المطلقة للواقعيين أو اليقين الذاتي المطلق للديكارتيين) لتكون صالحة وموثوقة. إن المعرفة تستمد مصداقيتها من “كفاءتها التكيفية الحية” ونجاحها العملي في توجيه حياة الكائن واستمراره وتطوره في العالم، متجنبة السقوط في نسبية عدمية فوضوية من خلال الارتكاز الصارم على القيود البيولوجية والبيئية المشتركة.
8. الإدراك كفعل مقترن (Enactment) والاقتران الهيكلي
8.1 مفهوم الاقتران الهيكلي (Structural Coupling)
يُعد الاقتران الهيكلي (Structural Coupling) أحد المفاهيم البيولوجية المركزية في الفكر التفعيلي، وهو يصف التاريخ المستمر والتبادلي للتفاعلات المتكررة بين نظام حي يتمتع بتنظيم ذاتي وبيئة محددة، بحيث يؤدي هذا التفاعل إلى تغيرات بنيوية متبادلة وتكيفية في الطرفين دون أن يفقد النظام الحي هويته التنظيمية أو ينحل.
في هذا الاقتران، لا تحدد البيئة الخارجية التغيرات التي تحدث داخل الكائن الحي بشكل ميكانيكي حتمي ومباشر (نقد الحتمية البيئية الساذجة)، ولا يقوم الكائن بإعادة صياغة البيئة كلياً وفق رغباته الخاصة؛ بل إن البيئة تُحدث “اضطرابات” (Perturbations) في بنية الكائن، ويستجيب الكائن لتلك الاضطرابات عبر إعادة تشكيل وتنظيم بنيته الداخلية وفقاً لقوانينه البيولوجية الخاصة، ويؤثر بدوره في بنيتها الحيوية في عملية دائرية لا تنتهي.
تتضح الآثار التطورية لهذا الاقتران على المدى الطويل في كيفية صياغة الأنواع الحية عبر ملايين السنين؛ فالبنية التشريحية للعين واليد والأطراف ليست حلاً هندسياً معزولاً لمشكلات خارجية، بل هي النتيجة التراكمية لتاريخ طويل من الاقتران الهيكلي الناجح مع بيئة فيزيائية وتنافسية، مما يجعل بنية الجسد والبيئة وجهين لعملة تطورية واحدة.
8.2 الحلقة الحسية الحركية (Sensorimotor Loop)
ترفض المقاربة التفعيلية النموذج المعرفي الخطي التقليدي المعروف بـ “النموذج الشطيري للإدراك” (The Sandwich Model of the Mind)، والذي صاغته سوزان هيرلي نقداً لعلم النفس القديم؛ حيث يُفترض أن العقل يعمل في مسار خطي من ثلاثة أقسام منفصلة: (المدخلات الحسية -> التفكير والمعالجة التمثيلية المركزية -> المخرجات الحركية). استبدلت التفعيلية هذا النموذج بـ الحلقة الحسية الحركية المتبادلة (Sensorimotor Loop).
في هذه الحلقة، الإحساس والحركة وجهان لعملية معرفية واحدة متصلة ومتزامنة؛ فالإدراك الحسي ليس مجرد تسجيل سلبي، بل هو فعل موجه؛ فنحن ننظر لكي نرى، ونلمس لكي نشعر بالخشونة، وندير رؤوسنا لكي نحدد مصدر الصوت. وبالمقابل، فإن كل خطوة أو حركة عضلية نقوم بها تُحدث تغييراً فورياً في تدفق المعلومات الحسية الواردة، مما يستدعي تعديلاً حركياً تالياً.
تعزز هذا الطرح عبر أبحاث ج. كيفين أورغان وألفا نوي (J. Kevin O’Regan & Alva Noë) ونظريتهما الرائدة حول “الاعتماديات الحسية-الحركية” (Sensorimotor Contingencies) الصادرة عام 2001. أثبتت هذه النظرية أن الرؤية ليست بناء لصور ثلاثية الأبعاد في القشرة البصرية للدماغ، بل هي “ممارسة مهارية واستكشاف نشط للعالم”؛ فنحن ندرك العالم البصري عندما يتقن جسدنا القواعد الضمنية لكيفية تغير المدخلات الحسية مع كل حركة للعينين أو الرأس أو المشي في الفضاء.
8.3 بروز العالم الإدراكي (World-Making)
يقود الاقتران الحسي-الحركي والتوليد الذاتي إلى أطروحة تفعيلية جوهرية: بروز العالم الإدراكي أو “صنع العالم” (World-Making). لتوضيح هذه الفكرة، استعاد رواد التفعيلية مفهوم “عالم البيئة الخاص” (Umwelt) الذي ابتكره عالم البيولوجيا الرائد جاكوب فون أوكسكول (Jakob von Uexküll) في أوائل القرن العشرين.
بيّن أوكسكول أن الكائنات الحية المختلفة، رغم عيشها في نفس المحيط الجغرافي الفيزيائي، تعيش في “عوالم إدراكية” متباينة جذرياً بسبب اختلاف قدراتها الحسية وبنيتها الجسدية والحركية:
- القراد (Tick): يختزل العالم في ثلاثة مؤثرات حسية حيوية فقط: درجة حرارة الثدييات (37 مئوية)، ورائحة حمض الزبد، وحسية ملامسة الشعر للوصول إلى الجلد وامتصاص الدم.
- الخفاش (Bat): يبني عالماً مكانياً دقيقاً وغنياً عبر الصدى الصوتي وتذبذبات الموجات فوق الصوتية المنعكسة.
- النحلة (Bee): ترى العالم عبر نطاقات الأشعة فوق البنفسجية وتستشعر الحقول الكهرومغناطيسية للأزهار.
تثبت هذه المقارنة أنه لا يوجد “عالم موضوعي وحيد ومطلق” تُقاس به دقة إدراك الكائنات؛ فالمعرفة لا تتعلق بنسخ “الواقع المطلق”، بل ترتبط بـ الملاءمة التكيفية والكفاءة الحيوية (Viability)؛ أي قدرة الكائن على الاستمرار والتفاعل بنجاح ضمن عالمه البيئي الخاص المتولد من بنيته الجسدية المحددة. فالأجساد المختلفة تصنع عوالم إدراكية مختلفة وثرية بالتساوي.
9. التجسيد، الذاتية البينية، والامتداد المعرفي
9.1 التفاعل الاجتماعي والتجسيد التشاركي (Participatory Sense-Making)
امتدت المقاربة التفعيلية من دراسة الفرد المفرد إلى دراسة الوعي الاجتماعي والتفاعل الإنساني، وبلغت ذروتها في الإطار النظري الذي طورته الفيلسوفة والمعرفية هاني دي جيجر وإيزيكيل دي باولو والمعروف بـ “صنع المعنى التشاركي” (Participatory Sense-Making) في عام 2007.
يتحدى هذا الإطار النظريات الكلاسيكية في علم النفس الاجتماعي، مثل “نظرية العقل” (Theory of Mind – ToM) ونظرية المحاكاة الذهنية (Simulation Theory)، التي افترضت أن فهمنا للآخرين يتم عبر استنتاجات منطقية داخلية غير مرئية أو “قراءة عقلية” ونماذج حوسبية تُخمن الحالات الذهنية للآخرين. تؤكد التفعيلية التشاركية أن التفاعل الاجتماعي ينشأ من الاقتران الحركي والجسدي المباشر بين شخصين أو أكثر أثناء التواصل الحي (تزامن الإيماءات، نبرات الصوت، حركة الأعين، التناغم الحركي المتبادل).
في التفاعل التشاركي الحي، تنشأ ديناميكية ذاتية التنظيم بين الأفراد المتحاورين تفوق وتتجاوز السيطرة الفردية لكل طرف على حدة؛ فالعملية التفاعلية نفسها تصبح كياناً ديناميكياً ناشئاً يولد معاني ورؤى ومسارات لا يستطيع أي طرف توليدها بمفرده، مما يجعل التفاعل الاجتماعي تجربة تجسيدية حية ومشتركة تولد المعنى في الفضاء البيني بين الأجساد.
9.2 العواطف كعمليات تفعيلية متجسدة
أعادت المقاربة التفعيلية صياغة سيكولوجيا وعصبية العواطف والانفعالات (Emotions)؛ رافضة النموذج القديم الذي فصل فصلاً تعسفياً بين “العقل العقلاني المعرفي” و”الانفعال الحيواني الجسدي”، أو الذي اختزل العاطفة في مجرد تغيرات هرمونية وفزيولوجية عمياء يفسرها الدماغ لاحقاً.
تُعرّف التفعيلية الانفعال بأنه حالة تقييمية حركية متجسدة وشاملة (Embodied Action-readiness) يتخذها الجسد الحي ككل في مواجهة موقف ذي مغزى حيوي في العالم. فالعاطفة ليست شيئاً نشعر به داخلنا في عزلة، بل هي “طريقة انغماسنا وتوجهنا نحو العالم”؛ فالخوف ليس مجرد نبض سريع للقلب، بل هو انكماش للجسد واستعداد للهروب وتغير في الرؤية البصرية للتركيز على مصدر الخطر؛ أي أنه عملية صنع معنى وإعادة تموضع تكيفي سريع.
تؤكد الأبحاث التفعيلية على الدور الحاسم الذي يلعبه الجهاز العصبي الذاتي (Autonomic Nervous System) والأحشاء (Visceral organs) والقلب في تلوين وتشكيل التجربة الإدراكية بالقيم والدرجات الوجدانية؛ فالإدراك لا يكون أبداً محايداً أو بارداً، بل هو مشبع دائماً بقيمة عاطفية وحيوية تقرر ما هو مهم ومثير للاهتمام وما يجب تجنبه.
9.3 العلاقة مع نظرية العقل الممتد (Extended Mind)
تشهد الأوساط الفلسفية المعاصرة نقاشاً غنياً بين المقاربة التفعيلية وأطروحة العقل الممتد (Extended Mind Thesis) التي صاغها آندي كلارك وديفيد تشالمرز عام 1998؛ والتي ترى أن العمليات المعرفية والذاكرة يمكن أن تمتد حرفياً إلى خارج حدود الجمجمة لتشمل أدوات بيئية كدفاتر الملاحظات، والهواتف الذكية، والحواسيب.
تتفق التفعيلية مع العقل الممتد في رفض “الحبس الجمجمي” للعقل (Cognitive Internalism) ورفض حصر الإدراك في الدماغ، لكنهما يختلفان في نقطة تأسيسية جوهرية تتعلق بـ شروط العقل وحدود الحياة:
- أطروحة العقل الممتد (الحوسبية الوظيفية): ترى أن أي أداة تؤدي نفس الوظيفة الحسابية للذاكرة الداخلية تُعد جزءاً من العقل (تطبيق للوظيفية المجردة).
- المقاربة التفعيلية (الحيوية-البيولوجية): تؤكد أن العقل لا يمتد ببساطة عبر الوظائف المجردة، بل هو منبثق أصلاً من التنظيم الحيوي والجسدي وصنع المعنى التكيفي؛ فالأدوات والتقنيات ليست “أجزاء ميكانيكية من العقل”، بل هي وسائط وأجهزة يمارس الجسد من خلالها اقتراناً هيكلياً وتفعيلياً جديداً يُعيد هيكلة مهاراته وتجاربه الحركية والمعرفية في العالم الرقمي.
10. التطبيقات المنهجية والتجريبية في علم النفس والأعصاب
10.1 بروتوكولات الفينومينولوجيا العصبية في المختبر
ترجمت الفينومينولوجيا العصبية طروحاتها الفلسفية إلى بروتوكولات تجريبية صارمة تُطبق في مختبرات علم الأعصاب الحديث؛ مما أتاح تجاوز التحديات التقليدية التي واجهت دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتخطيط الكهربائي للدماغ (EEG)، لا سيما مشكلة “التباين الإحصائي العالي” (High Statistical Variance) في البيانات العصبية الناتج عن التقلبات الذهنية غير الخاضعة للرقابة لدى المشاركين.
في هذه التجارب، يتم تدريب المفحوصين باستخدام تقنيات فينومينولوجية متقدمة تُعرف بـ الميكرو-فينومينولوجيا (Micro-phenomenology)، التي طورتها كلير بيتمان-بينييه (Claire Petitmengin) امتداداً لمشروع فاريلا. تتيح هذه المقابلات الاستعادية الدقيقة تفكيك اللحظة الزمنية الصغرى (التي لا تتجاوز بضع مئات من الأجزاء من الألف من الثانية) لانبثاق الفكرة أو الإدراك الحسي، وتقسيمها إلى مراحل فرعية واعية ومحددة بدقة.
تُستخدم هذه التقارير الذاتية الدقيقة كمرتكزات لتصنيف وتقطيع البيانات العصبية الخام؛ مما كشف عن أنماط معقدة من التزامن الديناميكي غير الخطي بين الترددات الدماغية التي كانت تبدو سابقاً كـ “ضجيج عصبي عشوائي”. وقد طُبقت هذه البروتوكولات بنجاح مبهر في:
- توقع النوبات الصرعية قبل حدوثها سريرياً عبر التقاط الإشارات الفينومينولوجية الدقيقة وتغيرات التزامن الكهربائي.
- دراسة التحولات العميقة في الانتباه والإدراك الحسي لدى ممارسي التأمل واليقظة الذهنية المتمرسين.
- تحليل آليات الانتقال الواعي بين حالات الشرود الذهني (Mind-wandering) والتركيز الموجه.
10.2 العلاج النفسي والتحليل النفسي التفعيلي
أحدثت الرؤية التفعيلية نقلة مفاهيمية كبرى في مجال العلاج النفسي والطب النفسي الفلسفي (Enactive Psychiatry)، حيث أعادت تعريف الاضطرابات النفسية المزمنة كالاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، واضطرابات الشخصية، والفصام، باعتبارها انسداداً أو خللاً مزمناً في مرونة الاقتران الهيكلي وصنع المعنى التكيفي مع العالم والآخرين.
في حالة الاكتئاب السريري الحاد، على سبيل المثال، لا يُنظر إلى المرض فقط كخلل في مستويات هرمون السيروتونين، بل كحالة من “الجمود التجسيدي” (Corporeal Realization / Hyper-embodiment)؛ حيث يفقد الجسد حركيته التلقائية وإمكاناته الحركية، ويتحول إلى عبء ثقيل وصلب يقف حاجزاً بين الذات والعالم، مما يعطل صنع المعنى الاجتماعي ويحرم البيئة من أي إمكانات للفعل الممتع (Loss of Affordances).
يقود هذا الفهم التفعيلي إلى إعادة تصميم العلاقة العلاجية داخل العيادة كعملية صنع معنى تشاركي (Participatory Sense-Making)؛ حيث لا يكون المعالج خبيراً حوسبياً يقوم بإصلاح أفكار المريض الخاطئة من أعلى لأسفل، بل ينخرط معه في تفاعل حواري وجسدي حيوي يعيد فتح أفق الإمكانات الحركية، مدعوماً بالعلاجات النفسية القائمة على الجسد (Somatic Psychotherapy)، والحركة، والرقص العلاجي، وممارسات اليقظة الذهنية المتجذرة في التفعيل الحسي والوعي الجسدي.
10.3 إعادة التأهيل العصبي وعلم النفس التطوري
قدمت التفعيلية أسساً ثورية لبرامج إعادة التأهيل العصبي والحركي للمرضى المصابين بالسكتات الدماغية، وإصابات الحبل الشوكي، ومرض باركنسون؛ فبدلاً من التدريب على حركات عضلية معزولة ومجردة، يتم تصميم برامج التأهيل عبر إدماج المريض في بيئات تفاعلية حقيقية أو عبر الواقع الافتراضي التفاعلي الغامر، مستغلة “الحلقات الحسية-الحركية المغلقة والتغذية الراجعة التكيفية” لتحفيز اللدونة العصبية التكيفية وإعادة بناء الخرائط الحركية الدماغية من خلال الفعل الموجه نحو غاية بيئية.
في مجال علم النفس التطوري والنمائي، ساهمت المقاربة التفعيلية في تفكيك النظريات النمائية القديمة التي افترضت أن الطفل يولد بـ “وحدات معرفية فطرية مبرمجة جينياً في الدماغ” (Chomskyan Nativism). وأثبتت الأبحاث المستندة إلى أعمال إستير ثيلين (Esther Thelen) ونظرية النظم الديناميكية أن تطور الوظائف المعرفية العليا (كالمهارات المكانية، وفهم الأشياء، واكتساب اللغة) ينبثق تدريجياً عبر التفاعلات الحركية المادية للطفل؛ مثل التدحرج، والزحف، واللمس، والإمساك العشوائي بالألعاب، والتفاعل التناغومي المستمر مع مقدمي الرعاية.
ألهمت هذه الرؤية التفعيلية تطوير استراتيجيات تعليمية تربوية حديثة تُعرف بـ “التعلم النشط المتجسد” (Embodied Learning)؛ والتي تتجاوز الحفظ التجريدي السلبي في الفصول الدراسية لصالح إشراك الجسد، والحركة الاستكشافية، والأدوات التفاعلية المادية في تدريس العلوم المعقدة والرياضيات، مما يعزز الفهم المفاهيمي العميق عبر ربطه بالخبرة الحركية المباشرة.
11. الانتقادات والمناظرات العلمية حول المقاربة التفعيلية
11.1 معضلة ‘الإدراك عالي الرتبة’ (Scaling-up Problem)
يواجه البارادايم التفعيلي واحداً من أقوى الانتقادات من جانب الفلاسفة والعلماء المعرفيين الكلاسيكيين والتمثيليين، وهو ما يُعرف بـ “معضلة الارتقاء المعرفي” (The Scaling-up Problem). يجادل النقاد بأن المقاربة التفعيلية قد تكون نجحت بالفعل في تفسير السلوكيات الحركية التكيفية الأساسية، والإدراك البصري الآني، والملاحة المكانية لدى الحيوانات والحشرات والبشر، لكنها تقف عاجزة عن تفسير ما يُعرف بـ العمليات الإدراكية عالية الرتبة المفصولة عن السياق المباشر (Representation-hungry / Offline Cognition).
تشمل هذه العمليات التجريدية المعقدة:
- التفكير الرياضي البحت والمنطق الصوري.
- التخطيط المستقبلي بعيد المدى لأحداث لم تقع بعد.
- قراءة وتحليل الروايات الخيالية واستحضار عوالم غير موجودة.
- استخدام الرموز التجريدية واللغات الصورية المعقدة.
يتساءل النقاد: كيف يمكن لحلقات حسية-حركية مادية آنية مقترنة بالبيئة المباشرة أن تفسر تفكير عالم فيزياء يتأمل في بنية الثقوب السوداء أو الأوتار الفائقة دون وجود أي مثير حركي أو بيئي حاضر أمامه؟
يرد التفعيليون على هذا التحدي عبر إثبات أن العمليات العليا ليست معالجات رمزية مجردة مفصولة عن الجسد، بل هي ممارسات متجسدة مُستبطنة ومُمتدة عبر أدوات ثقافية؛ فالرياضيات نشأت وتطورت تاريخياً من ممارسات جسدية كالعد بالأصابع وتقسيم الأراضي وتدوين العلامات على الحجارة، والتفكير التجريدي يستند على استعارات مكانية وجسدية متجذرة في خبرتنا الحركية، كما أثبتت اللسانيات المعرفية. واللغة نفسها تُفهم كأداة اقتران اجتماعي وتنسيق حركي وسلوكي بين الأفراد وليست مجرد نقل لبيانات صورية مشفرة.
11.2 التوتر بين الراديكالية والتمثيلية في التفعيلية (Radical vs. Sensorimotor Enactivism)
تشهد المقاربة التفعيلية في العقدين الأخيرين نقاشات وانقسامات داخلية حادة حول “حدود التخلي عن التمثيل الذهني ومفهوم المحتوى المعرفي”، مما أدى إلى تبلور تيارين رئيسيين متنافسين داخل الحركة التفعيلية:
| المعيار | التفعيلية الحسية-الحركية (Sensorimotor Enactivism) | التفعيلية الراديكالية (Radical Enactivism – REC) |
|---|---|---|
| أبرز الرواد | كيفين أورغان، ألفا نوي، سوزان هيرلي | دانيال هاتو (Daniel Hutto)، إيريك ماينس (Erik Myin) |
| الموقف من المحتوى والتمثيل | تسمح بنوع من “المعرفة العملية الضمنية” بقواعد الاعتماديات الحسية الحركية (Know-how)، وهو ما يراه البعض شكلاً خفياً من التمثيلية. | الرفض التام والمطلق لأي محتوى معرفي أو دلالي أو تمثيلي في العمليات الإدراكية والشعورية الأساسية. |
| تعريف الإدراك الأساسي | ممارسة مهارية لقواعد حركية تتطلب إتقاناً معرفياً للصلات بين الحركة والإحساس. | تفاعل فيزيائي وحيوي مباشر وديناميكي غير تمثيلي على الإطلاق بين الكائن الحي وبيئته. |
| تفسير اللغة والثقافة | تطور في البنية المهارية لاستكشاف العالم واستخدام الأدوات الحسية الحركية. | المحتوى المعرفي والتمثيلي ينشأ حصراً مع ظهور الممارسات اللغوية والاجتماعية المؤسسية المنظمة. |
يدور هذا الجدل الفلسفي الداخلي المعمق حول الإجابة على السؤال المعرفي الشائك: “هل يمكن للعلوم المعرفية أن تقدم تفسيراً شاملاً للحياة العقلية دون استخدام مفهوم (المعلومة المحملة بالمعنى) أو (المحتوى الذهني)؟”، وهو نقاش يثري البارادايم التفعيلي ويدفعه باستمرار نحو تدقيق مصطلحاته وأسسه المنطقية.
11.3 التحديات المنهجية والتجريبية
تواجه المقاربة التفعيلية تحديات عملية معقدة على مستوى الممارسة المنهجية والتجريبية داخل المختبرات العلمية؛ إذ إن المنهج العلمي التجريبي التقليدي قام تاريخياً على “عزل المتغيرات” والتحكم الصارم في مدخل محدد وقياس مخرج محدد في بيئة معزولة وثابتة (Reductionist Experimental Design).
في المقابل، تفترض المقاربة التفعيلية أن الكائن الحي والبيئة يشكلان نظاماً ديناميكياً مقترناً بشكل دائري وغير خطي (Non-linear Coupled System) لا يمكن فيه فصل السبب عن النتيجة أو عزل المدخل الحسي عن الفعل الحركي دون تدمير الظاهرة المعرفية قيد الدراسة. هذا التلاحم يجعل تصميم التجارب التفعيلية أمراً بالغ الصعوبة ويتطلب تقنيات رياضية بالغة التعقيد، مثل معادلات التفاضل غير الخطي، ونظرية الفوضى (Chaos Theory)، وتحليل فضاءات الحالة متعددة الأبعاد (State-space analysis).
علاوة على ذلك، تواجه التفعيلية مقاومة مؤسسية وأكاديمية قوية من جانب البارادايم العصبي الحوسبي التقليدي المهيمن على لجان التحكيم والجامعات ومؤسسات التمويل الكبرى، التي استثمرت مليارات الدولارات في مبادرات دراسة الدماغ القائمة على افتراض أن العقل موجود حصراً داخل الجمجمة ويمكن “قراءته وفك شفرته” عبر أجهزة المسح العصبي وحدها، مما يضع على عاتق الباحثين التفعيليين عبء تقديم نماذج تطبيقية تثبت جدواها العملية والتنبؤية في الميادين الطبية والتقنية.
12. مستقبل العلوم المعرفية التفعيلية والذكاء الاصطناعي والروبوتات
12.1 الروبوتات المتجسدة والمستوحاة حيوياً (Embodied & Evolutionary Robotics)
قدمت المقاربة التفعيلية الأساس النظري والفلسفي لثورة كبرى في هندسة الروبوتات، قادها باحثون رواد مثل رودني بروكس (Rodney Brooks)، المدير السابق لمختبر الذكاء الاصطناعي في معهد MIT ومؤسس شركة iRobot. رفع بروكس شعاره الشهير في ورقته التاريخية عام 1991: “الذكاء بدون تمثيل” (Intelligence without Representation) ومبدأ “العالم هو نموذجه الأفضل بذاته” (The world is its own best model).
بدلاً من بناء روبوتات كلاسيكية ثقيلة تُحمّل بخرائط رقمية مسبقة ونماذج حسابية هائلة للغرف والمساحات، صمم بروكس “الهندسة المعمارية التراتبية للتضمين” (Subsumption Architecture)؛ حيث تتكون الروبوتات من طبقات سلوكية حركية بسيطة تتصل فيها المجسات الحسية مباشرة بالمحركات الحركية (مثل: مستشعر الاصطدام يؤدي فوراً إلى تراجع العجلات والالتفاف). تتفاعل هذه الطبقات التفاعلية البسيطة مباشرة مع العالم الحقيقي، مما يولد سلوكيات ملاحية ذكية وشديدة التعقيد والتكيف دون الحاجة إلى تمثيل داخلي واحد.
يمتد هذا المسار حالياً إلى الروبوتات التطورية والرخوة المستوحاة حيوياً (Bio-inspired & Soft Robotics)؛ حيث يستكشف المهندسون كيفية تطبيق مبادئ “التوليد الذاتي” (Autopoiesis) لبناء آلات مصنوعة من مواد مرنة تمتلك القدرة على الصيانة الذاتية، واستخلاص الطاقة من بيئاتها، وتنظيم توازنها الداخلي. إن هذه الروبوتات لا تنفذ تعليمات مبرمجة سلفاً، بل تكتسب “فاعلية ذاتية وحاجة للبقاء”، مما يمثل الخطوة الأولى نحو خلق ذكاء اصطناعي حقيقي متجسد وصانع لمعناه الخاص.
12.2 التقارب مع ميكانيكا المعالجة التنبؤية (Predictive Processing & Active Inference)
يشهد المشهد المعرفي الراهن تقارباً لافتاً ومثيراً للجدل بين المقاربة التفعيلية وواحد من أقوى النماذج الرياضية والعصبية المعاصرة: مبدأ الطاقة الحرة (Free Energy Principle) ونظرية الاستدلال النشط (Active Inference) التي طورها عالم الأعصاب والفيزياء البريطاني كارل فريستون (Karl Friston).
ينص مبدأ فريستون على أن أي نظام حي يتمتع بالاستقرار الذاتي ومقاومة التفكك الإنتروبي يجب أن يقلل باستمرار من “الطاقة الحرة المتغيرة” (Variational Free Energy)، والتي تعبر رياضياً عن “حالة المفاجأة” أو عدم التطابق والخطأ التنبؤي بين توقعات الكائن وتدفق الإشارات البيئية. والأمر الحاسم هنا هو أن الكائن الحي لا يقلل الخطأ عبر الحسابات الذهنية الساكنة فقط، بل من خلال الاستدلال النشط (Active Inference)؛ أي من خلال تحريك جسده وأعضائه وتغيير وضعه المادي في العالم لتعديل المدخلات الحسية ومطابقتها مع توقعاته الحيوية للبقاء.
أثار هذا التقارب نقاشات فلسفية وعلمية عميقة؛ حيث يرى باحثون بارزون مثل آندي كلارك ومارك بروكس أن المعالجة التنبؤية توفر أخيراً “الآلية الرياضية والعصبية الدقيقة” التي كانت تنقص المقاربة التفعيلية لتفسير كيفية عمل الدماغ كعضو تنبؤي متجسد يخدم الفعل التكيفي في العالم، مؤكدين أن الدماغ التنبؤي ليس معالجاً سلبياً للمعلومات، بل هو محرك تفعيلي يشارك بنشاط في صنع وتثبيت العالم البيولوجي والإدراكي للكائن.
12.3 خلاصة وآفاق البارادايم التفعيلي في القرن الحادي والعشرين
تقف العلوم المعرفية التفعيلية اليوم على عتبة مرحلة جديدة تعيد فيها رسم الخريطة الشاملة لعلاقة الإنسان بذاته، وبالتقنية، وبالبيئة الحيوية؛ متجاوزة الانعزال الأكاديمي لتصبح إطاراً فلسفياً وعلمياً حيوياً يواجه التحديات الوجودية الكبرى للقرن الحادي والعشرين.
تتجلى هذه الآفاق المستقبلية في مجالات متعددة:
- الوعي البيئي والإيكولوجيا العميقة (Ecosophy): توفر التفعيلية فهماً بيولوجياً وفلسفياً عميقاً للتداخل الوجودي بين الإنسان والطبيعة؛ فالأزمة البيئية المعاصرة تُفهم كخلل في الاقتران التفعيلي للإنسانية مع كوكب الأرض، مما يستدعي استعادة التناغم الحيوي والمسؤولية البيئية المتجسدة.
- الذكاء الاصطناعي الإنساني والفاعل: التحذير من المخاطر الإبستمولوجية والوجودية لدمج نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية التجريدية المنفصلة عن التجسيد الجسدي الحي والمسؤولية الأخلاقية في بنية المجتمعات البشرية دون فهم طبيعة العقل التفعيلي الحقيقي.
- التكامل الإنساني الشامل: بناء علم معرفي تكاملي يجمع بين أعلى درجات الصرامة الرياضية والعصبية التجريبية، وبين الاحترام العميق للتجربة الذاتية، والحكمة الفلسفية والتأملية الشرقية والغربية، مؤكداً أن المعرفة الحقيقية ليست سيطرة وحساباً رقمياً، بل هي ممارسة حية، وفعل متجسد، ومسار وجودي ينسجه الإنسان خطوة بخطوة أثناء سيره في العالم.
خاتمة
لقد أثبتت المقاربة التفعيلية في العلوم المعرفية، منذ انطلاقتها الرائدة على يد فرانسيسكو فاريلا وإيفان طومسون وإليانور روش، أنها ليست مجرد نظرية عابرة أو تعديل طفيف على النماذج المعرفية القديمة، بل هي تحول بارادايمي ثوري أعاد الاعتبار للجسد الحي، وللتجربة المعيشة، وللتنظيم الذاتي البيولوجي كأساس لا غنى عنه لفهم العقل والوعي. من خلال تفكيك الأوهام الحوسبية والتمثيلية التي فصلت التفكير عن الحياة، فتحت التفعيلية أفقاً علمياً وفلسفياً وإنسانياً رحباً يؤكد أننا لا نملك عقولاً تسكن داخل أجساد آلية، بل نحن أجساد حية وواعية تصنع عوالمها ومعانيها عبر الفعل والحركة والتواصل المشترك. ومع التقدم المتسارع في أبحاث الروبوتات، والذكاء الاصطناعي الحيوي، والفينومينولوجيا العصبية، تظل الرؤية التفعيلية البوصلة الفكرية الأكثر نضجاً وإلهاماً لإعادة وصل ما قطعه الفكر الديكارتي، وبناء علم معرفي يضع التجربة الإنسانية الحية في قلب الطبيعة وقوانينها المتدفقة.
References
- Brooks, R. A. (1991). Intelligence without representation. Artificial Intelligence, 47(1–3), 139–159. https://doi.org/10.1016/0004-3702(91)90053-M
- Clark, A., & Chalmers, D. (1998). The extended mind. Analysis, 58(1), 7–19. https://doi.org/10.1093/analys/58.1.7
- De Jaegher, H., & Di Paolo, E. (2007). Participatory sense-making: An enactive approach to social cognition. Phenomenology and the Cognitive Sciences, 6(4), 485–507. https://doi.org/10.1007/s11097-007-9076-9
- Friston, K. (2010). The free-energy principle: A unified brain theory?. Nature Reviews Neuroscience, 11(2), 127–138. https://doi.org/10.1038/nrn2787
- Hutto, D. D., & Myin, E. (2013). Radicalizing Enactivism: Basic Minds without Content. MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/9780262018548.001.0001
- Maturana, H. R., & Varela, F. J. (1980). Autopoiesis and Cognition: The Realization of the Living. D. Reidel Publishing Company. https://doi.org/10.1007/978-94-009-8947-4
- Maturana, H. R., & Varela, F. J. (1987). The Tree of Knowledge: The Biological Roots of Human Understanding. Shambhala Publications.
- Merleau-Ponty, M. (1945). Phénoménologie de la perception. Gallimard. (English Translation: Phenomenology of Perception, Routledge, 2012).
- Nāgārjuna. (1995). The Fundamental Wisdom of the Middle Way: Nāgārjuna’s Mūlamadhyamakakārikā (J. L. Garfield, Trans.). Oxford University Press.
- O’Regan, J. K., & Noë, A. (2001). A sensorimotor account of vision and visual consciousness. Behavioral and Brain Sciences, 24(5), 939–973. https://doi.org/10.1017/S0140525X01000115
- Petitmengin, C. (2006). Describing one’s subjective experience in the second person: An interview method for the science of consciousness. Phenomenology and the Cognitive Sciences, 5(3–4), 229–269. https://doi.org/10.1007/s11097-006-9022-2
- Rosch, E. (1975). Cognitive representations of semantic categories. Journal of Experimental Psychology: General, 104(3), 192–233. https://doi.org/10.1037/0096-3445.104.3.192
- Searle, J. R. (1980). Minds, brains, and programs. Behavioral and Brain Sciences, 3(3), 417–424. https://doi.org/10.1017/S0140525X00005756
- Thompson, E. (2007). Mind in Life: Biology, Phenomenology, and the Sciences of Mind. Harvard University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctv1nzfg07
- Thompson, E. (2015). Waking, Dreaming, Being: Self and Consciousness in Neuroscience, Meditation, and Philosophy. Columbia University Press. https://doi.org/10.7312/thom13709
- Varela, F. J. (1996). Neurophenomenology: A methodological remedy for the hard problem. Journal of Consciousness Studies, 3(4), 330–349.
- Varela, F. J., Thompson, E., & Rosch, E. (1991). The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience. MIT Press.
- Varela, F. J., Thompson, E., & Rosch, E. (2016). The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience (Revised ed.). MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/9780262529365.001.0001
- Von Uexküll, J. (1957). A stroll through the worlds of animals and men: A picture book of invisible worlds. In C. H. Schiller (Ed.), Instinctive Behavior: The Development of a Modern Concept (pp. 5–80). International Universities Press.